في " ص٦ س ٣ و٧ " أنشد أبو عليٍّ - ﵀ - أشعارًا منها قول بُرية بن النعمان ولم ينسبه أبو عليٍّ - ﵀ -:
لَقَد تَركتْ فُؤَادَك مُسْتَحِنًّا مُطَوَّقةٌ على فَنَنٍ تَغَنَّى
يَمِيلُ بها وتَركَبُهُ بِلَحْنٍ إذا ما عَنَّ للمَحزُونِ أَنَّا
ومنها قول الآخر:
وهَاتِفَيْنِ بشَجْوٍ بعَد مَا سَجَعَتْ وُرْقُ الْحَمَامِ بتَرْجيعٍ وإرْنَانِ
بَاتَا على غُصْنِ بانٍ في ذَرَى فَنَنٍ يُرَدِّدَانِ لُحُونًا ذاتَ ألوانِ
[ ١ / ١٦ ]
وفسر ما ورد في هذه الأشعار من ألحان الحمام أن المراد به اللغات. وإنما المراد به اللحن الذي هو ضرب من الأصوات المصوغة للتغني؛ ودليل ذلك قوله:
مُطوَّقةٌ على فَنَنٍ تغَنَّى
وقول الآخر:
يُرَدِّدَانِ لُحُونًا ذاتَ ألوانِ
إنما أراد ذات ألوان من الترجيع كما قال في البيت قبله:
بِتَرجِيع وإرْنانِ
* * * وفي " ص ٦ س ١٦ " قال أبو علي - ﵀ - وأصل اللحن أن تريد الشيء فتورِّى عنه، كقول رجل من بني العنبر كان أسيرًا في بكر بن وائل. وذكر الخبر بطوله، وفسَّرَ ما فيه إلى قوله: يريد بقوله: إن العرفج قد أدبى: أن الرجال قد استلاموا، أي لبسوا الدروع ليس في قوله: " إن العرفج قد أدبى " دليل على ما ذكره أبو علي - ﵀ - ولا من عادة العرب أن تلبس الدروع إلا في حال الحرب. وأما في بيوتها قبل الغزو فذلك غير معروف، وإنما أراد بذلك أن يؤذنهم وقت الغزو، وينبتهم على التيقظ والحذر. قال أبو نصر - ﵀ -: إدباءُ العرفج: أن يتسق نبته ويتأزر، وإذا اتَّسق النبت وتأزر أمكن الغزو. وقال أبو زياد - ﵀ -: العرفج: نبت طيب الريح أغبر إلى الخضرة، له زهرة صفراء ولا شوك له؛ ويقال له إذا اسودَّ عوده حتى يستبين فيه النبات: قد أقمل، فإذا زاد قليلا، قيل: قد ارقاطَّ، فإذا زاد قليلا، قيل: قد أدبى، وهو حينئذ قد صلح أن يؤكل، فإذا أعتم وطفحت خوصته وأكلأ، وقيل: قد أخوص، فإذا ظهرت عليها خُضرة الرِّيِّ، قيل: عرفجة خاضبة. ومنابت العرفج يقال لها: المشاقر، وهي أيضا: الحومان، وتكون في السهل والجبل.
[ ١ / ١٧ ]
* * * وفي " ص ٧ س ١٠ " وأنشد أبو علي - ﵀ - في آخر هذا الخبر شعرًا أوله:
إنّ الذِّئابَ قد اخْضَرَّتْ بَراثِنهُا والناسُ كُلُّهُمُ بَكْرٌ إذا شَبِعُوا
وقال: يريد الناس كلهم عدو لكم إذا شبعوا كبكر بن وائل. لم يرد الشاعر هذا المعنى، لأن الناس كلهم لم يكونوا عدوا لبني تميم ولا أقلهم، وإنما يريد أن الناس إذا شبعوا هاجت أضغانهم وطلبوا الطوائل والتراث في أعدائهم. فكانوا لهم كبكر بن وائل لبني تميم؛ كما قال الشاعر - أنشده ثعلب عن ابن الأعرابي -:
[ ١ / ١٨ ]
لَوْ وصَلَ الغَيْث ُلاَ بَنْينَ امرأَ كانتْ له قُبّةٌ سَحْقَ بِجَادْ
يقول: لو اتصل الغيث وأخصبنا لا غرنا على الملك وأخذنا متاعه وقبته حتى تحوجه أن يتخذ قبة من قطعة كساء. قال أبو عمرو - ﵀ -: وإنما يغيرون في الخصب لا في الجدب؛ وقال آخر:
يا بن هشامٍ أهلك الناسَ اللّبَنْ فكلّهم يَسْعَى بقَوسٍ وقَرَنْ
يقول: لما كثر الخصب سعى بعضهم إلى بعض بالسلاح؛ وقال آخر:
قومٌ إذا نَبَتَ الربيعُ لهم نَبَتَتْ عَداوتُهم مع البَقلِ
وقال:
وفي البقل إن لم يدفع الله شَرَّهُ شياطينُ يَنْزُو بعضُهنّ إلى بعض
وقال:
قومٌ إذا اخضرَّت نعالُهم يتناهقون تناهُقَ الْحُمرِ
يعني: يتناهقون من الأشر والبغي؛ وبعض الناس يتأول أن النعال هنا: نعال الأقدام، وإنما النعال: الأرضون الصلاب، واحدها نعلٌ؛ وإذا أخصبت النعال فما ظنك بالدِّماث. ومنه الحديث: " إذ ابتلت النعال فصلوا في الرحال " معناه: إذا انزلقت الأرض فصلوا في البيوت.
[ ١ / ١٩ ]
* * * وفي " ص ١١ س ٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ - شاهدًا على حجلت عينه:
وأهْلَكَ مُهْرَ أبِيك الدَّوا ءُ لَيْسَ له من طعامٍ نَصِيبُ
فَتُصْبِحُ حاجِلةً عينهُ لِحْنِو اسْتِهِ وصَلاَهُ غُيُوبُ
هكذا أنشده: مهر أبيك بفتح الكاف، وإنما هو بكسرها. وأنشده: وصلاه، وإنما هو: في صلاه. والشعر لثعلبة بن عمرو الشيباني يخاطب أسماء أم حزنة - امرأة من بني سليمة بن عبد القيس - وهي قصيدة؛ والذي يتصل منها بالشاهد قوله:
أأسماءُ لم تسألي عن أبيكِ والقومُ قد كان فيهمْ خُطوبُ
وأهْلَكَ مُهْرَ أبِيك الدَّوا ءُ لَيْسَ له من طعامٍ نَصِيبُ
خَلا أنّهم كلما أوردوا يُضَيِّع قَعْبًا عليه ذَنُوبُ
فَتُصْبِحُ حاجِلةً عينهُ لِحْنِو اسْتِهِ وصَلاَهُ غُيُوبُ
لأَقَسمَ يَنذِرُ نَذرًا دَمِى وأقسمتُ إنْ نِلتُه لا يَؤُوبُ
فأَتْبْعُته طَعنةً ثَرَّةً يَسِيلُ على النحو منها صَبِيبُ
فإِن قَتَلْته فلم أَرْقِهِ وإن يَنجُ منها فجُرْحٌ رَغِيبُ
[ ١ / ٢٠ ]
هذا الشيباني طعن أبا أسماء هذه المذكورة واكتفى في قوله: أأسماء لم تسألي، بهمزة النداء عن همزة الاستفهام؛ كما قال امرؤ القيس:
أصاحِ ترى بَرْقا أُرِيكَ وَمِضَهُ
والدواء: الصنعة وحسن القيام على الدابة؛ قال يزيد بن خذَّاق:
ودَاوَيْتُها حتى شَتَتْ حبشيّةً كأنّ عليها سُنْدُسًا وسُدُوسا
وقيل: أراد بالدواء: اللبن، وكان أحسن ما يقومون به على الدابة؛ وإنما أراد أهلكه فقد الدواء؛ كما قال النابغة:
فإنِّي لا أُلامُ على دُخُولٍ ولكن ما وَرَاءَكَ يا عِصامُ
أراد على ترك دخول؛ وكذلك قول أبي قيس بن رفاعة:
أنا النذيرُ لكم منّي مُناصحَةً كي لا أُلامَ على نَهْيٍ وإنذارِ
أراد على ترك نهي وإنذار؛ وكذلك قول الخنساء:
يا صخرُ وَرَّادَ ماءٍ قد تناذَرَهُ أهلُ المياه وما في وِرْدِه عارُ
تريد في ترك ورده: ثم قال الشاعر: لا نصيب للمهر من الطعام غير أنهم إذا أوردوا ضيَّحوا له قعبًا بذنوب ماءٍ وسقوه. والحنو: كل ما فيه اعوجاج كحنو الضلع واللحي. والصَّلا: ما عن يمين الذنب وشماله؛ يقول: غاب حنوه في صلاه من الهزال. وهذا أبلغ ما وصف به الهزيل من الدواب؛ وإنشاد أبي علي - ﵀ -:
لحنوا استه وصلاه غيوب
[ ١ / ٢١ ]
لا معنى له ولا وجه، لأن الصَّلا لا يغيب ولا يخفى، وإنما يغيب الحنو فيه ويغمض. وقوله: فأتبعته طعنةً ثرَّةً، يريد كثيرة الدم، من قولهم: عين ثرة. وقوله: فإن قتلته فلم أرقه، كانوا يزعمون أن الطاعن إذا رقى المطعون برأ؛ كما قال زهير بن مسعود:
عشِيّةَ غادرتُ الحُلَيسَ كأنّما على النحرِ منه لَونُ بُرْدٍ مُحَبَّرِ
فلم أَرْقِهِ إن يَنْجُ منها وإن يَمُت فطعنةُ لا غُسٍّ ولا بمُغمَّرِ
وهو معنى قول حاتم الطائي - أنشده ابن الأعرابي -:
سِلاحُك مَرقِيٌّ ولا أنت ضائرٌ عَدُوًّا ولكنْ وَجْهَ مَوْلاك تَخمِشُ
* * * وفي " ص ١٢ س ٣ " وذكر أبو علي - ﵀ - خطبة عبد الملك وإنشاده شعر قيس ابن رفاعة:
مَنْ يَصَْ ناري بلا ذَنْبٍ ولا تِرَةٍ يَصْلَ بنارِ كريمٍ غيرِ غدّارِ
إنما هو أبو قيس بن أبي رفاعة، واسمه: دثار. وقد ذكره أبو علي - ﵀ - بعد هذا في كتابه على صحته. وذلك في الحديث الذي رواه التَّوَّزيّ عن أبي عبيدة قال: كان أبو قيس ابن أبي رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي وسنة إلى الحارث بن أبي شمر الغسانيّ، فقال له يوما وهو عنده: يا أبا قيس، بلغني أنك تفضِّل النعمان عليّ؛ وساق الحديث إلى آخرة. قال أبو عليّ - ﵀ -: والوتر: الذَّحل بكسر الواو لا غير. هذا وهم منه، الواو تفتح وتكسر في الذحل؛ ذكر ذلك يعقوب وغيره.
[ ١ / ٢٢ ]
* * * وفي " ص ١٤ س ١١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للعباس بن الوليد بن عبد الملك أبياتا قالها لمسلمة بن عبد الملك، أولها:
ألاَ تَقْنَى الحياءَ أبا سَعِيدٍ وتُقْصِرُ عن مُلاَحَاتِي وعَذْلِي
وهذا الشعر لعبد الرحمن بن الحكم يعاتب به مروان بن الحكم أخاه بلا اختلاف؛ ولم يكن العباس بن الوليد شاعرًا، إنما كان رجلًا بئيسا، وهو فارس بني مروان؛ وإنما كتب العباس بهذا الشعر متمثلا لم يغير منه إلا الكنية. وعبد الرحمن بن الحكم شاعر متقدم، وهو الذي كان يُهاجي عبد الرحمن بن حسان - ﵄ - وفي هذه الأبيات:
كقولِ المرء عَمْرٍو في القَواِفي لِقَيسٍ حين خالف كلَّ عَذلِ
عذِيرَكَ مِن خليلكَ من مُرَاد أُريد حِباءهُ فيُريدُ قَتْلِي
وهذا مما أهمله أبو علي ولم يُفسر معناه والمراد به؛ وكثيرا ما يشغله تفسير ظاهر اللغة عن تفسير غامض المعاني. وقد أفردت لشرح معاني " نوادره " كتابا غير هذا. وإنما يريد الشاعر قول عمرو ابن معد يكرب الزبيدي لقيس بن مكشوح المرادي وكان بينهما تنافس:
تمنّاني ليلقاني قُيَيسٌ ودِدتُ وأينما منِّي ودادي
تمّناني وسابغةٌ قميِصي خروس الحِسِّ محكمةُ السِّرادِ
[ ١ / ٢٣ ]
مُضاعفة تخيَّرها سُلَيمٌ كأنّ قَتِيرها حَدقُ الجَرَادِ
أريدُ حِباءَهُ ويريد قَتْلي عذِيرُكَ مِن خليلكَ مِن مُرَادِ
يعني بسليم: سليمان النبي - ﷺ - والقتير: رءوس مسامير الدروع وإذا دقت دلت على ضيق الأخرّات، ولذلك شبهها بحدق الجراد. وعذير الرجل: ما يحاول مما يعذر عليه، ومثل قوله: " أُريد حباءه ويريد قتلي " قول ابن الذئبة الثقفي:
ما بالُ مَن أسعَى لأَجْبرَ عظمَهُ حِفاظا ويَنوِي من سَفَاهته كسرِى
أَظُنُّ خُطوبَ الدهر مِنِّي ومنهم ستحملُهم مِنِّي على مَركبٍ وَعْرِ
وقوله جميل:
ألا قُم فاُنْظُرَنَّ أخاك رَهنًا لِبَئْنَة في حبائلها الصِّحَاحِ
أُريد صلاحَها وتُريد قَتْلى فَشَتَّى بين قَتلى والصَّلاِح
* * * وفي " ص ١٩ س ١٩ " وأنشد أبو علي - ﵀ - شاهدًا على أن الحنة الزوجة:
ما أنتِ بالحَنّة الوَدُود ولا عِنْدَكِ خَيْرٌ يُرْجى لُمْلَتِمسِ
إنما هو: ما أنت بالحنة الولود؛ قال أبو عبيدة: تزوج قتادة اليشكري أرنب الحنفية فلم تلد له ونشزت عليه فطلقها وقال:
تجهَّزِي للطلاق واصطبري ذاك دواءُ الجوامسِ الشُّمُسِ
ما أنتِ بالحَنَّةِ الوَلُودِ ولا عِندَكِ خيرٌ يُرجَى لمُلتَمِسِ
للَيَلتِي حين بِتِّ طالقةً ألذُّ عندي من ليلة العُرُسِ
[ ١ / ٢٤ ]
* * * وفي " ص ٢٣ س ١٩ " أنشد أبو علي - ﵀ - للأجدع الهمداني:
وسألْتِني بركائبي ورِحالِها ونَسِيتِ قَتْلَ فَوارِس الأرباع
إنما هو أسألتني بالهمزة، لا بالواو كما انشده؛ وهو أول الشعر بركائب منون لا بركائبي، لأنها إنما سألته عن إبل القوم وركائبهم، لا عن ركائب نفسه.
وكان الأجدع بن مالك بن أمية الهمداني قد غزا بني الحارث وكانت امرأته منهم، فأصاب فيهم وقتل من بني الحُصين أربعة نفر؛ فقالت له امرأته: أين الإبل والغنيمة؟ فقال:
أسألتِني بركائبٍ ورِحالِها ونسيتِ قَتلَ فوارِسِ الأرباعِ
وبني الحُصَين ألم يَرُعكِ نَعِيُّهم أهلُ اللِّواءِ وسادَةُ المِرباعِ
تلك الرزيَّةُ لا قلائصَ أُسلِمتْ برحالها مَشْدُودةَ الأنساعِ
خيلان من قومِي ومِنْ أعدائهم خَفَضُوا أَسِنَّتهم فكلٌّ ناعِ
خَفَضُوا الأسِنَّةَ بينهم فتواسَقُوا يَمشونَ في حُلَلٍ من الأدراعِ
قال ابن الكلبي في نسب بني الحارث بن كعب: ومنهم الحصين ذو الغصَّة بن يزيد بن شداد ابن قنان، رأس بني الحارث مائة سنة؛ وكان يقال لبنيه: فوارس الأرباع. والأرباع: أرض قتلتهم بها همدان؛ ولهم يقول الأجدع الهمداني:
ونسيتِ قَتلَ فوارِسِ الأرباعِ
[ ١ / ٢٥ ]
وقوله: خفضوا أسنتهم: يريد أمالوها للطعن؛ كما قال القتال الكلابي:
نَشَدْتُ زِيادًا والسفاهَةُ كاسْمِهَا وذكَّرْتُه أرحامَ سِعْرٍ وهَيْثَم
فلمّا رأيت أنه غَيْرُ مُنْتَهٍ أَمَلتُ له كفِّي بِلَدْنٍ مُقَوَّمِ
وقال النابغة الجعدي:
فَلَمْ نُوَقِّف مُشِيلينَ الرِّماحَ ولم نُوجَدْ عَواويرَ يوم الروع عُزَّالا
يقول: لم نُشل الرماح، أي لم نرفعها ولكنا خفضناها للطعن.
* * * وفي " ص ٣٠ س ١٦ " وأنشد أبو علي لأعرابي:
إذا وجَدْتُ أُوَار الحُبِّ في كَبِدِي أَقْبَلتُ نَحْوَ سِقاءِ القومِ أبْتَرِدُ
هذا بَرَدْت ببَرْدِ الماءِ ظاهِرَهُ فَمَنْ لنارٍ على الأحشاءِ تَتَّقِد
لم يختلف أحد أن هذين البيتين لعروة بن أُذينة الفقيه المحدِّث، ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالح! وأنت تقول:
إذا وجَدْتُ أُوَارَ الحبِّ في كَبِدِي البيتين
لا والله! ما خرجا من قلب سليم، وأُذينة: لقب لأبيه. واسمه: يحيى بن مالك بن الحارث الليثي. وكان عروة شاعرًا غزلا من شعراء أهل المدينة وثقة ثبتًا؛ روى عنه مالك وغيره من الأئمة
[ ١ / ٢٦ ]
- ﵃ - قال مالك: حدثني عروة بن أُذينة قال: خرجت مع جدة لي، عليها مشي إلى بيت الله، حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها تسأل عبد الله بن عمر - ﵁ - فخرجت معه، فسأل عبد الله - ﵁ - فقال له: مرها فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت. وعروة هو القائل أيضا:
قالت وأبثثْتُها وَجْدِي فبُحْتُ به قد كنتَ عندي تُحِبُّ الستر فاسْتَتِرِ
ألستَ تُبْصِرُ مَن حَولي فقلتُ لها غَطَّي هَواكِ وما أَلقَى على بَصَرِي
* * * وفي " ص ٣٣ س و٤ " وأبو علي - ﵀ - إذا جهل قائل شعر نسبه إلى أعرابي كما أنشد بعد هذا:
وإنِّي لأهْوَاها وأهوى لِقَاءَها كما يَشْتَهِي الصادي الشرابَ المُبَرَّدا
عَلاقَةَ حُبٍّ لَجَّ في سَنَن الصِّبَا فأبلَى وما يَزْداد إلاّ تَجدُّدَا
وهذا الشعر للأحوص بن محمد، شاعر إسلامي من شعراء المدينة، لم يدخل البادية قط. ولهذا الشعر خبر: وذلك أن يزيد بن عبد الملك لما استهتر بقينتيه وامتنع من الظهور إلى الناس وعن مشاهدة يوم الجمعة، لامه مسلمة أخوه وعذله، فارعوى، وأراد الخروج المراجعة فبعثت سلاَّمة إلى الأحوص أن يصنع شعرًا تغني فيه؛ فقال:
وما العَيْشُ إلاَّ ما تَلَذُّ وتَشْتَهِي وإن لامَ فيه ذو الشَّنَان وفَنَّدَا
بكيتُ الصِّبا جُهدي فمَن شاء لامَنِي ومَن شاء آسَى في البُكاءِ وأَسْعَدَا
[ ١ / ٢٧ ]
وأشرفتُ في نَشَزٍ من الأرض يافِعٍ وقد تَشَعف الأَيفاعُ مَن كان مُقصَدَا
فقلت ألا ليتَ أسماءَ أصقَبَتْ وهل قول لَيتٍ جامعٌ ما تَبدَّدَا
وإنِّي لأهْوَاها وأهوى لِقَاءَها كما يَشْتَهِي الصادي الشرابَ المُبَرَّدا
عَلاقَةَ حُبٍّ لَجَّ في سَنَن الصِّبَا فأبلَى وما يَزْداد إلاّ تَجدُّدَا
فلما غنَّت به عند يزيد ضرب الأرض بخيزرانته وقال: صدقت صدقت! فقبَّح الله مسلمة وقبَّح ما جاء به! وتمادى في غيِّهِ.
ومثل قوله:
وقد تَشعفُ الأيفاعُ مَن كان مُقصَدَا
قول الآخر:
لا تُشْرِفَنَّ يفَاعًا إنّه طربٌ ولا تغَنَّ إذا ما كُنتَ مُشتاقا
والمقصد: المرمي بسهم الحب، يقال: رماه فأقصده إذا أصاب مقتله.
ومثل قوله:
فأبلى وما يزداد إلا تجدّدا
قول حسان بن إسحاق بن قوهيً مولى بني مرة بن عوف:
بقلبي سقامٌ لستُ أُحسِنُ وصفَهُ على أنه ما كانَ فهو شَدِيدُ
تَمُرُّ به الأيامُ تَسحبُ ذَيلَها فتَبْلَى به الأيامُ وهوَ جَديِدُ
[ ١ / ٢٨ ]
* * * وفي " ص ٤١ س ١٨ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
مُهْرَ أَبِي الْحَبْاحبِ لا تَشَلِّي بارَكَ فِيكِ اللهُ مِنْ ذي أَلِّ
قال أصحاب أبي علي - ﵀ -: وقفناه على قوله:
بارك فيك الله من ذي أل
فأبى إلا كسر الكاف، فقلنا: فهلاَّ قال: من ذات ألِّ، قال: أخرج التذكير على الشيء أو الأمر؛ ومثل هذا جائز، وهو كثير؛ قال الأسود بن يعفر:
إنّ المنيَّةَ والحُتوف كلاهُما يُوفي المخارِمَ يرقُبَان سَوَادِي
قال: ومنه قول رؤبة:
فيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كأنّه في الجلد تَوليعُ البهَقْ
قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة: إن أردت الخطوط قلت: كأنها؛ وإن أردت البلق فقل: كأنه، قال: فضرب بيده على كتفي وقال: كأن ذلك توليع في الجلد. الصحيح أنه يُخاطب مهرًا لا مهرة، لقوله: من ذي ألِّ. وقوله بعدهما:
ومِن مُوصًّي لم يُضِع قولا لي
فالصواب إنشاده: لا تشل بغير ياء. وبارك فيك الله بفتح الكاف؛ وذلك التكلف كله لا معنى له. والحجة المجانسة لما سُئل عنه أبو علي - ﵀ - وذلك قوله: من ذي ألِّ، وهو يريد مؤنثا:
[ ١ / ٢٩ ]
قامت تُبَكِّيه على قبره مَنْ لِيَ من بَعدك يا عامرُ
تَركتَنِي في الدار ذا غُرَبةٍ قد ذَلَّ من ليسَ له ناصرُ
قال: إنما قال: ذا غربة، لأن الياء التي في قوله: تركتني ونحوها تكون ضميرًا للذكر والأنثى، وهذا لمراعاة اللفظ وإن كان المعنى مؤنثًا؛ كما راعوا اللفظ في نقيض هذا وإن كان المعنى مذكرا؛ قال معقل بن خويلد:
ولا يَستسقِط الأقوامُ مِنِّي نَصِيبَهُم ويُترَكُ لي نَصِيبُ
إذا ما البُوهَةُ الهوكاءُ أَعْيَا فلا يَدرِي أيَصْعَدُ أم يَصُوبُ
فإنما قال: الهوكاء لتأنيث البوهة، ولا يجوز أن يقال: رجل هوكاء؛ وكذلك قول شريح بن مجير التغلبي:
وعَنْتَرةُ الفَلْحَاء جاء مُلأَمًا كأنك فِندٌ من عَمايَةَ أَسْوَدُ
لو قال زيد أو عمرو مكان عنترة، لم يجز أن يقول الفلحاء. ومن تأنيث اللفظ دون المعنى قول بياض يعني القُراد:
وما ذَكَرٌ فإن يَكْبُر فأُنْثَى شَدِيدُ الأَزْم ليس بذِي ضُرُوسِ
[ ١ / ٣٠ ]
يعني أنه عظم قيل له: حلمة، والحلمة إنما هي مؤنثة اللفظ لا مؤنثة المعنى؛ ومثله قول بياض:
إنّا وجدنا بني سَلمى بمنزلة مثل القُرَاد على حَالَيهِ في الناسِ
وهذا من أخبث الهجاء. يقول: إنهم يولدون ذكرانًا فإذا شبوا صاروا إلى حال الإناث.
* * * وفي " ص ٤٣ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
أيا عمرو كَمْ من مُهْرَةٍ عَرَبِيَّةٍمِنَ النّاسِ قد بُلْيَتْ بوَغْدٍ يَقُودُها الأبيات
خلط أبو علي - ﵀ - في هذا الشعر، فمنه أبيات من شعر ابن الدمينة الذي أوله:
هل اللهُ عافٍ عن ذُنوبٍ تُسُلِّفَتْ أمِ اللهُ إن يَعْفُ عنها مُعِيُدها
وأبيات من شعر الحسين بن مطير الذي أوله:
خليليّ ما بالعيش عَتْبٌ لو أنَّنا وَجَدنا لأيّام الحِمَى مَنْ يُعِيدُها
وأبيات مجهولة لا يعلم قائلها. ورواية أبي علي - ﵀ -: من الناس قد بُليت. يريد بُليت فخفف. والرواية المشهورة السالمة من الضرورة قد بلَّت، من قولهم: بللت به أَبلُّ بلالة وبلولا، أي صليت به؛ ومعنى هذا البيت كمعنى قول بنت النعمان بن بشير الأنصاري في زوجها روح بن زنباع:
وهل هِنْدُ إلاّ مُهْرَةٌ عَرَبيَّةٌ سَلِيلَةُ أفراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ
فإن نُتِجَتْ مُهرًا كريمًا فبالْحَرَي وإن يكُ إقرافٌ فما أنجبَ الفَحْلُ
وزعم الليثي أن أسمها حمدة. وروايته:
وهل أنا إلاّ مُهرةٌ عَربيَّةٌ
[ ١ / ٣١ ]
قال الليثي: تقوله في زوجها روح بن زنباع الجذامي وهما يمانيان يجمعهما النسب والدار؛ ولو كانت نزارية وهو قحطاني قيل هذا لما بين نزار وقحطان، وروح سيد يمانية الشام يومئذٍ قائدها وخطيبها ومحربها وبئيسها!. وإنما قالت ذلك لأسرٍ مسه يوم المرج. وقيل مسَّه قبل ذلك في حرب غسان فافتدى؛ فقالت قول العربية الشريفة للمولى الهجين وعيَّرته الإقراف. وهذا ومثل قول عقيل بن علَّفة، وهو أحد بني غيظ بن مرة، لعثمان بن حيان المري وهو أحد بني مالك ابن مرة. فهما ابنا عمٍّ حين قال له عثمان، وهو أمير المدينة: زوجني أبنتك، قال: أناقتي أصلحك الله؟ فظن أنه لم يسمع؛ فرفع عثمان صوته: زوجني ابنتك! فرفع عقيل صوته فقال: أناقتي أصلحك الله؟ فقال عثمان: أنت عربي جاهل أحمق! وأمر بإخراجه. وكان عثمان قد مسَّه - أو أباه - أسرٌ فأنشأ عقيل يقول:
كنَّا بني غَيْظٍ رجالا فأصبحَتْ بنو مالكٍ غَيظًا وصِرنا لمالكِ
لحى اللهُ دهرًا ذَعْذَع المالَ كلَّهُ وسَوَّدَ أَسْتَاهَ الإماءِ العوارك
* * * وفي " ص ٤٧ س ٩ " وأنشدنا أبو علي لعبد الله بن سبرة الحرشي الذي قطع يده أُطربون الروم قصيدةً أولها:
وَيْلُ أمِّ جارٍ غَداةَ الرَّوعِ فارَقَنِي أَهْوِنْ عليّ به إذ بَانَ فانقَطَعا
وفيها يصف الأُطربون، وهو البطريق؛ وقيل هو اسم لهذا:
كأَنَّ لِمَّتَه هُدَّابُ مُخْمَلَةٍ أَزْرَقُ أحمرُ لم يُمْشَطْ وقد صَلِعَا
هكذا رواه أبو علي - ﵀ - لم يمشط، أي لم يسرح بالمشط لم يختلف في ذلك عنه، وهو تصحيف لا شك فيه؛ وإنما هو: " لم يشمط وقد صلعا ".
[ ١ / ٣٢ ]
كذا رواه عامة العلماء، يريد حصَّتِ البيضة هامته فصلع، وليس ذلك من كبر، لأنه لم يشمط بعد، كما قال أبو قيس بن الأسلت:
قد حصَّتِ البَيضَةُ رأْسِي فما أَطْعَمُ نومًا غَيرَ تَهجَاعِ
وأحمر أزرق من نعت الرومي. وكان من خبر هذا الشعر: أن ابن سبرة كان في جمع من المسلمين اتّبعوا فلًاّ للروم هزموهم حتى انتهوا إلى جسر خلطاس، فحمى الروم قائد لهم - وهو هذا الاطربون المذكور - وراءهم، فجعل لا يبرز إليه أحد من المسلمين إلا قتله، فلما رأى ابن سبرة ذلك نزل إلى الروميّ وقد نكل الناس عنه، فمشى كلّ واحد منهما إلى صاحبه والناس ينظرون، فبدره الرومي الضربة فأصاب يد ابن سبرة، وعانقه ابن سبرة واعتقله فصرعه وقعد على صدره، وبادره المسلمون، فناشدهم أن يتوقفوا عنه حتى يقتله هو بيده، ففعل؛ فذلك قوله:
فإن يكن أُطْرُبُونُ الرُّومِ قَطَّعَها فقد تركتُ بها أَوصالَه قِطَعَا
وإن يكن أُطُرُبُونُ الروم قطّعها فإنّ فيها بحمد الله مُنْتَفَعَا
بَنَانَتَينِ وجُذمَورًا أُقِيمُ بها صَدْر القَناةِ إذا ما آنَسُوا فَزَعَا
أراد بالجذمور: أصل الإصبع. والجذمور والجذمار: قطعة تبقى من السعفة إذا قُطعت؛ وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي في الجذمور أصل الإصبع، وهو من أبيات المعاني:
وكنت إذا أدْرَرْتَ منها حَلُوبةً بجُذمُورِ ما أَبقى لَك السَّيفُ تَغضَبُ
قال: هذا رجل قُطعت أصابعه وبقيت أُصولها فأخذ ديتها إبلا؛ فقال له الشاعر: متى تدرر منها حلبا تذكر فاعل ذلك بك فتغضب.
[ ١ / ٣٣ ]
* * * وفي " ص ٥٣ س ٢٠ " وأنشد أبو علي - ﵀ - شعرًا أوله:
أَشَاقَتْكَ البَوارِقُ والْجُنوبُ ومِن عُلْوِي الرِّياح لها هُبُوبُ
وفيه:
وشمِتُ البارِقاتِ فقُلتُ جِيدَتْ جِبالُ البُتْرِ أو مُطِر القليبُ
هكذا رواه أبو علي - ﵀ - البتر بالباء المعجمة بواحدة المضمومة. والتاء المعجمة باثنتين، وهذا غير معروف. ورواه غيره: جبال البثر بالباء المفتوحة والثاء المثلثة. والبثر: ماء معروف بذات عرق؛ قال أبو جندب:
إلي أنَّا نُسَاقُ وقد بلغنا ظِماءً عَن سُمَيحَةَ ماءَ بَثْرِ
* * * وفي " ص ٥٥ س ١٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لذي الرمة:
إذا نُتِجَتْ منها المَهَارَى تَشَابَهَتْ على العُوذِ إلاّ بالأُنُوفِ سَلاَئِلُه
الشعر في صفة فحل على ما يأتي ذكره؛ وصحة إنشاده: إذا نتجت منه المهارى، وأيضا فإنه لا يقال: نتج من الناقة كذا؛ إنما يقال في الفحل، لأن الناقة منه نتجت؛ وصلة هذا البيت:
خِدَبُّ الشَّوَى لم يَعْد في آلِ مُخِلفٍ أَنِ احْضَرَّ أوْ زَمّ بالأنف بازُله
ومضى في صفة هذا البعير ثم قال:
سواءٌ على ربّ العشارِ الذي له أَجِنَّتُها سُقبانُه وحَوائِلُه
إذا نُتِجَتْ منها المَهَارَى تَشَابَهَتْ على العُوذِ إلاّ بالأُنُوفِ سَلاَئِلُه
[ ١ / ٣٤ ]
قوله: خدب الشوى: أي ضخم القوائم عظيمها. وأراد لم يعد أن طلع بازله، وهو في شخص مخلف. والآل: الشخص، فقدَّم وأخرَّ. والمخلف: الذي أَتى عليه حولٌ بعد البزول. وقوله: زمّ بالأنف، يريد حين ارتفع، وهذه استعارة؛ ولذلك يقال للمتكبر: زمَّ بأنفه كأنه طمح برأسه والناب إذا طلع يكون أخضر كأنه ورقة آسٍ؛ قال أبو النجم: ثم قال: هذا البعير كريم النسل، فسواء على ربه أأذكر أم آنث. والحائل: الأنثى من أولاد الإبل.
* * * وفي " ص ٦٤ س ٧ " وانشد أبو علي - ﵀ - لرؤبة:
وطامِحِ النَّخْوةِ مُسْتَكِتِّ طَأطأَ من شَيْطانه التَّعَتِّي
هكذا أنشده، ولا يستقيم ذلك ولا يصحّ؛ وإنما صحّة إنشاده:
طَأطَأَ من شيطانه المُعَتِّي
وبعده:
صَكِّى عَرانِينَ العِدَى وصَتِّى حتَّى تَرَى البَيِّنَ كالأَرَتِّ
المعتى: العاتي، يقال: عَتَى وعَتَّى فهو معت؛ وفاعل طأطأ قوله: صكى عرانين العدى. قال الأصمعي: الصَّتُّ: الصك، ولا يُصرف. وقال غيره: الصَّتُّ والصَّتيت: الجلبة والصياح؛ وقيل: الصت: الدفع؛ وقيل: هو الضرب باليد. وقال الأصمعي: المستكتُّ: العظيم في نفسه؛ وقيل هو الغضبان. ولرواية أبي علي - ﵀ - وجيه مخرج عليه، وهو أنه أراد ذي التعتي فحذف.
* * * وفي " ص ٦٨ س ١٦ " وقال أبو علي - ﵀ -: دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك، فقال له يزيد: لو لم تمت إلينا بحرمة، ولا جددت لنا مدحا، غير أنك مقتصر على بيتيك فينا لاستوجبت عندنا جزيل الصلة؛ ثم أنشد يزيد:
[ ١ / ٣٥ ]
وإنِّي لأسْتَحْيِيكُمُ أن يَقُودَني إلى غَيركم من سائر الناس مَطمَعُ
وأَن أَجْتَدِي للنفع غَيرَك منهُمُ وأنتَ إمامٌ للبرّية مَقنَعُ
إنما قال الأحوص هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز لا في يزيد بن عبد الملك.
* * * وفي " ص ٦٨ س ٢٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
إنِّي رأيتُكَ كالوَرْقَاءِ يُوحِشُها قُرْبَ الألِيف وتَغشَاه إذا نُحِرَا
قال: والورقاء: ذئبة تنفر من الذئب وهو حيٌّ، وتغشاه إذا رأت به الدم. لا أعلم أحدا أنشد هذا البيت إلا أبا علي. والتفسير الذي ذكره خلاف المعهود في ذكران الحيوان وإناثه. وكيف يُسمى أليفل من يوحش قربه! وإنما الأليف من يوحش بعده ويؤنس قربه؛ والمحفوظ في هذا ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي عن أبي المكارم - ﵏ -: أن الذئاب إذا رأت ذئبًا قد عُقر وظهر دمه أكبّت عليه تقطعه وتمزقه؛ وأنثاه معها تصنع كصنيعها؛ وأنشد للعجاج:
ولا تكُونِي يا بَنةَ الأَشمِّ ورقاءَ دَمَّي ذِئبَها المُدَمِّى
يقول لامرأته: إذا رأيت الناس قد ظلموني فلا تكوني علي معهم كما تفعل هذه الذئبة بذكرها؛ وقال الفرزدق:
وكنتَ كذئب السوءِ لمَّا رأى دمًا بصاحبه يَومًا أحالَ على الدَّمِ
وقال العجير السَّلولي:
فَتًى ليس لابن العَمّ كالذئب إن رأى بصاحبه يَومًا دَمًا فهو آكِلُه
[ ١ / ٣٦ ]
* * * وفي " ص ٧٥ س ٢١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لسوّار:
ونحنُ حَزَزنا الحَوْفَزَانَ بطعنةٍ سَقَتْه نَجِيعا من دم الجَوْف أَحمرَا
هذا وهم من أبي علي؛ وإنما هو:
سقته نجيعا من دم الجوف أَشكُلا
وبعده:
وحُمْرانَ قَيسٍ أنزلْتُه رِماحُنا فعالَج غُلًاّ في ذِراعَيْه مُقَفَلا
قَضى اللهُ أنَّا يوم تُقْتَسمُ العُلا أحقُّ بها منكم فأعطى وأفضلا
يقول هذا الشعر سوَّار بن حبان المنقري، وهو شاعر جاهلي إسلامي في يوم جدود. وحمران الذي ذكر هو حمران بن عبد عمرو بن بشر بن مرثد.
* * * وفي " ص ٧٧ س ٦ " وأنشد أبو علي لأيمن بن خزيم شعرًا أوله:
وصَهباءَ جُرجَانّيةٍ لم يَطُفْ بها حَنِيفٌ ولم تَنْغَر بها ساعةً قِدْرُ
هذا الشعر للأقيشر؛ كذلك ذكر ابن قتيبة والأصبهاني. وهو ثابت في ديوان الأُقيشر؛ والأُقيشر لقب غلب عليه، لأنه كان أحمر أقشر. واسمه المغيرة بن عبد الله بن معرض من بني أسد بن خزيمة
[ ١ / ٣٧ ]
يُكنى أبا مُعرِّض شاعر إسلامي؛ فأما أيمن فهو أيمن بن خُزيم بن الأخرم ابن شداد بن عمرو بن فاتك الأسدي. وخريم له صحبة، وهو ممن اعتزل الجمل وصفين وما بعدهما من الأحداث. وكان أيمن فارسًا شريفًا، وكان يتشيع وكان به وضح، وفي هذا الشعر:
أتاني بها يحيى وقد نمتُ نَومةً وقد غابت الشِّعْرَى وقد جنح النَّسرُ
هكذا رواه أبو علي - ﵀ - وهي رواية مختلة لا تصحُّ؛ وإنما صحَّةُ إنشاده:
وقد غابت الشعرى وقد طلع النسرُ
لأن الشعرى العبور إذا كانت في أُفق المغرب، كان النسر الواقع طالعًا من أفق المغرب؛ وكان النسر الواقع حينئذ غير مُكبِّد، فكيف يكون جانحا؛ وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعًا على نحو سبع درجات أيضا؛ فكان النسر الواقع نظير الشعرى العبور؛ قال الشاعر:
فإنِّي وعبدَ الله بَعدَ اجتماعنا لكالنَّسر والشِّعرَى بشَرْقٍ ومَغْرِبِ
يلوحُ إذا غابَتْ من الشرق شَخصُه وإن تَلُحِ الشعرى له يَتَغَيَّبِ
وقال أبو نؤاس:
وخَمَّارَةٍ نبَّهتُها بعدَ هجعَةٍ وقد لاَحَتِ الشعرى وقد جَنَحَ النَّسرُ
فقالت مَن الطُّرَّاقُ قلنا عصابَةٌ خِفَافُ الأدَاوَى تُبْتَغَي لهمُ الخَمرُ
[ ١ / ٣٨ ]
ويروى:
وخمارة نبهتها بعد هجعة وقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر
لأن الشعرى العبور تلو الجوزاء؛ ولذلك سُميِّت كلب الجبار؛ والجبار: اسم للجوزاء.
* * * وفي " ص ٨٠ س ١٩ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لسلمى بن ربيعة:
حَلَّتْ تُماضِر غُرَبةً فاحْتَلَّتِ فَلْجًا وأهْلُك باللِّوَى فالحَلَّتِ
فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ أو سُنْبُلًا كُحِلَت به فانْهَلتِ الأبيات
هكذا روى عن أبي علي - ﵀ - سلمي بفتح السين والميم، ولم تختلف الرواة أن اسم هذا الشاعر سُلمى بضم السين وكسر الميم وتشديد الياء. وهو سلمي بن ربيعة بن زبان بن عامر من بني ضبة، شاعر جاهلي. وابناه: أُني وعوية، شاعران. وفلج: وادٍ بطريق البصرة إلى مكة. والحلة بفتح الحاء: موضع حزن وصخور متصل رملٍ بجلدٍ في بلاد بني ضبّة. وروى أبو تمام البيت الثاني:
فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ كُحِلت به أو سُنْبُلًا فانْهَلَّتِ
وهي أحسن من رواية أبي علي - ﵀ - لأنه يلزمه على روايته أن يقول: كُحلت بهما. فأما قوله: فكأن في العينين.. ثم قال: كُحلت ولم يقل: كُحلتا ولا انهلتا، فلأن الشيئين إذا اصطحبا وقام كلّ واحد منهما مقام صاحبه، جرى كثيرًا عليهما ما يجري على الواحد؛ كما قال الراجز:
لَمِنْ زُحلُوفةٌ زُلُّ بها العَيْنان تَنْهَلُّ
[ ١ / ٣٩ ]
ولم يقل: تنهلان؛ وقال الفرزدق:
ولو بَخِلَت يدايَ بها وضَنَّتْ لكان عَليَّ للقَدَر الخِيَارُ
والتزم هذا الشاعر اللام قبل التاء في جميع هذه الأبيات وليست بواجبة، لأن حرف الروي إنما هو التاء؛ وقد يلتزم المدلُّ ما لا يجب عليه ثقةً بنفسه وشجاعة في لفظه وذلك موجود كثير.
* * * وفي " ص ٩١ س ٧ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لرجل من بني تميم:
ولمّا رأينَ بني عاصِم دَعَوْن الذي كُنَّ أُنْسِينَهُ
فَوارَيْنَ ما كنّ حَسَّرْنَهُ وأخْفَيْنَ ما كُنَّ يُبْدِينَهُ
وقال أبو علي - ﵀ -: يصف نساء سُبين فأُنسين الحياء فأبدين وجوههن وحسرن رءوسهن، فلما رأين بني عاصم أيقنّ أنهن قد استنقذن فراجعن حياءهن. إنما رواه العلماء:
ولمّا رأينَ بني عاصِم ذكرنَ الذي كُنَّ أُنْسِينَهُ
وهذه الرواية أشبه بتفسير أبي علي وقوله راجعن حياءهن؛ ولا مدخل للدعاء هاهنا، ولا هناك مدعوٌّ يدعى. وفي هذه الرواية مع صحَّة معناها الصناعة التي تُسمى المطابقة. وهذا التميمي الذي أنشد له الشعر، وهو ذو الخرق الطهوي؛ ومثله في المعنى قول رجل من بني عجل:
ويومٍ يُبِيلُ النساءَ الدِّماء جَعَلْتَ رِداءك فيه خِمارا
ففرَّجتَ عنهن ما يتَّقِين وكنت المحَامِيَ والمُستَجارا
[ ١ / ٤٠ ]
الرداء هنا: السيف. يقول: استنقذهن بسيفه، فكأنه قد وضع به خمرًا على رءوسهن، لأنهنّ كنَّ مكشفات الرءوس فاختمرن. ويبيل الدماء، أي يسقط الحبالى أجنتهن فيسيل دماءهن؛ وقال باعث بن صريم اليشكري في مثله:
وخِمارِ غانِيَةٍ شَدَدْتُ برأسها أُصُلًا وكان مُنشّرًا بشِمالها
وعَقِيلةٍ يَسعَى عليها قَيِّمٌ مُتَغَطرِسٌ أَبْدَيْتُ عن خَلْخالها
فقوله: " وخمار غانية شددت برأسها " كقول الأول: " فستَّرن ما كنّ حسَّرنه " وقوله: "وكان منشرًا بشمالها " إن قيل: لِمَ خصَّ الشمال دون اليمين؟ فالجواب أن اليمين هي التي يستعان بها في العدو، وتُخلى للدفع والذبّ، وهي في ذلك كله أقوى من الشمال: فشمرة الساعي الناجي وحمله لشيء إن حمل إنما يكون بشماله. وهذه المرأة لما شمّرت للهرب حملت خمارها بشمالها. وقوله: أبديت عن خلخالها، أي أغرت على حيِّها فأحوجتها إلى رفع ذيلها. والتشمير: للهرب والفرار؛ وهذا كما قال الآخر:
لعَمري لَنعمَ الحيُّ حَيُّ بني كَعبٍ إذا نَزَلَ الخلخالُ مَنْزِلةَ القُلْبِ
أي إذا شمرن للسعي فبدت خلاخيلهن كما تبدو أسورتهن. وقيل: إنه أراد تخففت للنجاء فوضعت خلخالها في يدها كما فعلت تلك بخمارها. وقيل: إنه أشار إلى الدَّهش والحيرة فرقًا، فلم تتجه للبس خلخالها ولا علمت موضعه من موضع سوارها.
* * * وفي " ص ١٠٢ س ١٣ " قال أبو علي - ﵀ -: العرب تقول: " لا والذي أخرج قابية من قوبٍ " يعنون فرخا من بيضة.
[ ١ / ٤١ ]
قلب أبو علي - ﵀ - مذهب العرب؛ وإنما يقولون: " لا والذي أخرج قوبًا من قابية " أي فرخا من بيضة. فالقوب: الفرخ والقابية: البيضة؛ وإنما لبس على أبي علي - ﵀ - قولهم: " تخلصت قابية من قوب " وهو مثل من أمثالهم، أي تخلصت بيضة من فرخ. وأصل هذا من قولهم: تقوَّب الشيء إذا تقلع وانفطر، وقوَّبته تقويبًا. ومنه اشتقاق القوباء لتقلع الجلد عنها.
* * * وفي " ص ١٠٣ س ٧ " قال أبو علي - ﵀ -: قال الله ﵎: (وَإذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أي كثَّرنا. وقال أبو عبيدة - ﵀ -: يقال: خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة؛ فالمأمورة: الكثيرة الولد من آمرها الله، أي كثّرها. وكان ينبغي أن يقال: مؤمرة؛ ولكنه أُتبع مأبورة. والسِّكَّة: السَّطر من النخل، وقال الأصمعي - ﵀ -: السِّكَّة: الحديدة التي تُفلح بها الأرضون. والمأبورة: المصلحة، يقال: أبرت النخل آبره أبرًا إذا لقَّحته وأصلحته. قال: وقد قرئ: (أَمَّرْنا مُتْرَفيها) على مثال فعَّلْنا.
هذا كلام من يعتقد أن القراءة المشهورة آمرنا بالمدّ، وأنّ أمرنا بالقصر شاذَّة. ولا اختلاف بين الأئمة السبعة - رضوان الله عليهم - في قراءتها أمرنا بالقصر على مثال فعلنا. وهذه هي القراءة المقدمة والأصل. ويقال في غيرها من الشواذّ: وقد قرئ كذا. ومعنى قراءة الجماعة: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، كما تقول: أمرتك فعصيتني؛ وقد عُلم أن الله سبحانه لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، كما قال تعالى في مُحكم كتابه. وقيل: معنى أَمرنا وآمرنا واحد، أي كثرنا؛ وقد أورد ذلك أبو علي إثر هذا عن ابن كيسان - رحمهما الله - وهو مروي عن جلة اللغويين، والشاهد لصحته قول النبي ﷺ الذي نسبه أبو علي إلى أبو عبيدة - رحمهما الله - ولا ينبغي لعالم أن يجهل مثل هذا؛ وذلك قوله: " خير المال سكة مأبورة ومُهرة مأمورة " وحمل حديث النبي عليه أفضل السلام على هذه اللغة الفصيحة أولى من حمله على أنه أراد أن يتبعه ما قبله، لأنه لم يكن من المتكلفين - ﷺ -. وقراءة الجماعة هي المروية عن الصحابة والتابعين - رضي الله
[ ١ / ٤٢ ]
عنهم - إلا الحسن - ﵁ - فإنه قرأ آمرنا بالمدّ. وكذلك قرأ الأعرج إلا أبا العالية الرياحي - رحمهما الله - فإنه قرأ أمرنا بالتشديد. ورويت عن علي بن أبي طالب - ﵁ -. وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى: جعلنا لهم إمرة وسلطانا. والآخر: أن يكون المعنى كثرنا، فيكون بمعنى آمرنا وبمعنى أمّرنا على أحد الوجهين. قال الكسائي - ﵀ -: ويحتمل أن يكون أمرنا بالتخفيف غير ممدودة بمعنى أمّرنا بالتشديد من الإمارة، فكانت هذه القراءة الاختيار لما اجتمعت فيها المعاني الثلاثة. ومترفوها: فُسَّاقها. وقيل: جبابرتها.
* * * وفي " ص ١٠٦ س ٤ " قال أبو علي - ﵀ -: إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم. إنما أصل المثل لضبة بن أُدٍّ، والمقتول الحارث بن كعبٍ في خبر مشهور ذكره غير واحد؛ وذلك أن ضبة كان له ابنان: سعد وسعيد، خرجا في بغاء إبل، فكان ضبة كلما رأى شخصا قال: أسعد أم سعيد؟ فرجع سعد، ولم يرجع سعيد؛ فبينما ضبة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام، قال له الحارث: إني قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، وهذا سيفه، فقال له ضبة: ناولني إياه، فناوله؛ فقال ضبة: " الحديث ذو شجون " فأرسلها مثلًا وضربه به حتى برد، وليم في قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل ". وضبة كلها ترجع إلى سعد. وكان لضبة ابن ثالث يُسمَّى: باسلًا، وهو أبو الديلم.
* * * وفي " ص ١٠٧ س ٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للأضبط بن قريع:
لِكُلِّ أمرٍ من الأُمور سَعَهْ والصُّبْحُ والمُسْيُ لا فَلاحَ مَعَهْ
وهي أبيات منها:
وصِلْ حِبالَ البعيدِ إن وَصَلَ الحَبْلَ وأَقْصِ القريبَ إن قَطَعَهْ
[ ١ / ٤٣ ]
قال أبو علي: قال أبو العباس ثعلب: وكان الأصمعي - ﵏ - ينشده:
فصِلَنّ البَعِيدَ إن وَصل الحَبْلَ
هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعي - ﵀ - لا يجوز، لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف، والشعر من المنسرح، والأصمعي لا يجهل ذلك.
* * * وفي " ص ١١٠ س ٨و٩ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لرجل من خزاعة:
قد كُنْتُ أَفْزَعُ للبيضاء أُبْصِرها من شَعر رَأسِي فقد أَيِقَنْت بالبَلَقِ
ألآن حينَ خَضَبْتُ الرأسَ زَايَلَنِي ما كنتُ ألْتَذُّ من عَيْشي ومن خُلُقيِ
وهي أبيات هذا الشعر لأبي الأسود الدؤلي. والدئل من كنانة لا من خزاعة. وكذلك أنشده محمد بن يزيد - ﵀ - وغيره لأبي الأسود - ﵀ - وهو ثابت في ديوان شعره. والرواية الجيدة في البيت الأول:
قد كنتُ أرتاعُ للبيضاء في خَلَدٍ فالآنَ أرتاعُ للسوداء في يَقَقِ
أخذ هذا المعنى أبو تمام - ﵀ - فقال:
شَابَ رأسِي وما رأيتُ مَشِيبَ الرأسِ إلاّ من فَضْل شَيْبِ الفؤادِ
طَالَ إنكارِيَ البياضَ وإن عُمِّرتُ شيئا أنكرتُ لَونَ السَّوادِ
وحسَّنه أبو الطيب - ﵀ - فقال:
رَاعَتْكِ راعيَةُ البياضِ بعارِضِي ولَوَ أنّها الأُولَى لَرَاعَ الأَسْحَمُ
لو كان يُمكِنُني سَفَرتُ عن الصِّبا فالشِّيبُ من قَبل الأوانِ تَلَثَّمُ
قال سيبويه - ﵀ - الدئل في كنانة على وزن فُعل. وهو مثال عزيز. والدؤل في حنيفة. والدِّيل في عبد القيس.
[ ١ / ٤٤ ]
* * * وفي " ص ١١٤ س ٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
قرِيبٌ ثَراهُ لا ينال عَدُوُّه له نَبَطًا عندَ الهَوَانِ قَطُوبُ
هذا البيت لكعب بن سعد الغنوي. وقد أنشد أبو علي - ﵀ - القصيدة بكمالها بعد هذا؛ وروايته في هذا محالة مردودة. والصحيح: " آبى الهوان قطوب " لأنه إذا قال عند الهوان قطوب قد أثبت أنه مهان مدال؛ وأنه يقطِّب عند نزول ذلك به. وهم يقولون في مديح الرجل: هو " آبي الضيم " و" آبى الهوان "، ولذلك قالوا: " رجل أبيٌّ "، وقال معبد بن علقمة:
فَقُل لِزُهَيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتنا فَلسْنا بشَتَّامِين للمُتَشَمتَّمِ
ولكنّنا نأبىَ الظلامَ ونَعتَصِي بكُلِّ رقِيق الشَّفَرَتينِ مُصَمِّمِ
وتَجهَلُ أَيدِينَا ويَحلمُ رأيُنا ونَشتِمُ بالأفعالِ لا بالتَّكلُّمِ
* * * وفي " ص ١١٦ س ١١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - غير منسوب في خبر ذكره عن الأصمعي - ﵀ -:
أحَقًاّ عبادَ الله أن لَسْتُ ناظِرًا إلى قَرْقَرَي يَوْمًا وأعلامِها الغُبْرِ
كأنَّ فؤادِي كلما مرَّ راكبٌ جَنَاحُ غُرابٍ رام نَهْضًا إلى وَكْرِ
إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليمامة رُفْقَةٌ دعاك الهوى واهتاجَ قَلْبُك للذِّكْرِ
فيا راكبَ الوَجْناء أُبْتَ مُسَلَّمًا ولا زِلْتَ من رَيْب الحوادث في سِتْرِ
[ ١ / ٤٥ ]
إذا ما أتَيْتَ العِرْض فاهْتِف بِجَوِّهِ سُقِيتَ على شَحْطِ النَّوَى سَبَلَ القَطْرِ
فإنك من وادٍ إليَّ مُرَجَّبٌ وإن كنتَ لا تُزْدارُ إلاَّ على عُفْرِ
خلَّط أبو علي - ﵀ - في هذا الشعر، وهو من شعرين مختلفين لرجلين؛ فثلاثة الأبيات منه ليحيى بن طالب على ما أنا ذاكره. وثلاثة الأبيات منه لقيس بن معاذ. وكان يحيى بن طالب الحنفيُّ سخيًّا يقري الأضياف، فركبه الدَّين الفادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد من أهل اليمامة الشخوص من بغداد إلى اليمامة فشيَّعه يحيى، فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيى وأنشأ يقول:
أحَقًاّ عبادَ الله أن لَسْتُ ناظِرًا إلى قَرْقَرَي يَوْمًا وأعلامِها الخُضْرِ
هكذا صحة إنشاده، وأعلامها الخضر لا الغبر، كما أنشده أبو علي - ﵀ - وكيف يحن إلى أوطان يصفها بالجدب والغبرار!
إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليمامة رُفْقَةٌ دعاك الهوى واهتاجَ قلبُك للذِّكرِ
كأنّ فؤادِي كُلّما مرّ راكبٌ جَنَاحُ غُرَبٍ رام نَهْضًا إلى وَكْرِ
فيا حَزَنا ماذا أجِنُّ من الهوى ومِن مُضمَرِ الشَّوق الدَّخِيلِ إلى حَجْرِ
تَعَزَّيتُ عنها كارِهًا فتركتُها وكان فرَاقِيها أمرَّ من الصَّبْرِ
أقولُ لموسى والدموعُ كأنّها جَدَاوِلُ ماءٍ في مَسَارِبها تَجْرِي
ألا هل لشَيخٍ وابنِ ستِّين حِجَّةً بكى طربًا نحو اليمامة من عُذرِ
وقد ذكر أبو علي - ﵀ - خبر يحيى هذا وأنشد له هذا الشعر، ولكنه نسي، ولولا نسيانه لاعتذر. وهكذا صحة اتصال أبيات شعره لا كما وصلها أبو علي - ﵀ -.
وأما أبيات قيس بن معاذ فإنها:
أيا راكبَ الوَجْناء أُبْتَ مُسَلَّمًا ولا زِلْتَ من رَيْب الحوادث في سِتْرِ
[ ١ / ٤٦ ]
إذا ما أتَيْتَ العِرْض فاهْتِف بِجَوِّهِ سُقِيتَ على شَحْطِ النَّوَى سَبَلَ القَطْرِ
فإنك من وادٍ إليَّ مُرَجَّبٌ وإن كنتَ لا تُزْدارُ إلاَّ على عُفْرِ
لَعَلَّ الذي يقضي الأمورَ بعلمه سَيَصِرِفُني يَومًا إليه على قَدْرِ
فَتَرْقأَ عينٌ ما تَمَلَّ من البُكا ويَسكنَ قلبٌ ما يُنَهْنَهُ بالزَّجْرِ
وقيس بن معاذ هذا: هو مجنون بني عامر؛ هذا قول أبي اليقظان. وقال غيره: هو قيس بن الملوح. وقيل: إنه معاذ، والملوح لقب له. وقال أبو عبيدة: اسم مجنون بني عامر البختري بن الجعد. وقال أبو العالية: اسمه الأقرع بن معاذ. وقال أبو الفرج: الصحيح أنه بن مُرّ بن قيس بن عدس أحد بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
* * * وفي " ص ١١٩ س ١١ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
حَمْراءُ من مُعَرِّضات الغِرْبانْ يَقْدُمُها كُلُّ عَلاةٍ عِلْيَان
أخَّر أبو علي - ﵀ - الشطر المتقدم فاستحال معناهما؛ لو كانت هذه الناقة التي هي من معرضات الغربان تقدمها كل علاة عليان لم تكن هي من معرضات الغربان، لأنها تكون حينئذ متأخرة. وهذا الرجز لرجل من غطفان؛ قال - وذكر رفقة -:
يَقْدُمُها كلُّ عَلاَةٍ عِلْيان حَمْراءُ من مُعَرِّضات الغِرْبان
يقدمها: يعني الرفقة. والعلاة: الشديدة الصلبة، مشبهة بالعلاة وهو السندان: والعليان: المشرفة. والحمر: أجلد الإبل. والمعرضات: التي تقدم الإبل فتقع الغربان عليها فتأكل مما تحمله،
[ ١ / ٤٧ ]
إذ ليس هناك من يطردها لبُعد الحادي عنها، فكأنها قد أهدت إلى الغربان العراضة، وهي الهدية على ما ذكره أبو علي - ﵀ - قد زاد في تخصيصها بعض اللغويين فقال: العراضة: هدية القادم خاصة. والحذيا: هدية المبشر خاصة؛ وأنشد أبو العباس - ﵀ - في هذا المعنى:
قَد قُلتُ قولا للغراب إذ حَجَلْ عليك بالقُودِ المسَانِيفِ الأُوَلْ
تَغّذ ما شئتَ على غير عَجَلْ التمر في البئر وفي ظَهر الجَملْ
قال أبو العباس: سألت ابن الأعرابي - رحمهما الله - أي شيء يقول؟ قال: يقول: يا غراب، إن أفنيت ما عليها من التمر، فإن الماء إذا استقى من البئر على ظهر الجمل خرج الرُّطب وجاء التمر.
* * * في " ص ١٢٤ س ١٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
رَفَعْنا الخُمُوش عن وُجُوه نسائِنا إلى نِسْوةٍ منهم فأبْدَيْنَ مِجْلَدَا
وقال: قال أحمد بن يحيى - ﵀ -: هذا رجل قتل من قومه قتلى فكان نساؤه يخمشن وجوههن عليهم، فأصابوا بعد ذلك منهم قتلى، فصار نساء الآخرين يخمشن وجوههن عليهم. يقول: لما قتلنا منهم قتلى بعد القتلى الذين قتلوا منا حوَّلنا الخموش عن وجوه نسائنا إلى وجوه نسائهم. قال: وهذا مثل قول عمرو بن معد يكرب:
عَجَّتْ نساءُ بني زُبَيُدٍ عَجَّةً كَعجِيجِ نِسْوَتِنا غَداةَ الأرْنَب
قال: العجة: الصوت. والأرنب: موضع. انتهى ما ذكره أبو علي - ﵀ -.
البيت الذي أنشد لعمرو بن معد يكرب مغيَّر لا يصحّ، لأن عمرًا زبيدي من بني زبيد بن الصعب بن سعد بن مذحج، فكيف يقول: عجَّت نساء بني زبيد عجَّة كعجيج نسوتنا. ونساء بني زبيد هنَّ نساؤه؛ وإنما هو: عجَّت نساءُ بني زياد. وبنو زياد: بطنٌ من بلحارث ابن كعب.
وكان من خبر هذا الشعر أن جرما ونهدًا كانتا في بني الحارث مجاورتين، فقتلت جرم رجلا من أشراف بني الحارث يقال له: معاذ بن يزيد، فارتحلوا فتحوالوا في بني زبيد رهط عمرو، فخرجت
[ ١ / ٤٨ ]
بن الحارث يطلبون بدمهم ومعهم جيرانهم بنو نهد، فعبَّى عمرو جرما لبني نهد؛ وتعبَّى هو وقومه ابني الحارث؛ فزعموا أن جرما كرهت دماء بني نهد فانهزمت وفُلَّت يومئذ زبيد؛ ففي ذلك يقول عمرو يلوم جرمًا:
لَحَا الله جَرْمًا كلّما ذَرَّ شارِقٌ وُجوهَ كلابٍ هارَشَتْ فازْبَأَرَّتِ
فلم تُغْنِ جَرْمٌ نَهدَها إذ تلاقَتَا ولكنّ جَرْمًا في اللِّقاء ابْذَعَرَّتِ
فلو أَنّ قومي انطقَتْنِي رماحُهم نَطَقتُ ولكنّ الرِّماحَ أَجَرَّتِ
ثم إن عمرًا غزا بني الحارث فأصاب فيهم وانتصف منهم وقال:
لمّا رَأَوْنِي في الكَتِيفَة مُقِبلا وسَطَ الكَتِيبة مثلَ ضَوء الكوكبِ
واُستيقَنُوا منَّا بوَقع صادقٍ هَرَبُوا وليس أَوانَ ساعةِ مهربِ
عَجّت نساءُ بني زيادٍ عَجَّةً كعَجِيج نِسْوَتنا غَداةَ الأرنبِ
هكذا رواه الطوسي وغيره. وقد رأيت أبا جعفر محمد بن حبيب البصري أدرج هذا البيت في خبر ذكره فقال: لما جاء نعي الحسين - ﵁ - ومن كان معه قال مروان: " يوم بيوم الحفض المجور " أي يوم بيوم عثمان - ﵁ - ثم تمثل بقول الأسدي:
عجَّت نساءُ بني زُبَيدٍ عَجَّةً كعَجِيج نِسْوَتنا غَداةَ الأرنَبِ
قال: وهذا يوم كان بين بني أسد وبين بني الحارث بن كعب ونهد وجرم، فانتفجت لبني الحارث يومئذ أرنب، فتفاءلوا وقالوا: ظفرنا بهم: فظفروا؛ ثم انتصف منهم بنو أسد فقال الأسدي هذا
[ ١ / ٤٩ ]
الشعر. وهذا هو التفسير الصحيح في قوله: " غداة الأرنب " لا ما ذكره أبو علي - ﵀ - لأنه لا يعرف موضع يقال له أرنب ولا يحفظ البتة، وإنما هو يوم الأرنب، سمي بهذه الأرنب التي انتفجت لهم. ولا يصح إنشاده:
عجت نساء بني زُبيد
إذا نُسب إلى عمرو أصلًا؛ إلا أن يكون البيت للأسدي كما قال ابن حبيب، وعمرو أولى به، والأثبت أنه له؛ فلينشد:
عجت نساء بني زياد..
كما ذكرناه بدءًا.
* * * وفي " ص ١٢٦ س ١٢ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لمرضاوي بن سعرة المهري في خبر ذكره شعرًا منه:
فَسَمَتْ رجالُ بني أبِيهم بينهم جُرَعَ الرَّدَى بمَخَارِصٍ وقَوَاضِب
قال أبو علي - ﵀ - المخارص واحدها مخرص، وهو سكين كبير شبه المنجل يُقطع به الشجر. أيمدخل للمنجل مع القواضب وهي السيوف! وأي شجر هنا إلا قمم الرجال! وإنما المخارص هنا: الرماح، وهي الخرصان أيضا، واحد الخرصان خُرص وخِرص، وواحد المخارص مِخرض؛ قال حميد الأرقط:
يَعَضُّ منها الظَّلِفُ الدَّئِيَّا عَضَّ الثِّقَافِ المِخْرَصَ الخطِّيَّا
وقال امرؤ القيس في الخُرص:
أَحْزَنَ لو أَسْهلَ أَخْزَيتُه بعامِلٍ في خُرص ذابِلِ
يعني رمحا.
[ ١ / ٥٠ ]
* * * وفي " ص ١٢٧ س ٦ " قال أبو علي - ﵀ -: العرب تقول: " طلب الأبلق العقوق فلما فاته أراد بيض الانوق " فأتى به كلامًا منثورًا؛ وإنما يُحفظ للعرب بيتا موزونا. روى المدائني والهيثم بن عدي: أن رجلا أتى معاوية - ﵁ - وهو يخطب فقال: زوجني أُمك؛ فقال: الأمر لها وقد أبت أن تزوج؛ قال: فافرض لي ولقومي؛ فتمثل معاوية - ﵁ -:
طَلَبَ الأبلَقَ العَقُوقَ فلمَّا لم يَنَلْهُ أرادَ بَيضَ الأَنْوقِ
ويُوضح لك أن المثل الذي أورده أبو علي - ﵀ - مُغيَّر من الموزون، قوله فيه: " أراد بيض الأنوق " لأن ضرورة الوزن حملت الشاعر أن يضع " أراد " مكان " طلب " ولولا ذلك لكان رجوع آخر الكلام على أوله أعدل لقسمته؛ ومع ذلك فإن الإرادة قد تكون مضمرة غير ظاهرة، والطلب لا يكون إلا ظاهرًا بفعال أو مقال.
وفي " ص ١٢٧ س ١٢ " قال أبو علي - ﵀ -: الدَّفر: يكون في النتن والطيب، وهو حدَّة الريح. والدَّفر بفتح الفاء: لا يكون إلا في النتن؛ الفتح والإسكان فيه لغتان، وأعلاهما الإسكان.
[ ١ / ٥١ ]
ومن ذلك قولهم للدنيا: " أم دفر " بالإسكان، لم يُسمع فيه الفتح؛ وكلام أبي علي - ﵀ - كلام من يعتقد أنه لا يقال إلا بالفتح.
* * * في " ص ١٣٠ س ٢١ " قال أبو علي - ﵀ - قال الأصمعي - ﵀ -: من أمثالهم: " أينما أذهب ألق سعدا " قال: كان غاضب الأضبط بن قريع سعدًا فجاور في غيرهم فآذوه. ذا خلاف ما ذكره العلماء: ابن الكلبي وأبو عبيد القاسم بن سلام - رحمهما الله - وغيرهما. قالوا: معنى هذا المثل: " أن سادات كل قوم يلقون من قومهم الذي هم دونهم في المنزلة مثل ما ألقى أنا من قومي من الحسد والمكروه " فهذا هو التفسير الصحيح، لأنَّ الأضبط كان سيد قومه ولم يلق من غيرهم مكروها.
* * * وفي " ص ١٣٥ س ١٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لقيس بن ذريح قصيدة منها:
وما كادَ قَلْبِي بعدَ أيَّامَ جاوَزَتْ إليّ بأجراع الثُّدِيّ يَريِعُ
هكذا رواه أبو علي - ﵀ - الثُّدي بكسر الدال على وزن جمع ثدى، وهذا غير محفوظ ولا معلوم؛ وإنما هو الثُّديّ بفتح الدال وهو وادٍ بتهامة.
* * * وفي " ص ١٤٦ س ١٤ " أنشد أبو علي - ﵀ - لأبي صخر الهذلي قصيدة أولها:
لِلَيْلَى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرَفتُها وأخرى بذاتِ البين آياتُها سَطْرُ
كأنّهما مِ الآْنَ لم يتغيَّرا وقد مَرَّ للدارَين من بعدنا عَصْرُ
وقفتُ بربعيها فَعَيَّ جوابُها فكِدتُ وعَيني دَمْعُها سَرِبٌ هَمْرُ
ألا أيُّها الركبُ المُخِبُّونَ هل لكم بساكن أجْزَاعِ الحمَى بَعْدَنا خُبْرُ
[ ١ / ٥٢ ]
هكذا رواه أبو علي - ﵀ -: فكدت؛ وإنما صحة إنشاده وصوابه:
فقُلتَ وعَيْنِي دمعُها سَرِبٌ هَمْرُ
ألا أيها الركبالخ.
ولا وجه لرواية أبي علي - ﵀ - إلا على بعد، وهو حذف الجواب؛ كأنه أراد فكدت أهلك أو نحو ذلك؛ ورواية الناس ما أنبأتك به. وفي الشعر المذكور:
خَلِيليَّ هل يَسْتَخبِر الرِّمثُ والغَضَا وطَلْح الكَدَا من بطن مَرَّان والسِّدُْ
قال أبو علي: كذا أنشدناه أبو بكر بن الأنباري - رحمهما الله - كذا بفتح الكاف وقال: هو اسم موضع. قال أبو علي - ﵀ - وأحسبه أراد كداء فقصره للضرورة. قال: وأنشدناه أبو بكر بن دريد: كُدى بضم الكاف، قال: وهو جمع كُدية. سها أبو علي - ﵀ - في متن البيت وسها في شرحه، لأنه أنشده: خليليّ هل يستخبر الرمث بفتح الياء لم يختلف عنه في ذلك، والرمث لا يستخبر؛ وإنما هو، هل يُستخبر الرِّمث بضم الياء وفتح الباء، وقال في شرحه: أظنه أراد كداء فقصره للضرورة، وهذا لا يجوز، لأن كداء معرفة لا تدخلها الألف واللام، وكداء هي عرفة بعينها. وكُديٌّ: جبل قريب من كداء؛ قال الشاعر:
أَقْفَرَتْ بعدَ عَبدِ شمسٍ كَدَاءُ فكُدَيٌّ فالرُّكنُ فالبطحاءُ
* * * وفي " ص ١٥٠ س ٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
طِوَالُ الأيادِي والْحَوَادِي كأنّها سَمَاحِيجُ قُبٌّ طارَ عنها نُسَالُها
قال أبو علي - ﵀ - والحوادي: الأرجل التي تتلو الأيدي وتتلوها. لا أعلم أحدًا رواه إلا طوال الأيادي والهوادي بالهاء، أي المقادم؛ ولولا أن أبا علي - ﵀ - فسّر الحوادي لقيل إنه وهمٌ من الناقل، لأنَّ الأيدي إذا طالت طالتْ الأرجل لا محالة، إلا ما يذكر من خلق الزرافة،
[ ١ / ٥٣ ]
فإن رجليها أقصر من يديها. وخلق الأرنب على خلاف ذلك، رجلاها أطول من يديهل. وأما الهوادي فقد تكون قصارًا مع طول القوائم. والهوادي هي التي توصف بالطول؛ قال طفيل:
طِوَالُ الهَوادِي والمُتونُ صَلِيبَةٌ مَغَاوِيرُ فيها للأديب مُعَقَّبُ
وهذا الشاعر يصف خيلا شبهها في طولها وارتفاعها بإبل سماحيج، أي طوال طار عنها نسالها لسمنها. وهذا البيت حجة في جمع اليد العضو على أيادٍ؛ وكذلك بيت القحيف:
ومِن أَعجَبِ الدُّنيا إليَّ زُجاجَةٌ تَظَلُّ أيادِي المُنتَشِينَ بها فُتلاَ
* * * وفي " ص ١٥٠ س ٧ و٨ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
لو كنتَ من زَوْفَنَ أو بَنِيهَا قَبِيلةٍ قد عَظَّبَتْ أيدِيهَا
مُعَوِّدِينَ الحفرَ حَفَّارِيهَا لقد حَفَرْتَ نُبْثَةً تُرْوِيهَا
هكذا قرأه أبو علي - ﵀ - زوفن بالزاي؛ وإنما هو دوفن بالدال المهملة، وهو مشتقٌّ من الدَّفن؛ ذكر ذلك ابن دريد وابن ولاَّد - رحمهما الله - وغيرهما. ودوفن من ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهم رهط المتلمس الشاعر، ورهط الحارث بن عبد الله بن دوفن الأضجم سيد بني ضبيعة في الجاهلية، ولا نعرف في بطون العرب زوفن بالزاي، وهو تصحيف من ناقله لا شكّ فيه.
[ ١ / ٥٤ ]
* * * وفي " ص ١٥٨ س ١٠ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لمالك بن الريب المزني:
إذا مُتُّ فاعتامِي القبورَ فَسَلِّمي على الرَّيْم أُسقِيتِ السحابَ الغَوادِيَا
هذا وهم من أبو علي - ﵀ - ومالك مازني لا مزني. هو مالك بن الرَّيب بن حوط بن قرط من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة. ومزينة هو ابن أد بن طابخة؛ منهم: زهير الشاعر، والنعمان بن مقرن، ومعقل بن يسار. وهذا البيت لمالك من قصيدة يرثي بها نفسه؛ وكان سعيد بن عثمان بن عفان - ﵀ - لما ولاه معاوية - ﵁ - خراسان قد استصحب مالك بن الرَّيب، وكان من أجمل العرب جمالا، وأبينهم بيانًا، فمات هناك، فقال هذه القصيدة وهو يجود بنفسه؛ وصلة البيت منها:
فياليتَ شِعْرِي هل بَكتْ أُمُّ مالكٍ كما كنتُ لو عَالَوْا نَعِيَّكَ بِاكَيا
إذا مِتُّ فاعتامِي القُبورَ فسَلِّمِى على الرَّيْم أُسقِيتِ السَّحابَ الغوادِيَا
رَهِينَةَ أحجارٍ وتُرْبٍ تَضَمّتْ قَرَارَتُها منِّي العِظامَ البَوالِيَا
ويروى: إذا مت فاعتادي القبور. ويروى: وسلمي على الرمس. والريم: القبر.
* * * وفي " ص ١٥٨ س ٢٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لكعب بن زهير:
ثَنَتْ أربعًا منها على ظهر أربع فهنّ بمَثْنِيَّاتِهِنَّ ثَمانِ
هذا البيت إنما هو لوداك بن ثميل لا لكعب بن زهير؛ من شعر ودّاك الذي يقول فيه:
مَقَادِيمُ وصَّالُون في الرَّوْع خَطوَهُم بكلّ رَقيق الشَّفْرَتين يَمانِ
إذا استُنجِدُوا لم يسألوا مَن دعاهم لأيَّةِ حرب أم بأيّ مكان
[ ١ / ٥٥ ]
* * * وفي " ص ١٦٨ س ١٨ " وأنشد أبو علي - ﵀ - شعرا منه:
إذا أنتَ لن تَترُك طعاما تُحبُّه ولا مَقعدًا تدعو إليه الولائدُ
تَجَلَّلْتَ عارًا لا يزال يَشُبُّه شبابُ الرجال نَقْرُهم والقصائدُ
كان صاعد بن الحسن يردّ هذه الرواية ويقول إنها تصحيف؛ وإنما هو:
تَجَلَّلْتَ عارًا لا يزال يَشُبُّه سبابُ الرجال نَثْرُه والقصائدُ
سباب بسين مهملة، يريد نثر السباب ونظمه. قيل: ولا وجه لتخصيص شباب الرجال هنا، لأن مسانّهم أعلم بالمناقب والمثالب، وأروى للممادح والمذام؛ وإنما ذكر النظم والنثر فقد حصر جميع الكلام وطابق بين الألفاظ؛ وما بال ذكر النقر مع القصائد. قال المُحتجّ لأبي علي - ﵀ -: معنى النقر هنا: الغناء، وهو لا يكون إلا في الشعر؛ وأكثر ما يكون الغناء أيضا للشباب دون الكهول، وقيل: إن معنى النقر هنا: السب والعيب؛ ومن ذلك قول امرأة من العرب لزوجها: " مرَّ بي على بني نظري ولا تمر بي على بنات نقَّري " تقول: مرَّ بي على الرجال الذين يقنعون بالنظر دون السبّ، ولا تمر بي على العيَّابات السبَّابات. وقيل: بنات نقري هنا من التنقير؛ وهو البحث والتجسس عن الأخبار. ورواية صاعدٍ حسنة جليلة، وعن هذا التكلُّف غنيَّةٌ.
* * * وفي " ص ١٨٢ س ١٧ " قال أبو علي - ﵀ - عقبت الخوق، وهي حلقة القرط، وذلك أن يشدَّ بالعقب إذا خشوا أن يزيغ؛ وأنشد:
كأنّ خَوْقَ قُرْطِها المَعْقُوبِ على دَبَاةٍ أو على يَعْسُوب
[ ١ / ٥٦ ]
إنما المعقوب هنا الذي فيه العقاب، وهو الخيط الذي يشد في طرف حلقة القرط ثم يُشد في حلقة الآخر لئلا يسقط أحدهما؛ هذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو علي - ﵀ - لأن قرطًا يُشدّ بعقب ينبغي أن يكون من خشب. وهذا الرجز لسيار الأناني يقوله في امرأته؛ وأوله:
أعارَ عندَ السِّنِّ والمَشِيبِ ما شئتَ من شَمَرْدَلٍ نَجيبِ
أعارَهُم من سَلْفعٍ صَخُوبِ يابِسَةَ الظُّنبُوب والكُعُوب
كأنّ خَوْقَ قُرْطِها المَعْقُوبِ على دَبَاةٍ أو عَلَى يَعْسُوبِ
تَشْتُمِني في أنْ أقولَ تُوبِي
قوله: أعار، يعني الله - ﷾ - رزقه عند كبره أولادًا جساما نجباء. والشمردل: الطويل الحسن الجسم؛ يقول: هؤلاء الأولاد من امرأة سلفع، وهي الصخّابة البذَّية. وقوله: على دباةٍ، يعني قصر عنقها، وصفها بالوقص. والدَّبى: صغار الجراد.
* * * وفي " ص ١٨٥ س ٢ و٣ " وأنشد أبو علي لمعدان بن مضرب الكندي:
إن كان ما بُلِّغْتَ عَنِّي فلامَني صَدِيقي وشَلَّتْ من يَدَيَّ الأناملُ
وكَفَّنْتُ وَحْدِي مُنْذِرًا بردائه وصادَفَ حَوْطًا من أَعَادِيَّ قاتِلُ
وهذا الشعر لمعدان بن جواس بن فروة السكوني ثم الكندي بلا اختلاف، ولا يُعلم شاعر اسمه معدان بن مضرب، إنما هو حجية بن المضرب، وهو أيضا سكوني، وابن ابن أخيه شاعر أيضا:
[ ١ / ٥٧ ]
جوَّاس بن سلمة بن المنذر بن المضرِّب، وهذا مما التبس حفظه على أبي علي - ﵀ - وقوله: وكفَّنت وحدي، أي بكوني غريبا لا اجدُ معينا. ومنذر ابنه، وحوط أخوه. وقوله: بردائه، أي لا يجد سواه، وهذا يحقق الغربة. وشبيه بهذا قول امرئ القيس:
فإمّا تَرَيْنِي في رِحالَةِ جَابرٍ على حَرَجٍ كالقَرِّ تَخفِقُ أكفانِي
يريد ثيابه التي أيقن أنه سيُكفن فيها حين سُمَّ وليس يجد سواها؛ وإنما قال: من أعاديّ، ولم يقل: من أعاديه، لتكون الفجيعة أعظم، والمصيبة أكثر.
* * * وفي " ص ١٨٥ س ٥ و٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لأعرابي:
وفي الجِيرَة الغَادِينَ مِنْ بَطْن وَجْرَةٍ غَزَالٌ أَحَمُّ المُقْلتَيْن رَبِيبُ
فلا تَحْسَبِي أنّ الغريبَ الذي نَأَى ولكنَّ مَنْ تَنْأَيْنَ عنه غَرِيبُ
هذا مما قدمناه أن أبا علي - ﵀ - إذا جهل قائل الشعر نسبه إلى أعرابي. وهذا الشعر لشاعر إسلامي حضريً مدنيً، غُذي بماء العقيق لم يدخل بادية قط، وهو الأحوص بن محمد الأنصاري - ﵁ - وكذلك الشعر الذي أنشد بعده لأعرابي وهو:
هَجرتُكِ أيَّامًا بذِي الغَمْرِ إنَّنِي على هَجْرِ أيَّام بذِي الغَمْرِ نادِمُ
وإنّي وذاكِ الهَجْرَ لو تَعْلَمِيَنُه كعازِبَةٍ عن طِفلها وهْيَ رائمُ
يروى للأحوص أيضا.
* * * وفي " ص ١٨٥ س ١٧ " قال أبو علي - ﵀ -: اجتمع خمس جوارٍ من العرب فقلن: هلممن فلننعت خيل آبائنا؛ وذكر حديثهنّ إلى قول إحداهنّ: جريها انثرار، وتقريبها انكدار؛ وفسره
[ ١ / ٥٨ ]
فقال: انثرار كأنه انفعال من ينثره نثرًا. وهذا وهم بيِّن! وأين علم أبي علي - ﵀ - بالتصاريف ونون انفعال زائدة؛ وإنما انثرار من الثرّ، وهو الغزير الكثير؛ ومنه قولهم: " عين ثرة " ويحتمل أن يكون افعلالًا من نثر إن كان مسموعًا.
* * * وفي " ص ١٩٣ س ١٧ و١٨ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للبعيث:
ألا طَرَقَتْ لَيْلَى الرِّفَاقَ بغَمْرَةٍ ومِنْ دُون لَيْلَى يَذْبُلٌ فالقَعَاقِعُ
على حِينَ ضَمَّ الليلُ من كل جانبٍ جَنَاحَيْه وَانْصَبَّ النجومُ الخَوَاضِعُ
في أبيات أنشدها.
خلَّط أبو علي - ﵀ - في البيت الأول فأتى به من بيتين؛ وصحَّة إنشاده وموضوعه:
ألا طَرَقَتْ لَيْلَى الرِّفَاقَ بغَمْرَةٍ وقد بَهَرَ الليلَ النُّجُومُ الطوالعُ
وأَنَّي اهْتَدَيتْ لَيْلَى لعُوجٍ مُنَاخَهٍ ومِنْ دُون لَيْلَى يَذْبُلٌ فالقَعَاقِعُ
وقد وهم أيضا في البيت الثاني فأنشده: " وانصبَّ النجوم الخواضع " وإنما هو: "..وانصب النجوم الطوالع " ويروى: " وانقضَّ النجوم الطوالع " ولا يستقيم أن يكون: " وانصبّ النجوم الخواضع " لأن الخواضع هي المُنْصَبّةُ، فكيف يستقيم أن يقول: وانصب النجم المنصبُّ. والخاضع: المطأطئ رأسه الخافض له؛ وكذلك فُسِّر في التنزيل. وإنما يريد الشاعر أن الليل قد أدبر، وانقضَّ للغروب ما كان طالعًا في أوله؛ ألا ترى قوله: " عل حين ضمَّ الليل من كل جانب جناحيه..الخ، أي كف ظلمته وضم منتشرها مدبرًا؛ وأيضًا فإن الذي يلي هذا البيت من القصيدة قوله:
بَكَى صاحِبي من حاجةٍ عَرَضَتْ لَهُ وهُنَّ بأَعْلَى ذي سُدَيْر خَواضِعُ
[ ١ / ٥٩ ]
فلو كان الذي قبله كما أنشده أبو علي - ﵀ - لكان هذا من الإيطاء على أحد القولين. ومعنى خواضع في هذا البيت: ذُقن، والذَّقون: التي تهوى برأسها إلى الأرض تخفضه وتسرع في سيرها. وغمرة: فصل نجدٍ من تهامة من طريق الكوفة. ويذبل: جبل لباهلة؛ وكذلك القعاقع جبال لهم.
* * * وفي " ص ١٩٤ س ٢ " وأنشد أبو علي لابن الطثرية شعرًا أوله:
عُقَيْلِيَّةُ أمّا مَلاَثُ إزَارِهَا فَدِعْصٌ وأمّا خَصْرُها فَبَتِيلُ
إنما هذا الشعر للعباس بن قطن الهلالي لا لابن الطثرية. كذلك قال دعبل وأبو بكر الصُّولي، ولم يقع هذا الشعر في ديوان ابن الطثرية؛ وقد جمعت منه كلَّ رواية: رواية أبي حاتم عن الأصمعي، ورواية الطوسي عن ابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني - ﵏ - وفيه:
فما كلَّ يومٍ بأرضكِ حاجةٌ ولا كلَّ يومٍ لي إليكِ رسول
هكذا رواه أبو علي - ﵀ - وإنما هو: " ولا كل يوم لي إليك وصول " كذلك رواه الجماعة وهو الصحيح، لأن الذي يلي هذا البيت قوله:
إذا لم يكُن بيني وبَيْنَكِ مُرْسَلٌ فرِيحُ الصَّبَا مِنِّي إليكِ رَسُولُ
وهو آخر الشعر في رواية الرياشي؛ وزاد فيه ابن عبد الصمد الكوفي من سماعاته:
أيا قُرَّةَ العَيْن التي ليتَ أنّها لنا بجميع الصالحاتِ بَدِيلُ
سَلِي هل أَحلَّ اللهُ مِنْ قَتْلِ مُسلمٍ بغير دَمٍ هل عليّ قَتِيلُ
فأُقِسمُ لو مُلَّكْتُكِ الدهرَ كلَّهُ لَمُتُّ ولمّا يُشفَ منكِ عَلِيلُ
[ ١ / ٦٠ ]
* * * وفي " ص ١٩٥ س ٢٠ " قال أبو علي: حدثنا أبو بكر أخبرنا أبو حاتم عن العتبي - ﵏ - قال: قال رجل لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، هززت ذوائب الرِّحال إليك، ولم أجد معولا إلا عليك؛ أمتطى الليل بالنهار، وأقطع المجاهل بالآثار؛ يقودني نحوك رجاء، ويسوءني إليك بلوى؛ والنفس راغبة، والاجتهاد عاذر؛ وإذا بلغتك فقدي. قال: أُحطط عن راحلتك، فقد بلغت. الصحيح أن المخاطب بهذا معاوية بن أبي سفيان، والمتكلم به عبد العزيز بن زرارة الكلابي. كذلك روى أبو حاتم في نوادره عن العتبي؛ ومن هذه الطريق رواه أبو علي؛ وزاد أبو حاتم بعد هذا الخبر: فقال عبد العزيز بن زرارة:
دَخَلتُ على مُعاويةَ بنِ حَرْبٍ وذلك إذ يَئِستُ من الدُّخولِ
وما نلتُ الدخولَ عليه حتّى حلَلتُ مَحلَّهَ الرجُلِ الذليلِ
وأغضَيتُ الجُفونَ على قَذاها ولم أسمَعْ إلى قَالٍ وقِيلِ
فأدركتُ الذي أمَّلتُ منه بمُكثٍ والْخَطاءُ مع العَجُولِ
ولو أنِّي عَجِلتُ سَفِهتُ رأيِي فلم أكُ بالعَجُولِ ولا الْجَهُولِ
هكذا انشده: " دخلت على معاوية بن حربٍ " نسبه إلى جده ولو قال: " دخلت على معاوية بن صخر " لكان أحسن، وهو اسم أبي سفيان. وقوله: وإذا بلغتك فقدي، أي حسبي؛ وقد تزاد فيه النون وقاية لآخر الحرف؛ قال حميد الأرقط:
قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الْخُبَيْبَيْنِ قَدِى
فاتى باللغتين. وتأتي قط بمعنى حسب وكفى؛ تقول: قطّ عبد الله درهم. وقطك درهم، وقطني درهم؛ قال الراجز:
[ ١ / ٦١ ]
اِمتلأَ الْحَوضُ وقال قَطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قد مَلأتَ بَطْنِي
وقال الخليل - ﵀ -: قال أهل البصرة: الصواب فيه الخفض، على معنى، حسب عبد الله، قط عبد الله درهم. وهي هنا مخففة لا تثقَّل، فأما في الزمان والعدد فلا تكون إلا مثقَّلةً.
* * * وفي " ص ١٩٦ س ١٩ " قال أبو علي - ﵀ -: قيل لابنة الخسِّ: ما أحدُّ شيء؟ قال: ضرس جائع، تقذف في معي جائع..الخ. المحفوظ عن اللحياني وغيره أنها قالت: ضرس قاطع، يقذف في معي جائع؛ هذا هو الصحيح. والذي رواه أبو علي مردود من وجوه: منها أن الجوع لا يُنسب إلى الضرس، وإن سومح في هذا على المجاز، فقد يكون جائعًا ولا يكون قاطعًا وأيضًا فإن صفة المعي بالجوع يغني عن صفة الضرس بالجوع، إذ لا يجوز أن يكون أحدهما شبعان والآخر غرثان. ومع هذا فإن تكرير اللفظ بمعنى واحدٍ من العيِّ الذي سمعت به لا سيما في سجع المسجوع. وكانت هند أفصح من ذلك، وهي هند بنت الخس بن حابس بن قريط الإيادية. يقال: الخُسُّ والخصُّ بالسين والصاد. والخُسف بالفاء بعد السين.
* * * وفي " ص ١٩٩ س ١٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
على كُلِّ هَتَّافةِ المِذْرَوَيْنِ صَفْرَاءَ مُضْجَعَةٍ في الشِّمالِ
البيت لأمية بن أبي عائذٍ يصف راميًا، وقبله:
تُرَاحُ يداهُ بمَحْشُورَةٍ خَوَاظِي القِدَاحِ عِجَافِ النِّضَالِ
[ ١ / ٦٢ ]
كَخشْرَمِ دَبْرٍ له أَزْمَلٌ أو الجَمْرِ حُشَّ بصُلْبٍ جُزَالِ
على عَجْسِ هَتَّافَةِ المِذْرَوَيْنِ زَوْرَاءَ مُضجَعَةٍ في الشِّمَال
هكذا رواه الأصمعي والسكري - رحمهما الله - وغيرهما: " على عجس هتافة المذروين " فأما إنشاد أبي علي - ﵀ -: " على كل هتافة المذروين " فلا وجه له، لأن يديه إنما ترمي بهذه السهام الموصوفة على قوس واحدةٍ. لا على كل قوسٍ هتافة. قال الأصمعي - ﵀ -: يقال: يداه تراحان إلى المعروف فجاء به على هذا. وخواظ: ممتلئة ليست بدقاق. والخشرم: جماعة النحل والدبر. وحُشّ: أُقد. والعرب تُشبه متابعة الرمي عند استشرائه واحتدامه بتسعر اللهب واضطرامه، فتقول: ضرب هبر، وطعن نتر، ورمى سعر؛ قال كعب بن مالك في تشبيه الضرب بذلك:
من سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِل بعضُه بَعْضًا كَمعْمَعة الأباءِ المُحْرَق
* * * وفي " ص ٢٠٠ س ٢٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لابن الدمينة شعرًا أوله:
ألا لا أَرَى وادِي المياه يُثِيبُ ولا النفْسُ عن وادي المياه تَطِيبُ
هذا الشعر لمالك بن الصمصامة بن سعد بن مالك أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة، وهو شاعر بدوي إسلامي مُقلٌّ، وكان فارسًا جوادًا جميل الوجه يهوى جنوب بنت
[ ١ / ٦٣ ]
محصن الجعدية. وكان أخوها الإصبغ بن محصن من فرسان العرب وأهل النجدة فيهم، فنُمي إليه فبذٌ من خبر مالك، فآلى يمينًا جزمًا لئن بلغه أنه عرض لأخته أوزارها ليقتلنه، فبلغ ذلك مالكًا فقال هذا الشعر. هكذا روى المدائني وأبو عمرو الشيباني وغيرهما.
* * * وفي " ص ٢٠٣ س ٢٤ " وأنشد أبو علي للعجاج في لذم إذا لزمه:
يَقْتَسِر الأقوامَ بالتغَمُّم قَسْرَ عزِيزٍ بأَكاَل مِلْذَمِ
هكذا روي عنه بالتغمم بالغين لم يختلف في ذلك عنه، وهو وهم؛ وإنما هو بالتقمم بالقاف، أي بالركوب والأعتلاء؛ كذلك رواه أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي - ﵏ - وفسراه بما ذكرته وهو لا يصح سواه؛ وصلة الشطرين:
إذا بَذَخَتْ أركان عِزًّ فَدْغَمَ ذو شُرُفَاتٍ دَوْ سَرىًّ مِرْجَمِ
يقْتَسِرُ الأقرانَ بالتقَمُّمِ قَسْرَ عَزِيزٍ بالا كاَلِ مِلْذَمِ
إنْ أَحْجَمَتْ أقرانُهُ لم يُحْجِمِ ولم يَرُضْهُ رائضٌ بِمِخْطَمِ
بذخت: ارتفعت. والباذخ: الجبل المرتفع. وفدعم: ضخم. ودو سرى: مثله. ومرجم: شديد الرجم، والأقران جمع قرن؛ وهذه أحسن من رواية أبي على - رحمة الله - يقتسر الأقوام، لأن الأقوام قد يقع على المسالم والمحارب والمخالف والمؤالف. والأقران إنما يكونون في الحرب وما أشبهها من المنافرات وطلب الطوائل، واحدهم قرن، فإذا قلت: فلان قرن فلان بفتح القاف، فإنما تريد أنه على سنة. وإلا كال: الحظ والنصيب، ويقال: فلان ذو أكل، أي ذو حظ من الدنيا.
* * * وفي (ص ٢٠٤ س ٢) وأنشد أبو علي - رحمة الله - لأوس بن حجر:
فما زَالَ حتّى نالَها وهو مُعْصِمٌ على مَوْطِنٍ لو زَال عنها تَفَصَّلا
[ ١ / ٦٤ ]
هكذا أورده أبو على - ﵀ - لو زال عنها؛ والصواب: لو زل عنه، أي عن الموطن وهو الموضع الذي صار إليه؛ لا يجوز غير ذلك. وهذا الشاعر ذكر رجلًا توصَّل إلى عود قوس في شاهق؛ وقبل البيت:
ومَبضُوعَةٍ في رأس نِيقٍ شَظِيَّة بِطَوْدٍ تَرَاهُ بالسَّحاب مُكَلَّلاَ
فُوَيْق جُبَيلٍ شامِخ الرأس لم تكن لتَبلُغَه حتى تَكِلّ وتُعْمِلاَ
فأشرَطَ فيه نفسَهُ وهو مُعْصِمٌ وأَلقَى بأسبابٍ له وتَوَكَّلاَ
وقد أَكلتْ أظفارَهُ الصَّخْرُ كُلّما تَعَايَا عليه طُولُ مَرْقىً تَوَصَّلاَ
فما زَالَ حتَّى نالَها وهو مُعْصِمٌ على مَوطِنٍ أو زَلَّ عنه تَفَصَّلاَ
قوله: فويق جبيل، صغره لأنه قلّ عرضه ودقَّ، فهو أشد لتوقله. وأشرط فيها نفسه: جعلها علمًا للهلاك. وأشراط الساعات: علاماتها؛ وسمي الشُّرط شُرطًا لأن لهم علامات يعرفون بها. وقوله:
وقد أكلت أظفاره الصخر
أنَّث. والتذكير في الصخر أعرف.
* * * وفي " ص ٢٠٤ س ١٥ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
فَتىً لا يَعُدُّ الرِّسْل يَقْضِي مَذمَّةً إذا نَزَل الأضيافُ أو يَنْحَر الْجُزْرا
هذا سهو منه؛ وإنما هو أن تنحر الجزر؛ والقوافي مرفوعة؛ وقبله:
فَتًى إن هو استغنى تخرَّق في الغنى وإن قلَّ مالا لو يَؤُدْ مَتْنَهُ الفَقْرُ
[ ١ / ٦٥ ]
فتى لا يعد المال ربا ولا ترى له جفوة إن نال مالا ولا كبر
فَتىً لا يَعُدُّ الرِّسْل يَقْضِي ذِمَامَهُ إذا نَزَل الأضيافُ أو تُنْحَر الْجُزْرُ
والشعر للأبيرد اليربوعي يرثي أخاه بريدا، وهو الأبيرد بن المعذر بن عمرو من بني رياح بن يربوع بن مالك بم حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر إسلامي في أول الدولة الأموية.
* * * وفي " ص ٢٠٧ س ٣ و٤ " قال أبو علي: وكان ابن دريد يستحسن قول أبي نواس:
لا جَزَى اللهُ دَمْعَ عَينيَّ خيرًا وجَزَى اللهُ كلَّ خيرٍ لساني
نَمَّ دمعي فليس يكتُم سِرًاّ ووجدتُ اللسانَ ذا كتمان
وهذا الشعر للعباس بن الأحنف بلا اختلاف، لا لأبي نواس، وهو ثابت في ديوان ابن الأحنف.
* * * وفي " ص ٢١٤ س ١٦ و١٧ " وأنشد أبو علي لجميل - رحمهما الله -:
ولمّا بدا لي منكِ مَيْلٌ مع العِدَى سِوَايَ ولم يَحْدُثْ سواكِ بَدِيلُ
صَدَدْتُ كما صَدَّ الرَّمِيُّ تطاولت به مُدَّةُ الأيامِ وَهْوَ قَتِيلُ
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ - وأنشده أبو تمام - ﵀ - وغيره:
ولمّا بدا لي منكِ مَيْلٌ مع العدى عَليَّالخ
وهو الصحيح، ولا وجه لإنشاد أبي علي إلا أن يكون قوله: سواي بمعنى قصدي، وهذا تكلُّفٌ وعبارة بعيدة. أنشد اللغويون في سوى بمعنى قصد:
[ ١ / ٦٦ ]
فَلأَصْرِفَنَّ سِوَى حُذَيفةَ مِدْحَتِي لِفَتَى العَشِيِّ وفارِس الأَجرافِ
وأنا أشهد أن قائل هذا البيت إنما قال:
فلأَصرِفَنَّ إلى حُذيفةَ مِدْحَتِي
و" سوى حذيفة " موضوع؛ وأنشدا أيضا:
لو تَمَنَّتْ حَبِيبَتي ما عَدَتْنِي أو تمَّنيتُ ما عَدَوْتُ سِوَاهَا
أي قصدها، وأنا أقول: إنَّ سوى في هذا البيت هي التي بمعنى غير ليس إلا.
* * * وفي " ص ٢١٥ س ١٠ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لأبي الشيص:
وَقَفَ الهَوَى بِيَ حَيْثُ أَنْتِ فليس لي مُتَأَخَّر عنه ولا مُتَقَدَّمُ
ليس هذا الشعر في ديوان أبي الشيص، ولا رواه أحد عنه كما روى عن غيره؛ قال أبو الفرج علي بن الحسين: حدثني اليزيدي قال حدثني محمد بن الحسن الزرقي قال حدثني عبد الله بن شبيب قال: أنشدني علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - ﵃ - لنفسه، وكان شاعرًا غزِلا:
وَقَفَ الهَوَى بي حَيْثُ أنتِ فليس لي مُتَأَخَّرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمٌ
الأبيات إلى آخرها.
[ ١ / ٦٧ ]
* * * وفي " ص ٢١٥ س ٢٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
ولو نظَرُوا بين الْجَوَانِح والْحَشَا رَأَوْا من كتاب الْحُبِّ في كَبدِي سَطْرَا
ولو جَرَّبوا ما قد لَقِيتُ من الهوى إذًا عَذَرُوني أو جعلتُ لهم عُذْرَا
صَدَدْتُ وما بي من صُدُودٍ ولا قِلًى أَزُورُكُمُ يوما وأَهْجُرُكمْ شَهْرًا
أسقط أبو علي - ﵀ - من هذا الشعر البيت الذي يقوم به معنى البيت الأخير، لأنه جواب له ولا فائدة له إلا بذكره، وهو:
ولمّا رأيتُ الكاشحين تَتَبَّعُوا هَوَانَا وأَبْدَوْا دُونَنا نظرًا شَزْرَا
جَعلتُ وما بِي من صُدُودٍ ولا قِلًى أَزُورُكُمُ يومًا وأَهْجُرُكُم شَهْرًا
ويروى: وأهجركم عشرا؛ ولولا هذا البيت المسقط لكان البيت الذي أنشده لغوًا ومنقطعًا مما قبله كأنه ليس من الشعر.
* * * وفي " ص ٢١٧ س ٢ " وأنشد أبو علي لأوس بن حجر:
وأَبْيَضَ صُولِيًّا كأنَّ غِرَارَه تأَكُّلُ بَرْقٍ في حَبِىًّ تَأَكَّلاَ
خلط أبو علي - ﵀ - في هذا البيت فمزجه من ثلاثة أبيات على ما أنا مورده؛ قال أوس:
وإنّي امرؤ أَعْدَدتُ للحرب بعدما رأيتُ لها نابًا من الشرّ أَعْصَلاَ
أَصَمَّ رُدَيْنِيًّا كأنَّ كُعُوبَهُ نَوَى القَسْبِ عرَّاضًا مُزَجًّا مُنَصَّلاَ
وأمْلَسَ صُولِيًّا كنهي قَرارَةٍ أَحَسَّ بقَاعٍ نَفْحَ رِيح فَأَجْفَلاَ
[ ١ / ٦٨ ]
وأَبْيَصَ هندِيًاّ كأنَّ غِرَارَةُ تَلأُلؤُ بَرْقٍ في حَبِيٍّ تَكَلَّلاَ
إذا سُلَّ مِن جَفْنٍ تَأَكَّلَ أَثْرُهُ على مِثْلِ مِصْحَاةِ اللُّجَيْنِ تَأَكَّلاَ
فوضع أبو علي - ﵀ - مكان: وأبيض صوليًاّ، وأبيض هنديًّا. والصولي من نعت الدرع، لا من نعت السيف، منسوبة إلى صول: رجل أعجمي يُحسن سردها، أو إلى صول: الموضع المعروف؛ ووضع مكان في حبي تكللا، تأكلا؛ فأتى به من قوله في البيت الآخر:
تَأَكَّلَ أَثْرُهُ على مِثل مِصْحَّاةِ اللُّجَيْن تَأَكَّلاَ
والتأكل لا يكون في صفة البرق، إنما هو في صفة فرند السيف. والتكلل والانكلال في صفة البرق وهو كالابتسام. والمصحاة: إناء يُشرب به، مُشتق من الصحو تفاؤلا له بذلك.
* * * وفي " ص ٢١٩ س ١٨ " قال أبو علي - ﵀ -: دخل رجل من الأعراب على رجل من أهل الحضر، فقال له الحضري: هل لك أن أعلمك سورة من كتاب الله تعالى؟ فقال: إني أُحسن من كتاب الله ما إن ملت به كفائي؛ قال: وما تُحسن؟ قال: أُحسن سورًا؛ قال: اقرأ فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وإنا إعطيناك الكوثر؛ فقال له الرجل: اقرأ السورتين، يريد المعوذتين، قال: قدم علي ابن عم لي فوهبتهما له، ولست براجع في هبتي حتى ألقى الله.
هذا تصحيف، وإنما قال الأعرابي حين سأله الحضري فقال: وما تُحسن؟ قال: خمس سور " أُحسن سورًا " ولو لم يتقدم منه توقيت لما طالبه الحضري بقراءة السورتين، فإنه قد كان قرأ له سورًا. وهذا مما وقِّف عليه أبو علي فأبى إلا التزام روايته.
[ ١ / ٦٩ ]
* * * وفي " ص ٢٢٤ س٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لابن الرومي:
وفاحِمٍ وارِدٍ يُقَبِّل مَمْ شاه إذا اختال مُرْسِلًا عُذَرَهْ
أَقْبَلَ كالليل من مَفَارقه مُنْحَدَرًا لا يذُمُّ مُنْحَدِرَهْ
حَتَّى تَنَاهَى إلى مَوَاطِئه يَلْثَمُ من كلّ مَوْطئٍ عَفَرَهْ
كأنّه عاشقٌ دنا شَغَفًا حتّى قَضَى من حبيبه وَطَرَهْ
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ - مرسلًا عذره بالعين المهملة والذال المعجمة، وهي شعرات ما بين القفا إلى وسط العتق، واحدتها عذرة؛ وإنما هو: مرسلًا غدره بالغين المعجمة والدال المهملة جمع غدره، وهي الغديرة أيضا وجمعها غدائر، وهي القرون من الشعر وكل ما ضُفر منه؛ ألا تراه يقول: " أقبل كالليل من مفارقه " وأين شعرات القفا من المفارق؟ وأنشد أبو علي - ﵀ - في البيت الثاني: " منحدرًا لا يذمّ منحدره " يذم بالياء وهو لا يذمّ ولا يحمد؛ وإنما هو " لا ندم منحدره " بالنون، أي انحداره. والوارد من الشعر: الذي يرد الكفل وما تحته. وأخذ ابن مطران معنى هذا الشعر وزاد عليه فقال:
ظِباءٌ أعارتَها المَهَا حُسْن مَشيِها كما قد أعارَتها العُيونَ الجَآذِرُ
فمن حُسن ذاك المشي جاءت فقبَّلْت مواطِئَ من أقدامهنّ الغدائرُ
[ ١ / ٧٠ ]
* * * وفي " ص ٢٢٥ س ١٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لبشار أبياتا منها:
مَنَّيْتِنَا زَوْرةً في النوم واحدةً ثَنِّى ولا تَجْعَلِيها بَيْضَهَ الدِّيك
والمحفوظ في هذا البيت:
قد زُرْتِنَا زَوْوَرَةً في النوم واحدةً
ويروى: في الدهر واحدة؛ وعلى هذا يصح معنى البيت، لأنه أثبت زورة واحدة وسأل أن تُثنى. وعلى رواية أبي علي - ﵀ - إنما منَّته في النوم زورة لم تف بها، فكيف يسألها أن تُثنِّي ما لم يتقدَّم له إفراد، إلا إن كان يريد أن تُمنيِّيه مره أخرى، وهذا لا يُتمعني.
وفي " ص ٢٣٠ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للمرار الفقعسي:
لا يَشتَرُون بهجعةٍ هَجَعوا بها ودواءِ أَعْيُنِهم خُلُوَد الأَوجَسِ
هذا وهم من أبي علي - ﵀ - والشعر للمرار بن منقذ العدوي، لا للمرار بن سعيد الفقعسي؛ كما ذكر من قصيدة معلومة يتّصل بالبيت منها قوله:
فَتَناوَمُوا شيئا وقالوا عَرِّسَوا في غير تَنْئِمة بغير مُعَرَّسِ
فكأنَّ أَرحُلَنا بواد مُعشِبِ بلوَى عُنَيْزَةَ من مُغِيض التُّرْمُسِ
في حَيثُ خالطت الخُزامَي عَرْفَجَا يأتيكَ قابِسُ أهلِهِ لم يَقْبِسِ
لا يشترُون بهجعة هَجَعُوا بها ودواءِ أعينِهم خُلُودَ الاوْجَسِ
فرَفعْتُ رأسي للرَّحِيلِ ولا أرى كاليوم مُصْبَحَ مَوْرِدٍ مُتَغَلِّسِ
قوله: تنئمة، أي لم يرفعوا بذلك أصواتهم ولكن إشارة أشار بعضهم إلى بعض. بغير معرس، أي لم يكن موضع تعريس؛ ولكنا لما وجدنا لذة النوم فكأنا في روض هذه صفته. وقوله:
[ ١ / ٧١ ]
يأتيكَ قابسُ أهلِهِ لم يَقْبِسِ
وصف خصب الوادي ولدونة العيدان ورطوبة الورق.
وقوله: ولا أرى مصبح موردٍ، أي موضع ورود يصبحونه أثقل عليهم لشدة نعاسهم.
* * * وفي " ص ٢٣٣ س ٣ " وأنشد أبو علي لنصيب:
تُقِيُمهُ تارةً وتُقْعِدُه كما يُفَانِي الشَّمْوسَ قائدُها
البيت للكميت بن زيد في أشهر قصائده لا لنصيب. وأولها:
هل ذائدٌ للهُمُوم ذائدُها عن ساهرٍ لَيلةً يُسَاهِدُها
بات لها راعيًا تُقَارِطُه أَوْرَادُ هَمٍّ شتَّى مَوَارِدُها
أَهْوَنُ منها ذِيادُ خامسةٍ في الوِرْدِ أو فَيْلَقٌ يُجَالِدُها
تُقِيُمهُ تارةً وتُقْعِدُه كما يُفَانِي الشَّمُوسَ قائدُها
يقول أهون على الذائد الذي استذاده لهمومه ذياد ناقة عن الماء قد وردته بعد خمس أو كتيبة يضاربها وهي الفيلق، يقال: كتيبة فيلق: إذا كانت كثيرة السلاح؛ قال الأعشى:
في فَيْلَقٍ شَهْبَاء مَلْمُومَةٍ تَقْذِفُ بالدارِع والحاسِرِ
وقوله: تقيمه تارة وتقعده، يعني الهموم المذكورة في أول الشعر.
* * * وفي " ص٢٣٧ س ٥ " وأنشد أبو علي للعرندس الكلابي يمدح بني عمرو الغنويين - قال: وكان الأصمعي - ﵀ - يقول: هذا المحال، كلابي يمدح غنويًّا! -:
هينون لينون أيسار ذوو كرم سواس مكرمة أبناء أيسار
إن يُسْأَلُوا الخيرَ يُعْطُوه وإن خُبِروا في الجَهْد أُدْرِك منهم طِيبُ أخبارِ
الأبيات.
[ ١ / ٧٢ ]
هذا الشعر لعبيد بن العرندس لا لأبيه؛ كذلك قال محمد بن يزيد وغيره. والذي قال: هذا المحال كلابي يمدح غنويًاّ، هو أبو عبيدة لا الأصمعي؛ كذلك قال أبو تمام - ﵏ - في الحماسة. وأبو عبيدة هو الذي روى الشعر؛ وكذلك رواه أبو علي عن ابن دريد عن أبي حاتم عنه - ﵏ - فالأولى على هذا أن يكون الأصمعي صاحب تلك المقالة منكرًا على أبي عبيدة روايته؛ وإنما أنكر أن يكون كلابي يمذح غنويًا، لأن فزارة كانت قد أوقعت ببني بكر كلاب وجيرانهم من محارب وقعة عظيمة؛ ثم أدركتهم غنىٌّ فاستنقذتهم؛ ففي ذلك يقول طفيل الغنوي:
وحَيَّ أبِي بكرٍ تداركنَ بعدَما أذَاعَتْ بسَرْبِ الحيّ عنقاءُ مُغْرِب
تداركن، يعني خيلهم. وأذاعت: فرَّقت، فلما قتلت طي قيس الندامى الغنوي، وقتلت عبس هريم بن سنان الغنوي استغاثت غني ببني بكر وبني محارب ليكافئوهم بيدهم عندهم، فقعدوا عنهم ولم يجيبوهم؛ فلم يزالوا بعد ذلك متدابرين؛ وأدرك غني بثأر قيس الندامى من طي وقال في ذلك طفيل:
فذوقوا كما ذُقْنا غَداةَ مُحَجَّرِ من الغَيظ في أكبادنا والتَّحَوُّبِ
التحوب: الحزن، قال: ومنه " بات بحيبة سوءٍ ".
* * * وفي " ص ٢٣٩ س ١ " وذكر أبو علي - ﵀ - خبر الزيادي عن المطلب بن المطلب ابن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر - ﵁ - على باب بني شيبة فمرّ رجل وهو ينشد:
[ ١ / ٧٣ ]
يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقتار
قال: فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: " أهكذا قال الشاعر " قال أبو بكر ﵁: لا والذي بعثك بالحق، لكنه قال:
يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقراف
الخالِطينَ فَقِيرَهم بغنيِّهم حتى يعودَ فَقِيرُهم كالكافي
ويُكلِّلون جِفانَهم بسَدِيفهم حتَّى تَغِيبَ الشمسُ في الرَّجَّاف
قال: فتبسم رسول الله ﷺ وقال: " هكذا سمعت الرواة ينشدونه ".
قول أبي علي يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقتار
عن المطلب بن أبي وداعة. هذا مما التبس على أبي علي يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقتار
حفظه، وإنما أراد كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، ولا يعلم للمطلب بن أبي وداعة ابن يُسمى المطلب؛ إنما يروى عنه ابنه كثير وابن ابنه كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده. واسم أبي وداعة الحارث بن ضبيرة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ابن لؤي. وأُسر أبو وداعة يوم بدر فقال رسول الله ﷺ: " إن له بمكة أبنًا كيِّسا " فافتدى المطلب أباه بأربعة آلاف درهم. وهو أول من فودي من أسرى بدر. وأسلم هو وابنه يوم الفتح.
وروى غير واحد عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرون بين يديه ما بينه وبينهم سترة. وقوله
[ ١ / ٧٤ ]
في الشعر: الخالطين فقيرهم بغنيهم؛ هذا هو المدح الصحيح والمذهب المستحسن، كما قالت خرنق بنت هفان من بني قيس بن ثعلبة:
لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذين هُمُ سُمُّ العُدَاة وآفَةُ الجُزْر
النازلين بكلّ مُعْتَركٍ والطيِّبُون مَعَاقِدَ الأُزْرِ
والخالِطين نَحِيَتهم بنُضَارهم وذوي الغَنِي منهم بذي الفَقْرِ
وعيب على زهير قوله:
على مُكْثِريهم رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهم وعند المُقلِّين السماحةُ والبَذْلُ
فأثبت فيهم مقلين. وفي بعض نسخ الأمالي بيت زائد في هذا الشعر الفائي؛ وهو:
منهم عليٌّ والنبيُّ محمدٌ القائلين هَلُمَّ للأضياف
وهذا بيت محدث، ذكر أبو نصر أن جده صالحًا أبا غالب ألحقه به، وروى أبو عمر المطرز قال: أخبرني أبو جعفر بن أنس الكرباسي - ﵏ - عن رجاله قال: كان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم في طريق من طرقات مكة فسمع جارية تنشد:
كانت قُرَيشٌُ بَيْضةً قَتفَلَّقَتْ فالمُحُّ خالِصُهُ لعبد الدار
فأقبل على أبي بكر - ﵁ - فقال: " أهكذا قال الشاعر " فقال: فداك أبي وأمي وإنما قال:
كانت قُرَيشٌُ بَيْضةً قَتفَلَّقَتْ فالمُحُّ خالِصُهُ لعبد مَنافِ
[ ١ / ٧٥ ]
فقال النبي ﷺ: " نعم وليس ميل الرجل إلى أهله بعصبية ". والعرب تقول للرجل: هو بيضة البلد، يمدحونه بذلك؛ وتقول للآخر: هو بيضة البلد، يذمونه بذلك. والممدوح يراد به البيضة التي يحضنها الظليم ويصونها ويوقيها، لأن فيها فرخة، والمذموم يراد به البيضة المنبوذة بالعراء المذرة التي لا حافظ لها ولا يدري لها أب، وهي تريكة الظليم، قال الرماني: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة ومكة والبصرة فبيضة البلد مدح، وإذا نسب إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذمّ، وقال حسان - ﵁ - في المدح:
أَمسَى الجلابِيبُ قد عزُّوا وقد كثرُوا وابنُ الفُرَيعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ البَلَدِ
أي واحد البلد، وكان المنافقون يسمون المهاجرين - ﵃ - الجلابيب، فلما قال حسان - ﵁ - هذا الشعر اعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف، فأعلموا النبي ﷺ فقال لحسان - ﵁ -: " أحسن في الذي أصابك " فقال: هي لك، فأعطاه النبي - ﷺ - عوضًا: بيرحاء - وهي قصر بني جديلة اليوم - وسيرين، فهي أم عبد الرحمن ابن حسان ﵄.
* * * وفي " ص ٢٤١ س ١٦ " وذكر أبو علي - ﵀ - قولهم: هو " أجبن من صافر " قال: أراد مصافر ما يصفر من الطير؛ وإنما وصف بالجبن لأنه ليس من سباعها. المحفوظ في تفسير هذا المثل غير ما ذكره؛ ويسوغ على مذهبه أن تقول: هو " أجبن من حمام " و" أجبن من يمام " وكذلك
[ ١ / ٧٦ ]
سائر ما يصاد وسائر الرُّهام الذي لا يُصاد، لأن ذلك كله ليس من سباع الطير؛ وإنما الصافر في هذا المثل: الصفرد، وهو طائر من خشاش الطير يعلق نفسه من الشجر ويصفر طول ليلته خوفًا من أن ينام فيسقط، فضرب به المثل في الجبن. وذكر ابن الأعرابي - ﵀ - أنهم أرادوا بالصافر المصفور به فقلبوه، أي إذا صفر به هرب كما يقال: " جبان ما يلوى على الصفير ". وذكر أبو عبيدة ﵀: أن الصافر في المثل هو الذي يصفر بالمرأة للريبة، فهو وجل مخافة أن يُظهر عليه؛ واستشهد بقول الكميت:
أَرجُو لكم أن تكونوا في مَوَدَّتكم كلبًا كَوَرْهَاءَ تَقْلِي كلَّ صَفَّارِ
لمّا أجابتْ صَفِيرًا كان آتِيَها من قابِس ٍشَيَّط الوَجْعاء بالنّارِ
وحديث ذلك: أن رجلا من العرب كان يعتاد امرأة وهي جالسة مع بنيها فيصفر بها، فعند ذلك تخرج عجيزتها من وراء البيت وهي تُحدِّث ولدها فيقضي منها وطره؛ ثم إن بعض بنيها أحسَّ منها بذلك فجاء ليلا وصفر بها ومعه مسمار محمي، فلما فعلت فعلها كوي صدعها؛ ثم أن الخل جاءها بعد ليالٍ فصفر بها، فقالت: قد قلينا صفيركم، فضرب به الكميت مثلا.
* * * وفي " ص ٢٤٤ س ١٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لبكر بن النَّطَّاح:
ولو خَذَلَتْ أموالُه جُودَ كَفِّه لقاسَمَ مَنْ يَرجوه شطْرَ حياتِهِ
ولو لم يَجِدْ في العُمْرِ قسْما لزائرٍ لجادَ لهُ بالشَّطْر من حَسناتِهِ
أسقط أبو علي - ﵀ - من هذا الشعر ما أخل بمعناه فصار فيه مطعن على الشاعر؛ وهو قد أحسن التخلص فقال:
ولو لم يَجدْ في العُمْرِ قسْما لزائرٍ وجازَ لهُ الإعطاءُ من حَسَنَاتِهِ
لجادَ بها من غير كُفرٍ بربِّه وشارَكَه في صَوْمه وصَلاتِهِ
[ ١ / ٧٧ ]
وكان من خبر هذا الشعر أن بكرًا قصد مالك بن طوق فمدحه فلم يرض ثوابه، فخرج من عنده وقال يهجوه:
فَلَيْتَ جَدَا مالكٍ كُلَّهُ وما يُرْتَجَى منه من مَطْلَبِ
أُصبْتُ بأضعافِ أضعافِهِ ولم أَنْتَجِعْهُ ولم أَرْغَبِ
أَسأتُ اختِيَارِي فقَلَّ الثوا بُ لي الذنبُ جَهْلا ولمُ يذْنَبِ
فلما بلغ ذلك مالكًا بعث في طلبه فلحقوه فردُّوه، فلما نظر إليه قام فتلقاه وقال: يا أخي عجلت علينا؛ وإنما بعثنا إليك بنفقة وعولنا بك على ما يتلوها، فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر يمدحه:
أقولُ لمُرتادٍ نَدَى غَيْرِ مالكٍ كفَى بَذْلَ هذا الخَلْقِ بعضُ عِدَاتهِ
فتًى جاد بالأموال في كلّ جانبٍ وأَنْهَبَها في عَودِهِ وبَدَاتِهِ
ولو خَذَلَتْ أموالُه جُودَ كفِّهِ لقاسَمَ مَنْ يرجوه شَطْر حَياتهِ
ولو لم يَجِدْ في العُمْر قِسْمًا لزائرِالبيتين
* * * وفي " ص ٢٤٥ س ١٠ " وأنشد أبو علي عن ابن دريد - رحمهما الله - لليلى الأخيلية قال: وكان الأصمعي - ﵀ - يرويها لحميد بن ثور:
يأيُّها السَّدِمُ المُلَوِّي رأسَهُ لِيَقُودَ من أهل الحجازِ بَرِيما
أَتُرِيدُ عَمْرو بنَ الخَلِيعِ ودُونَه كعبٌ؛ إذًا لَوَجدتَهُ مَرْءُوما
[ ١ / ٧٨ ]
إنَّ الخلِيعَ ورَهْطَهُ في عامرٍ كالقَلب أُلْبِسَ جُؤْجُؤًا وحَزيما
لا تَغْزُوَنَّ الدهرَ آلَ مُطَرِّفٍ لا ظالمًا أبدًا ولا مظلوما
قزمٌ رِباطُ الخيلِ وَسْطَ بُيوتهم وأَسِنةٌ زُرْقٌ تُخَالُ نُجوما
ومُخَرَّقٍ عنه القميصُ تَخالُهُ وَسْطَ البيوت من الحياء سَقِيما
حتى إذا رُفِعَ اللواءُ رأيتَهُ تحتَ اللواءِ على الخَمِيس زَعِيما
لن تَستِطيع بأن تُحوِّل عِزَّهُم حتى تُحَوِّل ذا الهِضاب يَسُوما
إن سَالمُوك فَدَعْهُمُ من هذه وارقُدْ كَفَي لك بالرُّقاد نَعِيما
قوله: " لا ظالما أبدا ولا مظلوما " هذه رواية محالة؛ وإنما الرواية الصحيحة التي بها يصح معنى البيت: " لا ظالما فيهم ولا مظلوما " لأنه قد يكون ظالما لغيرهم أو مظلوما من غيرهم فيستجير بهم لرد ظلامته، أو لاستدفاع مكروه عقوبته ولابد لهم من إجارته، وعلى رواية أبي علي - ﵀ - قد نهى كل ظالم ومظلوم أن يقربهم على العموم؛ وهذا إلى الذم أدنى منه إلى المدح. وهذه الرواية على أختلال معناها فيها حشو من اللفظ لا فائدة له، وهو قوله: أبدًا؛ لأن ما تقدم من قوله: " لا تقربن الدهر " يُغني عن إعادة " أبدًا ". وقوله: " ومخرق عنه القميص " هكذا رواه أبو علي - ﵀ - بالخفض على معنى وربّ مخرَّقٍ، فهو على هذا كناية عن رجل مجهول، والكلام مستأنف منقطع مما قبله؛ وليس كذلك؛ وإنما هو: ومخرَّق عنه القميص، نسقًا على ما قبله، وتعني به الخليع الممدوح المتقدم الذكر؛ ألا ترى قوله:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم
وكذا وكذا ثم قال: ومخرق عنه القميص تخاله وسط البيوت، فالخيل والأسنة وسط البيوت، هي لهذا الكائن وسط البيوت؛ وفي صفته بخرق القميص قولان: أحدهما أن ذلك إشارة الة جذب العفاة له؛ والثاني أنه يؤثر بجيد ثيابه فيكسوها ويكتفي بمعاوزها؛ كما قال رجل من بني سعد:
[ ١ / ٧٩ ]
ومُحْتَضَرِ المنافِع أَرْيَحِيٍّ نَبِيلٍ في مَعاوِزَهٍ طُوَال
ورواه محمد بن يزيد: في معاوزه طوال، وهي رواية مردودة. وقوله:
حتى تُحَوِّل ذا الهِضاب يَسُوما
رواه أبو عمرو - ﵀ - وغيره: ذا الضباب، وهو الصحيح، لأن يسوم: جبل منيف في أرض نخلة من الشأم يعرف بذي الضباب؛ وذلك أن الضباب لا يكاد يفارقه، وإلا فكلُّ جبل ذو هضاب.
* * * وفي " ص ٢٤٥ س ٢١ " وأنشد أبو علي للمتنخل الهذلي:
عَقَّوْا بَسهْمٍ فلم يَشعُر به أحدٌ ثم استفاءوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ
وقال: عقَّى بسهم إذا رمى به نحو السماء لا يريد به أحدًا. وإذا اجتمع الفريقان للقتال بما بدا لأحد الفريقين وأرادوا الصلح رموا بسهم نحو السماء فعلم الفريق الثاني أنهم يريدون الصلح، فتراسلوا في ذلك.
لم يعلم أبو علي - ﵀ - معنى التعقية ومذهب العرب فيها. قال أبو العباس ثعلب - ﵀ -: سألت ابن الأعرابي - ﵀ - عن التعقية وهو سهم الاعتذار فقال: قالت الأعراب: إن أصل هذا أن يُقتل الرجل من القبيلة فيُطالب القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بديةٍ مكملة ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوة أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي؛ فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهما فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجًا دمًا فقد نُهينا عن أخذ الدية؛ وإن رجع كما صعد فقد أُمرنا بأخذها. قال ابن الأعرابي قال أبو المكارم - رحمهما الله - وغيره: فما رجع هذا السهم قط إلا نقيًاّ، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهال. هذا معنى عقَّوا بسهم،
[ ١ / ٨٠ ]
لا ما أورده أبو علي - ﵀ - والبيت الذي أنشده من شعر المتنخل يهجو بها ناسًا من قومه كانوا مع ابنه حجَّاج يوم قُتل. وقبل البيت:
لا يُنْسِئُ اللهُ مِنّا مَعشرًا شهدوا يوم الأُمَيلِح لا غابوا ولا جَرَحُوا
لا غيَّبُوا شِلْوَ حجَّاجٍ ولا شَهِدُوا حَمَّ القتالِ فلا تسألْ بما أفتضحوا
لكن كبيرُ بن هندٍ يوم ذلكم فُتْخُ الشمائل في أيمانهم رَوَحُ
عَقَّوْا بسَهم فلم يشعرُ به أحدٌ ثم أستفاءوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ
قوله: لا يُنسئ الله، أي لا يؤخر الله موتهم. وشلو كل شيء: بقيته. وحمُّ القتال، وحمُّ كلِّ شيء: معظمه. وكبير بن هندٍ قبيلة من هذيل. واستفاءوا: رجعوا عما كانوا عليه. وقالوا: حبذا الوضح، أي حبذا الإبل والغنم نأخذها في الدية: ويعني بالوضح: اللبن لبياضه.
* * *
وفي " ص ٢٥٥ س ١٢ " قال أبو علي - ﵀ - حدثنا ابن الأنباري عن أبي حاتم عن أبي زيد عن المفضل الضبي - ﵏ - قال: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن الحسن - ﵀ - صاحب أبي جعفر في اليوم الذي قُتل فيه، فلما رأى البياض يقلُّ والسواد يكثر قال: يا مفضل، أنشدني شيئًا يهوِّن علي بعض ما أرى؛ فأنشدته:
أَلا أَيُّها النّاهِي فَزَارةَ بَعْدَمَا أَجدَّتْ لغَزْوٍ إنّما أنت حَالِمُ
أَبَى كلُّ ذي تَبْلٍ يَبِيتُ بِهَمِّه ويُمْنَعُ منه النومُ إذْ أنت نَائِمُ
قَعُوا وَقْعَةً مَن يَحْيَى لم يَخْزَ بعدَهَاوإن يُخْتَرَمْ لَمْ تَتَّبِعْهُ الملاَوِمَ
[ ١ / ٨١ ]
قال: فرأيته يتطالل على سرجه ثم حمل حملة كانت آخر العهد به. هكذا صحَّت الرِّواية عن أبي علي - ﵀ - يتطالل بإظهار التضعيف، وهذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر؛ وإنما هو يتطالُّ كما تقول: يتقاصُّ ويتراددُّ؛ وقال قعنب في الضرورة:
مَهلًا أَعاذِلَ قد جرَّبتِ من خُلُقِي أَني أَجُودُ لأقوامٍ وإن ضَنِنُوا
* * * وفي " ص ٢٦٢ س ١٤ " قال أبو علي - ﵀ -: حدثنا أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل الضبي - ﵏ أجمعين - قال: دخلت على المهدي - ﵀ - فقال لي قبل أن أجلس: أنشدني أربعة أبيات لا تزد عليهن - وعنده عبد الله بن مالك الخزاعي - فأنشدته:
وأَشْعَثَ قد قَدَّ السِّفَارُ قمِيصَهُ يَجُرُّ شِوَاءً بالعَصَا غَيرَ مُنْضَجِ
دَعوتُ إلى نا نَابنِي فأجَابَنِي كريمٌ من الفِتيَانِ غَيرُ مُزَلَّجِ
فتىً يملأُ الشِّيزَى ويُرْوِي سِنانَه ويَضْرِب في رأسِ الكَمِيّ المُدَجَّجِ
فتىً ليس بالرَّاضِي بأَدنَى مَعِيشَةٍ ولا في بُيوتِ الحَيِّ بالمُتَوَلِّجِ
فقال المهدي: هو هذا! - وأشار إلى عبد الله بن مالك - فلما انصرفت بعث إليّ المهدي - ﵀ - بألف دينار وبعث إليّ عبد الله - ﵀ - بأربعة آلاف درهم. قوله: " يجر شواء " هذه رواية ساقطة، والجميع يخالفها فيروونه: وجر شواء، نسقا على قوله: " قدَّ السفار قميصه وجر شواء " كذلك رواه أبو حاتم عن الأصمعي وأبي عمرو الشيباني - ﵏ - وكذلك
[ ١ / ٨٢ ]
رواه أبو محمد عن خالد بن كلثوم - رحمهما الله - وكذلك رواه إبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي - ﵏ - وكذلك رواه أبو العباس بن الفضل عن أبي تمام. قال أبو حاتم عن الأصمعي - ﵏ أجمعين - قوله: وجر شواء. كان هذا مما أعان على تخريق ثيابه غير منضج؛ إنما ذلك لسرعة السير وإعجاله لهم عن إنضاجه؛ كما قال امرؤ القيس:
نمُشُّ بأَعْراف الجِيَادِ أَكُفَّنا إذا نَحْنُ قُمْنَا عن شِوَاءٍ مُضَهَّبِ
وهذا إنما يكون في حال السِّفار لا في غيره. ورواية أبي علي - ﵀ - تقتضي أن ذلك شأنه في جميع أحواله؛ وهذا بالذَّمّ أشبه، لأنه إذا فعل ذلك في حال الطمأنينة وحين لا يجد به سير، فإنما يفعله لفرط الجشع وشدة الحرص على الطعام، وهذا مذموم. وروى أبو عبد الله عن أبي العباس: " فتى يملأ الشيزى ويروي نديمه " وهذه رواية أفادت معنى ثالثًا في البيت يجانس ما قبله من إطعام وسقي. ومن روى: " فيروي سنانه " فذلك في معنى: " ويضرب في رأس الكمي المدجج " فلم يفد البيت أكثر من معنيين. والأبيات المذكورة من قصيدة للشمَّاخ.
* * * وفي " ص ٢٦٣ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لعبد الرحمن بن يزيد:
يُؤَسِّى عن زِيادَةَ كلُّ حَيٍّ خَلِيٌّ ما تَأوَّبَهُ الهُمُومُ
فلو كنتُ القَتِيلَ وكان حَيًّا لَطَالَبَ لا أَلَفُّ ولا سَؤُومُ
ولا هَيَّابَةٌ بالليل نِكْسٌ ولا ضَرَعٌ إذا أَمسَى نَؤُومُ
وكيف تَجَلُّدُ الأقوامِ عنه ولم يُقْتَلْ به الثَّأرُ المُنِيمُ
غَشُومٌ حين يُبْصَرُ مُسْتَفَادٌ وخيرُ الطَّالِبي التِّرَةِ الغَشُومُ
[ ١ / ٨٣ ]
هكذا ثبتت الرواية عن أبي علي - ﵀ - في البيت الآخر: حين يبصر بفتح الصاد. مستفاد بالرفع ولا يتوجه لي معناه. ورواه أبو العباس الأحول - ﵀ -: غشوم حين يبصر، بكسر الصاد، مستفادًا بالنصب؛ وهذا حسن بين المعنى، يريد أنه منتهز للفرصة إذا رأى أنه مستفيد من عدوه فائدة غشم فابتزها، أو مدرك فيه بغية وثب فنالها؛ ورواه أحمد بن عبيد - ﵀ -: " حين يبصر مستقادًا " بالقاف، يريد مستقادًا منه ومن له عنده ثأرٌ؛ ويقوي هذه الرواية عجز البيت: " وخير الطالبي الترة الغشوم " ورواه الرياشي حين ينصر بالنون مستقادًا بالقاف، أي مطلوبًا بقودٍ. وعبد الرحمن هذا هو أخو زيادة، ابني زيد بن مالك بن عامر بن قرة أحد بني سعد هذيم ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وكان هدبة بن خشرم قتل زيادة بن زيد، فلما سُجن هدبة في دمه جعل القرشيون بالمدينة يكلمون عبد الرحمن في أمر هدبة وأضعفوا له الدية حتى بلغت عشرًا؛ منهم: سعيد بن العاص، وعبد الله بن عمرو، والحسين بن علي، وعمرو بن عثمان بن عفان - ﵃ أجمعين - وهو يردد الإباء، فلما أكثروا عليه أنشدهم هذا الشعر المذكور، فلما سمعه هدبة قال: إن فيه لمطعمًا فعاودوه، ففعلوا؛ فقال عبد الرحمن حين عاودوه:
باسْتِ امِرئٍ واسْتِ التي زَجَرَتْ به إذا نَالَ مالًا من أَخٍ وهو ثَائِرُهْ
وإنِّي وإن ظَنَّ الرجالُ ظُنُونَهُمْ على صَيْرِ أَمْرٍ لم تشَعَّبْ مَصَادِرُهْ
وهي أبيات فلما أنشدها هدبة قال: دعوه، فوالله لا يقبل عقلا أبدًا، جزيتم خيرًا؛ فأقام هدبة السجن ست سنين حتى أدرك المسور بن زيادة؛ ومات عبد الرحمن في خلال ذلك، فكان المسور هو الذي تولى قتل هدبة. وذكر المدائني أن المسور قد كان اختار العفو وأخذ الدية حتى قالت له أمه: والله لئن لم تقتل هدبة لأنكحته! فيكون قد قتل أباك ثم نكح أُمك فتسبك بذلك العرب يد المسند، فلفته ذلك عن مذهبه، ومضى على الاتئار من هدبة وقتله.
[ ١ / ٨٤ ]
* * * وفي " ص ٢٦٦ س ١٨ " وأنشد أبو علي عن ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى للفرزدق - ﵏ -:
يُفَلِّقْنَ ها مَنْ لم تَنَلْهُ سُيُوفُنَا بأَسْيافنا هَامَ المُلوكِ القَمَاقِمِ
قال أبو العباس - ﵀ -: ها: تنبيه، والتقدير: يفلقن بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم قال: ها للتنبيه، ثم استفهم فقال مستفهمًا: من لم تنله سيوفنا؟ قال أبو بكر: سمعت شيخا منذ حين يعيب هذا الجواب ويقول: يُفلقن هامًا جمع هامة. وهام الملوك مردود على هامًا؛ كما قال جلّ ثناؤه: (إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللهِ) . قال أبو علي - ﵀ -: فاحتججت عليه بقوله: لم تنله وقلت: لو أراد الهام لقال لم تنلها، لأن الهام مؤنثة لم يؤثر عن العرب فيها تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فلقته؛ كما قالوا: النخل قطعته، والتذكير والتأنيث لا يعمل فيه قياسًا إنما يُبنى على السَّماع واتَّباع الأثر. ولم يُوفق أبو علي - ﵀ - في هذا الاحتجاج لأنه أنكر المعروف وعرَّف المنكر. كيف ينكر تذكير الهام! وهو يروى في شعر النابغة ويروِّى:
بِضَرْبٍ يُزيلُ الهَامَ عن سَكَنَاتِهِ وطَعْنٍ كإيزَاغِ المَخاضِ الضَّوَارِبِ
وهو يروي في شعر عنترة ويروِّي:
والهامُ يَنْدُرُ في الصَّعِيد كأنَما تَلْقَى السُّيُوفُ به رُءوسَ الحَنْظَل
ويروى أيضا في شعر طفيل ويروى:
بِضرْبٍ يُزيلُ الهامَ عَنْ سَكناته ويَنْقَعُ من هَامِ الرِّجالِ بِمَشْرَبِ
فالتذكير هو المعروف في الهام، ولو أنكر أبو علي - ﵀ - على هذا الشيخ فساد المعنى دون اللفظ كان أولى، لأن قوله: " يُفلقن هامًا لم تنله سيوفنا " ثم قال بأسيافنا، تناقض. فإن قال: إنه يريد لم تنله ثم نالته، فهذا من العيِّ الذي سمعت به؛ أو يشكُّ أحدٌ في أن ما نيل اليوم لم يكن أمس قتيلًا؟ وهذا الشعر يقوله الفرزدق في قتل وكيعٍ قتيبة بن مسلم. وقبل البيت:
[ ١ / ٨٥ ]
فَدًى لسُيُوفٍ من تَميم وَفَى بها رِدَائِي وجَلَّتْ عن وُجُوه الأَهاتمِ
شَفَيْنَ حَرَارَاتِ الصُّدُورِ ومَا تَدَعْ عليها مَقَالًا في وَفَاءٍ للاَئِمِ
يُفَلِّقْنَ هَامًا لَم تَنَلْهُ سُيُوفُنا بأسيافِنَا هَامَ المُلوكِ القَمَاقِمِ
الأهاتم: آل الأهتم بن سنان بن خالد بن منقر؛ ويروى: حزازات النفوس.
* * * وفي " ص ٢٧٤ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لحميد بن ثور:
لَيْسَتْ إذا سَمِنَتْ بجَابِئةٍ عنها العُيُونُ كَرِيهةَ المسِّ
استشهد به على قولهم للمرأة إذا كانت كريهة المنظر: إنها لتجبأ عنها العين. وقد أحال رواية البيت وأفسد معناه. وكيف تجبأ العيون عن الناعمة السمينة! وإنما تجبأ عن العجفاء الهزيلة، ألا تراه يقول: إنها ليست كريهة المسِّ، وحسبك بهذا نفيًا للعجف وإنكارًا للقضف؛ وإنما الرواية في البيت:
ليستْ إذا رُمِقَت بجابِئةٍ عنها العيونُالخ
وبعد البيت: وكأَنما كُسِيت قلائِدُها وَحْشيَّة نَظَرَتْ إلى اْلإنْس
[ ١ / ٨٦ ]