وهم: أبو عبيدة، والأصمعي، وأبو زيد، وأبو عمرو بن العلاء، وحماد الراوية، والمفضل، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه، والأخفش أبو الخطاب، والأخفش سعيد بن مسعدة، وأبو نصر أحمد بن حاتم، وابن الأعرابي، والكسائي، والفرّاء، واللحياني، وابن السكيت، وثعلب، والمبر، والجاحظ، وأبو البيداء الرياحي، وأبو خالد النميري، والكلابي، والسندي، وأبو هفان:
أبو عبيدة:
قال الرياشي: سمعت كيسان يقول: كنت على باب أبي عمرو بن العلاء فجاء أبو عبيدة ينشده لأبي شجرة قوله:
[ ٥٧ ]
ضَنْ علينا أبو عمرو بنَائِلهِ وكلُّ مُختَبِطٍ يومًا لهُ ورق
ما زال يضرِبني حتَّى حَذيتُ لهُ وحال مِنْ دونِ بعض البُغيةِ الشَّفَق
فقلت: حذيت حذيت وضحكت فغضب، وقال: فكيف هو؟ فلما أكثر قلت: إنما هو خذيت فاتخذل وما أحار جوابًا.
وروى بيت امرئ القيس:
تجاوزتُ أحراسًا وأهوالَ معشَرٍ عليِّ حِراصٍ لو يُسرونَ مَقْتَلي
وفسر ﴿وأسروا الندامة لما رأوا العذاب﴾، أي أظهروا الندامة، بهذا البيت فصحت في البيت، وفسر به القرآن على غير ما ينبغي، والصواب في رواية الأصمعي وهي (لو يُشِرُّون مقتلي) بالشين المعجمة، قال: ومعنى (يشرون) يظهرون، يقال منه: أشررت الثوب أشرُّه إشرارًا إذا نشرته.
وروى أبيات لقيط بن زرارة في يوم جبلة:
[ ٥٨ ]
يَا قَوْمِ قد حَرَّقتُمُوني باللومْ ولَمْي أقاتلْ عَامِرًا قبْلَ اليَوْمْ
شَتَّانَ هذَا والعِناقُ والنَّوْمْ والمشْرَبُ البَارِدُ في ظِلِّ الدَّوْمْ
قال: يعني في ظل نخل المقل، فقال الأصمعي: قد أحال ابن الحائك في قوله، لأنه ليس بنجد دوم، و/ جبلة/ بنجد، وإنما الرواية في الظل الدوم أي الدائم، كما قالوا: زائر وزور، ونائم ونوم.
[ ٥٩ ]
الأصمعي:
قال الرياشي: قلت لابن الأعرابي إن الأصمعي يرغم أن / المفازة/ إنما سميت مفازة تفاؤلًا إلى اسم الفوز، والنجاة منها، وإنما هي مهلكة، ومثل هذا التفاؤل قولهم للتَّديغ/ سليم/ تفاؤلًا إلى اسم السلامة والنجاة، فقال: ليس هذا بشيء، وإنما المفازة المهلكة، يقال: فاز الرجل إذا هلك ومات قال كعب بن زهير بن أبي سلمى:
فَمَنْ لِلقوَافي شَانَها مَنْ يَجوكُها إذا مَا ثَوَى كَعْبٌ وفَوِّزَ جَروَلُ
ولو كان كما زعم لمَلزْم أن يقال في المضلَّة/ وفي المعطشة/ مرواة/ وأما السليم فإنما سليمًا لأنه أسلم لما به.
قال الرياشي: فذكرت ذلك للأصمعي فقال: لا يقال أسلم فهو سليم لأن/ مفعلًا/ لا يجئ منه فصيلٌ، فرددته على ابن الأعرابي فقال: أليس عمرو بن كلثوم يقول:
مشعشَعَةً كأنَّ الحُصِّ فيها إذا ما الماءُ خَالطَها سَخِينا
وقد قيل/ ماء مسخن/ وسخين/ فحكيته للأصمعي فلم يقبله، وقال: سخينًا؛ سخيت أنفسنا من السخاء لا من السخن، فقلت قوله لابن الأعرابي: فقال: قل له: فإنهم قد قالوا شراب/ منقع/ ونقيع/، وكلام/ مترص/ و/ تريص/، وشيء مبهم وبهيم وصبي موتم ويتيم؛ والقوم كان دأبهم
[ ٦٠ ]
في الشتاء أن يشربوا الخمر بمزاج مسخن فأوردت ذلك على الأصمعي فقبله كله.
وقال ثعلب: كان ابن الأعرابي يذهب من الخلاف على الأصمعي كل مذهب فروى الأصمعي هذا المثل "يا عاقدُ اذكر حلًاّ".
فخالفه ابن الأعرابي ورواه: "يا حامل اذكر حَلًاّ".
وقال: قد سمعته من أكثر من ألف أعرابي فما رواه واحد منهم/ يا عاقد. قال: ومعنى المثل: إذا تحملت فلا تورّث ما عقدت.
أبو محلمّ على باب أحمد بن سعيد بن مسلم ومعه أعرابي، قال جئتكم بهذا الأعرابي لتعرفوا منه كذب الأصمعي، أليس يقول في قول عنترة: ٤
زَوْرَاء تَنْفِرُ عَنْ حِيَاضِ الدِّيْلَم
[ ٦١ ]
أن/ الدَّيلم/ الأعداء، فاسألوا هذا الأعرابي، فسألناه فقال: هي حياض بالنور قد أوردتها إبلي.
وكان الأصمعي يقول أخطأ الشمَّاخ في قوله:
فنعْم المعْتَرَى ركدَتْ إليهِ رَحى حيْزُومِها كَرَحَى الطَّحِين
ويقول: الكركرة إنما توصف بالصغر واللطافة، فقال ابن الأعرابي: الشماخ مصيب والأصمعي مخطئ لأن الشماخ لم يشبه الكركرة بالرحى في العِظَم وإنما شبهها بها في الاستدارة. قال: وهذا كما قال عنترة:
جَادَتْ عَليْهِ كُلُّ حُرَّةٍ فتركْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كالدِّرْهَم
فلم يشبه مساحة الحديثة بمساحة الدرهم، ولكن باستدارة الدرهم، وإنما هي مستديرة كاستدارة الدرهم.
وروى بيت أوس بن حَجَر.
أجَوْنُ تَدَاَرَكْ ناقَتي بقرّى لها وأكْبَرُ ظَنِّي أنَّ جَوْنًا سَيَفْعَلُ
فقال ابن الأعرابي:
صحَف الدّعي وإنما هو: تَدَارَكْ نَاقَتي بِقرَابِها
[ ٦٢ ]
أي ما دمت أطمع فيها، وفي مثل للعرب، القرار بقراب أكيس.
وحكى محمد بن قنوما عن الأصمعي أنه قال أنكر علي شعبة روايتي بيت أوس بن حجر:
فَمَا جَبُتُوا أنَّا نَشُدُّ عَلَيْهمُ وَلكِنْ رَأوْا نارًا تُحَشُّ وتُسْفَعُ
فقال لي: يا ابن أخي هذا كلام الجند يعني (نشد عليهم) وإنما هو نسدُّ عليهم أي نأتي عليهم بالسداد، وقال: إنما هو (رأوا نارًا تحسنُّ) أي تقتل من قول الله ﷿: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾.
[ ٦٣ ]
وقال الحارث بن حِلزة:
عَنَتًا باطِلًا وظُلمًا كَمَا تُعْتَرُ عَنْ حَجْرَةِ الرَّبيضِ الظِّباءُ
وقال: العنزة الراية، والعنزة الحربة ينحر بها، فردّ عليه أبو عمرو ابن العلاء وقال: إنما هو تُعْتَرُ من العتيرة وهي ذبيحة الصنم.
وروي بيت الحطيئة:
وغَرَّرْتَني وَزَعَمْتَ أنَّكَ لاَ تَني بالضَّيْفِ تامُرْ
[ ٦٤ ]
فقال أبو عمرو إذا صحَّفتم فصحِّفوا مثل تصحيفه؛ وإنما هو
وغَررتني وزعمت أنك لابِن بالصيف تامِرْ
وقال ابو عثمان: أنشد الأصمعي يومًا قول عنترة:
وآخرُ منهمُ أجْرَرْتُ رُمحي وفي البَجَلِّي مِعْبَلةٌ وَقيعُ
فقال له كيسان: تثبت في روايتك يا أبا سعيد؛ فقال: كيف هو عند يا أبا سليمان، فقال: (وفي البَجْلي) بإسكان الجيم، فقال الأصمعي: النسبة إلى بجيلة إنما يقال فيها بَجَلي، فقال من ههنا جاء الغلط، لأن هذا منسوب إلى بطن من بني سُليم يقال لهم بنو بَجْلَة، فقبله منه.
وروى بيت ذي الرمة:
فِيها الضَّفادِعُ والحِيتَانُ تَصْطَخِبُ
[ ٦٥ ]
فقال أبو علي الأصفهاني: أي صوتٍ للسمك، إنما هو تصطحب أي تتجاور.
وروى قول رؤية:
شمطاء تبوي الغيطَ حين ترأم
وإنما هو (تُبوي) أي تجعله بمنزلة البو.
[ ٦٦ ]
أبو زيد:
حكى ابن دربد عن أبي حاتم قال: أنشدت الأصمعي:
جَأْبًا تَرى بِليتِه مُسَجِّجَا
فقال: صحّفت، وإنما هو:
جَأْبًا تَرَى تَلِيلَهُ مُسَجَّجَا
ثم قال من أنشدك؟ قلت: أعلم الناس، فتغفل عني، قال ابن دريد، وإنما عنى أبو حاتم أبا زيد.
[ ٦٧ ]
أبو عمرو بن العلاء:
روى بيت امرئ القيس:
تَاوبَني دَائِي القَدِيمُ فَغَلِّسَا أُحَاذِرُ أنْ يشْتَدَّ دَائِي فأنْكَسَا
فقال أبو زيد: هذا تصحيف لأن المتأوب لا يكون مغلسًا في حال واحدة لأن الغَلَس إنما هو في آخر الليل، وتأوب جاء في أوله، وإنما هو (فَمَلَّسا) أي اشتدَّ وبرَّح.
وروى بيت ابن مقبل
مَنَحْتُ نَصَارُى تَغْلِب إذْ مَنَحْتُهَا عَلَى نَأيِهَا جَذَّاء مَانِعَةَ الغُبْر
(الجذاء) التي لا لبن لها، فقال الأصمعي: هذا خطأ لأن (الغُبْر): بقية اللبن فكيف تمنع بقية لبنها، وإنما هو (حذاء) وهي الخفيفة تسرع إليهم.
[ ٦٨ ]
حمّاد الراوية:
حدث المهلي عن أبي حنش الشاعر قال: كان حماد الراوية زمان السفاح بجنديسابور ينشد:
أكل الحَمِيمَ وطَاوَعَتْهُ سَمْحَجٌ مِثْل القَناةِ وأزْعَلَتْهُ الأمْرُعُ
فقال: أعزّك الله إنما هو الجميم، فقال: صدقت.
الفضل:
قال خلف الأحمر أنشد المفضل للمخيَّل:
وإذا ألمَّ خيالُها طرقَتْ عَيْني فماءُ شئُونها سَجِمُ
[ ٦٩ ]
فقلت: إنما هو طُرِفَت، فلاجَّ ساعة ثم رجع عنه.
وأنشد لامرئ القيس:
نَمَسُّ بأعرَافِ الجِيَادِ أكُفَّنَا إذا نَحْنُ قُمنا عن شِواءٍ مُضّهِّب
فقلت: إنما هو نمش من المش وهو مسح اليد بما يزيل الدسم عنها، ومنها قيل للمنديل مبشُوش.
وأنشد للأعشى:
ساعةً أكبر النهار كَما شدِّ مُحيلٌ لَبونَهُ إعظامًا
وإنما هو مخيل بخاء منقوطة أي رأى خالًا من السحابل فخشي على بهمه فشدّها.
وروى بيت المتلمس:
يكونُ نذيرٌ من ورائي جُنْةْ ويمنعني منهُم حُليٌّ وأحمس
[ ٧٠ ]
فقلت: إنما هو (جُلي) بالجيم و(أحلس) بطنان في ضبيعة؛ فقبله.
وروى بيتي حاتم الطائي:
لَحَى اللهُ صُعلوكًا مُناهُ وهَمُّهُ من العيش أن يَلْقَى لَبُوسًا ومَطْعَمًا
يَرَى الخِمس تَعذيبًا وإنْ ياقَ شَعْبَةً يَبِتْ قَلبُهُ من قِلَّةِ الهَمَّ مُبْهَمَا
فقلت: لا معنى لذكر الخمس ههنا إذا كان ورورد الإبل خمس، وإنما الصواب في الرواية (يرى الخمص) من خماصة البطون، فقبله أحسَنَ قبول.
وأنشد جعفر بن سليمان بيت أوس بن حجر والأصمعي حاضر:
وذَاتُ هِدْمٍ عارٍ نوَاشرُها تُصمتُ بالماء تَوْليًا جَذعًا
فجعل الدال معجمة وذهب إلى الأجذاع، فقال له الأصمعي: إنما هو (ثولبًا حدعًا) بالدال غير معجمة مكسورة أي سيئ الغذاء، فضج الفضل وتكلم بالتكبر عليه رافعًا صوته، فقال له الأصمعي: لم نفخت في شيبور اليهود لم ينفعك، تكلم كلام النمل وأصب.
[ ٧١ ]
وروى أيضًا في مجلس جعفر:
بَيْنَ الأراكِ بين النَّخْل تَشْدَخُهُم زرْقُ الأسنة في أطرافها شَيَمُ
فقال له الأصمعي: يا أبا العباس لعل الرماح استحالت إلى كافر كوبات فهي تشدخ فقال له: فكيف روايته يا أبا سعيد، فقال: (تسدحهم) والسدح الصرع بطحًأ على الوجه أو على الجنبين.
وروى بيت أوس بن حجر:
ليثٌ عَلَيْهِ منَ البَرْدِي هِبرِيَةٌ كالمَزْبَرَاني عَيّارٌ بأوْصَال
[ ٧٢ ]
فقال الأصمعي: ما المزبراني؟ فقال: ذو الزُّبرة، فقال: يا عجباه يشبهه بنفسه إنما هو (كالمرزباني) وهو أحد مرازبة الفرس. فأسكته. وفي ما بعد المرزباني أربع رواياتٍ (عيّار) و(غيّار) و(عَبَار) و(عَيّال).
فعيّار: منفلت.
وغيّار: يغيَر أهله.
وعبّار: يعبر بلدًا بعد أخرى
وعيّال: متبختر.
وروي (بآصال) ز
وروى هذا البيت:
أصاحِ ترى البَرقَ لم يغتَمِض يَمُوتُ فوَاقًا وَيسرِي فُوَاقا
فقال له خلف الأحمر، ويقال أنه الأصمعي: صحّفت وإنما هو بشرى أي ينقشع ويتتابع.
[ ٧٣ ]
عيسى بن عمر:
قال أبو الفضل: أخبرنا أبو معمر عن عبد الوارث قال: كنا بباب بكر بن محمد بن حبيب فقال عيسى بن عمر في عرض كلام له، فحمة العشاء فقلت لعلها فحمة العشاء قال: هي فحمة العشاء لا يختلف فيها، فدخلنا على بكر بن حبيب فحكيناها له فقال: فحمة العشاء بالفاء لا غير أي فورته.
[ ٧٤ ]
الخليل بن أحمد:
قال ابن شريد: خالف الخليلُ الناس في أشياء منها:
قوله: يوم بُغَاث بغين منقوطة، وهذا يوم مشهور من أيام الأوس والخزرج وهو بعاث بعين بغير منقوطة.
وقال في حرف الخاء المنقوطة: (بنو جخجبا) ولا خلاف بين الناس أنه بحاء غير منقوطة.
وقال: (الخِصْبُ) الحية وإنما هو الحِضْبُ بضاد منقوطة.
[ ٧٥ ]
وقال: (الهَمْيَعُ) الموت الوحيي ولا خلاف بين الناس أنه الهيمغُ بنين منقوطة.
وقال في حرف السين (المهملة):
(السدف): الشخص، وإنما هو الشَّدَف بشين منقوطة، وهذا من غلط الليث على الخليل.
وذكر عسل بن ذكوان أن الأصمعي كان منكرًا على الخليل روايته هذا البيت:
أفاطمَ إني هالكٌ فَتَبَيَّني ولا تَجْزَعي كلُّ النساء يتيمُ
[ ٧٦ ]
وإنما هو:
ولا تجزعي كل النساء تثيم
من آمت المرأة تثيم.
سيبويه:
كان سيبويه يحكي عن الخليل أنه كان يحيز إسكان حرف الإعراب في الاسم المرفوع وفي المجرور في الشعر فعارضه الأصمعي، وقال: ما جاء ذلك عن تثبت نعرفه، فأنشده سيبويه للأقشر:
رُحْتِ وفي رجْلَيْكِ ما فِيهما وَقَدْ بَدَا هَنْكِ من المِئْزَر
[ ٧٧ ]
فقال الأصمعي وقال: ما جاءنا مثل هذا البيت للأقشر، وليس للأقشر بيت نعرفه هكذا، فأنشده:
إذا اعْوَجَجْنَ قُلْنَي صاحِبْ قَوم
فقال الأصمعي: ليست الرواية صحيحة وإنما روايتنا:
إذا اعْوَجَجْنَ قُلْنَ صاحِ قَوم
أبو الخطاب الأخفش:
أنشد أبو الخطاب أبا عمرو بن العلاء:
قَالَتْ قُتَيْلَةَ مَالَه قَدْ جُلَّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهْ
[ ٧٨ ]
فقال له أبو عمرو: صحّفت وإنما هو (سَرَانُه) فسكت أبو الخطاب ثم أقبل على القوم وقال: بل مصحّف إنما هو شوانه، والشواة جلدة الرأس.
سعيد بن مسعدة الأخفش:
قال الرياشي قال لي الأخفش يومًا: إن اختلافك إلى الأصمعي مما يضعك عند أهل العلم، فقلت: إني أجد عنده ما لا أجد عند غيره، فقال: سلني عن شيء مما سألته عنه، فقلت: ما تقول في قول القائل:
[ ٧٩ ]
قفا تُحَّيى الطَلَلَ الُمحْولاَ والرَبْعَ من أَسماءَ والَمَنزِلاَ
بَسابعِ الَموْماة لم يَعْفِهِ تقادُمُ العَهْدِ بأن يؤهَلاَ
فخلط في الجواب ولم يصب فيه، وهذا من أحسن المعاني، إن قيل: كيف لم يعفه تقادم العهد بأن يؤهلا؟ فالجواب فيه: قفا نحيي الطال بأن يؤهل أي بأن ندعو له فنقول: أهلك الله يا طلل فنجعل مكان تحيتنا الدعاة له.
وقال الرياشي: كان الأصمعي ينشد:
وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أُخوه لَعَمْرُ أبيك الا ابني تُمام
ورواه الأخفش في رواية أخرى:
لعمر أبيك الا الفرقدان
فجعل (الفرقدان) بدلا من كل والصواب (إلا الفرقدين) لأن كل كلام واجب استثنيت منه شيئا بإلا فهو منصوب ولا يجوز غيره نحو قولك قدم القوم إلا زيدا (فكل أخ مفارقه أخوه) كلام واجب والمستثنى منه لا يكون إلا منصوبا.
وحضر الأخفش عند الأصمعي وقال: أنا أعلم أهل زماني بالنحو
[ ٨٠ ]
وقياس كلام العرب، فقال له الأصمعي: كيف تروي قول الربيع بن زياد:
قَدْ كُنَّ يكنُنَّ الحدِيثَ تَستَرًا فالآنَ حينَ بَدَوْنَ للِنُّظٌار
(يكنن) أو (يكنين) و(بدين) أو (بدون) فما زال يقول مرة (يكنن) ومرة (يكنن) ومرة (بدون) ومرة (بدين) ويلجلج حتى قام وضجر منه.
وهذه الحكاية حكاها المبرد عن الجرمي لا عن الأخفش، قال: وكان الجرمي أجل وأغزر عاما من أن يذهب مثل ذا عليه ولكن الأصمعي غالطه.
[ ٨١ ]
أبو نصر أحمد بن حاتم:
قال أبو محمد الحسن بن أبي قتادة القمي وروى أبو نصر أحمد بن حاتم بيت زهير:
وَمَنْ يغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُوّاّ صديقَه ومَنْ لا يُكَرَّمْ نفسه لاُ يكَرَّم
قال أبو محمد: وهذه الرواية أحسن عندي من/ يحسب/ لأن يحسب في معنى (يعده) صديقه، ومعنى الرواية الأخرى (يظنه) صديقه.
ابن الأعرابي:
قال أبو سعيد الضرير: كان أبو عبد الله يروي بيت زهير:
كَخَنْساءَ سَفْعاء الملاطم حُرَّةٍ مُشافرَةٍ مزءودةٍ أمّ فرقد
[ ٨٢ ]
قال: وكان أبو عمرو فيما حكي عنه يروي/ مسافرة/ وهي التي تنشط من بلد إلى بلد فرددت عليه وقلت: إن أبا عمرو يرويه/ مسافرة/ فلم يقبل حتى أنشدته بيت عبدة بن الطبيب:
كأنها يومَ وِرْدِ القومِ خامسةً مسافرٌ أشعثُ الرَّوْقين مكحول فقبله.
وتحدث محمد بن حرير مسقع قال: سمعت ابن الأعرابي يقول في قول جرير وعنده عبد الله بن يعقوب:
وُبكرةِ شابكِ الأنيابِ عاتٍ من الحيات مَسْمُوم اللعاب
فقال عبد الله: إنما هو: ونكزة شائك الأنياب.
من قولهم (نكزته الحية).
قال مسقع: وسمعت عبد الله بن يعقوب يقول: سمعت ابن الأعرابي يقول أتلع الشيب في الرأس فذهب به إلى علاء في الرأس من (التلعة)، فقلت له: إنما هو بلع أى طلع، ويقال منه: بلع النجم إذا ظهر وطلع، واشتقاق سعد بلع منه.
[ ٨٣ ]
وذكر عسل بن ذكوان أن ابن الأعرابي صحف في بيت الهذلي:
يقلب بالكفٌ قرصًا خفيفا
وانما هو (فرضا) والفرض الترس.
وتحدث موسى بن سعيد بن مسلم الباهلي قال: كان ابن الأعرابي يؤدبنا فدخل الأصمعي ونحن نقرأ عليه شعر ابن الأحمر فلما انتهينا إلى قوله:
أرى ذا شيبة حمال ثقل وأبيضَ مثلَ صدرِ السيف نالا
فقال الأصمعي: ما معنى/ نالا/ فقال من النوال، فقال: هو بالباء لا بالنون، لأنه أراد أن فيهم شيخا حمال ثقل هو الذي ينيل ويعطي، وفيهم شاب مثل صدر السيف بالا أي حالا أي كالسيف في حاله. فأقام ابن الأعرابي على/ نالا/ وانصرف الأصمعي وجاء أبي فعرفناه الخبر فقال: القول قول الأصمعي، وابن الأعرابي هو النهاية في عامة، والنساء لم يلدن كالأصمعي في ذهنه وحفظ روايته، ثم أمر للأصمعي بأربعمائة دينار، ولابن الأعرابي بمائتين.
ومن الخلاف الشديد والتباين بين ابن الأعرابي والأصمعي ما رواه أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش عن السكري أن ابن الأعرابي كان
[ ٨٤ ]
مما يدعي على الأصمعي فيه التصحيف، والأصمعي يدعي على ابن الأعرابي التصحيف فيه قول الحطيئة:
كفرا سنَتَيْن بالأضياف نقعًا على تلك الجفان من التقي
فهذه رواية ابن الأعرابي، والنقع/ عنده النحر، والنقي/: الحوارى، فيقول إنهم كفوا الأضياف سنتين، والأضياف/ عنده جمع ضيف، والجفان/ جمع جفنة.
وأما رواية الأصمعي:
كُفُوا سَنِتِينِ بالأَصياف بُقْعًا على تلك الجفارِ من النفيّ
فهذا قلب خمس كلمات في بيت واحد؛ وسنتون/ عند الأصمعي هو من أسنت القوم إذا أجدبوا، والأصياف/ جمع صيف، والبقع/ يعنى أنهم بقع الظهور ومن النفي/ أي ني الأرشية عليه إذا استقوا للناس. والجفار/ جمع الجفر وهو البئر البعيدة. فكان ابن الأعرابي يحلف أن الأصمعي يصحف في روايته فاذا بلغ قوله الأصمعي تمثل بقول القائل:
يُصِيبُ فما يدري، ويخطي فمادَرَى وكيف يكونُ النَّوْكُ إلاَّ كذلِك
[ ٨٥ ]
فهذا مستشنع إذا جرى بين العولم فكيف بين العلماء.
وأشنع منه أن ابن السكيت كان يدعي على ابي عبيدة والأصمعي مما لا يليق بهما فوق ذلك.
وكان خلف الأحمر والأصمعي يدعيانه على المفضل وابن الأعرابي والله المستعان.
الكسائي:
روى قول الشاعر:
أَعْيَس منُهالًا مِنَ الكَثيب
فبلغت روايته أبا عبيدة فقال: أبلغوه عني الرواية:
أميسُ مِنْها لا مِنَ الكَثِيب
فذكر ذلك له فقال: أصاب الشيخ أبو عبيدة وأخطأت أنا.
[ ٨٦ ]
الفراء:
قال التوزي: أنشد الفراء وأنا حاضر:
يا قاَنلَ اللُه صِبْياناَ تَجيٌ بِهم أمُّ الهُنَيْيِنِ مِنْ زَندٍ لها وَاري
فقال له: إنما ينشد أصحابنا/ أم الهنيبر/ وهي الضبع فقال: هكذا أنشدنيه الكسائي فأحال تصحيفه على الكسائي.
وروى ابن كيسان عن المبرد عن المازني قال: حضرت يوما الفراء وهو يقول الجزم في الفعل المستقبل بغير جازم جائز فقد قال الشاعر:
مَنْ كان لا يزْعمُ أني شاعرُ فَيَدْنُ مني تَنْهَهُ المزاجرُ
فقلت له: فان روي/ فليدن منى/ هل تكون لك حجة فيه فسكت ولم يحر جوابا.
[ ٨٧ ]
اللحياني:
حكى أبو الحسن الطوسي قال كنا في مجلس اللحياني وهو (عازم) على أن يملي نوادره، ضعف ما أملى فقال: "مثقل استعان بذقنه" فقام ابن السكيت إليه وهو حدث فقال يا أبا الحسن إنما تقول العرب "مثقل استعان بدقته" لأن البعير إذا رام النهوض استعان بجنبيه، فقطع الإملاء.
فلما كان في المجلس الثاني أملى: تقول العرب (هو جاري مكاشري) فقام إليه ابن السكيت وقال: أعزك الله إنما هو (هو جاري مكاسري) أي كسر بيته إلى كسربيتي فقطع اللحياني الإملاء وما أملى بعد ذلك. وقال من احتج عن اللحياني: إذا رام النهوض استعان بعنقه وذقنه، ومنه قيل: ناقة ذقون وهي التي ترجف ذقنها في سيرها.
[ ٨٨ ]
ابن السكيت:
روى بيت طفيل:
ترى جُلَّ ما أبقى السواري كَانٌه بُعيد السوافي إِثْرَ سَيْفٍ مُفَلُّل
فقال ثعلب: إنما هو (مقلل) وهو الذي قلته فضة يعنى قبضته.
وروى أيضا:
هَرِقْ لها من قرقر ذنوبا إِنَّ الذنوبَ تنفَعُ القلوبا
فقال ثعلب: إنما هو (تنقع) أي تروي.
[ ٨٩ ]
ثعلب:
أنشد ابن الأعرابي بيت امرئ القيس:
وقداغتدي قبلَ العُطاس بسابح أقبَّ كيعفور الفلاة مجنَّب
فقال ابن الأعرابي: ما أكثر ما تخطئون في هذه اللفظة مع سهولة الدلالة عليها وهي أن نذكر الجيم مع الجيم (التجنيب) في الرجلين و(التحنيب) في اليدين، و(المجنب) الأقنى الأملس وظاهر العصبة.
المبرو:
حكى أحمد بن عبيد الله بن عمار أبو العباس عن الحمدوني الشاعر أن المبرد روى قول الشاعر:
فأخلفْ وأَتِلفْ إِنما المالُ عَارَةٌ وكُلْه مع الدَّهْر الذي هُوَ آكلُه
[ ٩٠ ]
فصحف وقال هو (غارة) بغين منقوطة، وإنما (العارة) العارية.
قال العماري: وروى أن حبيب بن خدرة وكان رئيس القعدة بالكوفة فصحف اسمه عن/ خدرة/ إلى/ جدرة/.
وقال العماري: وحبيب هذا هو الذي محبا أهل الكوفة بقولة:
قَتَلُواُ حُسَيْنًا ثُمَّ هُمْ يَبْغُو نَه إِنَّ الزَّمانَ بأهْلِهِ أْطوَارُ
يَاَ با حُسَيْنٍ والأمورَ إِلى هُدى أولادُ دَرْزَةَ أَسْلَمُوهُ وَطَارُوا
وأبو حسين هو كنية زيد بن على.
الجاحظ:
سمعت ابن دريد يقول: وجدت للجاحظ في/ كتاب البيان/ تصحيفا شنيعا في الموضع الذي يقول فيهن حدثني محمد بن سلام الجمحي، قال سمعت يونس يقول: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن
[ ٩١ ]
النبي/ صلى الله علية وسلم/ وإنما هو (عن البني) أي عن عثمان البني، فاما النبي/ ﷺ/ فلا شك عند الملي والذمي أنه كان أفصح الخلق. قال ابن دريد: وأخطأ في هذا الكتاب في تفسير قول مالك بن أسماء ابن خارجة حين وصف جارية فقال:
مَنْطِقٌ رائِعٌ وَتَلْحَنُ أَحيَا نًا وخَيرُ الَحدِيثِ مَا كَانَ لَحْنا
فقال الجاحظ: يستطرف من الجارية أن تكون غير فصيحة وأن يعتري منطقها اللحن، قال ابن دريد: وليس معنى اللحن ههنا ما ذكر، وإنما أراد أنها تتكلم بالشيء وهي تريد غيره.
من ذكائها وفطنتها، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ وكما قال القتال الكلابي:
ولقد وَحَيْتُ لكم لكيما تَفْهَمُوا ولحنْتُ لحنا ليسَ بالمرتاب
[ ٩٢ ]
أبو البيداء الرباحي:
أنشد أبا عمرو مرة:
ولَوْ أَن حَيًّا للمَمنايا مُقَاتلا يكونُ لقاتلتُ المنَّية عن مَعن
فتىً لا يقولُ الموْتُ من حَرَّوقعه لك ابنُك خُذْه، ليس من شيمتي دعني
فقال أبو عمرو إنما هو قتالا يقول الموت من حر وقمه.
أبو خالد النميري:
قال الرياشي حدث مسلم بن خالد بن أبي سفيان بن العلاء قال لما أشخص أبو عبيدة جاء أبو خالد النميري ليخلفه فكان أول شعر أنشده قصيدة الأشعر بن مالك الجعفي فلما بلغ هذا البيت:
[ ٩٣ ]
أما إذا استدبرته فكأنه بازٌ يكفكف أَنْ يَطير وَقدْرَأى
أنشدة:
نارٌ يُكَفْكِفُ أَنْ يَطيرَ وَقدْ رَأَى
فقال فيه جهم:
قلتُ لّما غَدا عَليْنا النُّمَيْرِيّ وَسارَ المحدَّقاتُ بمعْمَرْ
وَأَتانا كَيْسَانُ وابْنُ نُجَيمٍ خَلَفًا مِنْ أَبي عُبَيْدَةَ الأعْوَر
بغَرِيبٍ لُه يُصَحَّفُ فِيهِ ذاكَ تَصْحِيفهُ الذي ليْسَ يُنْكر
جَعَلَ/ البازَ/ للجَهَالَةِ/ نارًا/ وتَمادَى في غَيَّهِ وتَجبَرَّ
[ ٩٤ ]
الكلابي:
روى بيت عمر بن أبي ربيعة:
وكأن أَحْوَرَ مِنْ غِزلانِ ذِي بَقَرِ أَهْدَى لُه شَبَهَ العَيْنَيْنِ وَالجِيدَا
فقال له ابن الأعرابي: صحفت إنما هو: (سنة السينين والجيدا)
السندي:
ذكر ابن زبرج قال: كنت عند السندي في جماعة فيهم ابن بميلة فأنشده في وصف الحمام:
فَإِذَا دَخَلْتُ سَمِعْتُ فيها رَفَّةَ لغْطَ المعَاوِلِ في بُيُوتِ هَدَاد
فسئل عن (المعاول) فقال هي التي ينقر بها في الصخر، فتركته في عمائه ولم أنبهه عليه وإنما (المعاول) و(هداد) حيان من الأزد.
[ ٩٥ ]
أبو الأسمر:
ذكر ابن زبرج أنه سمعه ينشد:
إذَا الرَّيحُ مَنْ نحوِ الجرِيبِ تَنَسَّمَتْ وجَدْتُ لِرَياها عَلى كَبِدِي بَرْدَا
فقال إنما هو (نحو الحريب تبسمت) فلاج وأبي أن يقبل.
أبو هفاق:
روى بيت أبي نواس:
فَادْعُ بي لا عَدِمْتَ تَقْدِيمَ مِثْلي وَتَأمَّلْ بعَينِكَ السجَّاَدة
ورواية عامة الناس:
فادْعُ بي لاعَدِمْتَ تَقْوِيمَ مَيْلي
اتقضى الباب الأول بما حوى من تصحيف العلماء.
[ ٩٦ ]