" وهو " من بني جريب. قال " من البسيط ":
ماذا يَغيرُ أبنتي ربْعِ عويلهما لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
قال: يقال خرج فلان يغير أهله ويميرهم، والمصدر " الغير " و" الغيار " يقول فما يرد عليهما بكاؤهما وما ينفعهما. اعلم إن " ذا " في هذا الموضع يحتمل أمرين أن يكون مع " ما " بمنزلة اسم واحد كقراءة من قرأ: (ماذا انزلَ رُبَكم؟ قالوا خيرا) بالنصب وإن " يكون " بمنزلة الذي كقراءة من قرأ: " قالوا خيرٌ ". وكالوجه الأول قوله " من الوافر ".
دعى ماذا علمت سأتقيه
ألا ترى أن معناه: دعى شيئا علمته سأتقيه، ولا يكون معناه دعى ما الذي علمته. فإذا جعلت " ماذا " في بيت الهذلي هذا بمنزلة اسم واحد احتمل ذلك الاسم أمرين: أحدهما أن يكون مصدرا البتة حتى كأنه قال: أي نفع ينفع ابنتي ربع عويلهما انفعا ما معذرا، كقولك: أي سرور يسركما غلامكما أسرورًا معتدا أم سرورا كلا ولا، فهذا وجه. والآخر أن
[ ٥٢ ]
يكون ذلك الاسم الدال عليه " ماذا " غير مقصور على جنس واحد من المصدر دون غيره كقولك: أي شيء يرد عليهما عويلهما؟ كما تقول: أي شيء تحصل في هذه الحال أفضة أم ذهبا أم كسوة أم عقارا أم منزلة أم جاها. فان جعلت " ذا " بمنزلة " الذي " كان هناك محذوف عائد إلى الموصول من الصلة، وكان " الذي " مصدرا في المعنى أي: ما الغير الذي يغيره ابنتي ربع عويلهما، كقولك: ما الضرب الذي يضربه زيدا غلامه. وإن شئت كان " الذي " شائعا لا يخص جنسا دون جنس كقولك: ما الشيء الذي يرده عليهما بكاؤهما أمال أم عقار أم ضيعة أم احتساب وسلوة؟. وقد أطال أبو علي ﵀ في تفسير هذا البيت في تذكرته وغيرها من مصنفاته.
فأما قوله " لا ترقدان " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ذا موضع من الإعراب. والآخر أن يكون غير ذي موضع منه. فإذا كان ذا موضع منه احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون حالا من " هما " أي عويلهما غير راقدتين، وأن شئت كان خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هما لا ترقدان فيكون في هذا الوجه رفعا كما كان في الذي قبله نصبا. الوجه الآخر: من القسمة الأولى أن تكون غير ذي موضع بل يكون مستأنفا غير واقع موقع المفرد.
وأما قوله " ولا بؤسى لمن رقدا " فيجوز أن يكون " بؤس " في موضع فتح لبنائها مع " لا " كقول الله سبحانه: " لا بُشرى يومئذ للمجرمين " وقوله: " لمن رقدا " خبر عنه. ويجوز على هذا أن يكون قوله " لمن رقدا " صفة ل " بُؤسى "، والخبر محذوف. فإذا أنت فعلت هذا لم يجز أن يكون قوله " لمن رقدا " مبنيا مع " بؤسى " كما يبنى ظريف مع رجل في قولك " لا رجلَ ظريفَ " من قبل أن ظريفا جزء واحد فجائز أن يجعل مع الجزء الأول الذي هو رجل كالاسم الواحد.
وأما قوله " لمن رقدا " فإنه ثلاثة أشياء فلا يجوز أن يجعل مع غيره
[ ٥٣ ]
كالاسم الواحد لطول ذلك، ويجوز أيضا أن تُعلق اللام في قوله " لمن رقدا " بنفس بؤسى، فإذا فعلت ذلك اعتقدت في بؤسى التنوين لطول الاسم بما عمل فيه وحذفت الخبر، إلا أنه لما لم ينصرف لم يبن فيه تنوينه، ويجوز أيضا أن يجعل " لا " كليس فتعتقد رفع برسى كقوله " من مجزوء الكامل ":
" مَنْ فَرَّ عن نيرانها " فإنا ابنُ قيس لا بَراح
أي: ليس عندي براح. وتكون اللام بعد بؤسى خبرا عنها. ويجوز أيضا على هذا أن تجعل اللام صفة لها، والخبر محذوف. ويجوز أيضا أن تعلق اللام بؤسى كما جاز فيما قبل، إلا أن بؤسى على هذا القول منونة في التقدير، كانت اللام بعدها خبرا عنها وصفة لها أو متعلقة بها نفسها من قبل أن التنوين إنما يحذف من الاسم المبني مع " لا " الناصبة، فأما الرافعة فإنها لا تعترض على تنوين ما بعدها بنفيه ولا إثباته.
وفيها:
كأنَّهُمْ تَحْتَ صَيْفيَّ له نَحَمٌ مُصَرَّح طحرت أسناؤه القَردا
" أسناؤه " هي جمع سنا وهو الضوء. لام " سنا " واو لقولهم في التثنية: سنوان. وهو عندي السنة " كذا " وذلك لانهم يقولون: حول مجرَمٌ، وحول منجرد. وإذا تجرد الشيء ظهر وزال عنه ما يخامره ويستره فأنار للعين وبدا فكأن عليه ضوءً ونورًا، ولان السنة أيضا مشهورة
[ ٥٤ ]
معلومة العدة شائعة المعرفة في الكافة فكأنَ عليها نورًا وضياءً
حتى إذا أسلكوهم في قُتائدَة شكلاّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُرُدا
همزة " قتائدة " وهي موضع، حشو لأنها حشو ولم يدل على زيادتها دليل، ولا تحملها على جُرائض وحُطائط لقلة ذينك.
وقال المُعتَرض بن حَبواء الظَفَري من أبيات " من الوافر ":
تركنا الضَبْعَ ساريةً إليهم تنوب اللحم في سرب المخيمِ
المخيم ويقال جبل. لا يخلو " المخيم " من أن يكون مفعولا محذوف العين كمبيع ومكيل. فأما " فَعيل " فيبعد عندي لأنك لا تعرف في الكلام تصريف " م خ م "، وعلى انه لا ينكر أن تأتي في الكلام الكلمة ولا تستعمل حروفها في غيرها، ألا أن من جنونا تركيبها من " م ج ن "، ولا تجد لهذه الأحرف تصريفا في غير هذه الكلمة. وكذلك كوكب وابنم وعُرَ يقصان والسَيْبَ والقيقب. ونظائر
[ ٥٥ ]
ذلك أكثر من أن يحاط بها، فكذلك " مخيم " يجوز أن يكون تركيبه من " م خ م "، إن لم تجد ذلك تصرفا في غير هذا الحرف، ولكن الأظهر أن يكون مخيم مفعولا من خام يخيم إذا جبن واصله: مخيوم، فلحقه ما لحق مكيلا ومبيعا على اختلاف الرجلين فيه. فإن قلت فإن " خام " غير متعد، ألا ترى إلى قوله " من الكامل ":
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم عنها ولو أنى تضايق مقدمي
فكيف جاز أن تبني مفعولا من فعل غير متعد؟ قيل: قد يمكن أن يكون أصله غير مخيم فيه أو إليه ثم حذف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول كقول لبيد:
الناطق المبروز والمختوم
أي المبروز به ثم حذف حرف الجر فصا المجرور مرفوعا فضمنه اسم المفعول كما قال " من الطويل ".
" كأنّ ثبيرًا في عرانين ويله " كبير أناس في بجاد مزمل
أي مزمل به أو فيه، ثم حُذف الحرف فارتفع ما كان مجرورًا فاستكن في اسم المفعول، ومزمل عندنا وصف لبجاد لا لكبير على الجواز كما ظن قوم، ولو ثنيت على هذا فقلت: كبير أناس في بجادين مزملين، فثنيت اسم المفعول لما استتر فيه الضمير، ولو جئت به على الأصل لقلت: في بجادين مزمل بهما أو فيهما، فلم تثنه لأنه لا ضمير الآن فيه، ألا ترى إن حرف الجر وما جرَه في موضع رفع بمزمَل، ومحالٌ أن يكون فيه ضمير وقد رفع ما بعده؛ لأن الفعل وما جرى مجراه لا يَرفع
[ ٥٦ ]
اسمين إلا على وجه الاتباع وطريق الإشراك. وكان هذا الوادي أو الجبل إنما سمى مخيما لأن قوما حاموا فيه أو خاموا إليه أي فزعوا إليه واعتصموا به أما باستخفائهم في الوادي أو توَقُّلهم في الجبل. والله أعلم.
لهامهم بمِدْفارٍ صياحٌ يُدَعَي بالشراب بني تميم
قال " مدفار " بلد لبني تميم، وإنما هو مِدْفرٌ فمدَه فقال: مدفار. لو أنه قال بمدفر مقصورا غير ممدود لجاز في وزن هذا البحر، ألا ترى أنه من الوافر، وكأن الجزء يكون لهامهمي: " مفاعلتن "، بمدفر: " مفاعلن "، فكان الجزء يكون معقولا كما ترى، إلا أنه آثر ارتكاب الضرورة مخافة زحاف الجزء، وليس هذا مذهب الجفاة الفصحاء. قال أبو عثمان في تصريفه: " وأما الجفاة الفصحاء فأنهم لا يبالون كسر البيت مخافة زيغ الإعراب ". يعني أبو عثمان بكسر البيت الزحاف لا الكسر الصريح، فأما الكسر البتة فغير جائز على حال فاعرف ذلك. فأجابه عبد مناف بن ربع "من الوافر":
ألا أبْلغْ بني ظَفَرٍ رسولًا ورَسْبُ الدَّهْرِ يَحْدُث كُلَّ حين
أحقًا أنَّكُمْ لما قَتَلْتُمْ ندامايَ الكرامَ هَجَوتموني
" أنَّ " مرفوعة الموضع بالظرف الذي هو حقا، وذلك أن " حقًا " هذه في الأصل إنما هي مصدر: حققت الأمر حقا، ثم أنه استعمل استعمال
[ ٥٧ ]
الظرف فرفع أن كما يرفعها الظرف في قولك: " في غالب ظني أنك منطلق " فإن قلت فلعل موضع " أنَ " نصب بالفعل الذي هو " حقا " مصدره كأنه قال: أتحقون حقا أنكم قتلتم. قيل هذا فاسد، وذلك أن حقا هذه قد أزيلت عن أصلها فأصيرت إلى أحكام الظرف. والدليل على رفض ذلك الأصل والمصير إلى حكم هذا الفرع ما انشده أبو زيد " من الطويل ":
أحقًا بني أبناء سلمى بن جندل تهدّدّكم إياي وسْطَ المجالسِ
فارتفاع " تهددكم " به يزيل عنك هذه الشبهة في بابه.
وفيها:
وَرَدْناه بأسيافٍ حِدَادٍ خَرَجْنَ قُبيلُ من عِنْدِ القُيوِن
قلما يستعمل البناؤ على الضم في " قبلُ " و" بعدُ " وهما مصغرتان، واكثر ما يأتي البناء فيهما مكبرتين. وعلة ذلك عندي أن بناءهما يلحقهما بضعف الحرف، وتحقيرهما يبقى عليهما قوة الاسم فتنافت الحالان فَقَلَّ لذلك جمعهما. ومما جاء محقرا من ذلك ما أنشدناه محمد بن علي عن أبي إسحاق للشنفري " من الطويل ":
إذا وردت أصدرتها ثم إنها تنوب فتأتي من تُحيتُ ومن عَلُ
فأن قلت قد اتسع عنهم تحقير المبنى وذلك في الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة نحو قولهم في تحقير ذا: ذيّا، وفي تا: تّيا، وفي الذي: اللذيّا، وفي التي: اللتيا، وفي أُلا: أُليا، وفي أولاء: أُليَاء،
[ ٥٨ ]
وهو واسع وكلها مبني. قيل هذه أسماء لا أصل لها في الإعراب فلما حقرت لم تنجذب إلى تمكن المعرب فاحتمل التحقير مع بنائها كما يحتمل في وصفها نحو: مررت بهذا العاقل، وبالذي في الدار الظريف. والتحقير ضرب من الوصف يعرض للاسم. قال أبو علي: ألا ترى إ، فائدة قولك: مررت بدويرة، وهو فائدة قولك: مررت بدار صغيرة. وليس كذلك " قبلُ " و" بعد " و" تحت " من قبل أن هذه أسماء معربة الأصول في نحو: جئت قبلك ومن قبلك وبعدك ومن بعدِك، وصار تحتك ومن تحتِك. وإنما بُنيت في بعض المواضع لشبه ما من شبه الحرف عارضها، فلما كان أصلها الإعراب وكثر به الاستعمال كرهوا أن يدخلها التحقير وهو من خواص الاسم فيقوي فيها من قوة الاسمية، وأن يصيروها إلى ضعف الحرف ببنائها لأن ما فيها من قوة الاسمية أنهضها وجذب بصبعها عن ضعف الحرفية فلذلك قَلَّ البناء في محقرها لتدافع الأمرين. وإنما جاز بعد ذلك البناء لأن المحقر في كثير من المواضع مراعى في حكم المكبر، ألا ترى إنك تقول في تحقير " مقام ": مُقيِّم بالإعلال لا غير؛ لاعتلال مكبره، وتقول في " مِقْوَد ": مُقَيْوِد، فتصحه لصحة مكبره. فكما جاز تحقير " قبلُ " و" بعدُ " معربين كذلك جاز تحقيرهما - وأنْ قَلَّ - مبنية. هذا وجه جواز هذا، وذلك وجه امتناعه، فلذلك تعدَّل الأمر فيهما أو كاد.
وقال عبد مناف بن ربع الجربي أيضا " من الطويل ":
أَلا ليتَ جَيْشَ العَيْر لاقوا كتيبةً ثلاثين منا ضَرْعَ ذاتِ الحفائِلِ
" الحفائل " يجوز في القياس همزه من وجه وترك همزه من آخر،
[ ٥٩ ]
أما وجه همزه فأن يكون واحده حفلية أو حُفالة أو نحو ذلك فجرى مجرى سفينة وسفائن ورسالة ورسائل وحُسالة وحسائل ودجاجة ودجائج وركوبة وركائب. وأما وجه ترك همزه فأن يكون في واحده باء متحركة نحو حِشْيَل وحثايل وعِثْيَر وعثاير، فكأنه اذن " حَفْيَل " و" حفايل " أو " عُليُب " و" علايب ".
فِدى لبنى عَمْرو وآل مُؤَمِّلٍ غَداةَ الصباحِ فِديةً غَيْرَ باطِلِ
يقول: افديهم فدية ليس فيها باطل، أي احب أن أفديهم. أما قولهم " فدى " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون منصوبا بفعل مضمر كأنه قال: افديهم فدى، والفراء يمد ويقصر. فقوله: " فدية غير باطل " بدل من قوله " فدى " أو منصوب بفعل آخر دل عليه " فدى ". واللام التي في " لبنى " وصف لفدى، ولا يجوز على هذا أن تعلق اللام بنفس فدى وذلك أن المصدر إنما يعمل إذا كان في تقدير " أنْ والفعل " نحو: عجبت من ضربك زيدًا، أي: من أنْ ضربت زيدا. وإذا كان المصدر تابعا لفعله منصوبا نصب المصدر به لم يجز أن يقدر تقدير " أنْ " والفعل. ألا ترى إنك لا تقول: قُمْتُ أَنْ قُمْتَ، كما تقول: قمت قياما. فإذا كان كذلك كانت اللام في قوله: " فدى لبنى عمرو " متعلقة بنفس الفعل الناصب لفدى كما إنك إذا قلت: ضربت ضربا زيدًا، فإنك تنصب زيدا بنفس ضربت لا بضرب، فهذا وجه. والآخر: أن يكون مرفوعا لانه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنا فدى لبنى عمرو. فإذا كان كذلك احتملت اللام أمرين. أحدهما: أن يكون صفة لفدى، والآخر: أن تكون متعلقة بنفس " فدى "، فلا
[ ٦٠ ]
يكون فيها أذن ضمير لتعلقها بالظاهر. وإذا كانت صفة كان فيها ضمير لتعلقها بالمحذوف. ووجه ثالث: وهو أن يكون " فدى " هنا مبنيا لوقوعه موقع الأمر، كأنه قال: لأفد بني عمرو، فيكون في " فدى " على هذا ضمير الشاعر عبد مناف، وتكون اللام على هذا متعلقة بنفس " فدى " إلا أنه لما نكرّه نونه كقوله " من البسيط ":
مهلاَ فداء لك الأقوام كلهم " وما أثمر من مال ومن ولدِ "
وكما انشد أبو زيد " من الرجز ":
ويهًا فداء لكَ يا فضاله " أجرَّه الرمح ولا تهاله "
أي: لأَفدك يا فضالة. ولا يجوز أن تكون اللام في " لبنى " على هذا الوجه وصفا لفدى؛ لأنه جارٍ مجرى الفعل، والفعل لا يجوز وصفه كما إن اللام من " سقياَ لك " لا يجوز أن تكون وصفا لسقيًا لوقوعه موقع: سقاك الله وأما قوله: " غداة الصباح "، والغداة لا تكون إلا للصباح دون المساء، فإنما فائدة ذلك إن الصباح وأن كان في الأصل مصدرا واسما لمعنى المصدر ثم ظرفا في قولك: جئتك صباحا، كأنه قد دخله فيما بعد معنى آخر جديد، وهو أنه قد صار كالعبارة عن الغارة وبث الخيل على العدو وكقولهم: هذا من فرسان الصباح، أي فرسان غارة الصباح. قال " من الطويل ":
بجرد تعادى بالكماة شوازبا وخَيل إلى داعي الصَباح سراع
فكأنه قال: غداة الغارة. وإذا كان كذلك حصلت فيه الفائدة، ألا ترى أنه ليس كل غداة للغارة كما أن كل غداة لا تكون إلا صبحًا فاعرف ذلك.
[ ٦١ ]
هْمُ منعوكم من حُنين ومائِه وهم أسلكوكم أَنْفَ عاذِ المطافِلِ
والمطاحل. وروى أبو عمرو: أنف عاد، بالدال غير معجمةٍ. الألف فيهما جميعا منقلبة من عاد يعود، ومن عاذ بالشيء يعوذ. ويجوز فيهما كليهما أن يكونا فاعلا من عدوت ومن العداوة، وهي الأرض المطمئنة التي لا ماء لها فتكون اللام محذوفة لسكونها أو سكون أو سكون اللام بعدها كقولك: عجبت من قاضِ البلد. والقول الأول القوي. ويجوز أيضا أن يكونا فاعلا من عاد يعود، وعاذ يعوذ كأنه من الأصل: عائد وعائذ، إلا أن العين حذفت كلاث وشاكٍ.
وفيها:
وآخرَ عَريان تَعَلَّقَ ثوبُه بأهداب غُصْنٍ مُدْرا لم يقاتِلِ
يكون " مدبرا " حالا من الضمير في عريان، ويجوز أن يكون حالا من الهاء في ثوبه. فقد جاءت الحال من المضاف إليه كقوله:
كأنّ حوامَيه مدبرا
وكقوله:
كأنّ سراته لدى البيت قائما
وقد تقدم ذكره.
[ ٦٢ ]
وفيها:
تركنا ابن حَنواء الحَعور مُجَدَّلا لدى نفرٍ رؤوسهم كالفياشلِ
ذهب بعضهم غلى زيادة اللام في " فيثلة " لقولهم في معناها الفيشة قال " من الرجز ":
وفيشة ليست كهذا الفيشِ
وان يكونان اصلين أمثل فتكون فيشلة: " فيعلة " من " د ف ل "، وتكون فيشة كبيضة. ومثله: " عددطيس وطيسل "، فطيس كبيت وطيسل كصيرف. وذهب محمد بن حبيب إلى زيادة اللام في غسل واشتقها من العنس، فوزن غسل على هذا " فَعْللَ ". اللام الثانية زائدة لا محالة. ولو بنيت مثلها من الضرب لقلت: ضَرْبْل، ومن القيام: قومل، ومن البيع: بَيْعلَ. فأما زيادة اللام قي غير هذا فقولهم: ذلك وأولالك وهنالك، وعبدل وزيدل في معنى زيد وعبد الله. وقالوا للأفحج: فحجل. ومثل طيس وطيسل في تداخل الأصلين قولهم:
[ ٦٣ ]
ضَيّاط وضيطار، وجاء بالهيل والهَيلِيان. وقالوا: الهِلِّمان، ومثله رخو ورخود، وأشباهه كثيرة.
وفيها:
فعيني ألا فأبكي دُبَيّة أنه وَصولٌ لارحام، ومِعطْاءُ سائل
دببة: علم، فيجوز أن يكون تصغير " دَباة " كقناة وقُنية، وحصاة وحُصيّة. وأما لامه فياء لقولهم: أرض مدببة إذا أصابها الدَّبي. وقد قيل فيما أظن: مَدْبُوَّةٌ، فهي على هذا واو، والفاء الأولى في قوله " فيعن " عاطفة على ما قبلها كالجواب له وهو كقولك، قام زيد فقم معه. فالفاء عاطفة، وكالجواب. وأما الفاء الثانية فكالجواب أيضا لقوله: " ألا "، وذلك أن فيها معنى التنبيه وافتتاح الكلام فكأنه قال: أنبهك يا عيني فابكي. ومثله قوله " من الطويل ".
ألا فاسقياني فَيْهَجا جَيْدَريّة بما سحاب يسبق الحق وباطلي واما همزته " معطاة " فبدل من واو يقال: عطوت الشيء أي تناولته وأعطانيه غيري. قال " من الطويل ":
وتعطو برخص غير شثنٍ كأنه أساريع أو مساويك اسحل
[ ٦٤ ]
وقال الآخر " من الطويل ":
تَحُتُّ بقرنيها بَريرَ أراكه وتعطوا بظلفيها إذا الغصن طالها
وقال عبد مناف أيضا " من الكامل ": ولقد أتاكم ما تصوب سيوفنا بعد الهَوَادةَ كُلَّ أحمر صِمْصِمِ " قال " أبو عمرو: بعد الهداوة أي بعد هدوء من الليل. وصمصم ليث من الرجال إذا كان له كلام وعارضة وهم المَلْيَثَةُ والملاوث. تفسير أبي عمرو الهداوة بأنها الهدوء ليس تفسيرا لفظيا، وإنما هو تفسير على المعنى دون اللفظ. وقد يمكن أن تكون الهداوة من لفظ: هدأت إلا انه لو أبدل الهمزة من هدأة واوا كما قالوا في النسب إلى الشاء والماء: شاوى وماوية، وهي المرآة إنما هي منسوبة إلى الماء وبها سميت المرآة لصفائها وبريقها. وعليه بيت الكتاب " من الرجز ":
ورب خرق نازح فَلاتُه لا يتفع الساويّ فيها شاتُه
[ ٦٥ ]
ولا حماراه ولا عَلاتُه إذا علاها اقتربت وفاتُه
ويؤكد عندك البدل إنا لا نعرف في اللغة تصريف " هـ د و"، ومثله عندي ما أنشدناه أبو علي " من الطويل ":
موالي حلف لا موالي قرابة ولكن قطينا يحلبون الأتاويا
حمله أبو علي على أنه مثل " من مشطور الرجز ":
سماء الإله فوق سبع سمائيا
قالوا: وإذن ابد من همزة الأتآيّ، ولم يذكر البدل. وقد كان الأليق به لو فعل. وقوله: " المليثة " و" الملاوث " ليسا من لفظ واحد وإنما مليئة من الليث كمسبعة من السبع وعينها ياء كما ترى. واما الملاوث فإنه من لاث يلوث، كأنّ الناس يلوثون بهن أمورهم وحوائجهم. رجل ملاث ورجال ملاوث. وأصله مصدر وصف به.
وفيها:
لولا تفلق بالحجارة رأسه قبل السيوف أتاكم لم يُكْلَمِ
[ ٦٦ ]
أراد: لولا ان تفلق فحذف " أنْ " وأوقع الفعل. وقد سبق القول في مثله فيه قول رؤبة " من الرجز ":
لولا يُدالي خفضةَ القدحِ انزرَقْ
وفيها:
كانت على حَيّانَ صولةٍ منى فأخضبُ صفحتيهِ من الدمِ
أنث " أولًا " حملا على المعنى كبيت الكتاب " من الكامل ":
الحربُ أولُ ما تكون فُتيّةٌ تسعى ببزتها لكل جَهولِ
فيمن رفع " فُتَيَة "، وله نظائر. وقوله " فأخضبُ " أي فخضبت، فوضع المضارع موضع الماضي كما قال: " من الكامل ":
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني فمضيت ثُمّتَ قلتُ لا يعنيني
وقد قدمت القول على هذا الفصل.
[ ٦٧ ]
وفيها: أنْحي صبيَّ السيفِ وسْطَ بيوتهم شقّ المعيّث في أديم المَلْطَمِ
قال: " صبيّ السيف ": حرفه. ينبغي أن تكون لام صبي واوا لانه من صَبَوتُ أي: مِلتُ وذلك أن حرف السيف مما يُمال إلى الضريبة لضربها، ألا تراه قد قرنه باُنجى وهي " أععْلُ " من نحوتُ نحوَ كذا أي: ملت إليه، فإن قلت فعلَّه من صبَأتُ أي: مِلتُ. فذلك يضعف هنا لانه لو كان منها مخففا لجاز تحقيقه ولم اسمعه محققا، وليس بقياس أن تجعله مما ألزم التخفيف كبرى والنبيّ والبريّة لقلّة ذلك.
وقال عبد مناف من بيتين " من الطويل "
وماليَ فيهم معتَبٌ أن عَتبتُهُ عليهم، وما فيهم لدي الظلمِ مَنْصَرُ
يقول لا يعتبونني ولا ينصرونني. ينبغي أن تكون الهاء في " عَتبتهُ " ضمير مصدر فكأنه قال: ان عتبت عتبا عليهم. فأضمره لدلالة فعله عليه كما قال " من مجزوء الكامل ":
مِن كُلّ ما نال الفتى قد نلته إلا التحيّة
أي قد نلت من كلّ شيء قد نلت نيلا. وقوله: " من كل
[ ٦٨ ]
ما نال " هو مفعول نلتُ كقولك من الماء شربت ومن الطعام أكلت فإذا استوفى مفعوله علمت أن الهاء في " نلته " إنما هي ضمير مصدر لا ضمير مفعول، وكذلك قول الآخر وهو من أبيات الكتاب " من البسيط ".
هذا سراقَةُ للقرآن يدرُسُهُ والمرء عند الرشا أن يلقها ذيب
أي يدرس درسا. ألا ترى أن قوله " للقرآن " هو مفعول " يدرس "، فإن قلت فإن هذا الفعل لا يتعدى باللام، ألا تراك لا تقول: درست للقرآن، فإنه لما قدمه جاز إلحاق اللام به لأن تقديم المفعول يضعف الفعل شيئا. ألا ترى إلى قول الله تعالى: (إنْ كُنْتُمْ للرؤيا تَعْبُرون). أي: تعبرونها. فإذا جاز " أريد لأنسى ذكرها وأردت لكيما لا ترى لي ذلّةً، فهو مع التقديم أجوز من ضمير المصدر. قراءة ابن عامر: فبهُداهم اقتدِ ": أي اقتد الاقتداء. ومنه قولهم: من كذب كان شرا له وابلغ من قوله: " من الوافر ":
إذا نُهى السفيهُ إليه وخالَفَ والسفيهُ إلى خلاف
أي إلى السَفه، ألا ترى أنه لم يذكر فعلا فيدلّ على مصدره وإنما ذكر اسما وهو السفيه. ودلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالة السم عليه، فالهاء إذن ي " عتبنُه " منصوبة على المصدر، ويجوز أيضا أن تكون منصوبة لأنها مفعول له فيصير تقديره: ما فيهم أعتاب إن عتبت له ومن أجله. أي من أجل امتناعه. فحذف المضاف كقوله " من المتقارب ":
وأهلَكَ مهرَ أبيكَ الدواءُ ليس له من طعامٍ نصيب
[ ٦٩ ]
أي فقدُ الدواء. وأنشدناه أبو علي ﵀ وأنشدنا أيضا معه " من الطويل ":
وإني لاستحيي وفي الحق مستحى إذا جاءَ باغي العُرفِ إن أتعذّرا
أي في ترك الحق مستحى. وأنشده الرواة للخنساء " من البسيط ": يا صخرُ ورادّ ماءٍ قد تناذره أهلُ المواردِ ما في ورده عارُ أي ما في ترك ورده، وهو كثير.
ومما اتصل به من شعر أبي ذؤيب:
ردّوا السبيّ والنَّعم يا حَبَّذا ريحُ الدم
نظر السيرافي في الحاشية: أظنه عنه مكسور. وهذا في الحقيقة ليس مكسورا وإنما هو من بحر آخر وهو المنسرح. الضرب الثالث ووزنه " يا حبْ بذا ": " مستفعلن ". " ريحُ حُدْ دَم ": " مفعولن " وبيته من البحر " ويلمّ سعد سعدا " فاستعمل ابو ذؤيب " مفعولن " مكان " مستفعلن "، فانتقل من بحر غلى بحر. فأما أن يكون كسرا فلا وذلك أن الشعر المكسور هو الذي لا يقبله وزن من الأوزان فأما إذا قبله بعضا فاعتقاد كسره خطأ.
[ ٧٠ ]