قال " من الطويل ":
تعزيت عن ذكر الصبا والحبائبِ
فيها:
ولو انهم قالوا لقد كنت مرة عرفت ولم أنكر جواب المجاوب
قال: أراد كنت تحبهن فكيف تنهانا. إذا استضعف من جهة السماع ومن طريق القياس جميعا حذف خبر " كان " وقلما مَرَّ بي منه، ووجه ضعفه من قبل القياس أن خبر " كان " إنما لزمها ليفاد منه الحدث المخترم منها، ألا ترى انك إذا قلت: " كان زيد قائما "، فإنك إنما استفدت الحث الذي هو القياس من قائم لا من " كان "، ف " كان " خبرها جميعا يفيدان ما يفيده الفعل مجردا بنفسه. فكما لا يجوز انفكاك الفعل من دلالة الحدث إلا في هذه الأفعال التي لزمها أخبارها أعواضا مما جردت منه من أحداثها، أعني كان وأخواتها من نحو: أصبح وأمسى وبقية الباب، فكذلك لا يحسن حذف خبر " كان " لما ذكرت لك، وليس كذلك خبر المبتدأ لانه لم يؤت به عوضا من حذف مخترم فيلزم ترك حذفه كما يترك خبر الحديث من المثال المصوغ لتحصيل الحدث في أحد الأزمنة وهي المثل التي يسميها النحويون الأفعال. فهذا وجه امتناع حذف خبر " كان " وأخواتها من طريق القياس، فإن جاء فيها شيء من ذلك فهو لامرين، أحدهما: انه في الأصل خبر المبتدأ وقد ساغ واطرد حذف خبره، والآخر: انه قد شابه المفعول بانتصابه بعد المرفوع، والمفعول سائغ شائع حذفه.
[ ١٧١ ]
وفيها:
فإن يلبسوا بُرْدَ الشبابِ وخاله وأغتدِ في أطمار أشعت شاحبِ
عين " الحال " ياء لانه من الخيلاء قال: والخال ثوب من ثياب الجُهَال.
وفيها:
قصار الخطى شم شُموس عن الخنا خدال الشَّوى فتح الأكفِّ خراععبِ
شُموس: شامسة كقاعد وقعود، كسَّره على حذف الزيادة، ويجوز أن يكون جمع " شَموس "، فقد كسروا " فَعِيلة " على " فُعول "، أنشد الفراء " من الوافر ":
وذبيانية أوصت بنيها بأ كذبَ القراطفُ والقطوفُ
وقال: هو جمع قطيفة، ومثله: منيئة ومُنُوء، وسفينة وسفوف، و" فَعول " أخت " فَعيل " كسروا أيضا " فَعول " على " فُعول ".
كمورِ السُقي في حائر غَدق الثرى عذاب اللمى يُحبين طَلَّ المناسبِ
قال: السُقي، التي تسقي الماء، ينبغي أن يكون " السقي " جمع سُقيا،
[ ١٧٢ ]
وهو على حذف المضاف كأنه قال: كمور ذوات السقي، ثم أقام المضاف إليه مقام المضاف وفيها:
فلا تغتبط يوما بدنيا ولو صفت ولا تأمنن الدَّهرَ صَرْفَ العواقبِ
نكر " دنيا " وهي تأنيث الأدنى، وأنت لا تقول في الصغرى صُغرى، ولا في الكبرى كبرى لكنه لما كثر استعمالها اسما شبهت بغيرها من الصفات نحو الرجعي والعذري والعمري، وقد قال العجاج:
في سعي دنيا طالما قد مَدّت
وحكي ابن الأعرابي فيها الصرف، وقال أيضا: شهبوها ب " فُعْلَل ". الصرف يدل على تنقل حالها وبعدها عن حكم أخواتها.
وفيها:
فَحرّ على سيف العراقِ ففرشه فأعلام ذي قوس بأدهم ساكبِ
عين " السيف " ياء كما ترى، ويدل عليه قولهم في جمعه: أسياف، فهذا كنيق وأنياق، وريق وأرياق، قالوا ومنه قولهم: درهم مُسيّف، لأنه لا كتابة حوله كما أن السيف أجرد لا يُنبت شيئا، ومنه عندي قولهم: السيف، لانصلاته وانجراده.
فلمّا علا سودّ البصاقِ كفاتُه تُهيب الذرى منه بِدُهْمٍ مقارب
فجلل ذا عَير فالإسناد دُونَه وعن مخمص الحُجاج ليس بناكب
[ ١٧٣ ]
ويروى: ذا عنز، وكلاهما جبل، والبقة الحرة. إن شئت جعلت جواب " لمّا " تهيب وكان لفظ المضارع في معنى الماضي كأنه قال: أهابت وجعلت على هذا قوله: فجلل عطفا على " أهابت " الذي تهيب في موضعه، وإن شئت جعلت " يهيب " حالا منه وجعلت الجواب قوله: " فجلل "، واعتقدت زيادة الفاء. أي: فلما كان ذلك جلل، وزيادة الفاء مشهورة قد مضى صدر منها في صدر هذا الكتاب. وأما قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب " ففيه دليل على جواز تقديم خبر " ليس " عليها، ألا ترى أن " عن " هنا متعلقة بناكب الذي هو خبر " ليس " وقد قدمه عليها، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل، ومثله قول الله سبحانه: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم)، ف " يوم " متعلق بمصروف، ويحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون " يوم " متعلقا بما دل عليه: (لَيْسَ مَصْروفا عَنْهُمْ). ألا ترى أن معناه: يوم يأتيهم يحيق ويقع بهم كما أن قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لا بُشْرى يومئذ للمُجرمين) في معنى: يوم يرون الملائكة يساؤون ويحزنون، والآخر: أن يكون (يوم يأتيهم) متعلقا بنفس " ليس "؛ لانه إذا جاز أن ترفع وتنصب للفظها كذلك يجوز أن يتعلق الظرف بها أيضا للفظها. قال لي مرة أبو علي ﵀: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، وكذلك أيضا يكون قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب "، في معنى عن مخمصهم لا ينكب فيتناوله ما دل عليه قولهم " ليس بناكب "، وإن شئت أيضا علقته بنفس " ليس " لأن حرف الجر يجري مجرى الظرف في تناوله أضعف العوامل، ألا ترى إلى قولهم: " هذا مارٌ بزيدٍ أمسِ " فتعلق الباء باسم الفاعل وإن كان ماضيا، ولكن كما جاز أن تعلق به أمس كذلك جاز أن تعلق به الباء، وقد مر بي للجحاف " بن حكيم " السلمي " من الطويل ":
[ ١٧٤ ]
أبا مالك هل لمتني مُذ حضضتني على القتل أم هل لامني لك لائم
وفيها:
يميل قفازًا لم يك السيل قبله أضَرَّ بها فيها جباب الثعالبِ
" القفاز ": الصخور واحدتها قفازة، ويروى " قفاز "، وهو مكان، ويروى " جحاش الثعالب " أي أولادها. أراد لم يكن السيل فحذف النون لالتقاء الساكنين وكان قياسه إذ كان موضعا تتحرك فيه النون إن يقرها لقوتها بالحركة ولا يحذفها، ألا ترى أنّ من قال: " لم يك زيدٌ قائما " إنما يقول: لم يكن الرجل قائما، فيحرك النون ولا يحذفها على أنه قد جاء نحو هذا محذوفا، روينا عن قطرب في كتابه الكبير " من الرمل ":
لم يك الحق سوى إن هاجه رسم دار قد تعفّى بالسّرَر
أراد: ولم يكن الحق، فحذف، وأن كانت النون متحركة، ووجه ذلك عندي شيئان، أحدهما: أن يكون قَدّر حذف النون قبل مجيء الساكن بعدها، فلما جاء الساكن من بعد أمضاه على سبق الحذف إلى ما قبله كما قال أبو بكر في قول من قال: " هذا القاضِ " بلا ياء إنه حذف الياء قبل
[ ١٧٥ ]
دخول اللام أقرّ الحذف بحاله لأنه ألحقها حرفا قد حذفت ياؤه، ومثله قوله أيضا في قوله " من الوافر ":
وطرتُ بمنصُلى في يعملات دوامي الأيدِ يخبطن السريحا
إنه الحق اللام " أيد " فأقر حذف الياء على ما كان عليه، وقوله أيضا في قوله " من الكامل ":
كنواحِ ريش حمامةٍ نجدية ومسحتِ باللثتين عصفَ الأثمد
ألحق الإضافة بعد أن حذف الياء فبقيت بحالها محذوفة، فهذا وجه، والآخر: أن يكون لم يعتد حركة النون لالتقاء الساكنين فعلم إنه متى حركها لم يغن عنده شيئا وكانت حركة التقاء الساكنين في حكم السكون بدلالة قولهم: اردد الباب، واحلل الحبل، وغير ذلك. ومثل الحذف ها هنا مع الحركة أيضا قول بعض بني أسد " من الطويل ":
فاِلاُّ تك المرآة أبدت وسامةً فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وفيه ضرورة أخرى وهي إنه حذف النون مع إدغام اللام فيما بعد، وذا أشد، ألا ترى إن من قال في بني العنبر: بلعنبر، وفي بني الحارث: بلحارث، لم يقل في بني النجار: بنّجار، لئلا يجمع بين الإعلالين: الحذف والإدغام؛ ووجه جوازه عندي على قلته وضعفه إن إدغام حرف
[ ١٧٦ ]
التعريف لا يكاد يُعتد ألا ترى إنه قد يدغم في أماكن كثيرة لو كان غير لام التعريف فيها لم يدغم نحو التبْن، فتدغم لامه في التاء ولو كانت غير لام التعريف لم يدغم نحو: التفت والتفات والتقاء، وكذلك الطلب، فتدغم، وتقول: " هل طلبت؟ " فلا تدغم وكذلك الثقال، فتدغم، وتقول: هل ثبت؟ فلا تدغم، فلما كثر إدغام لام التعريف في الأماكن التي يظهر فيها غيرها كانت المعاملة كأنها مع الأكثر الذي هو الإظهار، وسقط فيه لما ذكرنا حكم الإدغام، فصار لذلك قوله: لم يك السيل، كقوله: لم يك المطر، فلم يبق فيه حكم للإدغام وبقى الاعتذار من الحذف.
وفيها:
رفعت له صَدْري وأيقنت أنه أزامل نجم حاله غير كاذب
" الأزامل ": الأصوات. القول فيه عندي إنهم سموا الصوت أزملًا من الزميل وهو الرديف، والتقاؤهما إن الرديف يأتي بعد الراكب كما إن الصوت تتبعه حَنَّةٌ إن كان ذا حنين أو صدى يعارضه تابعا له ولاحقا به، فمن هناك التقاؤهما.
وفيها:
ليروي صدى داود واللحد دونه وليس صدى تحت العِداء بشارب
ينبغي أن يكون لام " الصدى " ياء لاستمرار الإمالة فيها، وأما " داود "
[ ١٧٧ ]
فيجوز همز واوه للزوم الضمة لها فتقول: " داؤد " فإن كسّرته بعدما همزته فقياسه عندي إن تقر همزته بحالها ولا تردها إلى الواو وإن كانت الضمة قد زايلتها فتقول: دوائيد بوزن دواعيد، وكذلك أيضا تجيز في طاووس إن تهمزه فتقول: طاؤوس، فإن كسرت قلت: طواويس. وليس الهمز لاكتناف ألف التكسير الواوان لو كان ذلك لصحت الواو لبعدها عن الطرف بالياء كما صحت في طواويس لبعدها عنه بالياء، لكن لما دخل العين من الهمز في الواحد، فإن قلت: فكيف أقررت الهمزة وقد زالت الضمة التي عنها كان وجوبها؟ قيل: إن العين إذا قلبت همزة جرت لقوة العين مجرى الهمزة الاصلية، ولذلك قال سيبويه في تحقير قائم: قويئم، قال: فأجريته مجرى همزة سائل، وعلى ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم في قلب أدؤر: آدُر ولم يقل مع زوال الضمة: أوْدر، أفلا ترى كيف أجرتها العرب لأنها عين مجرى همزة أرؤس إذا قلت آرُس، فعلى هذا تقول في داود إذا همزته دوائيد بون دواعيد فأعرف ذلك. وأما قوله " دونه " فإنه ظرف في موضع الحال من " اللحد " أي: ويروي اللحد معترضا دونه أو حائلا دونه كقولك: " مررت بزيد وعمروٌ عنده "، ف " عنده " في موضع نصب لكونه حالا من عمرو وذلك أن الظرف يجري صفة على النكرة، وما جرى على النكرة صفة جرى على المعرفة حالا كقولك، مررت برجل قائم، ومررت بزيد قائما. قال أبو سعيد: والعداء الصخر الذي يوضع على القبر. لام " العداء " واو لأنه يعدو عنه ما يلم به أي يثنيه ويصرفه، ولأن بعضهم قد قال فيه: " عِدْوٌ " بوزن: جرو.
ولكن يقر العين والنفس أن ترى بعقدته فضلات زرق دواعب
[ ١٧٨ ]
نصب " النفس " بفعل آخر مضمر كأنه قال: يقر العين ويطيب النفس كقوله " من الكامل ":
فعلا فروع الأيهقان وأطلقت بالجلهتين ظباؤها ونعامها
أي: وأفرخت نعامها. وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد أبن يحيى " من الطويل ":
تراه كأنَّ الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه أمسى له وفر
أي: ويفقأ عينيه، وقرأت عليه أيضا عنه:
تسمع للأجواف منه صَرَدا وفي اليدين جُسْأةً وبَددا
أي: وترى في اليدين جساوةً، والمشهور في هذا: متقلدا سيفا ورمحًا، وقرأت على أبي بكر أيضا عن أحمد بن يحيى:
[ ١٧٩ ]
علفتها تبنًا وماء باردًا حتى شتت هَمّالةً عيناها
أي: وسقيتها ماءً باردًا. وأما " فضْلات " فإسكان عينها وهي اسم لا وصف ضرورة، أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الطويل ":
أبت ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحشاءَ قلبه خفوقًا ورفضات الهوى في المفاصل
وقال الآخر " من الطويل ":
ولكنَّ نَظْراتٍ بعينٍ مريضةٍ الآل اللواتي قد مضَلْن بنا مَثْلا
وقول الآخر " من الطويل ":
فراعَ ودَعْوات الحبيب تروع
وأنشدني بعض أصحابنا " من الرجز ":
عَلَّ صُروفَ الدهرِ أو دُولاتِها تُديلنا اللمَّةَ من لَمّاتِها
فتستريحَ النَفس من زفْراتها
الغرض: زَفَراتها.
وفيها:
فعجلت ريحان الجنان وعُجّلوا زمازيم فوّار من النار شاهِبِ
اراد: " فعجل لي ريحان الجنان، وعجل لهن زمازيم فوّار "، فقلب للعلم بالموضع، والقلب كثير منه قوله:
أسلموها في دمشق كما أسلمت وحشية وَهقا
[ ١٨٠ ]
ومنه قوله:
ما أمسك الحبلَ حافرُه
ومنه:
أوبلغت سوآتِهم هَجَرُ
ومنه: " إذا طلعت الشعري واستوى العودُ على الحِرباء "، وشاهب أراد أشهب، فبناه على " فاعل " وقالوا شيء ثاقل بمعنى ثقيل، قال وروينا عن الفراء:
ممكورة غرثي الوشاح السالس تضحك عن ذي أشر غضارس
يريد: السلس، وقرأت على أبي سهل أحمد بن زياد بن محمد عن السكري " من الطويل "
بمنزلة أما اللئيم فسامِنٌ بها، وكرام الناس بادٍ شحوبها
ومثله قول كثير " من الطويل ":
وصفراء رعبوب كأنّ وشاحها على ناعم من غاب دجلة غاري
أراد: أغير، فهذا يجوز أن يكون فعلًا كقولهم: كبش صاف ويوم راحٌ، ويجوز أن يكون أراد غائرا فقلب، كشاكٍ ولاثٍ.
وقال أبو صخر أيضا " من الكامل ":
بكر الصبا منا بكور مزايل
[ ١٨١ ]
فيها:
وعنائبٍ غَدَوية تندى ضحىً وغياطل للهو بعد غياطلِ
أراد: عنائب، يريد السراب، ويروي: جنائب يريد ريح الجنوب. يجوز أن يكون " عنائب " جمع عنبيّة يريد الخمر وكان يجب إذ كسر على مثل بُختيّة وبخاتي أن يكون عنابيّ إلا إنه في التقدير خفف فصار: عَنابٍ كمهريّة ومهارٍ، وبختية وبخاتٍ، فلما صار إلى عنابٍ قلبه فصار: عنائب، فقياسه على هذا إن لا يهمز لأنها ياء متحركة في الأصل إذا قلت عنابيّ أو خففت فقلت رأيت عنابي، وليست بهمزة عرضت في الجمع، ومثله من الجمع حمار مصريّ وحمير مصاريّ، روينا ذلك عن محمد بن حبيب، وزعم إنه أخبر به أبن الأعرابي فكتبه عن محمد حكاه له أبن حبيب عن أبي ثوبة، ومثله من المقلوب ما رويناه عن أبي علي يرفعه إلى يعقوب " من الطويل ":
لقد أورثتني يوم قَوّ حزازة مكان الشجا تجول تحت الترائق
أراد: التراقي جمع ترقوة، إلا إنه هكذا روى الترائق بالهمز، وقياس هذا أن يكون هذا عنائب بالهمز. و" غذوية " منسوبة إلى الغداة أول النهار وفيها:
جاوزتنا بقلي اللذات الصبا وأذى وأقذار وشيب شامل
لام " أذى " ياء عندي لاطراد الإمالة فيه، ولأنها لام، والياء أغلب على اللام من الواو، وإن علقت اللام في " اللذات " بنفس " قلى " فلا ضمير
[ ١٨٢ ]
فيها لتعلقها بالظاهر، وإن جعلتها وصفا ل " قلى " ففيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ولام " قلى " ياء لقوله:
قالت سُليمى إنني لا أبغيه أراه شيخًا عاريًا تراقيه
محمرة من كبر مآقيه مقوسًا قد ذرئت مجاليه
يقلى الغواني والغواني تقليه
ولام " الصبا " واو لإنه من " صبوت ".
وفيها:
وبسحبة تغشى السواد وعشوة مالي عدمتك من رفيق خاذل
قال: سحبة غشاوة على بصره، ينبغي أن يكون " سحبة ": فُعْلَة من سحبت الشيء كأنه ينسحب على ناظره وهو قريب من لفظ " السُحْمة " ومن معناها؛ لأنه شيء يسودّ له ما أنار وأضاء من بصره، ولام " تغشى " ياء وليس من لفظ الغشاوة لقوله سبحانه: " ينظرونَ إليكَ نَظَرَ المغشيّ عليه من الموتِ "، ولا أحد يقول مغشو في هذا المعنى، ومنه قولهم: الغشى لغشاء الشيء ولا تحمله على قِنية لقلته.
وفيها:
يهذي وتشهره العيونُ ومُخُّهُ رارٌ، وليس بما يريد بنابل
عين " رار " ياء لقوله:
[ ١٨٣ ]
أقول بالسبت فويق الدير إذ أنا مغلوب قليل الغير
والعظم مني باديات الرير
هكذا رووه بفتح الراء، ويقال: رار المخ واراره الله أي أذابه. قال " من الوافر ":
أرار الله نقيك في السُلامى على من بالحنين تعوّلينا
بل قد أتاني ناصح عن كاشح بعداوة ظهرت وزَغْر أقاول
قال: " زغر " كثرة، وهذا مما كنت قدمت ذكره من مقاربة اللفظ لمقاربة المعنى، ألا ترى إلى قرب الخاء من الغين وقد قالوا: زخر الوادي، إذا كثر ماؤه، فمعنى الكثرة شامل لهما إن الخاء أرطب صوتا من الغين فكأن الماء خصّ بها لذلك، وإذا تفطنت لذلك وجدت فيه معاني لطاقًا غامضة فلا ترين إن في هذا المذهب جورًا وتعسفًا، فإن في هذه اللغة من اللطائف ما يجفو هذا في جنبه فقد مر بنا كثير منه وسيأتيك في هذا الكتاب طرف من نحوه.
وتنلك أظفاري ويبرِك مسحلي بَرْيَ الشَّيب من السِراء الذابل
ينبغي أن تكون لام " السراء " واوا وذلك لأنه الشجر الذي تعمل منه القسى، فإن شئت قلت لا يتخذ إلا من أسرى الخشب وأجوده، كما تقول من إكرامه، وإن شئت كان من سراة الشيء لأنه ينبت في سراة الجبل وهو أعلاه، وسراة من الواو لقوله " من الطويل ":
[ ١٨٤ ]
وأصبح موضوع الصقيع كأنه على سوات النيب قطن مندف
وفيها:
تجلو عن أوجه جنَّةٍ وكشوحها أو عن مها بلق بجوٍّ باقِلِ
ألف " مها " واو لأنه في الأصل البلَّور، ويقال البَلّور، ثم شُبّه النجوم بها وبقر الوحش أيضا لبياضهما، ويدل على إن ألف " مها " بدل من واو إنه من معنى الماء لبياض البلُورة وصفائها، وقد قالوا: موهتَ عليّ، إذا حَسَّنَ حديثه وجعله كأن عليه ماءً، وقالوا في تكسيره: أمواه، وتحقيره: مُويه، وقالوا: ماهت الرَكيّة تموه، وقالوا: تماه، وحكي أبو زيد ماهت تميه ميهًا. وظاهر هذا إنه من الياء لا من الواو، وينبغي أن يكون بدلًا للياء من الواو لضرب من التخفيف، وأصل هذا أن يكون ماه يميه من الواو " فَعِل يَفْعِل " كحسب يحسب في الصحيح كما قال الخليل ذلك في تاه يتيه، وطاح يطيح إنهما " فَعِل يفعِلُ " من الواو، فلما جرى في الكلام ماه يميه، أشبه لفظه لفظ باع يبيع، فقال في مصدره ميهًا اتباعًا للفظ وجنوحا إلى خفة الياء، ف " المها " إذنْ مقلوب، ومثاله " فَلَعْ " من الماء. وحكى صاحب الكتاب: مًهاة ومًها لماء الفحل، وهذا أيضا عنده مقلوب لأنه من الماء ماء الفحل نفسه، وقوله عن أوجه بوجوب التخفيف يدل على إن الشعر قد يبنى على أحد الأمرين: التخفيف البتة، والتحقيق البتة، وفي هذا شاهد لإجازة ما حظره الخليل وأجازه أبو الحسن من إن يجوز: أيسيء مع يسوء قافيتين في قصيدة، ألا ترى إنه إذا بنى البيت على تحقيق الهمزة كما بناها هذا الآخر على تخفيفها البتة، صحَّ الرويان فلم يختلفا، ونظير هذا مما بُني فيه الشعر على التخفيف البتة ما أنشدناه أبو علي ﵀ لذي الرمة " من الطويل ":
[ ١٨٥ ]
من آل أبي موسى ترى الناس حوله كأنهم الكروان أبصرن بازيا
فقوله: منال وزنه " فَعول " فلو حققت فقلت: " من آل " لكان وزنه " مفعول " وهذا لا يجوز في الطويل، وهكذا رووه " من آل " بالتخفيف ومثله بيت الأعشى:
هؤلي ثم هؤلي كلًا أعطي ت نعالًا محذوةً بمثال
فقوله: " كل لنع طي " وزنه " فاعلاتن "، ولا بُدَّ فيه من تخفيف الهمزة، وقد تقصيت هذا الموضع في كتابي " المُعْرِب " وهو كتاب تفسير القوافي عن أبي الحسن. و" جنة " ينبغي أن يكون جمع جان، كُسّر " فاعل " على " فِعْلَة " كما كسر " فعيل " عليها في صبيّ وصبية وعليٍّ وعليه، وقد يكون مصدرا لقوله سبحانه: " أم به جِنّةٌ " أي: جنون. وقوله: " باقل " يريد " مبقل " يقال: أبقل فهو باقل، وأورس فهو وارس، وأغضى فهو غاض، وأدلى فهو دالٍ، وذلك فيما جاء على " أفْعَل " فهو فاعل، وقد قالوا: مُبقل، قال دُؤاد بن دًؤاد، وقد قال له أبوه: يا بني ما أعاشك بعدي؟ فقال:
أعاشني بعدك وادٍ مُبْقِلُ أكُلُ من حَوذانه وأنْسِل
وقال أبو صخر أيضا:
[ ١٨٦ ]
أرقت لطيف من علية عامدِ ونحن إلى أذَراء خُوضٍ هواجدِ
قال: أذراؤها ما أُستذري به أي استتر به من الريح، لامه واو؛ لأن واحده الذرا مقصور، وهو من لفظ " الذروة " ومعناها، وقوله " علية " هي من تأنيث " علي " جعلت علمًا، فقد يجوز أن تكون من قول القطامي " من البسيط ":
أمْسَتْ عُلَيّةُ يرتاح الفؤاد لها وللرواسم فيما دونها عمل
تصغير عَلية هذه، وأصله عُليّية، فلما اجتمعت ثلاث ياءات وسطاهن مكسورة ثَقُلَتْ فحذفت الآخرة كما قالوا في تحقير أحوى: أُحَيّ، وفي تحقير سماء: سُميّة، وحكى أبو الحسن أن قوما ذهبوا في نحو: عطاء وعُطيّ، إلى إن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى، قال: وهو وجه، أو كلامًا هذا نحوه، فهذا وجه في تكسير " عُلَيّة ". ووجه ثان. وهو أن يكون تحقير " علوة " فيكون كشكوة وشُكيّة؛ ف " عُلية " على هذا فُعَلية، وفي القول الأول " فُعيّة "، ومن رأى أن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى فوزنها أيضا " فُعلية "، فأما في كيل التحقير من غير تحرير التصريف فوزنه " فُعَيلة " في جميع الأقوال، فإن قلت فقد قال في اللامية " من البسيط ":
ألمحةّ من سنا برق رأى بصري أم وجه عالية اختالت به الكِلَلُ
فلا يجوز أن يكون " عُليّة " تحقير " عالية "، إلا إن تحمله على تحقير الترخيم كقولك في فاطمة: فُطيمة، وكأنّ هذا أوجه من القولين الأولين؛ لأنه قد جاء بالتكبير مع التحقير في قصيدة واحدة، فحكم أحدهما على صاحبه.
[ ١٨٧ ]
وفيها:
قطعن مُلاّ قفرًا سوى الرُمْد والمها وغير صدّى من آخر الليل صاخدِ
قال: صاخد صائح، صَخَد يَصْخَد، لام " مُلا " واو لأنه ما أتسع من الأرض وقالوا: الملوان: الليل والنهار، والملاوة من الدهر ما اتسع من الدهر، وقوله " وغير صدى " محمول على المعنى لأن قوله " قفرا سوى الرمد " في معنى غير الرمد فحمل المعطوف على المعنى كما قال أبو الحسن في قول الله سبحانه: " أو كالذي مَرَّ على قريةٍ "، قال: قيل إنه محمول على المعنى لأن معنى قوله " تعالى ": ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربه "؛ أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مَرَّ على قرية، والحمل على المعنى كثير جدا في الإيجاب وضده، وقد ذكرنا صدرا منه وستراه.
وفيها:
ينوش بصلت الخد أفنان غيلة تدنت دواني عيصها المتقاودِ
عين " عيص " ياء كما ترى؛ لأنهم قد قالوا في تكسيره: أعياص، فأما قولهم: " اعتاصت الحاجةُ "، فمن العوصاء وهي الشدة، وذلك إنها إذا تعذرت اشتدت، وقد قيل فيها: العيصاء، فهذا من العيص كأنها نشبت فلمتنحلّ كما ينشب العيص بعضه في بعض، واجتمعوا كلهم على أمر عويص بالواو البتة، أنشدني بعض أصحابنا برواية لبعض جَرْم " من البسيط ":
وأُبْطِرُ الخصم ذا العوصاء حجَتُه حتى يلجلج بين العي والحصر
وضَمَت على رَقو أغن من التقا دميث الرُبا حُرٍّ فُضول المجاسد
[ ١٨٨ ]
قالوا: الرقواء الكثيب، شبه عجيزتها به، لام " النقا " من الرمل فيها قولان: الياء والواو، لقولهم: نَقَيان ونَقَوان.
بأطيبَ نَثْرا من سُليمى وغرّة إذا ما سقى كأس الردى كل راودِ
ذكرَّ فعل الكأس لأنه إنما يريد الردى نفسه، وهو مذكر ولا كأس في الحقيقة هناك، ونظيره كثير.
فما روضة بالحزم طيبة الثرى ولتها نجاء الدلو بعد الأباردِ
قالوا: الحزم أغلظ من الحزن، فهذا مما عرفتك من تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، فكما أن الميم أقوى لفظا من النون فكذلك الحزم أغلظ من الحزن، ولهذا صرفوا " الحَزْنَ " فاستعملوه في الحزن لأنه عرض وهو دون الجوهر، ولم يستعملوه بالميم إلا في الغليظ من الأرض، ولام " النجاء " واو لأن واحده " نَجْوٌ " وقد جمعوه " نُجُوا، أنشد الرواة " من الوافر ":
أليس من البلاء وجيب قلبي وإيضاعي الهموم مع النُجُومِّ
وليس في كلامهم " فُعول " جمعا ولامه واو صحيحة إلا أحرف وهي هذا نَجْوٌ ونُجُوّ وحكى سيبويه: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة جمع نحو، وحكى أبو زيد في الصدر: " بَهْوٌ وبُهُوٌ، وحكى ابن الأعرابي: أَبٌ وأُبُوّ، وابْنٌ وبُنُوٌ، وأنشد للقاني يمدح الكسائي " من الطويل ":
أبي الذمُّ أخلاق الكسائي وانتمي من المجد أخلاق البُوِّ السوابقِ
[ ١٨٩ ]
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
هل القلب عن بعض الدجاجة نازع
فيها:
وإذْ لم يَصِحْ بالبين وبينها أساحمُ منها مُسْتَقِل وواقعُ
كَسَّرَ الصفةَ تكسير الاسم، يريد غربانا سُحْما أي سودا، وكأنه استعمله أيضا كما قالوا: الأحامرة جمع أحمر، وكما قالوا: الأساود والأداهم والأجارع.
وفيها:
فأدِّ لها ما استودعتك مُوَفَّرا بأحسن ما كانت تُؤدى الودائعُ " بأحسن " في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: فأدِّ لها ذلك أحسن ما تُؤدى الودائع، كقولك: قمت أحسن قيام، وجلست أحسن جلوس، فالباء على هذا زائدة.
وفيها:
إذا رمتُ يموما صَرْمَها لم يَزْل لها نصيحٌ يُصاديتي من القلب شافعُ
لام " يصاديني " عندي بالياء، وذلك أن معناه: يداريني، وكأنه يعارضه مرة منهنا ومرة منهنا من " الصدي " الذي يعارض الصوت ولام " الصدي " ياء لاستمراره الإمالة فيها، وقالوا: هو يصاديه ويداريه ويُداليه ويُداجيه ويفانيه، فلام " يصاديه " ياء كما مضى، وكذلك يداريه كأنه يختله بالرفق به فهو من قوله " من الطويل ":
فإن كنت لا أدري الظباء فاتني أدُسُّ لها تحت التراب الدواهيا
[ ١٩٠ ]
ومن هنا لم يجز عندنا أن نطلق على القديم سبحانه: أنه دار، كما يقال فيه عالم وذلك أن معنى " دريت الشيء " من معنى " دريت الصيد "، وذلك أن معنى " دريت به " أي: تأتيت لعلمه ومعرفته وتلفظت فيه كما تتأتّى للصيد فتختله وهذا معنى منزّه عنه عن القديم سبحانه، وأما " داليته " فمن الواو في قوله:
لا تقلواها وأدلواها دلوا أن مع اليوم أخاه غَدْوا
فمعنى " أدلواها " أي: أرفقها بها، ومعنى " داليه " رفقت به، وهذا واضح، كل شيء ظلمه قال " من الطويل ":
فما شبه كعب غير أغتم فاجر " أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنف
وكذلك معنى " يداجيه " أي يساتره بالعداوة ولا يجاهره بها، وأما " يفانيه " فهو في معنى " فنيت " وذلك أنه يروم أن يُفنى رأي صاحبه وعزمته وبصيرته ليدهاه ويختله فهو من معنى " الفنا "، وليس في " فَنَيْتُ " ولا في الفناء ولا في يفنى دليل على أحد الحرفين، إلا أنني قد كنت قدمت أن معنى " فناء الدار " راجع إلى معنى: تنيت السيئ، وذلك أنها تفنى عند حدها وتثنى به عن امتدادها واستطالتها، والثاء وفق الهاء بالهمس أيضا لام، والياء أغلب على اللام من الواو، ويُوَنّس بالحلال شيئا أنهم قالوا: ثناء الدار، بالثاء في معنى فِناء.
[ ١٩١ ]
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
ألمّ خيال طارقٌ متأوِّب لأم حكيم بعدما نمتُ موصبُ
وفيها: وأهلي بواد من تهامة غائر بأسفل هضيمة أراك وتنضُبُ " تنضب " عندي من: نَضب ينضَبُ، إذا بعد لأنه من شجر البر لا الريف كما قيل: شَوْحَط فهذا " فَوْعَل " من شَحطَ يشحط كما أن ذاك " يفْعُلُ " من نَضَبَ يَنْضبُ، وأما الأراك ف " فَعال " من أرك بالمكان يأرك أُروكا أي أقام به، وذلك لانه شجر ثابت أصيل في مكانه، وليس بجميع الشجر تمكنه ثباته.
وفيها: ومندونها قاع البقيع فأسقفٌ فبطن العقيق فالخبيتُ فعُنْبُبُ
[ ١٩٢ ]
يجب أن يكون عين " الفاع " واوا لقولهم في تكسيره: أقوُع وأقواع، وكسروة أيضا على قيعة وقيعان، واما " عُنْبُب " ف، " فُعءلُل " تجعل النون اصلا لمقابلتها الاصول نحو باء " حُبْرُج "، وعين " بُعْثُط " فهي إذن كنون " صُنْتُع " وإن كان اشتقاقه من " عبَّ الماء يُعبُّ " لكثرة ماء هذا الوادي فهو " فُنْعُل ".
هجان فلا في اللون شام تثينه ولا مَهَق يغشى الغسيقات مُغربُ
قال: الغسيقات الشديدات الحمرة، عين " شام " وهي جمع شامة ياء لقولهم رَجل أشْيَمُ، وامرأة شيماء، حكى ذلك أبو زيد.
سراجُ الدُجى تغتلّ بالمسك طِفْلَة فلا هي مِتفال ولا اللون أكْهَبُ
قال: تغتل من الغالية تغلغلت وتغليت، أما تغليت فلا يدفع أن يكون من الغالية لاعتلال لاميها، وأما تغللت فليس من الغالية لصحة لامه، ولكنه من الغَلَل وهو الماء الجاري في أصول الشجر وهو من قولهم: انغلّ في موضع كذا، أي: دخل فيه، ومنه الغلالة من تحت الدرع لأنها غُلَّت تحته وعليه بقية الباب، وأما " الغالية " فلامها تحتمل الحرفين جميعا، أما الواو فلأنها تغلو قيمتها، وأما الياء فلأنها كأنها تغلي لحدة رائحتها.
دَميثة ما تحت الثياب عميمة هضيم الحثا بكْرُ المَجَسَّةِ ثَيِّبُ
عين " ثيب " واو لأنها من ثاب يثوب أي رجع كأنها رجعت عن حال إلى أخرى.
[ ١٩٣ ]
فكأن لها أُدّى وريقة ميعتي وليدا إلى أن رأسي اليوم أشيبُ
قال: يريد " وُدّى " وهي لغته، قال والرّيق من الرَوق وهي أوله. ينبغي أن تكون " أنْ " هذه مخففة من الثقيلة لا التي تنصب الفعل، " فتلك " تختص بالفعل وهذه بعدها الاسم المبتدأ وخبره " أشيب " فإنما هي ك " أنْ " في قوله " من البسيط ":
في فتية كسيوف الهند قد علموا أنْ هالك كل من يحفى وينتعل
فكذلك هذا البيت كأنه قال: إلى أنه رأسي أشيب، وأما الريق فمحذوف بمنزلة مَيْت من ميّت.
وفيها:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دون رَمسينا من الأرض مَنكِب
لام " الأصداء " ياء لاستمرار الإمالة في الصدى، وقد تقدم هذا.
وقال أبو صخر أيضا يمدح أبا خالد عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد " من البسيط ":
أرائحٌ أنت يوم اثنين أم غادي ولم تُسَلِّمْ على ريحانة الوادي
حكى سيبويه: " هذا يوم اثنين مباركا فيه "، واستدل بانتصاب الحال بعده على تعريفه، وينبغي أن يكون بيت أبي صخر هذا على تلك اللغة، وفيه على هذا تعريفان، أحدهما: باللام تعريف الحارث والعباس، والآخر:
[ ١٩٤ ]
تعريف العلمية والوضع كزيد وبكر كما أن عروبة والعَروبة للجمعة كذلك قال " من الطويل ":
فبات عذوبا للسماء كأنما يوائم رهطا للعروبة صيّما
وقال " من الوافر ": أؤمل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي أخوه دبار أولا فمؤنس أو عروبة أو شتلر
ومنه قولهم للمنية: شعوب والشعوب، وحكى أبو زيد: " ما ألقاه إلا فينة والفينة "، ونظائره كثيرة واسعة. وأما " الريحان " ففيه قولان، أحدهما: أن يكون أصله: ريّحان " فَيعلان " من الروح ثم قلب في التقدير فصار " ريّحان " كهيّبان وتيّجان، فلما اعتل وطال الزموه حذف عينه تخفيفا كما ألزموا حذفها باب كينونة وقيدوه، فصار ريحانا كما ترى، والآخر: أن يكون " فَعلان " إلا أنه قلبت واوه ياء استحسانا للتخفيف كما قلبت في الأريحية، وفي قوله " من الكامل ":
[ ١٩٥ ]
ولقد رأيتك بالقوادم نظرة وعلي من سدف العشي رياح
بفتح الراء، فريحان على هذا " فَعلان " ورياحين " فعالين "، وعلي القول الأول " ريّحان ": " فعيلان "، وعلى لفظه " فيلان " ورياحين " أفالين "، كما أن قوله " قياديد " من قوله "من البسيط":
بات يقحمها ذو أزمل وَسقت له الفرائش والسُلب القياديد
مثالها " فياليل "، وكما أن " أيانق " في قوله من جعل الياء عينا مقدمة " أعافا " في قول من جعلها عوضا من العين " أيافل " والعين محذوفة.
وفيها "
لولا رجاء نوال منك آمَلُهُ والدّهر ذو مِرر قد خَفَّ عوادي
أراد: لخف عوادي، كذا معناه ألا أنه حذف وصارت " قد " كالغموض منها، وليست عوضا البتة لجواز اجتماعها، وقال " من الطويل ":
فلولا رجاء النصر منك ورهبة عقابك قد صاروا لنا كالموارد
ومما اجتمعا في قوله " من المتقارب ":
فإني وجدِّك لو لم تجيء لقد قلق الخرْت إلا انتظارا
وحقيقة " قد " هنا إنها لتقريب الفعل مبالغة في المعنى، فكأنه قد كاد يهجم لولا ما علق به وجعل سببا لمنعه.
[ ١٩٦ ]
وفيها:
وحبَّذا بخلها عنا ولو عَرَضت دون النوالِ بعلات وألدادِ
قال: هو من قوله " هويلدة عن حاجته "، ومن قوله سبحانه: " وهو ألّدَّ الخصام "، هو عندي جمع " لدد " مصدر " ألد " وقد لضدِدت لددا، وإذا جمع المصدر فإنما ذلك لانه وضع على النوع، فأما حقيقة المصدر فلا يجوز تكسيره لاستحالة ذاك في المعنى إذا كان جنسا ولا غاية وراء الجنس في العموم والسعة فكيف يكسر ما لا نظير له وَهْما، وعدّى البخل ب " عن " وأنت لا تقول: بخلت عن كذا، وذلك لانه حمله على المعنى إذ كان معناه: وحبذا انصرافها وازورارها عنا قوله:
قد قتل الله زيادا عني
وقد تقدم ذكره.
وفيها: يُصبي تبسمها من لا يكلمها بمثلها يشتفى ذو النيقة الصادي عين النيقة واو أصلها: نوقة فقبلت للكسرة قبلها كقيمة وفيقة، يدلك على ذلك قولهم في " تفعَّل " منها: تنوّق، وإن كان الأفصح تأنق ألا أن " تنوّق " قد جاء، قال ذو الرمة " من الطويل ": " كأن عليها سحق لفق تنوقت بح حضرميات الاكف الحوائك ولام " الصادي " ياء لقولهم: صديان، يقال: صاد وصادية وصديان وصدٍ وصدية.
[ ١٩٧ ]
يا أطيب الناس أردانا ومبتسما كيف العزاء وقد زودتني زادي
لام " العزاء " تحتمل أمرين: الواو والياء، والواو أغلب، حكى أبو زيد في " فِعْلة " منها العِزْوَة، وحكى أيضا فيها التَعزوة ألا أنه لا دليل في هذا، وذلك أنك لو بنيت من " رميت " مثل " تَفْعُلةَ " على التأنيث لقلت: " تَرْمُوة " ومن " قضيت ": " تَقْضُوة "، تقلب لأمها للضمة قبلها، وأيضا فإن معنى قولهم: " عزّيت فلانا "، أنك سلّيته بذكر مصائب الناس غيره وأضفت حاله إلى حال من مصابه، كما قالت " من الوافر ":
وما يكون مثل أخي ولكن أسلّى النفس عنه بالتأسي
وقال سعران السلاماني " من الطويل ": ذكرت أبا أروى فبت كأني برد الأمور الماضيات وكيل وقال لبيد " من الطويل ":
فأن أنت لم ينفعك علمك فأنتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
فمعنى " العزاء " اذن ما تراه " من " مقابلة الإنسان حاله بحال غيره ونسبته إياها، وهذا هو معنى قولهم: " عزوت فلانا إلى أبيه " إذا نسبته إليه، أنشدنا أبو علي " من الرجز ":
اطلب أبا نخلة مَنْ يأبوكافقد سألنا عنك من يعزوكماإلى أبٍ فكلهم ينفيكا
[ ١٩٨ ]
وعلى أنهم قد قالوا: عزيته إلى أبيه، والواو أعلى.
وفيها:
تخشى عوائده طورا وتنظمه نشط النواسج في أنيار حساد
قوله " أنيار " دلالة على أن عين النير ياء، وإنما ليست كعين " زير " لان ذاك من زاريزور، ولكن ليس في قوله " نيَّر " دلالة على كون العين باء، ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون " فيْعل " كتحيز لانه " تفعيل " من حاز يحوز، كتفيهق وكذلك قوله
هو الجواد ابن الجواد ابن سبل أنْ ديموا جاد وإن جادوا وبل
فظاهر الأمر في " ديّموا " أنه " فَيْعَلوا " لانه من دام يدوم وعلى أن ابن السكيت قد حكى: " دام المطر يديم دَيْما "، وهذا من الياء البتة، إلا أن يحمله متعجرفا على القلب، فقد حكى أبو زيد: " ماهت الركيّة تميه ميها "، وعلة ذينك عندي أنه بناه على " فَعِلَ - يَفْعِل " كحسب يحسب في الصحيح، فلما رأى الياء ثابتة في المضارع والكسرة في الماضي، وهو " مهت " جرى في اللفظ مجرى " بعت أبيع " فأنس بالياء وصارت كأنها أصل لأنها جاءت مجيئا لا يستعمل في ذوات الواو إلا فيما شذّ وعلى قول رجل واحد أعني الخليل، فلما شذ في الاستعمال وقل القائل به لم يكد يُعتْد به فمن هنا أشبهت " بعت - تبيع " فأجرى مصدره عليه فقيل " ميها " كما قيل " بيعا "، هذا عندي أولى من أن يهجم عليه باعتقاد استمرار القلب فيه ساذجا من غير ضَعَة مُسَوَغة وعلى أنه يجوز أن يكون لغتين قد تكثر إحداهما وتقل الأخرى كما قال أبو عثمان
[ ١٩٩ ]
في قولهم: " كدت تكاد كيدا وكودا " قال: " ولا يستعملون من " كَوْد " فعلا ".
والطرف في مقلة إنسانها غرق بالماء تذري رشاشًا بعد أجوادِ
لام " تذري " واو؛ لأنه من " الذِروة "، إلا إنك ينبغي لك أن تعلم أنه مما كنت قدّمت ذكره من باب السلب نحو: أعجمت الكتاب، وأشكيت الرجل وكذلك: أذريته عن الفرس أي سلبته ذروته كما سلبت المعجم استعجامه وكما اقلعت للمشتكي عما يشكوه فينبغي أن يضم " أذريت " على تلك الألفاظ المقدم ذكرها في هذا المعنى.
وفيها:
كما تثنى حُميا الكأس شاربَها لم يقض منها طلاه بعد إنفادِ
قال: " طلاه " لذته، قال: طلاه مثل ظماه ينبغي أن تكون لام " طلاه " ياء تشبيهًا بالطلى ولد الظبية للينه ونعمته ولام الطلى - ولد الظبية - ياء لقولهم في جمعه: طليان.
وفيها:
والمرسمون إلى عبد العزيز بها معًا وشتى ومن شَفْعٍ وفُرّادِ
" اسم الرجل في سيره " قال أبو بكر محمد بن الحسن قلت لأبي حاتم: أتجيز " أرسم البعير "، قال: لا، إنما أقول: " رسم البعير فهو راسم " من إيل رواسم. قلت فما تصنع بقوله " من الطويل ":
أجدت برجليها النجاء " وكلفت غلامي بعيريَّ الرسيم فارسما
[ ٢٠٠ ]
قال إنما أراد فارسم الغلامان بَعيريهما، وقد ترى بيت أبي صخر هذا يدل على " أرسم الرجلُ بعيره " كما قال أبو حاتم، وأرادوا " المرسموها " ثم زاد الباء ففصل ما بين الفعل ومفعوله بها كقول الله سبحانه: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهْلُكَة " وينبغي أن يكون انتصاب " معًا " و" شتى " على التمييز لا على الحال، ألا ترى أنه عطف عليه ما وجهه التمييز وهو قوله " ومن شفع وفراد " ودخول " من " في الكلام تؤذن بصحة التمييز، ويدلك على جواز دخول " من " على " مع " ما حكاه صاحب الكتاب من قول القائل " مِنْ معه "، وحكى غيره: " كنت معهم فانصرفت من معهم "، كما جاز أن تدخل " من " عليها مضافة كذلك أيضا يجوز دخولها عليها وتقديرها فيها مفردة بل كونها مفردة أقرب بها إلى التمكن، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: " ثُمَّ لنَنْزِعَنَّ من كلِ شيعةٍ أيُّهم أشَدّ " ولا: " أي أشد " لأنه بالإفراد إلى القياس وهو الإعراب، وأما الخليل وينس فكانا يقولان فيما حكاه عنهما: " أضرب أيٌّ أفضل " فيرفعان وذلك إنهما كانا يريانه مع الإضافة مُعريًا فأقرّاه على ذلك مع إفراده، وغرضنا نحن مذهب سيبويه لا غير وكان أبو علي ﵀ يستنكر قول من قال: إن الإضافة أحجى بإيجاب البناء من الإفراد، ألا ترى إن المضاف واقع موقع صدر الكلمة، وصدر الكلمة جزء منها، فهو بالحرف أشبه، وكان يستدل على أن الإضافة لا توجب الإعراب ببناء " أيُّهم " مع إضافتها وبناء " كم " في قولهم: " كم درهم لك " مع كونها مضافة. وقد يجوز أن تكون " من " في " شفع " زائدة على قول أبي الحسن بزيادتها في الواجب، فكأنه قال: " معاَ وشتى وشفعًا وفرادًا " فينتصب حينئذ أن شئت على الحال، وأن شئت تمييزًا.
[ ٢٠١ ]
وفيها:
بجسْرَةٍ كفنيق الشَّوك مُدْمَجة أو دَوْسَرٍ مثل علج العانِ وَخّادِ
" العان " جمع عانة، وعين الفعل منها واو لقولهم في الجمع: عُون كقارة وقُور، وقالوا: استعان الرجل إذا حلق عانته، ويجب أن تكون عين العانة هذه واوا لقولهم في تحقيرها: عُوينة، وأما المعونة ف " مَفْعَلَة " من " العَوْنِ "، وقال بعضهم: هي " فَعُولَة " من " الماعون ". ويفسد هذا القول تكسيرهم إياها على " معاوِن "، ولو كانت " فَعولة " لوجب الهمز: " معائن " كجلوبة وحلائب، وليس أحد يقول: حلاوب، ولا عجاوز، وهذا واضح.
وقال " من الطويل ":
قطعتُ بهن العَيْش والدَّهرَ كُلَّهُ فجّر ولو طلت إليك المناسِبُ
قال: " طلت " حسنُت، وأعجبت، من هذا عندي قولهم لامرأة الرجل: طلّته، لأنها تعجبه وتحسن في عينه.
وفيها:
فأقسم لا تنفك مني قصيدة تُثبّى لها ما صاح في الجو ناعب
لام " تثبى " واو عندنا لأن منه " الثُبّة " وهي الجماعة فمعنى تثبى له يكرر ذكرها شيئا بعد شيء، وأنشد:
كم ليَ من تدرِّاٍ مذَب أشوس أبّاء على المثبي
وقال لبيد " من الطويل ":
تثبّي بناء من كريم وقوله ألا انعم على حسن التحية واشربِ
[ ٢٠٢ ]
ووجه الدلالة من " ثبة " على أن اللام واو أن الثُبَة محذوفة اللام وقد وصى أبو الحسن بحمل ما حذفت لامه وأشكلت على الواو، قال لكثرة ذلك وإنه أكثر من الياء.
وما نزل الرُّكبان بالخّيفِ من مِني ثلاثًا وما خاضَ الظلامَ الكواكِبُ
حياتي وأن يصبح صداي يقفرةٍ تَجُرُّ عليه المعصرات الحواصبُ
يرثني له الراوون من بعد موتتي ثنائي يعيه مشرقٌ ومغاربُ
لا تكون " حياتي " بدلا من " ما نزل الركبان " لاختلاف مقداريهما وفساد المعنى مع البدل، وذلك أن حياته إنما مدتها عمر إنسان وذلك معلوم القدر، وما نزل الركبان يطول جدا مدته، وكذلك مدة خوض الكواكب الظلام، فأن قلت: فإذا كان الثاني أقل من الأول جاز إبداله منه كنت " ضربت زيدًا رأسه "، وإنما يقبح إبدال الأكثر من الأقل ك " ضربت رأس زيداٍ زيدًا " لسلب الإنسان والعود إلى الاستبهام قبل: لعمري أن إبدال الأقل من الأكثر سائغ، إلا أنه في هذا الموضع فاسد وذلك إنه يقول إنه لا يزال يروى قصائده فيه أبدًا، فإذا عاد فقال بل مُدَّة حياتي، فقدر حياته بالإضافة إلى امتدادا الدهر لا يعتد أصلًا تراجع عمّا تمدّح به وأوجب الحق بشرطه إِياه على نفسه، فإذا كان كذلك كان " حياتي " منصوبا على الظرف بفعل محذوف دل الكلام عليه، فكأنه قال فيما بعد: أمدحه حياتي فأن مت روى الرواة مَدْحي فسار بعدنا أبدًا في الشرق والغرب، وأما " ثنائي " فمنصوب لأنه مفعول ليس ثنى ثان، قال كثير " من البسيط ":
أمسى تراث أبن ليلى وهو مقتسم في أقربيه بلا مَنٍّ ولا ثمنِ
ورثتهم فتسلَّوا عنك إذ ورثوا وما وَرَثْتك غير الهم والحزنِ
[ ٢٠٣ ]
وقالت " من الطويل ":
مضى وورثناه دريس مفاضة وأبيض مصقولا طوالًا محامله
وأما " مِني " فكان أبو علي ﵀ يقول: إن لامه ياء وكان يشتقه من " منيت الشيء " إذا قدرته من قوله:
حتى تلاقي ما تمني لك الماني
أي: يقدر لك المقدر، وكان يجمعهما بأن يقول انها إنما سميت " منى " لأن الناس يقيمون بها فيقدرون أمورهم وأحوالهم فيها، وهذا صحيح مستقيم.
وفيها:
إذا عشت لي حتى أموتَ فلا أسَلْ خلافك في عيش وما حُمَّ واجبُ
لك في " أسل " وجهان، أحدهما: إنه أراد الرفع فلا أسل خلافك
[ ٢٠٤ ]
فاسكن لكثرة الحركات كقوله " من السريع ":
فاليوم اشربْ غير مستحقب إِثمًا من الله ولا واغل
والآخر: أن يكون أراد الدعاء، أي: فلا سألت، فجزم لذلك، ودخول " في " هنا حمل على المعنى؛ لأن معنى: " سألتك في كذا " رغبت إليك فيه، فلما دخله هذا المعنى جاز فيه " في "، كقول الله سبحانه: " الرفثُ إلى نسائِكم "، وقد تقدم ذكره.
وفيها:
حَدَث مُزْنَةٌ من حضرموت مرتَّةٌ ضَجوعٌ لها منه مُربٌ وحالبُ
قال: " حضرموت " لغتهم، فيه عندي قولان، أحدهما: أنه لما كان علمًا ومركبًا دخله تغيير الفتحة إلى الضمة كأشياء تجوز في الإعلام مختصة بها كت " موهَب " و" تهلَل " و" حيوَة " و" معدى كرب " و" مكوزة "، وغير ذلك، والآخر: أن يكون لما رأى أن الاسمين قد ركبا معا وجربا مجرى الشبه ثم الشبه بينهما فضم الميم ليصير " حضرموت " على وزن " عَضْرَفُوط "، فإذا فعلت هذا ذهبت في ترك صرفه إلى التعريف والتأنيث للبلدة، وذلك إنه وإن كان في الأصل مركبا فقد صار فيما بعد إلى وزن الواحد، وباب ما لا ينصرف أغلب أسباب منعه الصرف إنما هو
[ ٢٠٥ ]
شبه اللفظ كت " أحمد " و" يعفر " و" تنضُب " علما، وفي القول الأول منعْتَ الصرف للتعريف والتركيب كت " بعلبك " وبابه.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
عفا سَرّفٌ من جُمْلَ فالمرتمى قَفْرُ فَشِعْبٌ فأدبار الثنيّات فالغَمْرُ
فخيفُ مِني أقوى خلاف قطينه فمكة وحْشًا من جميلة فالحِجْر
الشعراء تغير وتحرف الأعلام لإقامة الأوزان من ذلك قولها " من الطويل ":
اقلب طرفي في الفوارس لا أرى حزاقا، وعيني كالجارة من القطر
قالوا: أرادت حازوقا فقالت: حزاقا، وقال " من الطويل ":
أبوك عطاء ألأمُ الناس كلهم فقبح من فحل، وقبحت من نجل
يريد: عطية، وقال " من الوافر ":
وسائلة بثعلبة بن سير وقد علِقتْ بثعلبة العلوق
يريد: ابن سيار، وقال " من الكامل ":
[ ٢٠٦ ]
ودعا بمحكمة أمين سكها من نسيج داود ابي سلاّمِ
يريد " أبي سليمان "، وكذلك قوله عندي " من الطويل ":
وكل صموت نثلة تبعية ونسج سُليم كُلَّ قضاء ذائل
على تحقير الترخيم كزهير من أزهر، وسويد من أسود، دون أن يكون عندك من تحريف الضرورة. قيل يمنع من تحقير سليمان إنما هو تحقير سلمان، وإذا كان تحقيرا لم يجز تحقيره كما لا يحقر نحوه: كُليب وجُعيفر، فإذا كان كذلك كان تحريفا لا ترخيما، فكذلك قوله في البيت الثاني " جميلة " وفي الأول " جُمْل " هو من التحريف الذي تقدم ذكره، ولو كان مكانه " جميلة، لكان أسهل لانه كان يكون تحقيرا بعد تكبير كقول القطامي " من البسيط ".
أمست عُلية يرتاح الفؤاد لها وللرواسم فيما دونها عمل
مع قوله " من البسيط ".
المحة من سنا برق رأى بصري أم وجه عالية اختالت به الكلل
ف " 'ثليّة " ينبغي أن يكون ترخيم " عالية ".
وفيها:
وَبَلَّ الندى من آخر الليل جبها إذا استوسنت وأستثقل الهدف الهِدْرُ
قال: " الهدر " الثقيل، وكذلك الهدف، ينبغي أن يكون الهدف من قولهم: " هنا هدف الرمية "، كأنه لثقله وقلة تصرفه منصوب للمصائب
[ ٢٠٧ ]
والنوائب، وليس معه من الحركة والتصرف ما يتقي به نوازل ما يكرهه، وكذلك الهدر من الشيء المهدر أي: المطرح أي ساقط، وأما " استوسنت " ف " استفعلت " في معنى الثلاثي أي: وَسنت تونس، وكذلك " استثقل " وقد تقدم ذكر مجيء " استفعل " في معنى " فَعَل ".
وفيها:
بأسفنط كَرْم ناطفٍ زَرَجونه يعقب سرّى جادت به مُزُن قُمْرُ
قال: أراد بعقب سحاب سرى، قال: واسفنط رومي اسم الخمر، أما " سرّى " فعلى إقامة الصفة مقام الموصوف، ومثله قوله:
مالك عندي غير سهم وحَجَر وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفى كان من أرمى البشر
أي: بكفى " رجل " كان من أرمى البشر، وأغلظ من هذا قول الآخر:
والله ما زيد بنامَ صاحبه ولا مخالط الليان جانبه
[ ٢٠٨ ]
أي: " بإنسان نام صاحبه "، فحذف الموصوف وباشر بحرف الجر نفس الفعل، وليس " نام صاحبه " بعلم ك " تأبط شرا " و" ذرّى حبا " و" جلا الصبح " ولو ذلك يدل على ذاك قوله معه: " ولا مخالط الليان جانبه " فمعناه، إذن: " ما زيد بنائم صاحبه ولا مخالط الليان جانبه "، وما فائدة ذلك؟ قيل: معناه ألا أنه لا يصاحب إلا النجباء الأذكياء مثله دون دون الثقال البلداء وهذه عادة للشعراء، قال " من البسيط ":
وقد أصاحب فتيانا شرابهم خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
وقال في نحوه " من البسيط ":
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني شاو مثلٌّ شلول شلشلٌ شول
وأنشد أبو زيد " من الرجز ": وصاحب نبهته لينهضا إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرضا يمسح بالكفين وجها أبيضا
[ ٢٠٩ ]
وهو كثير، وقد يجوز أن يكون صاحبه قلبه أي هو يقظان الفؤاد، والقول الأول أظهر، وأما " أسفنط " فأجتمع الناس على أنه رومي إلا ابن الأعرابي فإنه قال هو عربي وأخذه من " سَفطَت نفسي " أي: طابت، وهو أسفط نفسا من فلان، وذلك لطيب الخمر، فإن كان كذلك فقد ثبت به مثال لم يأت به صاحب الكتاب، ألا ترى أنه لم يذكر في الأمثلة " إفْعنْل "، وينبغي أن يكون العمل على ما أطبقت الجماعة عليه.
وفيها:
فَقَلَّ به ما عرّسوا ثم أنهجت لمنزلة أخرى بهم طُرُقٌ غُبْرُ
ليست " ما " هذه " ك " ما " في قوله: " قلما زرتني " و" قلما لقيت زيدًا "؛ لأن " ما " من " قلما زرتني " حذف لوقوع الفعل بعده كما أصلحت " ما " حرف الجر وهيّأته لوقوع الفعل بعده في قول الله سبحانه: " رُبَّما يَوَدُّ الذينَ كفروا لو كانوا " وقوله:
ربما أوفيت في عَلَم تَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ
وكما أصلحت الظرف للجملة من غير إضافة في قوله " من الكامل ":
أعلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بعدما أفنان رأسك كالثغام المُخْلسِ
وليس كذلك " ما " من قوله: " فَقَلَّ به ما عرسوا " إنما هذه ما المصدرية
[ ٢١٠ ]
في قولك: " عجبت مما صنعت " أي: من صنيعك، و" مما قمت " أي: قيامك وهي مرفوعة ب " قَلَّ " يدل على ذلك فصله بينها وبين " قَلَّ " بالظرف، وهذا الفصل إن وجد بين المضاف والمضاف إليه وبين حرف الجر وما جره في قوله " من الطويل "
ف لو كنتُ في خلقاء من رأس شاهق وليس إلى منها النزول سبيل
ونحو ذلك، فأنا لم نجده معترضًا بين الجزأين المركبين في نحو معدي كرب وقاليقلا ومارسرجس، ولا فيما أصلح فيه الجزء الثاني الجزء الأول لمباشرة " ما "، لولا الثاني لم يباشره نحو: ربما قام، وقلما زارنا، وبعدما أفنان رأسك كالثغام، وإذا كان هذا مفقودا غير موجود لم يجز أن يحمل بيت أبي صخر عليه، فأما الفعل المصلح للفعل بعدهما في قولك: " قَلّما زرناك "، فإنه عندنا لا فاعل له وذلك أن " ما " المضمومة إليه كفّته عن اقتضائه الفاعل وأصارته إلى حكم آخر، وقد تقصى هذا في عدة أماكن من كلام أبي علي وكلامي فتركت الإطالة بذكره.
وفيها:
سمون بنا يَحْتَبْنَ كُلَّ تنوفة تَضِلّ بها عن بيضهن القطا الكُدْرُ
لا يجوز أن تكون " تنوفة " من النوف ولا من " أناف على كذا " أي: علاه؛ لأنها لو كانت منه لوجب تصحيحها لموافقة الزيادة في أولها زيادة الفعل وللزم أن تقول: تَنْوَفَة ك " تَدْوَرَة "، وتصحيحها أيضا في التكسير فتقول تناوِف كمعونة ومعاوِن، فهي إذن من لفظ " ت ن ف "، ولا اعرف لهذا الأصل استعمالًا في غير هذا الموضع.
[ ٢١١ ]
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
عفت ذاتُ عرْق عُصلُها فرئامُها فدهناؤها وَحْشٌ وأجلى سوامُها
فيها:
كأنّ على أنيابها من رُضابها سبيئًا نفي الصفراء عنها أيامُها
قال: سبيئًا عسلًا، والصفراء: النحل، والأيام: الدخان، حدثنا أبو علي يرفعه إلى بعض أصحابنا قال: يقال " آمَ العسّال الوَقْبَةَ يؤمها أياما "، وذلك إذا دخن عليها ليخرج النحل فيشتار العسل، والأيام على ما ترى مصدر وعينه في الأصل واو، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن في نوادر أبي عمرو الشيباني، قال: الأيام العُودُ الذي فيه النار يُدَخَّنُ به على النار، وذكر السكري هنا إنه الدخان نفسه، والذي يجمع بين هذه الأقاويل إنه في الأصل مصدر فسمي به مرة الدخان ومرة العود الذي يدخن به، ولو كسرته على " أفْعِلة " كانت عينه آومة وعلى " فُعلان " لقلت: أومان وعلى " فُعْل ": أُوم.
بماذيّةٍ جادت لها زَرَجونةٌ معتَّقَةٌ صهباء صافٍ مدامُها
[ ٢١٢ ]
قال: ماذية عسل أبيض، ينبغي أن تكون ماذية " فاعولة " من مذى يمذي، إذا سال، وذلك لرقة العسل، وكأنها شُبّهت بالمذي لرقتها وبياضها، وكذلك عندي ما جاء في شعر هُديل من الماذية يراد به المرآة وذلك لبياضها وما عليها من ماء الصقال، فكأن ماء يسيل عليها، يدلك على ذلك قولهم لها: الماوية، فهي منسوبة إلى الماء لما ذكرنا.
بعقب سرَى في مُزنة رَجَبيَّةٍ بقاع حنيّ يومَ أجلى غمامُها
أي: يعقب سحاب سرى، فحذف الموصوف وقد تقدم شرحه قبل، وحنيّ: " فعيل " من حنوت، وليس يحسن أن تجعل " حنيّ " جمع حنيّة تعني القوس، وذلك إنهم إنما يصفون القسيّ بأن منابتها الأشعاف وأعالي الجبال والقاع منخفض، فأما كان " حنيّ " مكانًا مخصوصا، وأما كان نبتًا متحنيًا لعلوه وكثافته.
وفيها: فطهر منهم بطن مكة ماجدٌ أبيٌّ شراة الضيم حين يُسامها قال: الشراة الحد، ينبغي أن يكون لامها ياء حملا على الأكثر ولا يمنع أيضا فيه الواو.
ومن رأيه ذي الفَضْلِ واليمن والتقى أغر سماوي إليه ذِمامُها
قال: سماوي سحاب نشأ من ناحية السماوة.
يشج بها عرض الفلاة تعسفا وأما إذا يخفى من أرض علامُها
[ ٢١٣ ]
" من " في قوله: " ومن رأيه " متعلقة ب " يشج " أي إنما سار وأرتحل برأيه، ومن أجل فضله ويمنه، وأما " عَلامها " بفتح العين فينبغي أن يُحمل على إنه أراد عملها فأشبع الفتحة فنشأت بعدها ألف كقولهم في " أمين ": آمين، وفي " بين ": بينا، وفي قولهم: جيء به من حيث وليسا أي: وليس، وفي قوله " بمنتزاح " وهو يريد " منتزج ": مُفتعَل، من النزح وقد قالوا في جمع " عَلَم ": عِلام، كجبل وجبال، فيجوز أن يكون " علامها " وأما تفسيره قوله: " أغر سماويّ " بأنه سحاب نشأ من قبل السماوة: فساقط، وذلك إنه قد فارق صفة السحاب وانتهى إلى المدح لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بم أمية بن أسيد ألا تراه قال: " أغر سماويّ إليه زمامها " وهذا أمر يخص المدح، ولا معنى للسحاب هنا، ولكن يجوز أن يريد ب " سماويّ " إنه ينسبه إلى السماء ومعالي الأمور كقول الله تعالى: (ما هذا بَشَرًا إنْ هذا إِلاُّ مَلَكْ كريم).
وفيها: شَمِتَّ بقتلي مالك وهجوتها عليك خزايا قوم لوط وذامُها قد قالوا في جمع " أذية ": أذايا، فيجوز أن يكون " خزايا " جمع " خزية " فقد كسروا " فَعْلَة " على " فعائِل " ككنّة وكنائن.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل "
لليلى بذات البين دار عرفتها وأخرى بذات الجيش آياتُها سَطْرُ
[ ٢١٤ ]
هكذا رواه " البَين " بالفتح، ورويناه عن أحمد بن يحيى وغيره " البين " بكسر الباء، قال: " سفر " كتابٌ غفل، أي: دَرَست فصارت أعلامها إغفالا، ينبغي أن يكون السفر من قولهم: سفرت البيت، أي: كنسته، فكأنه كنست الكتابة من الشطرين فصار غفلا بعد أن كان بها معلما.
وقال أبو صخر أيضًا " من الطويل ":
بأهلي من أمي على نأبه شكلا ومن لا أرى في العالمين له مثلا
فأقسم بالله الذي اهتزّ عرشه على فوق سبع لا اعلّمه بُطلا
بأن لليلى في الفؤاد عَلاقةٍ على اليأس يومًا ما سقى الشَرَبُ النخلا
أخلص " فوق " اسمًا، إلا تراه أدخل " على " عليها، فعلى هذا يجوز أن تقول " فوقُك رأسك " كقولك: " أعلاك رأسك "، و" أعلاك " مرفوع بالابتداء، وقوله: " على فوق سبع " يدفع إنشاد أبي علي بيت الكتاب " من الطويل ":
له ما رأت عين البصير وفوقه سماءُ الإله فوقَ سبع سمائيا
وكان يقول أن السابعة هي العرش وهي التي أراد بقوله: " سماء الإله " وقوله: " لا اعلمه بُطْلا " منقول من " علم " المتعدية إلى فعول واحد بمعنى " عرف " كقول الله سبحانه: " ولقد علمتم الذينَ اعتَدَوْا منكم في السَّبْتِ " أي: عرفتم، ألا تراه عدّاه إلى مفعولين أحدهما الهاء
[ ٢١٥ ]
والآخر " بطلا " ولو كانت منقولة من المتعدية إلى مفعولين لوجب أن تَخَطّى إلى الثالث لأن تلك منى تعدت إلى أثنين لم يكن بد من الثالث إجماعا، وإنما الخلاف هل يجوز الاقتصار على المفعول الأول دون الثاني والثالث أوْ لا؟ وقوله: " على اليأس يوما "، فاليوم هنا لا يراد به ما يشفع الليلة من بياض النهار خاصة، وإنما الغرض فيه هنا الدهر عموما أيامه ولياليه كقول الآخر " من مجزوء الرمل ":
حبّذا العرصات يومًا في ليالٍ مقمرات
وقد تقدم ذكر نظير.
وفيها:
ترى الشيب بالأصال يمشون نحوه يحيّونه كَهْلًا، ومَنْ لم يكن كهلا
" مَنْ " هنا نكرة لأنها معطوفة على " كهلًا " وما بعد " مَنْ " صفة لها وموضعه من الإعراب نصب، فأما " كهلا " فإن شئت جعلته حالا أي: كهولًا وغير كهول، فوضعت الواحد في موضع الجميع كقوله سبحانه: " ثم يخرجكم طِفْلًا ". وقد تقدم ذكره، وأنْ شئت جعلته تمييزًا كأنه أراد. حييونه من كهول وغير كهول، ولا يجوز أن يكون " كهلًا " حالًا منه لفساد معناه.
وفيها:
أتى أُمَّه قد واعَدَ الغزو فتيةً كِرامًا نثاهم لا لئامًا ولا عُزّلا
لام " النثا " واو لقولهم: نثا الخير ينثوه نثوًا.
[ ٢١٦ ]
وفيها:
بضربٍ يُطاطي البيضَ من فوق رُؤْوسِهم إذا أكرهت فيهم سمعت لها قَصْلا
قال: " قصْلًا " أي قطعًا، هو عندي على حذف المضاف أي صوت قصل، لأن القصل نفسه لا يدركه السمع وكسَّر رأسًا على " رؤس " كقوله " من الطويل ":
فيومًا إلى أهلي ويومًا إليكم ويومًا أمر الخيل رؤس أجبال
وقد تقدم ذكر ما كسر من " فَعْل " على " فُعْل " نحو: سَقْف وسُقْف وحَشْر وحُشْر وكَثَ وكُثَ ووَرْد ووُرْد، ونظير قوله: " سمعت لها قصلًا " قول جرير " من الوافر ":
سمعت حمامةً طِربت بنجد فما هجتَ العشيَة يا حماما
أي: سمعت صوت حمامة، وعليه قول الله تعالى: " هل يسمعونكم إذ تدعون " أي: هل يسمعون دعاءكم، وينبغي أنْ يُنْشَدَ بضرب يُطاطي، بترك الهمزبين الطاءين، ألا تراه قد أبدل الثانية البتَة ضرورة فالأحسن أن يخفف الهمزة الأولى ليتشابه اللفظان، ولو حقق الأولى، وقد أبدل الثاني لكان في اللفظ من التنافر ما تراه، والشعر أحوج الكلام إلى تشابه أحواله وتناصر ألفاظه، ولذلك عندي ما قدّموا الأرداف والتأسيس، أمام مدّات الوصل ليتشاكلن.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الوافر ":
[ ٢١٧ ]
بياض الرأس ما لم تأت أمرًا يكون سواه أتوحل حلال
قال: أراد " حِلٍّ " فخفف هذا التخفيف أكثر ما يكون في القول في المقيدة نحو قوله:
ها إنّ ذا غضب مطر
وقوله " من الرمل ":
ما أقلت قدماي إنهم نعم الساعون في الأملا المبر
وقوله " من الرمل ":
أصحوت اليوم أن شاقتك هر ومن الحب جنون مستعر
وقلما يجيء في حشو البيت إلا أنه قد جاء، فمنه قوله أنشدناه أبو علي وقرأته أيضا عليه:
بكيّ بعينك واكفَ القَطْرِ أين الجواري العالي الذكر
يريد: الجواري، وأنشدنا أبو علي لعمران بن حطان " من البسيط ":
قد كنت عندك حولًا لا تروعني فيه روائع من أنس ولا جان
هكذا انشدناه معتقدا فيه التخفيف مع ما تراه من الإطلاق، وقد يجوز فيه عندي وجه آخر وهو أن يكون أبدل النون الثانية لاجتماع المثلين كقولهم: " أمليت الكتاب " في معنى أمللت من قوله سبحانه: " وليُمْلِلِ الذي عليه الحقُ "، وكما حكى أحمد بن يحيى من قولهم: " لا وربيك لا أفعل "، يريد: وربك وعلى هذا تأول أبو علي قوله:
وآليت لا أملاه حتى يُفارقا
[ ٢١٨ ]
قال: أراد: لا أمَلّه، فأبدل الثاني، ومنه قول الشاعر " من الخفيف ":
أنّ سلمى هي المنى لو تواتي حَبَّذا هي من خُلَّةٍ لو تخالي
أراد: تخالُّ، فإذا أمكن ذلك كان حَمْل بيت عمران على هذا الضرب من البدل أخلق من حمله على الحذف؛ لأن البدل على كل حال أحسن من الحذف، ومما حذف في الوصل قوله " من الكامل ":
أزهير أنْ يشب القذالُ فإنني رب هيضل لجب لففت بهيضل
فاذا جاز الحذف في الحرف على قلته فيه فهو في الاسم لكثرته فيه أولى، ووجه ذلك عندي إنه أجرى الوصل في الشعر مجرى الوقف على القافية فخفف، ونظير هذا عندي قوله:
يا ليتها قد خرجت من فمه حتى يعود الملك في أسطمه
أجرى الوصل مجرى الوقف فثقَّل مع الإطلاق نحو: الأضْخِمّا والعَيْهَلَ وكذلك قول الآخر، أنشده أبو زيد:
مَحْضٌ نجاري طيّبٌ عُنْصُرِّي
إلا أن هذا ومن فمه أغلظ من الأضخما والعَيْهَلّ وبعدما اخصبّا، وذلك انهما مضافان ولا سيما إلى مضمر، والوقف دونه لا يجوز، فإذا ساغت نية الوقف فيما هذه حاله كانت نيته فيما يمكن الوقف عليه أمثل.
وفيها:
وما مُتَرجِّزُ الآذيّ جَونٌ له حُبُكٌ يطم على الجبال
[ ٢١٩ ]
الأذى " فاعول " من الأذى، كما أن الآريّ " فاعول من أرى يأري، إذا انقبض واحتبس، وكما أن الماذيّ " فاعول " من مذى يمذي. وأما " ضاويّ " فيحتمل أمرين فيما رواه أبو علي، أحدهما: أن يكون " فاعولًا " من الضوى، والآخر: أن يكون " فاعليًّا " منه حذفت لامه على قولهم في ناجيةٍ: " ناجيّ "، وأما العارية ف " فَعَلِيّة " من قولهم: تعوروا العواريّ بينهم أي تداولوها ومن قوله:
مسح الأكف تعاوروا المنديلا
وأما الجاديّ ف " فاعول " من الجيّة وهي طريقة الدم، سمي بذلك لحمرته، كذا أرى أنا فيه، ولم أعلم أحدا من أصحابنا ذكره، وينبغي أن تكون لام " الجديّة " واوا، فقد دللت على صحة هذا فيما مضى، وأما " الباري " فأعجمي.
وفيها:
كفاني كُلَ أبيض خالديّ طويل الباع مُضْطلع الحمال
ينبغي أن يكون أراد الحمالة فحذف الهاء كما حذفها مالك بن جبار من قوله " من البسيط ":
إِنّا بنو عمكم لا أن نباعلكم ولا نصالحكم إلا على ناحِ
قالوا: أراد ناحية، وقد تقدم ذكر نحو هذا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الطويل ":
وركبان أنضاء يَبُلُّ رحالهم ضريب عثانين من الثلج بارد
القوافي مجرورة، قال: ويروي: " من الليل ". ظاهر الأمر في " بارد " أن يكون صفة ل " عثانين "، وأن كان جمعا متناهيا، ألا ترى أنه قد شابه الواحد بأن جُمع فقيل:
[ ٢٢٠ ]
هن يعلُكْن حدائداتها
قرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى وأنشدنا أبو علي:
قد جرت الطير أيامنينا قالت وكنت رجلا فطينا:
هذا لعمر الله إسرائينا
وحكى أبو الحسن: " صواحبات يوسف " و" مواليات العرب "، فلما جُمعَ جَمْعَ الواحد جاز أن يوصف بلفظ الواحد، ووجه آخر: وهو أن يكون صفة " ضريب " إلا أنه ألحقه ياءي الإضافة توكيدا لمعنى الصفة كقول العجاج:
غُضْفٌ طواها الأمس كلاّبيّ
وقد تقدم القول عليه، وكذلك أراد " بارديّ " فلما وقف خفف وذكر البرد مع الثلج توكيدا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من البسيط ":
جهم المحيا عبوس باسل شرس وَرْد قُصاقِصَة، رئبالة شكم
[ ٢٢١ ]
قال: الرئبال من الأسد كالقارح من الخيل التي تمت أسنانه، قال: هذا عن أبي حفص عمر بن بُكير، قال: وشكم غضوب، ينبغي أن يكون من " الشكيمة " وهي شدة الخلق ومنه شكمته إذا كافأته فكأنه يقابل أعداءه مكافئا لهم، فإن قلت فإن الشكْمَ هو المكافأة مرسلة لا يخص خيرا من شر فكيف أخلصتها هنا للشر؟ قيل: لا ينكر أن يكون الشيء في الأصل سائغا غير مقصور ثم يراد في بعض الأحوال المبالغة فيقتصر على أحد ما يقع عليه كقولنا للكعبة: بيت الله، ولعلم حلال الشريعة وحرامها: الفقه، وللثمين من تجارة: الجوهلا، ونحو ذلك، فكما اختص هذا للخير كذلك اختص " شكم " للشر، والمعنى الجامع هما إرادة المبالغة لا سيما وقد تقدم في أول البيت ما جذب إلى ذاك وحدا على قصره على ما يضاهيه.
وفيها:
شيبت بموهبة من رأس مرقبة جرداء مهيبة في حالق شمم
قال: موهبة غدير، هذا عندي مما شَذّ في تصريفه لأن العرب لا تكاد تبني " مَفْعَلًا " بفتح العين مما فاؤه واو إنما هو " مَفْعِل " بكسرها نحو: الموضع والموقع والموجِدة والمورِدة، إلا أنه قد جاء من هذا ما قدمت ذكره منه قولهم: مَوْضَع بفتح الضاد، قد حكيت كذلك عن الفراء وقالوا: مَوْجَل ومَوْحَل وموقَعَة الطائر، وقالوا: أكل الرطب مَوْرَدَةٌ والبطنة مَوْسَنَة، وقالوا: مَوْظَب ومَوْثَب، ولم يذهب فيه إلى لفظ " م ر ق "، قال: وأما مَوْألَة فمن اخذها من ذاك فهي من هذا الباب، ومن أخذها من " مَألْتَ " فهي " فوْعَلَة "، ومثل قوله مَهْيَبَة في تصحيح عينها قولهم: " هذا طعام مَطْيَبَة للنفس " و" كثرة الشرب مَبْوَلة " و" الفكاهة مَقْوَدَة إلى الأذى "، وقالوا في " المَثُوبة ": المَثْوَبَة، وفي " المشُورة ": المَشْوَرَة، وقالوا في العلم: مَرْيَم ومَدْيَن ومكْوَزَة، وكأنَّ الغدير سمى مَوْهَبَة؛
[ ٢٢٢ ]
لأنه كأنه عطية وهبة من الله، وذلك لإفراط سرورهم به وانسهم بوروده. قبله:
كأنّ معتقةً في الدن مغلقة صهباء مصعقة من رانيء رَدم
قال: يقال رانت به الخمر، وهذا كان يوجب فيه عندي " رائن " كباع فهو بائع، وإنما رواه رانيء بالهمز، ولو كان قبله لوجب فيه رانٍ كشاك من شائك، ولاث من لائث، والذي أراه فيه إنه " فاعِلُن " من لفظ " اليُرَنّأ " وهو الحِنّاء، فاراد هنا اللون وصبغه، فإن قلت: فقد قال صهباء، والصهبة بعيدة من الحمرة؟ قيل: لا ينكر ذلك، وذلك إن الصهباء قد صارت اسما للخمر حتى تُطلق عليها على اختلاف ألوانها وكالمدام هو اسم لها وأن لم يطل دوامها لما استمر فيها.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة:
فُسُمْيٌ فأعناءُ الوجيع فسابس إلى عنق المصياغ من ذلك
لا أعرف في الكلام تركيب " س م ي " إنما هو " س م و" فقد يمكن أن يكون بُني من " سموت " اسما على " فُعُل " فكان تقديره " سُمُو "، فلما تطرفت وأنضم ما قبلها قلبت ياء فصارت " سُمٍ " ثم أنه اسكن العين كقولك في ضُرِبَ: ضُرْبَ، فأقر الياء بحالها وإن زالت الكسرة لفظًا لتقديره إياها معنى كقول الآخر قرأته على أبي صالح عن اليزيدي يرفعه إلى الأصمعي:
قالت أراه دالفًا قد دُنى له
أراد: دُنِىَ فهي " فُعِل " من دنوت، فعلى هذا يتوجه كون السُمى من سموت، وأما " الاعناء " فواحدها " عنًا " وهو الناحية ولامه واو، وقد
[ ٢٢٣ ]
تقدم القول عليه.
وفيها:
جَلَوا من تهامي أرضنا وتبدلوا بمكة باب اليون والريط بالعصب
قرأت على الحسين بن علي عن أبي عبد الله محمد بن العباس عن محمد بن حبيب لكثير " من الطويل ":
جرى دون باب اليون والعصب دونه رياح اسقت بالتقاو اشمت
وهو بمصر، والقول فيه إن كان عربيا كان غريبا، وذلك إنه ثالث يوم ويوح مما فاؤه ياءٌ وعينه واو، وهذا هو الظاهر، وقد يجوز أن يكون بنى " فُعْلًا " من " يَيَنَ " وهو اسم موضع على قول أبي الحسن في " فُعْل " من البيع: يُوع.
وقال:
والجن لم تنهض بما حملتني أبدًا ولا المصباب في الشَّرْم
" المصباب ": السفينة، و" الشرم " ما لم يدرك غوره من البحر. القول في " الشرم " إنه سمى بذلك لأنه من: شرمت الشيء أي: شققته، وذلك أنه الموضع المنشق الغائر من البحر، وقيل له شرم كما قيل له بحر والبحيرة: المشقوقة الأذن من النوق، ولذلك قيل له البَضيع لأنه " فَعيل " من بضعت أي: شققت.
[ ٢٢٤ ]
وفيها:
أن أرى الذي قد ظن أن ستري وضَحَ النهار وعالي النجم
أنتصب " وَضَحَ النهار "، وليس يحسن أن تجعله بدلا من الهاء المحذوفة من ستراه من قبل أنه حذفها للإيجاز والبدل يشابه التوكيد بما فيه من التكثير والتوكيد للإسهاب والإسهاب ضد الإيجاز.
وفيها:
ومطوَس سَهْل مدامِعُه لا شاحب عارٍ ولا جَهْمِ
قال: " مطوس " حسن، قد تمكن معنى الحسن في هذا اللفظ حتى قال رؤية: " طاووسا "، وهذا كقولهم: مررت بحية ذراع طولها، وبكتاب طين خاتمه، ومررت بقاع عرفج كله، هذا ومنه قول الآخر:
كأنّ لها منه بيوتًا حصينة مسومًا أعاليها وساجًا كسورها
فرفع ب " وساج " و" مسوح " لما كان معنى مسوح: سود، ومعنى وساج: خضر.
وقال لسعيد بن عبد الملك " من الوافر ":
أصاب أبو سعيد حين سمّى سعيدا حين سمّاه سعيدا
لم يفسره أبو سعيد السكري، والقول عليه أنه كأنه قد أصاب والد سعيد حين اجمع تسميته في أن سماه سعيدًا فاستعمل " حين " الثانية في موضع " أنْ " وقد كثر استعمال ظروف الزمان عن " أن " وذلك لمقاربة المصدر
[ ٢٢٥ ]
لظرف الزمان من ذلك قولك: " أحسنت إليك إذ أطعتني " معناه: إن أطعتني أي: من أجل أن أطعتني، وأسأت إليك إذ عصيتني، أي: من أجل أن عصيتني، ألا ترى أن الثاني مُسبب عن الأول ومن حكم السبب أن يتقدم ما كان مسببا عنه، ومنه قول الله سبحانه: " ولن ينفَعكُم اليوم إذ ظلمتم أنَكُمْ في العذابِ مشترِكون "، أي: لن ينفعكم من أجل أن ظلمتم اشتراككم في العذاب، وله نظائر، وفي هذه الآية ما هو اكثر من هذا ولأبي علي فيها قول وراجعته فيها فخرج ما قد اثبت.
ثم ما خرج من شعر أبي صخر
[ ٢٢٦ ]
(٥٣)