وفي " ص ١ س ١٧ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لفاطمة بنت الأحجم بن دندنة الخزاعية:
قد كُنْتَ لِي جَبَلًا أَلُوذُ بِظِلَه فتَرَ كْتَنيِ أمْشِي بأَجْرَدَ ضاَحِ
قد كنتُ ذَاتَ حَمِيَّةٍ ما عِشِتَ ليِ أَمْشِي البَرَازَ وكنتَ أنتَ جَنَاحِي
فاليومَ أَخْضَعُ للذَّلِيل وأَتَّقِى منه وأدْفَعُ ظَالِمِي بالرَّاحِ
وإذا دَعَتْ قُمْريَّهٌ شَجَنًا لها يَوْمًا على فَنَن دَعوتُ صَباَحِي
وأَغُضُّ من بَصَرِي وأَعْلَمُ أنَّه قد بَانَ حدُّ فَوَارِسي ورِمَاحِي
هكذا أنشده أبو على - رحمة الله -: " وإذا دعت قمرية شجنا لها " وكذلك أنشده أبو تمام - رحمة الله - في اختياراته، وأخبرني غير واحد عن أبي العلاء المعري - رحمة الله - أنه كان يرد هذه الرواية ويقول إنها تصحيف، وكان ينشده " وإذا دعت قمرية شجنًا لها " بكسر الجيم وبالباء بعدها، يعني فرخها الهالك، وهو الهديل، والشجب: الهلاك. والشجب: الهالك، وأخلق بهذا القول أن يكون صحيحًا؛ والحق أحق أن يتبع. وقال السكري - رحمة الله -: إن هذا الشعر لليلى بنت يزيد بن الصعق ترثى ابنها قيس بن زياد أبي سفيان بن عوف بن كعب. وقال الأخفش: إنه لا مرأة من كندة ترثى زوجها الجراح. وأوله:
يا عينُ جُودِى عند كلَّ صَبَاحِ جُودِى بأربعةٍ على الجرَّاِح
قد كنتَ لي جَبَلًا أَلوذُ بِظِّلهِالأبيات
وكان الأحجم بن دندنة أحد سادات العرب؛ ويقال الأحجم بتقديم الجيم. قال ابن دريد - ﵀ -: جحم إذا فتح عينيه كالشاخص وبذلك سُميِّ الرجل. وقال الخليل - ﵀ -: الأجحم: الشديد حمرة العينين مع سعة؛ وكانت زوج الأجحم أم فاطمة هذه خالدة بنت هاشم بن عبد مناف.
[ ١ / ٨٧ ]
* * * وفي " ص ٣ س ١٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لأرطأة بن سهية يهجو شبيب ابن البرصاء:
مَن مُبْلِغٌ فِتْيَانَ مُرَّةَ أَنَّهُ هَجَانَا ابنُ بَرْصَاءِ العِجَانِ شَبِيبُ
فلو كُنتَ مُرِّيًّا عَمِيتَ فَأَسْهَلَتْ كُدَاكَ وَلَكِنَّ المُرِيبَ مُرِيبُ
أبِي كانَ خيرًا من أَبِيك وَلَمْ تَزَلْ جَنِيبًا لآبائِي وأنتَ جَنِيبُ
وَمَا زِلتُ خيرًا منك مُذْ عضَّ كارِهًا برأسِك عَادِيُّ النِّجَادِ رَكُوبُ
قال أبو علي: سألت ابن دريد - رحمهما الله - عن معنى هذا البيت: فلو كنت مريًا عميت الخ فقال: كان أبوه أعمى، وجده أعمى، وجدُّ أبيه أعمى. يقول: فلو لم تكن مدخول النسب كنت أعمى كآبائك. لأبي علي - ﵀ - فيما أورده سهوان: أحدهما إنشاده: فلو كنت مريًاّ وإنما هو: فلو كنت عوفيًاّ ، لأن أرطأة وشبيبًا جميعًا مُرِّيَّان؛ وإنما العمى فاش في بني عوف منهم، وهم قوم شبيب إذا أسن الرجل فيهم عمى، قلَّ من يُفلت فيهم من ذلك. ولو قال: فلو كنت مريا لكان هو أيضا قد انتفى من نسبه، لأنه مريٌّ ولم يكن أعمى. وأما السهو الثاني، فإنشاده أربعة الأبيات لأرطأة؛ وإنما البيتان الآخران لشبيب يرد على أرطأة، ألا تراه يقول: أبي كان خيرًا من أبيك ! ولم يختلف الرواة أن شبيبًا كان أفضل من أرطأة بيتًا، وأكرم معشرًا وأبًا وأُمًا؛ وأن أرطأة كان أفضل منه نفسًا، وكلاهما شاعران إسلاميان غلبت عليهما أمهاتهما وهو أرطأة بن زفر ابن عبد الله بن مالك أُمه سُهية بنت زامل، وقيل إنها سبية من كلب كانت لضرار بن الأزور ثم صارت إلى زفر وهي حامل فجاءت بأرطأة. وأما شبيب فهو شبيب بن يزيد بن حمزة ويقال
[ ١ / ٨٨ ]
ابن جمرة. وأُمه قرصافة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة وهو ابن خالة عقيل بن علفة أُمُّ عقيل عمرة بنت الحارث بن عوف. والحارث هذا هو صاحب الحمالة بين عبس وذبيان؛ لُقبت البرصاء لشدة بياضها ولم يكن بها برص؛ ولذلك قال شبيب:
أنا ابنُ بَرْصَاءَ بها أُجِيبُ مَا في هِجَان اللَّوْنِ ما تَعِيبُ
وقيل: إنما سميت بذلك لبرصٍ حدث بها؛ وذلك أن النبي ﷺ خطبها إلى أبيها فقال: إن بها وضحًا، فأصابها ذلك ولم يكن بها.
* * * وفي " ص ٦ س ٢٢ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
إذا انْبَطَحَتْ جَافَى عن الأرْض بَطْنُها وخَوَّأهَا رَابٍ كَهَامَةِ جُنْبُلِ
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ -: وخوأها. وإنما هو وخوَّى بها، لأن خوَّى لا أصل له في الهمزة؛ وهو مع ذلك لا يتعدى إلا بالباء، يقال: خوَّى البعير تخوية إذا برك ثم مكَّن لثفناته في الأرض، لا يقال خوّيته أنا، ويقال خوَّى به، كما تقول ذهب؛ وذهب لا يتعدى؛ والبيت للأعشى وبعده:
إذا مَا عَلاَها فارسٌ مُتَبَذِّلٌ فنِعْمَ فِرَاشُ الفارِس المُتَبذِّلِ
ومن هذا البيت أخذ الفرزدق قوله:
ما مَرْكبٌ ورُكُوبُ الخيلِ يُعْجِبُني كمَرْكبٍ بينَ دُملُوجٍ وخَلْخَالِ
أَلَذَّ للفارِس المُجْرِي إذا انبهرتْ أنفاسُ أمثالها منْ تحت أمْثَالي
[ ١ / ٨٩ ]
* * * وفي " ص ١١ س ١٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
كأنّما وَجْهُكَ ظلٌّ من حَجَرْ خَضِلٌ في يوم ريح ومَطَرْ
وأنت كالأَفْعَى التي لاَ تَحْتَفرْ ثم تَجِي سَادِرَةً فَتَنْجَحِرْ
قوله: " خضل في يوم ريح ومطر " غير صحيح الوزن، وإنما هو: " ذو خضل في يوم ريح ومطر " كذلك أنشده الرواة؛ وأنشده ابن الأعرابي لأعرابي من بني فزارة قال:
أَقْسِم لاَ تَأْخُذُ حَقِّي يَا وَزَرْ ظُلْمًا وعند اللهِ في الظُّلْم الغِيَرْ
كأنّما وجْهُكَ ظِلٌّ من حَجَرْ اِبْتَلَّ في يوم طِلالٍ ومَطَرْ
قال ابن الأعرابي: ظل كل شيء شخصه. والحجر إذا ضربته الأمطار بان سواده. فيقول: كأن سواد وجهك سواد هذا الحجر. وقال القتيبي - وقد أنشد هذا الرجز - يصف رجلا بالسواد وشبهه بظل الحجر دون غيره لكثافة ظله؛ قال ومثله قول الآخر:
سُودًا غَرابِيبَ كأظلال الحجَرْ
وقال آخر في وصف شاة:
كأن ظِلَّ حَجَرٍ صُغْرَاهُما
وأنشد أبو عثمان الأشنانداني - ﵀ -:
وجاءتْ بنو ذُهْلٍ كأنّ وجوههم إذا حَسَرُوا عنها ظِلالُ صُخُورِ
فهذا كله ذمٌّ وكناية عن سواد الوجه. وقد يأتي مدحًا على تأويل آخر< كما قالت الأعرابية تصف زوجها: هو ليث عرينةٍ، وجمل ظعينة؛ وجوار بحر، وظل صخر، فهذا مدح كما ترى وصفته بظل الصخر لبرده وكثافته؛ فكأن المُتفيئ ذراه لا يناله حر كريهة ولا أذى خطب.
[ ١ / ٩٠ ]
* * * وفي " ص ١٥ س ١٠ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
مُتَّئِدَ المَشْيِ بَطيئًا نَقْرُهُ كأنَّ نَجْرَ الناجراتِ نَجْرُهُ
هذا وهم من أبي علي - ﵀ - وكلام لا معنى له؛ وإنما صوابه:
أكرمُ نَجْرِ الناجراتِ نَجْرُه
ذلك أنشده اللغويون، وهكذا يصح معناه.
* * * وفي " ص ٨٥ س ١١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لزينب بنت فروة:
وذي حاجةٍ قلنا له لا تَبُحْ بها فليس إليها ما حَيِيتَ سَبِيلُ
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نَخُونَهُ وأنتَ لأُخْرى فارغٌ وخَلِيلُ
وهذا الشعر لليلى الأخيلية بلا اختلاف؛ وقد تقدم إنشاد أبي علي - ﵀ - له منسوبًا إليها ولكنه نسي.
* * * وفي " ص ٣٤ س ١٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
جَمُوحًا مَرُوحًا وإحضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُحْرَقِ
[ ١ / ٩١ ]
هذا وهم وسهو من أبي علي - ﵀ - والبيت لامرئ القيس؛ وإنما هو:
كَمَعْمَعْةٍ السَّعَفِ المُوقَدِ
وقبله:
وأَعْدَدْتُ للحرب وَثَّابَةً جَوَادَ المَحَثَّةِ والمِرْوَدِ
جَمُوحًا مَرُوحًا
وإنما لبس على أبي علي - ﵀ - وأوهمه قول كعب بن مالك يوم الخندق:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِلُ بَعضُه بَعضًا كَمَعْمَعَةِ الأباءِ المُحْرَقِ
فلْيأتِ مأسَدَةً تُسَنُّ سُيُوفُها بين المزَادِ وبينَ جَزْعِ الخَنْدَقِ
نَصِلُ السيوفَ إذا قَصُرْنَ بخَطوِنَا قَدَمًا ونُلْحِقُها إذا لم تَلْحَقِ
والعرب تشبه حفيف عدو الفرس الجواد باضطرام النار؛ كما قال طفيل:
كأنّ على أعطافِه ثوبَ مائحٍ وإن يُلْقَ كلبٌ بينَ لْحَيَيِه يَذهَبِ
كأن على أعرافِه ولجامِه سَنا ضَرَمٍ من عَرْفَجٍ مُتَلَهِّبِ
وقال أوس بن حجر:
إذا اجتهدَا شدًاّ حَسِبتَ عليهما عَرِيشًا عَلَتْه النارُ فهو يُحَرَّق
العريش: ظلة من ثمام أو غيره. شبَّه حفيفها في عدوهما بحفيف ظلة قد اشتعلت فيها النار؛ وقال أُسامة الهذلي في مثله:
[ ١ / ٩٢ ]
يُعَالِجُ بالعطفين شأوًا كأنّه حَرِيقٌ أُشِيعَته الأباءةُ حاصِدَ
أي يميل في أحد شقيه فيتكفا. حاصد، أي حصدها الحريق كما يحصد النبت؛ وقال العجاج:
كأنّما يَستَضرِمان العَرْ فجاَ
وقول امرئ القيس: جموحا مروحا. الجماح: جماحان، جماح مذموم وهو المعلوم، وجماح محمود وهو النشيط السريع؛ وإليه ذهب امرؤ القيس.
* * * وفي (ص ٥١ س٦) وأنشد أبو على - رحمة الله:
يَصُورُ عُنُوقَها أحْوَى زَنِيمُ له ظَأْءبٌ كما صَخِبَ الغَرِيمُ
هذا ما اتبع فيه أبو على - رحمة الله - غلط من تقدمه فأتى بيت من أعجاز ييتين أسقط صدورهما؛ وهما:
وجاءتْ خُلِعَةٌ دُبْسٌ صَفَايا يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ
يُفَرَّقُ بينها صَدَعٌ رَباعٌ له ظَأبٌ كما صَخِب الغَرِيمُ
والشعر للمعلى العبدي. وخلعة المال: خياره. وأحوى، يعني تيسًا. والزنيم: الذي له زنمتان، وهما المعلقتان تحت حنكه تنوسان. والصدع: الذي بين السمين والمهزول. ويصوع: يفرق. ويصور: يعطف.
[ ١ / ٩٣ ]
* * * وفي " ص ٥٤ س١٥ " وأنشد أبو على - رحمة الله - لعمارة بن صفوان الضبي:
أجارتَنَا مَن يَجْتَمِعْ يتفرَّقِ ومن يَكُ رَهْنًا للحوادِثِ يَغْلَقِ
الصحيح أن هذا الشعر لزميل بن أبرد الفزاري قاتل سالم بن دراة، لا لعمارة، وكلامها شاعر إسلامي، وكذلك سالم، وكان هجا زميلا فقتلته وقال:
مَحا السيفُ ابنُ دراةَ أجمعاَ
وقال:
أنا زُمَيْلٌ قاتِلُ ابنِ دَارَهْ ثم جَعَلْتُ عَقْلَه البَكاَرهْ
* * * وفي " ص ٥٨ س ٥ " وذكر أبو علي - ﵀ - سؤال عمر لأبي حثمة أيهما أطيب: العنب أم الرُّطب. فقال: ليس كالصقر، في رءوس الرَّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل؛ تحفة الصائم، وتعلَّة الصبي، ونزل مريم ابنة عمران، وينضح ولا يعني طابخة، ويحترش به الضبُّ من الصلعاء. وقال أبو علي - ﵀ - في تفسير الحديث: الصلعاء: أرض لا نبات بها.
وهذا وهم، الأرض التي لا نبات بها لا يكون بها ضبٌّ ولا غيره. والصلعاء: أرض معروفة لبني عبد الله بن غطفان ولبي فزارة بين النقرة والحاجر، تطؤها طريق الحاج الجادَّة إلى مكة، وبها كان ينزل عيينة بن حصن؛ وكان عيينة قد نهى عمر عن دخول العلوج المدينة وقال له: كأني أرى علجًا قد عنك هنا - وأشار إلى الموضع الذي طُعن فيه تحت سرته - فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: أيُّ حزم بين النقرة والحاجر!. وبالصلعاء قل دريد بن الصمة ذؤاب بن أسماء ابن قارب وقال:
[ ١ / ٩٤ ]
قَتَلتُ بعبد الله خيرَ لِدَاتهِ ذُؤَابَ بنَ أسماءَ بنِ زَيدِ بن قَارِبِ
ومُرَّة قد أَخْرَجْتُهُمْ فَتَرَكْتُهمْ يَرْغُونَ بالصَّلْعاء رَوْغَ الثعالبِ
والصلعاء هذه: مضبة ولذلك خصَّها. ورواه صاعد بن الحسن: ويحترش به الضب من الصلفاء بالفاء على ما أنا مورده بعد هذا. والصلفاء: القطعة الصلبة من الارض، والضِّباب لا تتخذ حجرتها إلا في الغلظ.
وأبو حثمة المذكور في الخبر هو عبد الله؛ ويقال: عامر بن ساعدة بن عامر من بني الحارث ابن الخزرج، وهو والد سهل بن أبي حثمة. شهد أبو حثمة مع رسول الله ﷺ المشاهد وبعثه خارصًا إلى خيبر، وكان أبو بكر وعمر - ﵄ - يبعثونه خارصًا؛ وكان - ﵀ - أعلم الناس وأبصرهم بالنخل؛ ولذلك خصَّه عمر - ﵁ - بالسؤال عن ذلك. فأما رواية صاعدٍ فإنه قال: سأل عمر - ﵁ - رجلًا من أهل الطائف: الحبلة خير أم النخلة؟ فقال: الحبلة أتزببها وأترببها وأصلح بها برمتي - يعني الخل - وأنام في ظلها؛ فقال عمر - ﵁ -: لو حضرك رجل من أهل يثرب ردَّ عليك قولك، فدخل عبد الرحمن بن محصن النَّجَّاري - ﵀ - فأخبره عمر - ﵁ - خبر الطائفي فقال: ليس كما قال؛ إني إن آكل الزبيب أضرس، وإن أتركه أغرث؛ ليس كالصقر في رءوس الرَّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل؛ تحفة الكبير، وصمتة الصغير؛ وزاد المسافر، وعصمة المقيم؛ وتخرسة مريم بنت عمران، وينضج ولا يعني طابخه، ويحترش به الضبُّ من الصلفاء.
[ ١ / ٩٥ ]
* * * وفي " ص ٦٣ س ١٥ " وأنشد أبو علي لطفيل:
قَبَائلُ مِنْ فَرْعَيْ غَنِيٍّ تَوَاهَقَتْ بها الخَيْلُ لا عُزْلٌ ولا مُتَأَشِّبُ
هكذا أنشده - ﵀ - بالرفع؛ وإنما هو: ولا متأشب، بالخفض على البدل من الضمير في بها، والقوافي مخفوضة. وقبل البيت:
وَعُوجٍ كأحناءِ السَّراءِ مَطَتْ بها مَطارِدُ تَهْدِيهَا أَسنَّةُ قَعْضَبِ
إذا قيل نَهْنِهْها وقد جَدَّ جِدُّها تَرامت كخُذْرُوف الولِيدِ المُثَقَّبِ
قبائلُ من فَرْعَي غَنِيٍّ تواهقَت بها الخَيلُ لا عُزْلٍ ولا مُتَأَشِّبِ
قوله: وعوج يريد أن في يديها تحنيبا وفي أرجلها تجنيبًا، كما يُحنى السَّراء، وهو من عيدان القسيِّ؛ ويقال: عوج: ضمَّر مهازيل من الغزو، مطت بها، أي مدت بها أعناق كالمطارد، أي رماح. تهديها، أي تقدمها. أسنة قعضب؛ وهو رجل من بني قشير كان يعمل الأسنة بأُضاخ، جاهلي. ونهنهها، أي كفّها؛ يقول: إذا ذهب يكفها ترامت، أي تتابعت. والخذروف: الخرَّارة. وقوله: ولا متأشب، أي لا خلط فيهم من غيرهم، يقال: أُشابات من الناس وأوباش وأوشاب، أي أخلاط؛ وهذا كما قال بشر:
فَيلْتَفُّ جِذَمانَا ولا حَيَّ بيننا وبينكم إلا الصَّريحُ المهَذَّبُ
* * * وفي " ص ٧١ س ١٥ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لسلمة بن يزيد يرثي أخاه لأمه قيس ابن سلمة:
أقولُ لنفسِي في الخَلاء أَلُومُها لَك الوَيْلُ ما هذا التَّجَلُّدُ والصَّبْرُ
[ ١ / ٩٦ ]
ألاَ تَفْهَمِينَ الخُبْر أن لَسْتُ لاقِيًا أخِي إذا أتَى من دون أكفانِه القَبْرُ
وكنتُ إذا يَنْأَى به بَيْنُ ليلةٍ يَظَلُّ على الأحشاء مِنْ بَيْنِه الْجَمْرُ
فهذا لِبَيْنٍ قد عَلِمْنا إيابَه فكيف لِبَيْن كان مَوْعدَهُ الحَشْرُ
وهَوَّن وَجْدِي أنَّنِي سوف أَغْتَدِى على إثْره يوما وإن نُفِّسَ العُمْرُ
فلا يُبْعِدَنْك الُله إمَّا تَرَكْتَنا حَمِيدًا وأَوْدَى بَعْدَك المَجْدُ والفَخْرُ
فَتًى كان يُعْطِي السَّيْفَ في الرَّوْع حَقَّهإذا ثَوَّبَ الداعِي وتَشْقَى به الْجُزْرُ
فَتًى كان يُدْيِنه الغِنَى من صديقه إذا ما هو اسْتَغْنَى ويُبْعِدُه الفَقْرُ
فَتًى لا يَعُدُّ المالَ رَبًّا ولا تُرَى له جَفْوَةٌ إن نالَ مَالًا ولا كِبْرُ
فَنِغْمَ مُناخُ الضَّيْف كان إذا سَرَتْ شَمالٌ وأَمْسَتْ لا يُعَرِّجُها سِتْرُ
ومَأْوَى اليتامى الممحِلِين إذا اْنَتُهْوا إلى بابه سَغْبَى وقد قَحَّط القَطْرُ
الصحيح أن أخا الشاعر لأمه المؤبن بهذا الشعر، هو مسلمة بن مغراء. وقد خلط أبو علي - ﵀ - في هذا الشعر، فأدخل فيها أبياتًا من قصيدة الأبيرد المشهورة التي يرثي بها أخاه بريدًا؛ وهي من قوله:
فَتًى كان يُعْطِي السيفَ في الرَّوْعِ حَقَّهُ إلى آخرها
وروى بعض الرواة أن خنساء باتت ليلة تنشد بيتين من أول هذا الشعر ترددهما وتبكي أخاها صخرًا وذلك بعد الإسلام؛ وهما:
[ ١ / ٩٧ ]
أقولُ لنفسي في الخلاءِ أَلومُها لك الويلُ ما هذا التَّجلُّدُ والصَّبْرُ
ألم تعلمِي أن لتُ ما عِشتُ لاقيًا أخِي إذ أتَى من دون أكفانه القَبْرُ
فناداها مؤمن من الجن: يا خنساء، قبضه خالقه، واستأثر به رازقه، وأنت تفعلين ظالمة، وفي البكاء عليه آثمة. ومثل قوله:
فَتى كان يُدنِيِهِ الغِنَى من صديقه إذا ما هو اسْتَغْنَى ويُبِعدُه الفَقْرُ
قول المقنع الكندي:
لهم جُلُّ مالِي إن تَتَابَعَ لي غِنًى وإن قَلَّ مالِي لم أُكَلِّفْهُمُ رِفْدَا
وقول إبراهيم بن العباس الصولي:
رأيتُك إنْ أيسرتَ خَيَّمتَ عندنا لِزَامًا وإن أَعْسَرتَ زُرتَ لِمَامَا
فما أنتَ إلا البدرُ إنْ قَلَّ ضَوْءُهُ أَغبَّ وإنْ زادَ الضِّياءُ أَقَامَا
وقوله أيضا:
ولكنَّ الجَوادَ أبا هشامٍ نَقىُّ الجَيب مامونُ المَغِيبِ
بَطِئٌ عنك ما اسْتَغْنَيْتَ عنه وطلاَّعٌ عليك مع الخُطُوبِ
* * * وفي " ص ٨٣ س ١٢ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لزينب بنت الطثرية ترثي أخاها:
أَرَى الأَثْلَ من بَطن العَقِيق مُجَاوِرِي مُقِيمًا وقد غَالَتْ يَزِيدَ غَوائلُهُ
[ ١ / ٩٨ ]
فَتًى قُدَّ قَدَّ السيف لا مُتَضائلٌ ولا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وبآدِلُهْ
وهي أبيات؛ فيها:
كَرِيمٌ إذا لاقيتَهُ مُتَبَسِّما وإمَّا تَوَلَّى أشعثُ الرأس جافلُهْ
وفسره أبو علي - ﵀ - فقال: الجافل: الذاهب؛ وهذا تفسير لا يسوغ في هذا البيت ولا يجوز. وأيُّ مدخل للذهاب هاهنا! وإنما الجافل هنا من الجفال وهو الشعر الكثير؛ وهكذا رواه أبو علي:
كريم إذا لاقيته متبسما
وغيره يرويه:
كريم إذا استقبلته متبسم
وهذه أحسن لفظًا وإعرابًا، لأن قوله: " إذا استقبلته " أحسن مطابقة لقوله: " وإما تولى " وكذلك الرفع في قوله: " متبسم " أجود في المعنى؛ لأنك إذا نصبته أوجبت أنه لا يكون كريما إلا في حين تبسمه، وإذا رفعت فهو كريم متبسم متى ما استقبلته أو لاقيته.
* * * وفي " ص ٨٧ س ٥ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لأبي كبير:
لقد وَرَدْتُ الماءَ لم يَشْرَبْ به بَيْنَ الرَّبيع إلى شُهُورِ الصَّيِّفِ
إلاّ عَوَاسِرُ كالمِرَاط مُعِيدةٌ بالليل مَوْرِدَ أَيِّمٍ مُتَغَضِّفِ
هكذا أنشده: " ولقد وردت " بضم التاء؛ وإنما هو: " لقد وردت " بفتحها يخاطب رجلا من قومه رثاه. وقبل البيت:
أُزَهَيْرُ إنَّ أخًا لنا ذا مِرَّةِ جَلْدَ القُوَى في كلِّ ساعةِ مَحْرَفِ
[ ١ / ٩٩ ]
فارَقتُه يومًا بجانب نخلةٍ سبق الحِمَامُ به زُهَيرُ تَلُّهفِي
لقد وردتَ الماءَ البيت
ومضى في تأبينه ورثائه، وذكر مناقبه وعلائه. قوله: " ذا مرة " أي ذا قوة. وقوله: " في كل ساعة محرف " يقول: يحترف فيتقلب. وقد فسر أبو علي - ﵀ - معنى البيتين، ويروي: " إلا عواسل " باللام وهي أشهر الروايتين، يقال: مرَّ الذئب يعسل وينسل إذا مرَّ مرَّا سريعًا.
* * * وفي " ص ٨٨ س ١٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للفرزدق:
فَقُلتُ ادْعِي وأَدْعُ فإن أنْدَى لِصَوْتٍ أن يُنادِيَ دَاعيَانِ
هذا البيت ليس للفرزدق، وقد نُسب إلى الحطيئة ولم يروه أحد في شعره. والصحيح أنه لدثار بن شيبان، ودثار هو الذي حمله الزبرقان على هجاء بني بغيض. وقوله: " وأدع " هو على توَّهم اللام؛ ولو أظهرها كان خيرًا، كما قال ﷾: (اِتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَاياكُمْ) ويروى:
فقلت ادعى وأدعو إن أندى
والواو في قوله: " وأدعو " واو الصرف. ويروى: " وأدعو أن أندى " أي لأن ذلك أندى.
* * * وفي " ص ٨٨ س ١٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
وَأَي لم يَزَلْ يَسْتَسْع العامَ حَوْلهُ نَدَى صَوْتِ مَقْرُوعٍ عن العَذْف عاذِبِ
[ ١ / ١٠٠ ]
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ - " وأي " على مثال فعل، وهو الشديد الصلب. والبيت لذي الرمة، وكذلك قيَّده أبو علي - ﵀ - ورواه في ديوان شعره؛ وإنما هو " وأن " الواو للعطف وأن الحرف الناصب، ويوضح لك صحة ذلك قوله قبل البيت:
خدَبٍّ حَنَا من ظَهره بَعْدَ سَلْوَةٍ على قُصْبِ مُنْضَمِّ الثَّميلَةِ شازِبِ
مَرَاسُ الأوابي عن نُفُوسٍ عزيزةٍ وإلْفُ المَتَالِي في قلوبِ السلائِبِ
وأنْ لم يَزَل يَسْتَسْمِع العامَ حَوْلَهُ نَدَى صَوْتِ مَقْرُوعٍ عن العَذْفِ عاذِبِ
يقول: حنى من ظهره مراس الأوابي واستماع صوت فحل ينادي بإزائه آخر يخاطره على طروقته ويصاوله، فبينهما هدر وإيعادٌ. وقوله: " بعد سلوة " أي بعد نعمةٍ. يقول: أضمره الهياج لأنه ترك العلف والمرعى. والثميلة: بقية العلف والماء في البطن. والسلائب: هي التي نُحرت أولادها أو ماتت. يقول: هذه السلائب تحب هذه المتالي كحبها أولادها فحيثما ذهبت المتالي تبعتها السلائب. وقد فسر أبو علي - ﵀ - باقي الغريب.
* * * وفي " ص ٨٩ س ٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
وعَيْرٌ لها من بَنَاتِ الكُدَادِ يُدَهْمِجُ بالقعْب والمِرْوَدِ
هذه رواية محالة، وليس هكذا قاله الشاعر، وهو للفرزدق يهجو جريرًا؛ وصحة إنشاده:
فما حَاجِبٌ في بني دَارِمٍ ولا أُسْرَةُ الأقْرَعِ الأَمْجَدِ
ولا آلُ قَيْسٍ بنو خالدٍ ولا الصِّيدُ صِيدُ بَنِي مَرْثَدِ
بأَخيلَ منهمْ إذا زَيَّنُوا بِمَغْرَتهم حاجِبَي مُؤجَدِ
حمارٍ لهم من بناتِ الكُدَادِ يُدَهْمِجُ بالوَطْبِ والمِرْوَدِ
يَبِيعُون نَزْوَتَهُ بالوَصِيفِ وكرمَيْه بالناشئ الأَمْرَدِ
[ ١ / ١٠١ ]
يعني الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع؛ وقيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين الشيباني؛ ومرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن ثعلبة، والمؤجد: الحمار الغليظ. والكداد: فحل من الحُمر معلوم. ويُدهمج: يُسرع في تقارب خطوٍ.
* * * وفي " ص ٨٧ س ٢٣ " وأنشد أبو علي لابن أحمر:
تُهْدَى إليه ذِراعُ الجَدْي تَكْرِمةً إمَّا ذَبِيحًا وإمَّا كان حُلاَّنا
هكذا أنشده تهدى بضم التاء على لفظ ما لم يُسمَّ فاعله؛ وإنما هو تهدى إليه بكسر الدال، ويشهد لذلك ما قبله؛ وهو:
فِدَاكَ كلُّ ضئيلِ الجسمِ مُخْتَشِعٌ وَسْطَ المقامة يَرْعَى الضَّأنَ أحيانا
تُهْدِى إليه ذِراعَ الجَدْي تَكْرمَةً إمّا ذَبيحًا وإمّا كان حُلاَّنا
عِيطٌ عَطَابِيل لُثْنَ الرَّيَّ وابْتَذَلَتْ معاطِفًا سَابِريَّاتٍ وكَتَّانا
يقول: تُهدى إليه هذه المرأة ذراع الجدي تكرمة؛ يهزأ به. والذبيح: الذي يصلح للنسك. والحلاَّن والحلاَّم: الصغير الذي يصلح للنسك. وقوله: لُثن الرَّيَّ، يريد ثياب الرَّيَّ فحذف المضاف.
* * * وفي " ص ١١٢ س ٢ " وذكر أبو علي - ﵀ - قول المنصور لجرير بن عبد الله القسري: " إني لأُعدُّك لأمرٍ كبير " فقال: يا أمير المؤمنين، قد أعدَّ الله لك مني قلبًا معقودًا بنصيحتك، ويدًا مبسوطة بطاعتك، وسيفًا مشحوذًا على أعدائك؛ فإذا شئت..
هذا غلط مركب، ووهم فاحش من جهتين: إحداهما: أنه خالد بن عبد الله القسري لا جرير، لأن جرير بن عبد الله هو البجلي أحد الصحابة، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: " يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن عليه
[ ١ / ١٠٢ ]
مسحة ملك ". وكان أجمل الناس ولم يكن لخالد أخ يُسمى جريرًا؛ إنما كان له أخوان: أسد وإسماعيل ابنا عبد الله القسري. أدرك إسماعيل منهم أبا العباس السفاح، وكان يسب عنده بني أمية.
والجهة الأخرى، أن خالدًا لم يدرك شيئًا من الدولة الهاشمية؛ وإنما قاله المنصور لمعن بن زائدة، لذلك قال المدائني - ﵏ - وجميع الأخباريين: وإنما مات خالد في سجن يوسف بن عمر وهو يعذبه، وفي عذابه مات بلال بن أبي بردة. وكان هشام بن عبد الملك قد استعمل خالد بن عبد الله على العراق سنة ست ومائة، ثم ولى يوسف بن عمر سنة عشرين ومائة، فسجن خالدًا وعذبه حتى مات في سجنه، وبقي يوسف واليًا على العراق إلى أن بويع يزيد بن الوليد سنة ست وعشرين ومائة، فاستعمل منصور بن جمهور على العراق؛ فلما سمع ذلك يوسف هرب إلى الشام، فظفر به هناك فسُجن؛ فلما مات يزيد بن الوليد واضطرب أمر المروانية بطش يزيد بن خالد بن عبد الله القسري بيوسف بن عمر فقتله في السجن وأدرك بثأر أبيه منه.
* * * وفي " ص ١١٧ س ٥ " وأنشد أبو علي:
وما كان ذَنْبُ بَنِي عامرٍ بأن سُبَّ منهم غُلاَمٌ فَسَبّ
بأبْيضَ ذي شُطَبٍ باتِرٍ يَقُطُّ العِظامَ ويَبْرِي العَصَبْ
وقال: يريد معاقرة غالب أبي الفرزدق وسحيم بن وثيل الرياحي لما تعاقرا بصوءر، فعقر سحيم خمسا ثم بدا له وعقر غالب مائة
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ -:
وما كان ذنب بني عامر
وإنما هو:
وما كان ذنب بني مالك
[ ١ / ١٠٣ ]
وليس لغالب أبٌ يسمى عامرًا؛ إنما هو من بني دارم بن مالك بن حنظلة. والشعر لذي الخرق الطهوي يتعصب لغالب، لأن مالكا يجمعهما؛ هو من بني أبي سود بن مالك بن حنظلة؛ وأم أبي سودٍ وعوفٍ ابني مالك، طهيه بنت عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم غلبت عليهم. واسم ذي الخرق قرط، سمي ذا الخرق بقوله:
وما خَطَبْنَا إلى قَوْمٍ بناتهمُ إلاَّ بأَرْعَنَ في حَافَاته الخِرَقُ
وكان الفرزدق عند هذه المعاقرة يحوش الإبل على أبيه ويقول: حشها عليَّ يا بني، وهو يقول: اعقر هيا أبه؛ ثم تركت لا يصد عنها بشرٌ ولا سبع ولا طائر، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب - ﵁ - فنهى عن أكل لحومها وقال: إنها مما أُهلَّ به لغير الله.
* * * وفي " ص ١١٨ س ١٥ " وأنشد أبو علي في أبيات المعاني:
وخَلَّقْتُه حتَّى إذا تَمَّ واسْتَوَى كمُخَّةِ ساقٍ أو كمَتْين إمَامِ
هذا وإن لم يكن فيه سهو فإن فيه إخلالًا، لأنه أفرده وأسقط فائدته وجوابه، فإذا تمَّ هذا السهم واستوى كان ماذا! وبعد البيت:
قَرَنْتُ بِحَقْوَيْهِ ثلاثًا فلم يَزِغْ عن القَصْدِ حتَّى بُصِّرَت بِدِمَامِ
يعني بالثلاث: ثلاث قذذ. فلم يزغ، أي لم يمل عن القصد حتى بُصِّرت هذه القذذ، أي أصابتها البصيرة، وهي الطريقة من الدم؛ وكل ما طليت به شيئًا فهو له دمام، يقال: دُمَّ قدرك، أي اطلها بالطحال حتى تقوى.
[ ١ / ١٠٤ ]
* * * وفي " ص ١٢١ س ٩ " ذكر أبو علي - ﵀ - عن مجالد بن سعيد - ﵀ - قال: كنا يوما عند الشعبي فتناشدنا الشعر، فلما فرغنا قال الشعبي - ﵀ -: أيكم يُحسن أن يقول مثل هذا؟ وأنشدنا:
أَعَيْنَيَّ مَهْلًا طالَمَا لم أَقُلْ مَهْلًا وما سَرَفا مِ الآنَ قُلْتُ ولا جَهْلًا
وإنَّ صِبَا ابن الأربعين سَفَاهَةٌ فكيف مع اللائي مُثِلْتُ بها مَثْلاَ
وهي أبيات.
قال مجالد: فكتبنا الشعر ثم قلنا للشعبي - ﵀ -: من يقوله؟ فسكت، فتُرى أنه قائله.
ما أعجب أمر أبي علي - ﵀ -! هذا الشعر أشهر بالنسبة إلى القحيف العقيليِّ من أن يرتاب به مرتاب. رواه له الأصمعي والمفضل - رحمهما الله - كلاهما، وهو ثابت في اختياراتهما وقد رواه أبو علي - ﵀ - هناك؛ وهو ثابت أيضا في ديوان شعره وفيه زيادة تشهد أنه للقحيف لا للشعبي - ﵀ - وهي:
ومِنْ أعجَبِ الدنيا إليَّ زُجَاجَةٌ تَظَلُّ أَيادِي المُنْتَشِينَ بها فُتْلاَ
يَصُبُّونَ فيها من كُرُومٍ سُلافةً يَرُوح الفتى عنها كأنّ به خَبْلاَ
وهذا البيت شاهد على أن اليد العضو تجمع أيادي.
* * * وفي " ص ١٢٦ س ١٥ " وأنشد أبو علي - ﵀ - قصيدة لمهلهل أولها:
أَلَيْلَتَا بِذِي حُسُمٍ أَنِيرِي إذا أنتِ انْقَضَيْتِ فلا تُحُورِي
[ ١ / ١٠٥ ]
وفيها:
فلا وَأَبِي جَلِيلَة ما أَفَأْنَا من النَّعَم المُؤَبَّل من بَعِير
وفسره فقال: جليلة: أخت كليب، وكانت تحت جساس قاتل كليب.
هذا غلط فاحش من أبي علي - ﵀ - ويجب أن يقال له: اقلب تصب؛ إنما جليلة أخت جساس، وكانت تحت كليب قتيل جساس؛ وهي القائلة لما قُتل زوجها ورحلت، فقالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت؛ فبلغ ذلك جليلة فقالت: فكيف تشمت الحرَّة بهتك سترها، وترقُّب وترها! ثم أنشأت تقول:
يابْنةَ الأقوامِ إنْ لُمْتِ فلا تَعْجَلي باللوم حتّى تَسأَلِي
فإذا أنتِ تَبَيَّنتِ التي عندها اللومُ فلُومي واعْجَلِي
يا قتيلًا قوَّض الدهرُ به سقفَ بَيتيَّ جميعا مِنْ عَلِ
فِعلُ جسّاسٍ وإن كان أَخِي قاصِمٌ ظَهرِي ومُدْنٍ أَجَلِي
يَشْتَفِي المُدْركُ بالثار وفي دَرَكِي ثارَيَّ ثُكْلُ المثكلِ
* * * وفي " ص ١٣٢ س ٥ " وذكر أبو علي - ﵀ - للعتابي رسالة كتب بها إلى بعض إخوانه يستمنحه ووصل بها شعرًا؛ وهو:
ظِلُّ اليَسارِ على العَبَّاس ممدُودُ وقلبُه أبدًا بالبُخل مَعقُودُ
إن الكريم لَيُخْفِي عنك عُسْرَتَهُ حتّى تراه غَنِيًّا وهو مجهودُ
وللبخيل على أمواله عِلَلٌ زُرْقُ العيون عليها أَوْجُهٌ سُودُ
إذا تكرَّمْتَ عن بَذْل القليل ولم تَقْدِرْ على سَعَةٍ لم يَظهرَ الجُودُ
[ ١ / ١٠٦ ]
وهذا أيضا سهو بين، لأن هذا الشعر هجاء لا مديح، وليس للعتابي؛ إنما هو لبشار يهجو به العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - ﵃ - وإنما قال:
وقلبُه أبدًا بالبخل معقودُ
فوصفه بالغني والبخل ثم ضرب له مثلا ممن هو على ضد حاله من كرمه وقلة ماله؛ فقال:
إنّ الكريم لَيُخْفِي عنك عُسْرتَهُ حتّى تراه غَنِيًّا وهو مجهودُ
وختم الشعر ببيت لم ينشده أبو علي - ﵀ - يوضح لك ما ذكرته وهو:
أورِق بخيرٍ تُرَجَّى للنَّوال فما تُرْجَى الثمارُ إذا لم يُورِق العُودُ
وكان بشار منحرفا عن آل علي بن عبد الله؛ ووجد في كتبه بعد موته: هممت بهجاء آل سليمان ابن علي، فذكرت قرابتهم من رسول الله - ﷺ - فوهبتهم له؛ فما قلت فيهم إلا بيتين وهما:
دِينارُ آل سُلَيمانٍ ودِرهَمُهُمْ كالبا بِلَّيْين حُفَّا بالعَفَاريتِ
لا يُوجَدان ولا تلقاهُما أبدًا كما سَمِعتَ بهارُوتٍ ومارُوت
* * * وفي " ص ١٣٤ س١٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لتأبط شرا شعرًا أوله:
إنِّي لَمُهْدٍ من ثنائي فَقاصِدٌ به لابن عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بن مالكِ
وفيه:
إذا طَلَعَتْ أُولَى العَدِىِّ فَنَفْرُهُ إلى سَلَّةٍ من الصارِمِ الغَرِّ باتِكِ
[ ١ / ١٠٧ ]
إذا هَزَّهُ في عَظْمِ قِرْنٍ تَهَلَّلتْ نَواِجُذ أفواهِ المَنَايا الضَّوَاحِكِ
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ -: " من صارم الغر " والمحفوظ المعروف: " من صارم الغرب " وهو الحدُّ وهو الغرار. فأما الغرُّ فهو الكسر في الثوب والجلد، ولا أعلمه يقال في السيف. وقال أبو علي - ﵀ - في تفسير العديّ: هم الذين يعدون في الحرب؛ وإنما العديُّ: أول من يحمل، واحدهم عادٍ، مثل غازٍ وغزي، هذا قول جماعة اللغويين؛ وقوله:
إذا هزَّه في عَظم قَرْنٍ تهلَّلت نواجِذُ أفواهِ المنايا الضواحكِ
هذا المعنى نقيض قوله في أخرى:
شَدَدتُ لها صَدرِي فزلَّ عن الصَّفَا به جُؤجُؤٌ عَبْلٌ ومتنٌ مُخَصَّرُ
فخالط سَهلَ الأرض لم يكدح الصفا به كدحةً والمَوتُ خَزْبانُ يَنظُرُ
* * * وفي " ص ١٤١ س ١٦ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
فَقُلْصِي لكم ما عِشْتُمُ ذو دَغَاوِلِ
ليس هكذا البيت؛ وإنما صحّة إنشاده:
فَقُلْصِي ونُزْلِي ما عَلِمْتُم حَفِيلَةٌ وشَرِّي لكم ما عِشْتُمُ ذُو دَغاول
قوله: قلصي، يريد انقباضي. ونزلي: استرسالي. وحفيلة: كثيرة. ودغاول، أي ذو غائلة؛ ولا يدري ما واحدها، ولكن نرى أنها دغولة. والبيت لعبد مناف بن ربع الهذلي من قصيدة يرثي بها ذبية السلميّ.
[ ١ / ١٠٨ ]
* * * وفي " ص ١٤٣ س ٩ " وانشد أبو علي - ﵀ -:
يا دَارَ سَلْمَى بين ذاتِ العُوجْ جَرَّت عليها كلُّ رِيحٍ سَيْهُوجْ
قد أخلّ أبو علي - ﵀ - بالوزن واللفظ؛ أما الوزن فإن إقامته بأن تنشده: " بين دارات العوج " جمع دارة؛ وكذلك صحَّة لفظه، لأن ذات العوج لا يعرف موضعا؛ وإنما هو دارات العوج أو دارة العوج؛ قال الراجز:
بدَارَةِ العُوجِ لسَلْمَى مَرْبَعُ يَكْنُفُه من جانِبَيْه لَعْلَعُ
وبعد قوله:
جَرَّتْ عليها كلُّ رِيح سَيْهُوجْ
هَوْجَاءَ جاءتْ من بلاد يأجوجْ مِن عن يمين الخطّ أو سَمَاهِيجْ
* * * وفي " ص ١٤٩ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
لها شَعَرٌ داجٍ وجِيدٌ مُقَلَّصٌ وجِسْمٌ خُدارِيٌّ وضَرْعٌ مُجَالِحُ
هذه رواية محالة لا وجه لها؛ وإنما هو: " وجسم زخاري " وهو الكثير اللحم والشحم، من قولهم: زخر البحر إذا ارتفعت أمواجه وتكاثفت، ولا يقال: جسم خداري؛ وإنما الخداري من صفة الألوان؛ فلو قال: ولون خداري، لكان وجهًا؛ على أنه ليس مدحًا. وهذا الشعر لجبيهاء الأشجعي، يقوله في عنز كان منحها رجلًا من بني تميم من أشجع قومه. والعنز تسمى صعدةً؛ وهي أبيات كثيرة يمدح العنز المذكورة. وأولها:
[ ١ / ١٠٩ ]
أَمَوْلَى بَنِي تَيْمٍ ألَسْتَ مُؤَدِّيًا مَنِيَحَتنَا فيما تُؤَدَّي المَنَائحُ
فإنَّك لو أدَّيتَ صَعْدَةَ لم تَزَلْ بعَلياءَ عندِي ما بَغَى الرِّيحَ رائحُ
لها شَعَرٌ ضافٍ وجيدٌ مُقَلَّصٌ وجِسمٌ زُخَارِيٌّ وضَرْعٌ مُجَالِحُ
* * * وفي " ص ١٩١ س ١٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لمالك بن أسماء في أخيه عيينة لما سجنه الحجاج:
ذَهَبَ الرُّقادُ فما يُحَسُّ رُقَادُ مما شَجَاك وحَفَّتِ العُوَّادُ
خَبَرٌ أتانِي عن عُيَيْنَةَ مُفْظِعٌ كادتْ تَقَطَّعُ عندَهُ الأكبادُ
بَلَغَ النُّفوسَ بَلاؤُه فكأنّنا مَوْتَى وفِينَا الرُّوحُ والأَجْسادُ
لمّا أتانِي عن عُيَينةَ أنّه أمْسَى عليه تَظَاهَرُ الأَقْيادُ
نَخَلَتْ له نَفْسي النَّصِيحةَ إنّه عندَ الشدائدِ تَذْهَبُ الأَحْقادُ
وعَلِمْتُ أنِّي إن فَقَدْتُ مكانَهُ ذهبَ البِعَادُ فصار فيه بِعَادُ
ورأيتُ في وجه العَدُوِّ شكاسةً وتَغَيَّرتْ لي أَوْجُهٌ وبلادُ
وذكرتُ أيُّ فَتًى يَسُدُّ مكانَه بالرِّفْدِ حين تَقَاصَر الأَرْفَادُ
أم مَن يُهِينُ لنا كرائمَ مالِهِ وله إذا عُدْنا إليه مَعادُ
هذا الشعر لعويف القوافي بلا اختلاف. وأيُّ حقدٍ كان بين مالك واخيه حتى يقول:
نَخَلَتْ له نَفْسِي النَّصِيحةَ إنّه عندَ الشدائد تَذْهَبُ الأحْقادُ
[ ١ / ١١٠ ]
وكيف يقول مالك في أخيه:
أم من يُهِينُ لنا كرائمَ ماله
ومالك أغنى من عيينة وأنبه، لأنه كان متصرفا في الرفيع من أعمال السلطان؛ وكان مع ذلك من أهل الفصاحة واللسن والشعر الفائق والبراعة. وعويف أحد الشعراء المنتجعين بالشعر المسترفدين للملوك؛ وإنما قال عويف:
عندَ الشدائد تَذْهَبُ الأحقادُ
لأن أخت عويف كانت تحت عيينة بن أسماء فطلقها، فغضب من ذلك عويف وقال: " الحرة لا تطلق إلا لريبة " وباعد عيينة وعاداه؛ فلما بلغه أن الحجاج سجن عيينة وقيَّده، عطفه ذلك عليه وأذهب حقده له فقال الشعر.
وهو عويف بن معاوية بن حصن؛ وقيل: ابن عقبة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري؛ وهو شاعر مجيد، سمي عويف القوافي بقوله:
سَأكذِبُ مَنْ قد كان يَزْعُمُ أنَّنِي إذا قُلْت قولًا لا أُجيِدُ القَوَافِيَا
* * * وفي " ص ١٩٨ س ١٢ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لأبي الأسود في أبيات:
وإنَّ امرأً لا يُرْتَجَى الخيرُ عندَهُ يَكُنْ هَيِّنًا ثِقْلًا على مَن يُصَاحِبُ
هذا سهو من أبي علي - ﵀ - لم يشعره؛ لانجزام قوله: " يكن هينًا " من غير جازم؛ وإنما صحَّة إنشاده:
وأَيُّ امرئٍ لا يُرْتَجَى الخيرُ عندَهُ يَكُنْ هَينًا ثِقْلًا على مَنْ يُصَاحِبُ
فوضع إنَّ مكان أيّ.
[ ١ / ١١١ ]
* * * وفي " ص ٢٠٠ س ٢٠ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لعروة بن الورد:
لا تَشْتُمِنِّي يا بنَ وَرْدٍ فإنّه تَعُودُ على مالِي الحُقُوقُ العَوائدُ
ومَنْ يُؤْثِر الحَقَّ النؤوبَ تكن به خَصَاصةُ جِسْمٍ وهو طَيّانُ ماجِدُ
وإنِّي امْرُؤٌ عافِى إنائيَ شِرْكةٌ وأنتَ امْرُؤٌ عافِى إنائكَ واحِدُ
أُقَسِّمُ جِسْمِي في جُسُومٍ كثيرةٍ وأَحْسُو قَراحَ الماء والماءُ باردُ
هذا من أوهام أبي علي - ﵀ - وغفلته؛ كيف يُنشد لابن الورد: " لا تشتمني يا بن ورد " وإنما البيت الأول من الأبيات التي أنشد لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي صاحب حرب داحس، يردُّ على عروة وكان بينهما تنافسٌ. وكان قيس أكولًا مبطانا، فكان عروة يعرِّض له بذلك في أشعاره؛ فمن ذلك قوله:
وإني امْرُؤٌ عافِى إنائيَ شِرْكةٌ وأنتَ امرؤٌ عافِى إنائكَ واحِدُ
فقال قيس يجيبه:
لا تَشْتُمَنِّي يا بنَ وَرْدٍ فإنَّنِي تَعُودُ على مالِي الحُقُوقُ العَوائدُ
أتهزأ مِنِّي أن سَمِنْتُ وقد تَرَى بجسمي مَسَّ الحِّق والحَقُّ جاهدُ
وقال محمد بن يزيد - ﵀ -: إن قوله:
ومن يُؤثِر الحقَّ النؤوبَالبيت
ليس لعروة؛ إنما هو لهذا العبسي الذي ردّ عليه. وله يقول قيس بن زهير أيضا:
أَذَنْبٌ علينا شَتْمُ عُرْوَةَ خَالَهُ بقُرَّةِ أحساءٍ ويومًا بِبَدْ بَدِ
هَلُمَّ إلينا نكفِك الأمَر كُلَّه فعَالًا وإحسانًا وإن شئتَ فابعُد
[ ١ / ١١٢ ]
وقيس هذا شاعر فارس جاهلي، يكنى أبا هند، وعروة بن الورد بن زيد بن عبد الله العبسي يكنى أبا نجدة، شاعر فاتك جاهلي أيضا. إلا أن أبا الفرج روى عن بعض رجاله: أن رسول الله - ﷺ - أجلى عروة مع من أجلى من بني النضير، وكان نازلًا فيهم بامرأة سباها من مزينة. وقال عمر بن الخطاب - ﵁ - للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف حازم. قال: وكيف ذلك؟ قال: كان منا قيس بن زهير وكان حازما لا نعصيه، فكأنا ألف حازم؛ وكنا نأتم بشعر عروة ونقدم بإقدام عنترة.
* * * وفي " ص ٢١٣ س ١٣ " قال أبو على - رحمة الله - في الإتباع: ويقولون: حسن بسن.
قال أبو على - رحمة الله -: يجوز أن تكون النون في بسن زائدة كما زادوها في قولهم: امرأة خلبن، وهي الخلابة؛ وناقة علجن من التعلج وهو الغلط. فكان الأصل في بسن بسًا. وبس مصدر بسست السويق أبسه بسًا إذا لتته بسمن أو زيت ليكمل طيبه، فوضع الابس في موضع المبوس وهو المصدر، كما قيل: درهم ضرب الأمير، أي مضروب الأمير؛ ثم حذفت إحدى السنين وزيدت فيه النون وبنى على مثال حسن، فمعناه: حسن كامل الحسن. قال: وأحسن من هذا المذهب الذي ذكرناه أن تكون بدلا من حرف التضعيف، لأن حروف التضعيف تبدل منها الياء مثل تظنيت وتقضيت وأشباهها، فلما كانت النون من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة وكانت من حروف البدل أُبدلت من السين؛ إذ مذهبهم في الإتباع أن تكون أواخر الكلم على لفظ واحد، مثل القوافي والسَّجع، ولتكون مثل حسنٍ. قال: ويقولون: حسن قسن، فعمل بقسن ما عمل ببسن. والقسُّ: تتبع الشيء وطلبه؛ فكأنه حسن مقسوس، أي متبوع مطلوب.
هذه هذرمة وحجاج مقحمة. أما قوله: إنَّ النون في بسن زائدة كزيادتها في خلبن وعلجن فشاذٌ لا نظير له؛ لأن بسنًا من ذوات الثلاثة وهي لا تحتمل الزيادة لما كانت أقلَّ الأصول. وأما
[ ١ / ١١٣ ]
قوله: وأحسن من هذا أن تكون النون بدلا من حرف التضعيف، لأن حروف التضعيف تبدل منها الياء مثل تظنيت وما أشبهه. فإن تظنيت أبدل لاجتماع ثلاثة أمثال، وإنما في بسن مثلان. فإن احتج محتج بقولهم: أمليت وأحسيت في أمللت وأحسست، وأيما في أما؛ فهذا قليل، وهو مع قلته أتى بالياء ولم يأت بالنون البتة، فكيف يقاس على ما لم يُسمع!.
* * * وفي " ص ٢١٥ س ٤ " قال أبو علي قال الأصمعي - رحمهما الله -: نعتت امرأة من العرب ابنتها فقالت:
رِبَحْلَةٌ سِبَحْلَه تَنْمِى نَبَاتَ النَّخْلَه
قال: وقال أبو زيد - ﵀ -: الربحلة: العظيمة الجيدة الخلق في طول. والرِّبحل مثل السِّبحل؛ ومنه قول عبد المطلب لسيف: وملكًا ربحلا، يعطى عطاء جزلا.
هذا وهم من أبي علي - ﵀ - إنما هو قول سيف لعبد المطلب، لا قول عبد المطلب لسيف. وذلك أنه لما وفد عليه في رجالات قريش يهنئونه ظفره بالحبشة، فتكلم عبد المطلب، قال له سيفٌ: أيُّهم أنت؟ قال: عبد المطلب بن هاشم؛ قال: ابن أختنا؟ قال: نعم! فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبًا وأهلًا، وناقةً ورحلًا، وملكًا ربحلًا، يُعطى عطاءً جزلًا؛ قد سمعنا مقالتكم، وعرفنا قرابتكم؛ فلكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا رجعتم. في حديث طويل.
* * * وفي " ص ١٦٦ س ٧ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لسلمى بن غويَّة:
لا يَبْعَدَنْ عَصْرُ الشباب ولا لذَّاتِهِ ونَبَاتِهِ النَّضْرِ
والمرشقات من الخدور كإيماض الغمام صواحب العطر وهي أبيات
[ ١ / ١١٤ ]
هكذا رواه أبو علي - ﵀ - سلمى بفتح الميم. والصحيح فيه سلمى بكسر الميم وتشديد الياء. وهو سلمى بن سلمى بن غويَّة بن ربيعة الضبيّ. وقد ذكر بعض اللغويين أنه ليس في العرب سلمى بضم السين وفتح الميم كما روى أبو علي - ﵀ - هنا إلا أبو سلمى أبو زهير الشاعر ابن أبي سلمى.
* * * وفي " ص ١٧٤ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
فجاءت كأنّ القَسْوَرَ الجَوْنَ بَجَّها عَسَالِيجُه والثَّامِرُ المُتَنَاوِحُ
إنما صوابه: لجاءت باللام لا بالفاء. والبيت لجبيهاء الأشجعي من شعره الذي يذكر فيه شاته الممنوحة، وقد تقدَّمت منه أبيات؛ وقبله:
ولو أنّها طافتْ بُطْنبٍ مُعَجَّمٍ نَفى الرِّقَّ عنه جَذبُها فهو كالِحُ
لجاءت كأنّ القَسْوَر الْجَوْنَ بَجَّهَا عَسَالِيجُه والثامرُ المُتَنَاوِحُ
يقول: لو طافت هذه الشاة بطنب معجم. والطنب: أصل الشجرة وهو الجذل. ومعجم: معضض. والرقُّ ما قرب على الماشية من الأغصان. والكالح: الذي لا شيء عليه. وقد فسر أبو علي - ﵀ - غريب البيت الثاني إلا أنه قال: القسور: نبت، وهذا غير مُقنع، وهو نبت له خوصة؛ والذي له خوصة من النبت لا يُعبل، أي لا يسقط ورقه، فلذلك خصّه.
[ ١ / ١١٥ ]
* * *
وفي " ص ١٨ س ٣ " قال أبو علي - ﵀ - كل ما في العرب ملكان بكسر الميم إلا ملكان في جرم بن ربان فإنه بفتحها. الذي في جرم بن ربان هو ملكان بفتح الميم واللام، وليس هو بإسكان اللام كما أورده. وكذلك ملكان بن عباد بن عياض بن عقبة بن السَّكون؛ وهذا باب واسع، والذي ذكر منه أبو علي برضٌ من عدٍّ، وغيض من فيض.
* * * وفي " ص ١٨٧ س ١٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لموسى شهوات يهجو عمر بن موسى ابن عبيد الله بن معمر ويمدح عمر بن موسى بن طلحة بن عبيد الله:
تُبَارِي ابنَ مُوسَى يا بنَ مُوسى ولم تكنْ يَداك جميعًا تَعْدِلاَنِ له يَدَا
تُبارِي امرأً يُسْرَى يَدَيْهِ مُفِيدَةٌ ويُمناها تَبْنِي بناءً مُشَيَّدًا
فإنك لم تُشْبه أباك ابنَ مَعْمَرٍ ولكنمَّا أشبهتَ عَمَّك مَعْبَدَا
وفِيكَ وإن قيل ابنُ مُوسى بنِ مَعْمَرٍ عُروقٌ يَدَعْنَ المرءَ ذا المَجْدِ قُعْدُدَا
قال: وكان معبد مولى وكان أخا أبيه لأمه. وله حديث قد ذكره أبو عبيدة في كتاب المثالب. قال أبو علي - ﵀ -: والقُعْدُدُ والقُعْدَدُ لغتان: اللئيم الأصل. قال: والإقعاد: قلة الأجداد. والإطراف: كثرة الأجداد، وكلاهما مدح.
قول أبو علي - ﵀ -: وكلاهما مدح، نقله من كلام ابن الأعرابي، وقد ردَّ عليه وأُنكر من قوله. قال العلماء: رجل قعدد إذا كان قليل الآباء إلى الجدِّ الأكبر، وهو عند العرب مذموم. ورجل طريف إذا كان كثير الآباء إلى الجد الأكبر، وهو عند العرب محمود؛ قال شاعرهم:
[ ١ / ١١٦ ]
أمِرُونَ وَلاَّدُونَ كلَّ مُبارَكٍ طَرِفُونَ لا يَرِثُونَ سَهْمَ القُعْدُدِ
أي ليس فيهم مقعد سهم القعدد؛ وقال الفرزدق في هجاء جرير:
أَليسَ كُلَيبٌ أَلأمَ الناسِ كلِّهم وأنتَ إذا عُدَّت كُلَيب لَئِيُمها
له مُقْعَد الأحساب مُنْقَطَعٌ به إذا القومُ رامُوا خُطَّةَ لا يرومُها
ويقال: ورث فلان بني فلان بالقعدد إذا كان أقربهم نسبًا إلى الجد الأكبر، كما كان عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس - ﵃ - فإنه كان أقعد بني هاشم نسبًا في زمانه، اجتمع في عصر واحد هو والفضل بن جعفر بن العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - ﵃ - وعبد الصمد أخو جدِّ جدِّ الفضل؛ وهذا ما لم يقع في الدهر مثله.
ومن ذلك أن عبد الصمد - ﵀ - حج بالنس سنة مائة وخمسين. وحج يزيد بن معاية بالناس سنة خمسين؛ وقعددهما في النسب إلى عبد مناف واحدٌ؛ بين كل واحد منهما وبينه خمس آباء؛ وبين وقتي حجهما بالناس مائة سنة. والقعدد في غير هذا: الخامل في قومه، وهو القعدود أيضا. وقال ابن الأعرابي: هو اللئيم الأصل.
* * * وفي " ص ١٩٠ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
كأنَّ العِيسَ حِينَ أُنْخِنَ هَجْرًا مُفَتَّأةٌ نواظِرُها سَوَامِ
[ ١ / ١١٧ ]
هكذا ثبتت الرواية عنه مفقأة بالرفع؛ وإنما هو مفقأةُ بالنصب على الحال. وسوام خبر كأنّ، أي ذواهب في الهواجر؛ ومنه السُّماة وهم الصيادون بالهاجرة. والمسماة: الجورب الذي يلبسه الصياد عند الهاجرة.
* * * وفي " ص ٢٢٦ س ٥ " وأنشد أبو علي لكثير - رحمهما الله -:
وأَدْنَيْتِني حتّى إذا ما سَبَيْتِنِي بقَوْلٍ يُحِلُّ العُصْمَ سَهْلَ الأَباطِحِ
تَوَلَّيْتِ عنِّي حِينَ لا لِيَ مَْهَبٌ وغادَرْتِ ما غادَرْتِ بين الجَوانِح
هذا شعر لمجنون بني عامر لا لكثير، ولا أعلم أحدا رواه له، ولا وقع له في ديوانه. وبعد البيتين:
فما حُبُّ لَيلَى بالوَشيكِ انقِطاعُهُ ولا بالمُؤَدَّي يَوْمَ رَدِّ المنائِح
* * * وفي " ص ٢٢٨ س ٢٠ " قال أبو علي: إنما سمي الأخطل لأن ابني جعال تحاكما إليه، أيهما أشعر؛ فقال في ذلك:
لعَمْرُك إنَّني وابْنَيْ جِعَالٍ وأُمَّهُما لإستارٌ لئيمُ
فقيل له: إن هذا لخطل من قولك، فسمي الأخطل.
ليس في الشعراء من يقال له ابن جعالٍ البتة؛ وإنما أراد أبو علي - ﵀ - ابني جعيل: كعبًا وعميرة التغلبيين؛ فقال ابنا جعال.
وذكر يعقوب - ﵀ - أن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب؛ فكان لا يأتي قومًا إلا أكرموه وضربوا له قبة، فأتى بني مالك بن جشم رهط الأعشى؛ ففعلوا له ذلك وملأوا له حظيرة غنمًا، فجاء الأخطل وهو غلام فأخرجها وكعب ينظر؛ فقال: إن غلامكم هذا لأخطل، فلجَّت عليه؛ وقال الأخطل فيه:
[ ١ / ١١٨ ]
وسُمِّيتَ كعبًا بشرِّ العِظامِ وكان أبُوك يُسَمَّى الجُعَلْ
وأنتَ مكانُك مِنْ وائلٍ مكانَ القُرَادِ مِنِ اسْتِ الجمَلْ
فضربه أبوه وقال: أنت تريد أن تقاوم ابن جعيل! وجاء كعب على تفيئة ذلك فقال: من صاحب هذا الكلام؟ فقال أبوه: إنه غلام أخطل فلا تحفل به؛ فقال كعب:
شاهِدُ هذا الوَجهِ عَثُّ الجُمّةْ
فقال الأخطل:
فناك كعبٌ بنُ جُعَيْلٍ أُمَّهْ
فقال له كعب: ما اسم أمك؟ قال: ليلى - امرأة من إياد - قال: أردت أن تعيذها باسم أُمي! قال: لا أعاذها الله إذًا، وقال:
هجا الناسُ لَيلَى أمَّ كعب فمُزِّقَت فلم يَبقَ إلا نَقْنَفٌ أنا رافعُه
* * * وفي " ص ٢٢٨ س ٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للمغيرة بن حبناء:
إذا أنتَ عاديتَ امرأً فاظَّفِرْ له على عَثْرَةٍ إن أَمْكَنَتْكَ عواثِرُه
وقارِبْ إذا ما لم تَجِدْ لك حِيلةً وصَمِّمْ إذا أيقنتَ أنَّكَ عاقرِهُ
فإنْ أنتَ لم تَقْدِرْ على أن تُهينَه فَذَرْه إلى اليوم الذي أنتَ قادِرُهْ
وقد أَلْبَسُ المولى على ضِغْنِ صَدْرِه وأُدْرِكُ بالوَغْم الذي لا أُحَاضِرُهْ
أسقط أبو علي - ﵀ - قبل قوله: " فإن أنت لم تقدر على أن تهينه " بيتا به يتعلق الذي أنشده لفظًا ومعنىً؛ وهو:
[ ١ / ١١٩ ]
إذا المرءُ أَولاك الهَوانَ فأَولهِ هَوانًا وإن كانت قريبًا أواصِرُهْ
فإن أنتَ لم تقدِر على أن تُهينَهُ فذَرهُ إلى اليوم الذي أنت قادِرُهْ
وأتى في البيت بعده: " وادرك بالوغم الذي لا أُحاضره " بالحاء المهملة؛ وإنما هو: " لا أخاضره " بالخاء معجمة، أي لا أبطله، من قولهم: ذهب دم فلان خضرًا مضرًا وخضِرًا مضِرًا، أي باطلا؛ وقد فسَّره أبو علي - ﵀ - في باب الإتباع.
* * * وفي " ص ٢٣٣ س ٢٣ " ذكر أبو علي - ﵀ - عن أبي بكر بن دريد - ﵀ - عن رجاله قال: قيل للفرزدق: إن هاهنا أعرابيًا قريبا منك يُنشد الشعر، فقال: إن هذا لفائق أو حائن، فأتاه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من فقعس، قال: كيف تركت القنان؟ قال يساير لصاف: قال أبو علي - ﵀ -: فقلت: ما أراد الفرزدق والفقعسي؟ قال: أراد الفرزدق قول الشاعر:
ضَمِنَ القَنانُ لِفَقْعَسٍ سَوْءَاتها إنّ القَنانَ بَفْقَعسٍ لَمُعَمَّرُ
قلت: فما أراد افقعسي بقوله: يساير لصاف؟ قال: أراد قول الشاعر:
وإذا تَسُرُّك مِن تَميم خَصْلَةٌ فَلَما يَسُوءُكَ من تَميم أَكْثَرُ
قد كنتُ أَحْسَبُهم أُسودَ خَفِيَّةٍ فإذا لَصَافِ تَبِيضُ فيها الحُمَّرُ
أَكَلَتْ أُسَيْدٌ والهُجَيمُ ودَارِمٌ أَيْرَ الحِمارِ وخُصْيَتَيْهِ العَنْبَرُ
ذَهَبَتْ فَشِيشَةُ بالأَبَاعِرِ حَوْلها سَرَقًا فَصُبَّ على فَشِيشةَ أَبْجَرُ
قد أحال أبو علي - ﵀ - الرواية في بعض الخبر وفي بيت من الشعر.
[ ١ / ١٢٠ ]
روى المدائني وغيره قال: مرَّ الفرزدق بمضرِّس بن ربعي الأسدي وهو يُنشد بالمربد قصيدته التي أولها:
تحمَّل من وادي غَرِيرَةَ حاضِرُه
وقد اجتمع الناس حوله؛ فقال: يا أخا بني فقعس، كيف تركت القنان؟ قال: تبيض فيه الحُمَّرُ؛ قال: أراد الفرزدق قول نهشل بن حرِّيّ:
ضَمِن القَنانُ لفَقْعَسٍ سَوْءَاتِهاالبيت
وأراد مضرِّس قول أبي المهوِّشِ الأسدي:
وإذا تَسَرُّك من تَميم خَصَلةٌالأبيات
على ما انشدها أبو علي - ﵀ - إلا قوله: " أكلت أُسيد " فإنه محال عن وجهه؛ وصحته:
عَضَّتْ أُسَيِّدُ جِذْلَ أَيْرِ أَبِيهِمُ يومَ النِّسَار وخُصْيَتَيْه العَنْبَرُ
هكذا قال الفقعسي للفرزدق حين عرَّض له بقوله: كيف تركت القنان؟: تبيض فيه الحمَّرُ، فهذا هو اللحن في المنطق والتعريض الحسن الذي يتوجه على وجهين ويكون بمعنيين، لأن قول أبي علي - ﵀ - تركته يساير لصاف من المحال الذي لا يكون إلا إذا سُيِّرت الجبال فكانت سرابًا؛ وكذلك رواية أبي علي - ﵀ - في البيت الذي ذكرناه، لأن بني تميم لا تُعيَّر أكل جردان الحمار؛ إنما تعيَّره بنو فزارة لحديث.
وذلك أن رجلا من بني فزارة كان في نفر من العرب، فعدل الفزاري عن طريفهم لبعض شأنه وصاد القوم عيرًا فأكلوه وأبقوا جردانه للفزاري، فلما لحق بهم قالوا: قد خبانا لك من صيدنا خبيئًا وأقفيناك منه بقفى وضعوه بين يديه، فجعل يأكله ولا يكاد يسيغه ويقول: أكل لحم الحمار جوفان؟
[ ١ / ١٢١ ]
فلما رأى تغامز القوم عليه اخترط سيفه وقال: والله لتأكلنه أو لأقتلنكم؛ فأمسكوا عن أكله فضرب رجلا منهم اسمه مرقمة فأطنَّ رأسه؛ فقال أحدهم:
طاحَ لَعمرِي مَرْقَمَهْ!
فقال الفزاري:
وأنتَ إنْ لم تَلْقَمَهْ
فأكلوا؛ وعُيِّرت فزارة أكل جردان الحمار. قال الشاعر:
أتَفْخَرُ يا فزار وأنتَ شَيخٌ إذا فُوخِرْتَ تُخْطِيُ في الفَخَارِ
أصَحْيَحانَّيةٌ أُدِمَتْ بزُبدٍ أحَبُّ إليك أم أَيْرُ الحِمارِ
بَلَى أيرُ الحمارِ وخُصْيَتَاهُ أحَبُّ إلى فزارةَ من فَزَاِر
فنسب أبو المهوش بني تميم إلى الجبن بقوله:
فإذا لَصَاف تَبِيض فيها الحُمَّرُ
بعد أن كان يسبهم أسود في نجدتهم؛ ثم أعضهم لفرارهم يوم النسار وجبنهم بقوله:
عَضَّتْ أُسَيِّدُ جِذْلَ أيرِ أبيهمُ البيت
ولصاف: ماء لبني العنبر، وقيل: لبني يربوع، وهو من الشاجنة. وقنان: جبل في ديار بني فقعس. وفشيشة التي ذكر: نبز لحي من بني تميم مأخوذ من خروج الريح، يقال: فشَّ الوطب إذا اخرج منه الريح ونسبهم إلى خرابة الإبل، وأبجر الذي ذكر، هو أبجر بن جابر العجلي أبو حجار ابن أبجر. وقيل: إن أبجر اسم من أسماء الدواهي، وكذلك بجري، يريد فصبَّت عليهم داهية.
ومثل هذا من المعاريض ما روى أن رجلا من بني نمير كان يساير عمر بن هبيرة الفزاري والنميري على بغلة؛ فقال له عمر: غُضَّ من بغلتك! قال النميري: أيها الأمير، إنها مكتوبة. أراد عمر قول جرير: فغُضَّ الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
[ ١ / ١٢٢ ]
وأراد النميري قول سالم بن دارة:
لا تأمننَّ فزاريًّا خَلَوْتَ به على قَلُوصك واكتُبْها بأَسيارِ
ولم تزل فزارة تُهجى بغشيان الإبل؛ قال راجز جاهلي:
إن بني فزارةَ بن ذُبيانْ قد طرَّقَتْ ناقَتُهُم بإنسانْ
وقال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة:
أوَلَّيْتَ العِراقَ ورافِدَيهِ فَزَارِيًاّ أحَذَّ يَدِ القَمِيص
ولم يك قبلها رَاعِي مخاضٍ ليأمنَهُ على وَرِكَيْ قَلُوصِ
واجتمع الشعراء يوما على باب أمير من امراء العراق ومرَّ عليهم إنسان يحمل بازيًا، فقال رجل من بني تميم لرجل من بني نمير: انظر، ما أحسن هذا البازي! فقال له النميري: نعم! وهو يصيد القطا؛ أراد التميمي قول جرير:
أنا البازي المطِلُّ على نُمَيرٍ أُتِيحَ من السماء له انْصِبَابَا
وأراد النميري قل الطرماح:
تَمِيمٌ بطُرْقِ اللُّؤمِ أهدَى من القَطا ولو سَلَكت سُبْلَ المكارِم ضَلَّتِ
* * * وفي " ص ٢٤٤ س ٢ " قال أبو علي - ﵀ -: قال أعرابي: والله ما أُحسن الرَّطانة، وإني لأرسب من رصاصةٍ؛ وما قرقمني إلا الكرم.
[ ١ / ١٢٣ ]
هذا وإن لم يكن فيه سهو، فإنه أورد كلامًا ناقصًا غير منسوب ولا مفسر، وهو أحوج كلام إلى التفسير؛ فيعلم مراده بقوله: إنه لا يحسن الرطانة، وبإنتفائه من السباحة، ومذهبه في قرقمة الكرم له.
وهذا الكلام لأبي الذيال شويش الأعرابي العدوي؛ قال: أنا ابن التاريخ، أنا والله العربي المحض؛ لا أرقع الجربان، ولا ألبس التبان؛ ولا أحسن الرطانة؛ وإني لأرسب من رصاصة، وما قرقمني إلا الكرم.
قوله: أنا ابن التاريخ: يعني أنه ولد سنة الهجرة، ويريد بجملة قوله إنه أعرابي بدوي محض، من أهل الوبر لا من أهل المدر ولا من أهل الأمصار التي تكون على الأرياف والأنهار، فهم يتعلمون فيها السباحة؛ وإنه لم يجاور العجم فيحسن رطانتهم، والأعرابي إذا قال: قدمت الريف، فإنما يريد الحضر، قال الأصمعي - ﵀ -: قيل لذي الرمة: من أين عرفت الميم لولا صدق من نسبك إلى تعليم أولاد العرب في أكتاف الإبل؟ قال: والله ما عرفت الميم! إلا إني قدمت من البادية إلى الريف فرأيت الصبيان وهم يحوزون بالفجرم في الأوق؛ فقال غلام منهم: قد أزقتم هذه الأوقة فصيرتموها كالميم، فوضع منجمه في الأوقة فنجنجه فأفهقها، فعلمت أن الميم شيء ضيق، فشبهت به عين ناقتي وقد أسلهمت وأعيت. وأما قوله: وما قرقمني إلا الكرم، فإنه يعني أن أباه طلب المناكح الكريمة فلم يجدها إلا في أهله، فجاء ولده ضاويًا، ومنه الحديث: " اغتربوا لا تضووا " أي انكحوا في الغرائب؛ وقال الشاعر:
فتىً لم تَلِدْه بنتُ عمٍّ قريبةٌ فَيْضَوى وقد يَضْوَى رَِدُيد الغرائب
وقال آخر:
إِنّ بِلالًا لم تَشنْهُ أُمُّه لم يَتَنَاسَبْ خَالُهُ وعَمُّه
[ ١ / ١٢٤ ]
وقال آخر:
تَنَجَّبْتُها للنَّسل وهي غَريبَةٌ فجاءت به كالبَدْرِ خِرْقًا مُعَمَّمَا
فلو شَاتَم الفِتيانَ في الحيِّ ظالمًا لَمَا وَجَدُوا غَيْرَ التّكَذُّبِ مَشْتَما
فذكر أنه نتجها غريبة لا قريبة.
وقال الراجز:
قَحَّمَهَا السَّيرَ غُطَارِفٌ أَشَمْ يَسُوقُها عَلَى الوَحَي سَوْقَ المُحِمْ
شَمَرْدَلٌ ما بَيْنَ شَنْجَيْهِ رَحِمْ كان أَبُوهُ غائبًا حتّى فُطِمْ
وقال الأصمعي - ﵀ - في قول كعب بن زهير:
حَرْفٌ أبوها أَخوها من مُهَجَّنةٍ وعمُّها خَالُها قَوداءُ شِمْلِيلُ
هذه ناقة كريمة مداخلة النسب لشرفها؛ فهذا التفسير على معنى ما تقدم؛ وأنكره أبو المكارم وقال: ألم يعلم الأصمعي - ﵀ - أن تداخل النسب ومقاربته مما يضعِّف الناقة! وذكر كلاما طويلا.
* * * وفي " ص ٢٤٤ س ٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
أشْكُو إلى الله عِيالًا دَرْدَقا مُقَرْقَمِينَ وعَجُوزًا شَمْلَقَا
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ - شملقًا بالشين المعجمة كما أنشده أبو عبيد - ﵀ - في " الغريب المصنّف " وهو تصحيف؛ إنما هو سملق بالسين المهملة، أي لا خير عندها، مأخوذ من الأرض السملق، وهي التي لا نبات بها؛ قيل: وهي التي لا تلد، مأخوذ من ذلك أيضا؛ وبعد الشطرين:
إذا رأْتنِي أَخَذَتْ لِي مطْرَقَا تقولُ ضَرْبُ الشيخ أَدنَى للتُّقَى
[ ١ / ١٢٥ ]
* * * وفي " ص ٢٤٨ س ٤ " وأنشد أبو علي - ﵀ - لأبي داود:
طَويلٌ طامِحُ الطّرْفِ إلى مُفْزَعةِ الكَلْبِ
حَدِيدُ الطَّرْفِ والمَنْكِ بِ والعُرْقُوب والقَلْبِ
ذا الشعر ليس لأبي داود ولا وقع في ديوانه؛ وإنما هو لعقبة بن سابق الهزَّاني، كذلك قال أهل الضبط من الرواة؛ وبعد البيتين:
يَخُدُّ الأرضَ خَدًّا بِ صُمُلٍّ سَلِطٍ وَأْبِ
صحيحُ النَّسرِ والأرسا غ مثلُ الغُمَر القَعْبِ
مفزعة الكلب: أقصى موضع يُسمع منه الكلب إيساد صاحبه؛ وإنما يريد أنه مدرَّب حاذق بالصيد، فإذا فزع الكلب إلى جهة طمح ببصره إليها.
* * * وفي " ص ٢٥٠ س ١٤ " قال أبو علي - ﵀ -: العصفور: العظم الذي ينبت عليه الناصية؛ قال حميد:
ونَكَّلَ الناسَ عنَّا في مواطِننا ضَربُ الرءوس التي فيها العصافِيرُ
لو أراد الشاعر بالعصافير هنا العظام لم يكن للكلام فائدة، لأن في كل رأس عصفور، فكأنه قال: ضرب الرءوس التي فيها الشعور؛ وإنما يريد الرءوس التي فيها الزَّهو والطِّماح إلى ما لا تناله. والعرب تكني بالعصافير عن الكبر والخيلاء وتقول: طارت عصافير رأسه: إذا ذهب كبره؛ قال الشاعر:
كفِيلٌ لرأسِ أَخِي نَخْوَةٍ بضربٍ يُطِيرُ عصافِيرَه
كما يقولون: في رأس فلان نعرة. وقبل البيت الذي أنشده:
إذ لا حجازَ لنا إلاّ مُقَوَّمَةٌ زُرْقُ الأسِنَّةِ والجُرْدُ المحَاضِيرُ
[ ١ / ١٢٦ ]
يُعشِي الجبَانَ شُعَاعٌ في قَوانِسها إذا تجلَّلها الشُّعثُ المَغَاوِيرُ
قد نكَّلَ الناسَ عنَّا في مواطِننا ضَرْبُ الرءوس التي فيها العصافيرُ
* * * وفي " ص ٢٦٦ س ٦ " قال أبو علي - ﵀ -: الأوقص: الذي يدنو رأسه من صدره؛ قال رؤبة:
أَذَمُّةُ صِيَاَغَةً وأرْذَلُهْ أَوْقَصُ يُخْزِي الأَقْرَبِينَ عَيْطَلُهْ
قال: والعيطل: طول العنق.
هذا وهم بيِّن وتصحيف ظاهر، كيف يكون أوقص طويل العنق! وإنما هو: يخزي الأقربين عطله دون ياء، أي عنقه، يريد يُخزي الأقربين وقص عنقه. والعطل: العنق معروف؛ قال أبو النجم:
* * * وفي " ص ٢٥٨ س ٨ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للجميح بن منقذ:
لَمَّا رأتْ إبِلي قَلَّتْ حَلُوَبتُهَا وكلُّ عامٍ عليها عَامُ تَجْنِيبِ
هذا غلط صريح. وهذا الشاعر هو الجميع لقب له وهو منقذ اسم له؛ واسم أبيه الطمَّاح ابن قيس الأسدي؛ وهو فارس شاعر جاهلي؛ قُتل يوم جبلة؛ وهذا البيت جواب لما قبله؛ وهو قوله:
أَمْسَتْ أُمَامَةُ صَمْتًا ما تُكَلِّمُنَا مَجنونةً أن أحسَّتْ أهلَ خَرُّوب
ومضى ذكر نشوزها ثم قال:
لمّا رأتْ إبلِي قَلَّتْ حَلُوبَتُهَا وكلّ عامٍ عليها عامُ تَجْنيب
[ ١ / ١٢٧ ]
فاقْنَيْ لَعَلَّكِ أن تَحْظَىْ وتَحْتَلِبِي في سَحْبَلٍ من مُسُوكِ الضَّأْن مَنْجُوبِ
أهل خروب: يريد قومها وأنها لقيتهم فأفسدوها عليه. والسحبل: السقاء العظيم.
* * * وفي " ص ٢٥٩ س ١ " وأنشد أبو علي - ﵀ - للقطامي:
فَسَلّمْتُ والتسليمُ ليس يَضُرُّها ولكنَّهُ حَتْمٌ على كلِّ جانِب
هكذا أنشده؛ وإنما هو: ليس يسرها، لكراعتها الضيف وبخلها بالضيافة؛ وأي مضرة في التسليم أو من يعتقد ذلك فيه حتى يكون الشاعر ينكره وينفيه! وهل هو إلا بركة ونفع! لكنها تكرهه من الضيف لمئونته؛ قال القطامي يذكر امرأة ضافها - وهي أبيات ذكرت منها المتصل بالشاهد -:
تَعَمَّمْتُ في طَلٍّ وريح تَلُفُّنِي وفي طِرْمِسَاء غَيرِ ذاتِ كواكبِ
إلى حَيْزَبُونٍ تُوقِدُ النارَ بَعْدَمَا تَلَفَّعَتِ الظلماءُ من كلّ جانِبِ
فسلّمتُ والتسليمُ ليس يَسُرُّها ولكنَّه حتْمٌ على كلّ جانبِ
فردتْ سلاما كارها ثم أعرَضَتْ كما انحازَتِ الأفعَى مَخافة ضاربِ
الطرمساء والطلمساء: الظلمة. والحيزبون: العجوز القليلة الخير.
* * * وفي " ص ٢٦٤ س ٥ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
ألا لا أَرَى ذا حِشْنَةٍ في فُؤَادِه يُجَمْجِمُهَا إلاّ سَيَبْدُو دَفِينُها
[ ١ / ١٢٨ ]
هذا البيت للأقبل وهو على خلاف ما أنشده؛ وقبله:
إذا صَفْحَةُ المعروفِ وَلَّتْكَ جانِبًا فَخُذْ صَفْوَها لا يَخْتَلِط بك طِينُها
إذا كان في صدرِ ابنِ عَمِّكَ حِشْنَةٌ يُجَمْجِمُها يومًا سَيَبْدُو دَفِيُنها
هكذا صواب إنشاده. يقول: عامله على ظاهره ولا تستثر ما في صدره، فإن الأيام ستبدي لك ذلك في بعض أحواله وأفعاله.
* * * وفي " ص ٢٦٨ س ١٩ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
أَبَرَّ على الخُصُوم فليس خَصْمٌ ولا خَصْمَانِ يَغْلِبُه جِدَالاَ
ولَبَّس بين أَقْوامٍ فكُلٌّ أَعَدَّ له الشَّغَازِبَ والمِحَالاَ
هكذا أنشده أبو علي - ﵀ -: ولبس على فعل؛ وإنما هو ولبس وأتى
* * * وفي " ص ٣١٢ س ٥ " أنشد أبو علي - ﵀ - لأبي ذؤيب:
كأنه خُوطٌ مَرِيجُ
[ ١ / ١٢٩ ]
هذا وهم من أبي علي - ﵀ - إنما هو للداخل زهير بن حرام أحد بني سهم بن مرة؛ قال:
وبِيضٍ كالسلاجِم مُرْهَفاتٍ كأنّ ظُبَاتِها عُقُرٌ بَعِيجُ
أطافَ الناجشات بها فجاءت مكانًا لا تَرُوغُ ولا تَعُوجُ
فراغَتْ والْتَمَسْتُ بها حَشَاهَا فَخَرَّ كأنّه خُوطٌ مَرِيجُ
عقر النار: موقدها. والبعيج: أن يبعجها الموقد بعود. والناجشات: الحائشان اللذان يحوشان الوحش. خوط مريج، غصن يقلق من مكانه.
* * * وفي " ص ٣٢٨ س ١١ " وأنشد أبو علي - ﵀ -:
إذا ما جلَسْنا لا تَزالُ تَرُومُنا تَمِيمٌ لَدَى أبياتها وهَوازِنُ
هذا وهم من أبي علي - ﵀ - وإنما هو:
لا تَزالُ تَرُومُنا سُلَيمٌ لَدَى أبياتنا وهَوازِنُ
والبيت للمعطل الهذلي، وأي جوار بين هذيل وتميم؛ فأما بنو سليم وهوازن فجيران لهم. وقبل البيت:
فأيُّ هُذَيل وهي ذاتُ طوائف يُوَازِنُ من أعدائها ما تُوَازِنُ
[ ١ / ١٣٠ ]
وفَهْمُ بنُ عَمْرٍو يَعْلُكون ضَرِيسَهُم كما صَرَفَتْ فَوْقَ الجُذاذِ المساحِنُ
إذا ما جَلَسْنَا لا تَزال تَرُومُنا سُلَيْمٌ لَدَى أبياتنا وهوازِن
قال أبو حاتم عن الأصمعي: ضريسهم: سوء أخلاقهم. وقال السكري - ﵏ -: الضريس: حك الضرس بالضرس، فهو على هذا منصوب على المصدر والمفعول محذوف كأنه قال: يعلكون أفواههم يضرسون ضريسا. وقال أبو علي الفارسي - ﵀ - الضريس جمع ضرسٍ كقولهم: عبد وعبيد وطسٌّ وطسيس؛ وهذا كما يقال: هو يعلك عليه الأرم. والجذاذ: حجارة الذهب تُكسر ثم تسحل على حجارة تُسمى المساحن حتى تخرج ما فيها من الذهب. والرحى يقال لها: المسحنة، ويقال: المساحن والمساحل واحد وهي المبارد. وأنشد أبو علي - ﵀ - هذا البيت على أن جلسنا بمعنى أنجدنا. والجلس: نجد. وقال عمر بن أبي ربيعة - ﵀ - فبين أن الجالس هو المنجد:
شِمَال مَن غَارَ بِهِ مُفْرِعًا وعن يَمِينِ الجالس المُنْجِدِ
* * * وفي " ج ١ ص ١٦ س ٣ " وأنشد أبو علي - ﵀ - قبل هذا:
ولقد مَرَرْتُ على قَطِيعٍ هالكٍ مِنْ مالِ أَشْعَث ذي عِيَالٍ مُصْرِم
منْ بعد ما اعْتَلَّتْ عَلَيَّ مَطِيَّتِي فأَزَحْتُ عِلَّتَها فظَلَّتْ تَرْتَمِي
[ ١ / ١٣١ ]
وقال: الهالك: الضائع. والمصرم: المقلّ. يقول: اعتلت ناقتي فأصبت السوط فضربتها به فظلَّت ترتمي، أي تترامى في سيرها.
هذا تفسير مردود وقول منكر؛ قال ابن قتيبة - ﵀ - من قال: إن القطيع: السَّوط فقد أخطأ، لأنه إن ضربها بالقطيع وقد أعيت قطعها عن السير؛ وإنما القطيع قطيع الإبل. وهالك: ضائع. وأزاح علتها بأن أرعاها معها وسقاها من ألبانها فأشبعها، فظلت ترتمي.
وقال ابن السكيت - ﵀ - إذا أعيت الناقة واعتلت ثم ضربها قطعها عن السير؛ وإنما عنى بالقطيع: الخبط. وقوله: هالك، أي ليس عنده ربه، يعني أنه علف مطيَّته من الخبط وأشبعها من بعد ما أعيت فنشطت للسير وجدَّت فيه اهـ.
صورة ما جاء بخاتمة الكتاب آخر كتاب التنبيه، على أوهام أبي علي في أماليه. فرغ من تعليقه يوم الاثنين لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وستين وستمائة؛ أحسن الله تقضِّيها بالقاهرة المحروسة.
الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين وسلامه وهو حسبنا ونعم الوكيل * * *
[ ١ / ١٣٢ ]