إبراهيم بن هرمة:
وبعض القول يذهب في الرّياح
وطيب العيش في خبث الحرام
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلقٌ وجيب قميصه مرقوع
كتاركةٍ بيضها بالعراء وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
إنّ الذي شقّ فمي ضامن الرّزق حتى يتوفّاني
[ ٧٣ ]
وحسبك تهمةً ببريّ قومٍ يضمّ على أخي سقمٍ جناحا
بشار بن برد:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبًا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا أو صل أخاك فإنّه مقارف ذنبٍ مرّةً ومجانبه
إذا انت لم تشرب مرارًا على القذى ظمئت وأيّ النّاس تصفو مشاربه
إذا بلغ الرّأي المشورة فاستعن بحزم نصيحٍ أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشّورى عليك غضاضةً فإنّ الخوافي قوةٌ للقوادم
وما خير كفٍّ أمسك الغلّ أختها وما خير سيفٍ لم يؤيّد بقائم
كبكرٍ تحبّ لذيذ النّكاح وتفزع من صولة النّاكح
أنت من قلبها مكان شرابٍ تشتهي شربه وتخشى صداعه
الحرّ يلحى والعصا للعبد وليس للملحف مثل الردّ
وصاحبٍ كالدّمّل الممدّ حملته في رقعةٍ من جلدي
[ ٧٤ ]
وإذا جفوت قطعت عنك منافعي والدرّ يقطعه جفاء الحالب
ولولا الذي خبروا لم أكن لأمدح ريحانةً قبل شمّ
تأتي المقيم وما سعى حاجاته عدد الحصى ويخيب سعي النّاصب
لقد علمت وما الإسراف من خلقي أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى لأطلبه فعيني تطلبه ولو قعدت أتاني لا يعنّيني
أنا والله أشتهي سحر عيني ك وأخشى مصارع العشاق
ترجوا غدًا وغدٌ كحاملةٍ في الحيّ لا يدرون ما تلد
تسقط الطّير حيث ينتثر ال حبّ وتغشى منازل الكرماء
ليس يعطيك للجزاء ولا للخو ف ولكن يلذّ طعم العطاء
والصعب يمكن بعد ما جمحا
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظةٍ
[ ٧٥ ]
ولن تبلغ العليا بغير دراهم
وكل ما سدّ فقرًا فهو محمود
أبو العتاهية:
أذلّ الحرص أعناق الرجال
وكلّ غنيٍّ في العيون جليل
روائح الجنّة في الشباب
وأيّ الناس ليس له عيوب
إنّ الشباب والفراغ والجده مفسدةٌ للمرء أيّ مفسده
أنت ما استغنيت عن صا حبك الدّهر أخوه
[ ٧٦ ]
فإذا احتجت إليه ساعةً مجّك فوه
ما يحزر المرء من أطرافه طرفًا إلا تخوّنه النقصان من طرف
يصاد فؤادي حين أرمي ورميتي تعود إلى نحري ويسلم من أرمي
ولربّ شهوة ساعةٍ قد أورثت حزنًا طويلا
إن كان لا يغنيك ما يكفيكا فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا
سلم بن عمرو:
من راقب النّاس مات غمًّا وفاز باللّذة الجسور
لولا منى العاشقين ماتوا غمًّا وبعض المنى غرور
ولو ملكت عنان الريح تصرفه في كلّ ناحيةٍ ما فاتك الطلب
لا تسأل المرء عن خلائقه في وجهه شاهدٌ من الخبر
صالح بن عبد القدوس:
لا يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسه
[ ٧٧ ]
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه
فإذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضّنى عاد إلى نكسه
وإن عناءً أن تفهّم جاهلًا ويحسب جهلًا أنّه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
إذا وترت امرءًا فاحذر عداوته من يزرع الشّوك لم يحصد به عنبا
شرّ المواهب ما تجود به في غير محمدةٍ ولا أجر
لا تجد بالعطاء في غير حقٍّ ليس في منع غير ذي الحقّ بخل
إنّما الجود أن تجود على من هو للجود منك والبذل أهل
يشقى رجالٌ ويشقى آخرون بهم ويسعد الله أقوامًا بأقوام
وليس رزق الفتى من حسن حيلته لكن جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام
كالصيّد يحرمه الرّامي المجيد وقد يرمي فيرزقه من ليس بالرّامي
كلّ آتٍ لا شكّ آتٍ وذو الجه ل معنّى والغمّ والحزن فضل
والبة بن الحباب:
إن كان يجزى بالخير فاعله شرًا ويجزى المسيء بالحسن
فويل تالي القرآن في ظلم اللّي ل وطوبى لعابد الوثن
[ ٧٨ ]
ابن مناذر:
يا عجبًا من خالدٍ كيف لا يخطىء فينا مرّةً بالصّواب
وأرانا كالزّرع يحصده الدّهر فمن بين قائمٍ وحصيد
وكأنّا للموت ركبٌ يخبّون سراعًا لمنهلٍ مورود
أبو نواس:
دع عنك لومي فإنّ اللّوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
ولربّ إحسانٍ عليك ثقيل
وللّرجاء حرمةٌ لا تجهل
من فرص اللّص ضجّة السّوق
أية نار قدح القادح وأي جدٍّ بلغ المازح
من يعمل الطّين يأكل الطّينا
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشّفت له عن عدوٍّ في ثياب صديق
[ ٧٩ ]
لا أذود الطّير عن شجرٍ قد بلوت المرّ من ثمره
وليس لله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحد
صار جدًّا ما مزحت به ربّ جدّ جرّه اللّعب
كفى حزنًا أنّ الجواد مقتّرٌ عليه ولا معروف عند بخيل
وأوبة مشتاقٍ بغير دارهم إلى أهله من أعظم الحدثان
أبو عيينة المهلبي:
وكيف جحود القلب والعين تشهد
ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وشتّان ما بين الولاية والعزل
لو كما ينقص يز داد إذًا نال السّماء
أبوك لنا غيثٌ نعيش بظلّه وأنت جرادٌ لست تبقي ولا تذر
[ ٨٠ ]
عبد الله بن محمد بن أبي عيينة:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى فتهون غير شماتة الحسّاد
ما كنت إلا كلحمٍ ميّتٍ دعا إلى أكله اضطرار
من آنسته البلاد لم يرم منها ومن أوحشته لم يقم
ومن يبت والهموم قادحةٌ في صدره بالزّناد لم ينم
العباس بن الأحنف:
صدّ الملول خلاف صدّ العاتب
ولا خير في ودٍّ يكون بشافع
من عالج الشّوق لم يستبعد الدّارا
[ ٨١ ]
شغل الحلي أهله أن يعارا
صرت كأني ذبالةٌ نصبت تضيء للناس وهي تحترق
أرى الطريق قريبًا حين أسلكه إلى الحبيب بعيدًا حين أنصرف
كفى حزنًا أن التباعد بيننا وقد جمعتنا والأحبّة دار
أقمنا مكرهين بها فلمّا ألفناها رحلنا كارهينا
مسلم بن الوليد:
دلّت على عيبها الدنيا وصدّقها ما استرجع الدّهر مما كان أعطاني
يعدّ الفتى مرّ الليالي سليمةً وهنّ به عما قليلٍ عواثر
الشيب كرهٌ وكره أن يفارقني أعجب بشيءٍ على البغضاء مودود
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه عرضٌ عززت به وأنت ذليل
[ ٨٢ ]
منصور بن الزبرقان النمري:
لعلّ له عذرًا وأنت تلوم وكم لائمٍ قد لام وهو مليم
ما كنت أوفي شبابي كنه عزّته حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
أقلل عتاب من استربت بودّه ليست تنال مودة بقتال
إنّ المنيّة والفراق لواحدٌ أو توأمان تراضعا بلبان
العتابي:
فإنّ عظيمات الأمور مشوبةٌ بمستودعاتٍ في بطون الأساود
ولله في عرض السماوات جنةٌ ولكنها محفوفةٌ بالمكاره
قلت للفرقدين والّليل ملقٍ سود أكنافه على الآفاق
ابقينا ما استطعتما فسيرمي بين شخصيكما بسهم الفراق
[ ٨٣ ]
أشجع السلمي:
وعلى عدوّك يا بن عمّ محمدٍ رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذل تنبّه رعته وإذا هدى سلّت عليه سيوفك الأحلام
داءٌ قديم في بني آدم فتنة إنسانٍ بإنسان
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه وليس لمن تحت التراب نسيب
لا بدّ للمشتاق من ذكر الوطن واليأس والسّلوة من بعد الحزن
سبق القضاء بكل ما هو كائنٌ فليجهد المتقلّب المحتال
الخريمي:
وأعددته ذخرًا لكلّ ملمةٍ وسهم الرّزايا بالذّخائر مولع
إذا ما مات بعضك فابك بعضًا فبعض الشيء من بعضٍ قريب
أرى الحلم في بعض المواطن ذلّةً وفي بعضها عزًّا يسوّد فاعله
ودون النّدى في كلّ قلبٍ ثنيّةٌ لها مصعدٌ حزنٌ ومنحدرٌ سهل
[ ٨٤ ]
العيش لا عيش إلا ما قنعت به قد يكثر المال والإنسان مفتقر
وهل حازمٌ إلا كآخر عاجزٍ إذا حلّ بالإنسان ما يتوقّع
محمود الوراق:
وإذا غلا شيءٌ علّي تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
ما كدت أفحص عن أخي ثقةٍ إلا ذممت عواقب الفحص
ولم أر بعد الدين خيرًا من الغنى ولم أر بعد الكفر شرًّا من الفقر
الدّهر لا يبق على حاله لكنّه يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهةٍ فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبر
إذا كان وجه العذر ليس ببيّنٍ فإنّ اطّراح العذر خيرٌ من العذر
محمد بن حازم الباهلي:
لم يك لي شكلًا ففارقته وللناس أشكالٌ وألاّف
ربّ غريبٍ ناصح الجيب وابن عمٍّ متهم الغيب
وربّ عيّابٍ له منظرٌ مشتمل الثوّب على العيب
[ ٨٥ ]
لا تعجبنّ لأحمقٍ نال الغنى من غير كدّه
ولعاقلٍ ما يستت ب فكلّهم يسعى بجدّه
ألا إنما الدنيا على المرء فتنةٌ على كلّ حالٍ أقبلت أم تولّت
اللجلاج الحارثي:
إذا المرؤ لم يدنس من الّلؤم عرضه فكل رداءٍ يرتديه جميل
إذا كنت ملحيا مسيئًا ومحسنًا فغشيان ما تهوى من الأمر أكيس
وما زرتكم عمدًا ولكنّ ذا الهوى إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرّجل
إذا ما أهان امرؤٌ نفسه فلا أكرم الله من يكرمه
محمد بن أبي زرعة الدمشقي:
لا يؤنسنّك أن تراني ضاحكًا كم ضحكةٍ فيها عبوسٌ كامن
قد يهزّ الهنديّ وهو حسامٌ ويحثّ الجواد وهو جواد
[ ٨٦ ]
أبو الشيص:
لا تنكري صدّي ولا إعراضي ليس المقلّ عن الزّمان براض
إذا لم يكن طرق الهوى لي ذليلةً تنكبتها وانحزت للجانب السّهل
عليّ بن جبلة:
وأرى اللّيالي ما طوت من شرتي ردّته في عظتي وفي إفهامي
وعلمت أنّ المرء من سنن الرّدى حيث الرّميّة من سهام الرّامي
وخافت على التّطواف فوتي وإنّما تصاد غرار الوحش وهي رتوع
عبد الصمد بن المعذل:
ليس لي عذرٌ ولي بلغةٌ إنّما العذر لمن لا يستطيع
وأعلم أنذ بنات الرجاء تحلّ العزيز محلّ الذليل
وأن ليس مستغنيًا بالكثير من ليس مستغنيًا بالقليل
أرى النّاس أحدوثةً فكوني حديثًا حسن
[ ٨٧ ]
كأن لم يزل ما أتى وما قد مضى لم يكن
إذا وطنٌ رابني فكل بلادٍ وطن
الحمدوني:
إن المقدّم في حذقٍ بصنعته أنّى نوجّه فيها فهو محروم
إذا ما اتّقيت على قرحةٍ فكلّ بلاءٍ بها مولع
العتبي:
قالت عهدتك مجنونًا فقلت لها إن الشباب جنونٌ برؤه الكبر
وحسبك من حادثٍ بامرىءٍ ترى حاسديه له راحمينا
أبو سعيد المخذومي:
وكم رأينا في الدهر من أسدٍ بالت على رأسه ثعالبه
[ ٨٨ ]
إذا ضنّ الجواد بما لديه فما فضل الجواد على البخيل
ليس لبس الطّيالس من لباس الفوارس
لا ولا حومة الوغى كصدور المجالس
وظهور الجياد غي ر ظهور الطّنافس
ليس من مارس الحرو ب كمن لم يمارس
دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجلٍ ضحك المشيب برأسه فبكى
هي النّفس ما حسنته فمحسنٌ إليها وما قبّحته فمقبّح
جئنا به يشفع في حاجةٍ فاحتاج في الإذن إلى شافع
تلك المساعي إذا ما أخّرت رجلًا أحبّ للناس عيبًا كالذي عابه
كذاك من كان هدم المجد عادته فإنّه لبناة المجد عيّابه
رفع الكلب فاتّضع ليس في الكلب مصطنع
أرى فيأهم في غيرهم متقسّمًا وأيديهم من فيئهم صفرات
بنات زيادٍ في القصور مصونةٌ ونبت رسول الله في الفلوات
[ ٨٩ ]
وآل رسول الله نحفٌ جسومهم وآل زيادٍ غلّظ القصرات
إسحاق الموصلي:
إن ما قلّ منك يكثر عندي وكثيرٌ من الحبيب القليل
وكلّ مسافرٍ يزداد شوقًا إذا دنت الديار من الدّيار
المؤمّل بن اميل:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
لا تحسبوني غنيًّا عن مودّتكم إنّي إليكم وإن أيسرت مفتقر
إبراهيم بن العباس:
وربّ أخٍ ناديته لملمّةٍ فألفيته منها أجلّ وأعظما
[ ٩٠ ]
وكنت أذمّ إليك الزّما ن فأصبحت فيك أذمّ الزّمانا
وكنت أعدّك للنّائبا ت فها أنا أطلب منك الأمانا
دنت بأناسٍ عن تناءٍ زيارةٌ وشطّ بليلي عن دنوٍّ مزارها
وإنّ مقيماتٍ بمنعرج اللّوى لأقرب من ليلي وهاتيك دارها
أبو علي البصير:
فلا تعتذر بالشّغل عنّا فإنّما تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل
لعمر أبيك ما نسب المعلّى إلى كرمٍ وفي الدّنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرّت وصوّح نبتها رعي الهشيم
سعيد بن حميد:
إن جهد المقلّ غير قليل
وعلى المريب شواهدٌ لا تنكر
[ ٩١ ]
وإنّك كالدّنيا نذمّ صروفها ونوسعها عيبًا ونحن عبيدها
علي بن الجهم:
ولكلّ حالٍ معقبٌّ ولربّما أجلى لك المكروه عمّا يحمد
ارض للسّائل الخضوع وللقا رف ذنبًا غضاضة الإعتذار
ولا ذنب للعود الذّماريّ إنّما يحرّق من دلّت عليه روائحه
وعاقبة الصبر الجميل جميلةٌ وأفضل أخلاق الرجال التّفضّل
ولا عار إن زالت عن المرء نعمةٌ ولكنّ عارًا أن يزول التّجمّل
ابن أبي فنن:
أرى الدّهر يخلقني كلّما لبست من الدّهر ثوبًا جديدًا
سرّ من عاش ماله فإذا حاسبه الله سرّه الإعدام
ربّ أمرٍ سرّ آخره بعد ما ساءت أوائله
[ ٩٢ ]
يزيد بن محمد المهلبي:
لا عار إن ضامك دهرٌ أو ملك
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلّها كفى المرء نبلًا أن تعدّ معايبه
وإن النّاس جمعهم كثيرٌ ولكن من يسرّ به قليل
عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
فإن تلحظي حالي وحالك مرّةً بنظرة عينٍ عن هوى القلب تحجب
ترى كلّ يومٍ مرّ من بؤس عيشتي يمرّ بيومٍ من نعيمك يحسب
أحمد بن أبي طاهر:
ودين الفتى بين التماسك والنّهى ودنيا الفتى بين الهوى والتّغزل
حسن الفتى أن يكون ذا حسبٍ من نفسه ليس حسنه الحسب
إنّي وتزييني بمدحي معشرًا كمعلّقٍ درًّا على خنزير
[ ٩٣ ]
أبو هفان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها لا تعجبي فطلوع البدر في السّدف
وزادها عجبًا أن رحت في سملٍ وما درت درّ أن الدرّ في الصّدف
أبو تمّام حبيب بن أوس الطّائي:
ما الحبّ إلاّ للحبيب الأولّ
إن السماء ترجّى حين تحتجب
لسان المرء من خدم الفؤاد
وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع
ولكنّ خير الخير عندي المعجّل
[ ٩٤ ]
إنّ السّماحة صيقل الأحساب
ما آب من آب لم يظفر بحاجته ولم يغب طالبٌ بالنّجح لم يخب
ومن لم يسلّم للنوائب أصبحت خلائقه طرًّا عليه نوائبا
لأمرٍ عليهم أن تتمّ صدوره وليس عليهم أن تتمّ عواقبه
لا تنكر عطل الكريم من الغنى فالسيل حربٌ للمكان العالي
وإذا تأملت البلاد وجدتها تثرى كما يثرى الرجال وتعدم
وإذا امرؤٌ أسدى إليك صنيعةً من جاهه فكأنها من ماله
خلقنا رجالًا للتجلّد والأسى وتلك الغواني للبكا والمآتم
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ويكدى الفتى في دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى إذًا هلكت من جهلهنّ البهائم
أآلفة النّحيب كم افتراقٍ أظلّ فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الأوبات إلا لموقوفٍ على ترح الوداع
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود
[ ٩٥ ]
ولا اشتعال النّار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وهل يبالي بإقضاض مضجعه من راحة المكرمات في تعبه
خشعوا لصولتك التي هي عندهم كالموت يأتي ليس فيه عار
ذاك الذي قرحت بطون جفونه مرهًا وتربة أرضه من إثمد
وتركي سرعة الصدر اغتباطًا يدلّ على موافقة الورود
ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه مغارم في الأقوام وهي مغانم
وإن امرءًا ضنّت يداه على امرىءٍ بنيل يدٍ من غيره لبخيل
إنّ الرياح إذا ما أعصفت قصفت عيدان نبعٍ ولم يعبأن بالرّتم
أبو عبادة البحتري:
ومن ذا يذمّ الغيث ألا مذمّم
وربّما ضرّ في ذي الحاجة المطر
[ ٩٦ ]
وأبرح مما حلّ ما يتوقّع
وليس يفترق النّعماء والحسد
إن المعنّى طالبٌ لا يظفر
أرى الكفر للنّعماء ضربًا من الكفر
فالأرض من تربةٍ والنّاس من رجل
يزين الّلآلي في النّظام ازدواجها
مضى منك وسميٌّ فجد بوليّه وعوّدت من نعماك فضلًا فواله
وكان رجائي أن أؤوب مملّكا فصار رجائي أن أؤوب مسلّما
[ ٩٧ ]
ننسى أيادي الزّمان فينا وما نذكر من دهرنا سوى نوبه
متى أحوجت ذا كرمٍ تخطّى أليك ببعض أخلاق اللّئيم
والشيء تمنعه يكون بفوته أجدى من الشيء الذي تعطاه
تناس ذنوب قومك إن حفظ الذّ نوب إذا قدمن من الذنوب
وإذا ما خفيت كنت حريًّا أن أرى غير مصبحٍ حيث أمسى
متى أرت الدنيا نباهة خاملٍ فلا ترتقب إلاّ خمول نبيه
والأرض لولا العداة واحدةٌ والناس لولا الفعال أمثال
وأرى النجابة لا يكون تمامها لنجيب قومٍ ليس بابن نجيب
وإذا ما الشريف لم يتواضع للأخلّاء فهو عين الوضيع
وعطاء غيرك إن بذل ت عنايةً فيه عطاؤك
ليس الذي يعطيك تالد ماله مثل الذي يعطيك مال النّاس
[ ٩٨ ]
وتفاضل الأخلاق إن حصّلتها في الناس حسب تفاضل الأجناس
لا ييأس المرء أن ينّجيه ما يحسب النّاس أنه عطبه
يسرّك الشيء قد يسؤوكم نوّه يومًا بخاملٍ لقبه
وإذا صحّت الرويّة يومًا فسواءٌ ظنّ امرءٍ وعيانه
سبيلي أن أعطي الذي يسألونني وحقّي أن يجدى عليّ ولا أجدي
إذا محاسني الّلاتي أدلّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
ويلؤم سائل البخلاء حرصًا وإشفاقًا كما لؤم البخيل