ذكر علماء الآزادمردية: أنهم ألفوا لغات جميع الأمم في الكمية على ما كانوا ناطقين وعلى الجبلة في مبدأ الكون لا يتولد فيها الزيادات والماء على مرور الأزمان وتصرم الليالي والأيام، وإنهم وجدوا اللغة العربية على الضد من سائر لغات الأمم لما يتولد فيها مرة بعد أخرى، وان المولد لها قرائح الشعراء الذين هم أمراء الكلام بالضرورات التي تمر بهم في المضايق التي يدفعون إليها عند حصرة المعاني الكثيرة في بيوت ضيقة الماحة، والإقواء الذي يلحقهم عند إقامة الفوافي التي لامحيد لهم عن تنسيق الحروف المتشابهة في أواخرها، فلا بد من أن يدفعهم استيفاء حقوق الصنعة إلى عسف اللغة بفنون الحيلة؛ فمرة يعسفونها بإزالة أمثلة الأسماء والأفعال عما جاءت عليه في الجبلة لما يدخلون من الحذف والزيادة فيها، ومرة بتوليد الألفاظ على حسب ما تسمو إليه هممهم عند قرض الأشمار، فأما ما دخل عليه الحذف أو حدث فيه الزيادة فكثير مشهور، وقد ذكره
[ ٩٧ ]
أبو عبيدة في كتاب سماه "الشواذ"، وتلاه ابن السكيت في كتاب يزيد حجمه على كتاب أبي عبيدة بأكثر من الضعف وليس ههنا موضع ذكره.
فأما ما خرج إلى الوجود بالتوليد فكثير أيضا يدل عليه قليل ما يحكى منه فمن ذلك قول النابغة:
إِلاَّ الأواريُّ لَأ ياَ ما أُبيتنُها والنُؤْيُ كالَحوْضِ بالمظلومة الَجلَد
فزعم الرواة والعلماء بالشعر أنه أول من سمى الأرض مظلومة وهي التي حفر فيها ولم تكن قبل ذلك محفورة.
ومن ذلك قول طرفة:
أَبلغْ قتادةَ غَيْرَ سائِلِه منَّي الثَوَابَ وعَاجِلَ الثُّكم
فزعموا أنه أراد/ الشكر/ فدعته القافية إلى توليد لغة أخرى في/ الشكر/ فقال/ الثكم/.
وقال علقمة:
أمْ هَلْ كبيرٌ بَكى لم يقضِ عَبْرَتَه إِثْرَ الأحبّة يومَ البين مشكومُ
[ ٩٨ ]
أي مجزي مثاب، وتلا طرفة بعض الشعراء فقال:
أُناسٌ ما انقضوا حتى تقضى الحمدُ والشكدُ
فولَّد هذا الشاعر لغة في الشكر، وتلاه مزرد فقال:
أنت أسديتَها إِلي فإِنْ أشكرْك عنها فأنت موضع شُكْب
فهذه ثلاثة ألفاظ مؤلفة داخلة على لفظة من كلامهم مشهورة مستغنية بشهرتها وكثرة استعمالها عن استجلاب لغات أخر إليها.
ومن ذلك قول العلاف البغدادي:
ياهرُّ فارقَتنا ولم تَعُدِ وكنتَ منًا بمنزلِ الوَلَد
تطردُ عنا الأذى وتحرُسُنا بالغيبِ من خُنفُسٍ ومن جُرَد
فقلت له: إنك عسفت اللغة بقولك/ الجرد/ مكان/ الجرذ/ فقال:
وما تنكر من اللفظ إذا جاء المعنى طبقًا له ألا ترى أن الجرد يجرد في البيوت مثل ما يجرده الجرذ في الصحارى.
ومن ذلك قول التنوخي في أبيات نعت فيها النارنج فقال:
[ ٩٩ ]
فمن أحمرِ كالأرجوانِ إِذا بَدا وكالرًاحِ صِرفًا أو كخدٍ مورَّد
ومن أَصفر كالصبً يَبْدو كأنٌه كراتٌ أديرتْ من خُلاصةِ عسجد
ومن أَخضر غض النبات كأنٌه مشاربُ مِينا أوحِقاق زُمُرّد
فأتى بالزمرد بالدال كما ترى خلافًا لمجرى العادة الجارية في هذه الكلمة على وجهة الدهر.
قالوا وقد هان صنع من ذكرنا من الشعراء فيما تعاطوه من إزالة أواخر الأسماء عن الجبلّة حتى صيروا الشكر مرة شكما ومرة شكدا بالإضافة إلى صنيع شعراء آخرين ألجاتهم قوافي أشعارهم إلى أن حوَّلوا أسماء البهائم إلى الناس وأسماء الناس إلى البهائم؛ فمن ذلك قول جبهاء
[ ١٠٠ ]
الأشجعي يصف ضيفًا:
فمَا بَرِح الولدانُ حتَّى رأيتُه على البكْرِ يَمرِيه بسَاقٍ وحَاِفر
فأراد أن هذا الضيف جاء على بكر يستحثه باقه وقدمه فلما كان مبنى قوافيه على الراء عدل عن ذكر القدم التي هي للانسان إلى الحافر الذي هو للبهائم.
كما أن النجاشي الحارثي عدل في البهائم عن/ الحافر/ فقال:
ونَجّى ابن جُنْد سابِحٌ ذو علالةٍ أَجَشُّ هَزيمٌ والرَّماحُ دَوَاني
إذا قلتُ أَطرَاف الرَّماحِ يَنَلنَهُ تمطَتْ بهِ السَّاقانِ وَالقَدَمان
فالشاعر الأول منح الإنسان/ حافرا/ فجعله بهيمة، والثاني منح البهيمة/ قدما/ فجعلها إنسانا.
وقال الآخر سالكا مسلك النجاشي يصف قمرية:
عَجْبِتُ لها أنَّى يكُنُ غِناؤها فصييحًا ولمٌ تَفْغَرْ بمنْطِقهِا فَما
فوضع (الفم) مكان المنقار.
[ ١٠١ ]
وقال الفرزدق يخاطب ذئبا:
وأنتَ امْرُؤٌ يا ذِئبُ والغَدْرُ كُنْتما أُخَيَّيْن كانا أُرْضِعا بلبان
فسمى الذئب/ امرأ/ ولو خاطب ذئبة لسماها (امرأة) فالفرزدق في هذا البيت ذاهب مذهب النجاشي. وقد ذهب في بيت آخر مذهب جبهاء الأشجعي فقال.
فَلو كُنتَ ضَبَّيًْا عَرَفَتَ قَرَابتي ولكنً زنجياَ غليطَ المشافر
وإنما أراد أن يقول/ غليط الشفة/ فثنته القافية عن الحق إلى الباطل.
وقالوا: ومن استبداد الشعراء بآرائهم نمط آخر، وهو أن أحدهم يتفاءل بأشياء يتشاءم بها الآخر فيشتق كل واحد للاسم الذي يمر به اشتقاقا موافقا لحاله فيصير بذلك الميمون مشئوما، والمشئوم ميمونا فقال أحدهم:
تغني الطائران ببين سلمي على غُصنَين من غرب وبان
فكان/ البان/ ان بانت سُلمى وفي/ الغرب/ اغتراب غير دان
[ ١٠٢ ]
وقال آخر:
أَقول يوم تلاقينا وقد سجعت حمامتان على غُصْنين من بان
الآن أُوقن أنَّ الغُصْنَ لي غُصص وَإنما البَانُ بينٌ بيَّنٌ دان
وقال آخر:
وصاح غرابٌ فوقَ أْعوادِبانة بأخبار أحبابي فقسّمني الفكرُ
فقلت/ غرابٌ/ لاغتراب و/بانةٌ/ لبين دنا، تلك العَيِافةُ والزجرُ
وهبَّت/ جنوبٌ/ لاجتنابي منهم وهاجت/ صبا/ قلت الصبابة والهجر
فجاء من خالف هؤلاء في تخير الاشتقاق واستجلاب رضى الفأل فقال:
وقالو اتغنًى (هدهدٌ) فوق دَوَحْة فقلت: هُدَى يَغدو به ويَروح
و/دَوْمٌ/ فقل دامت مودة بيننا و/طلح/ فسالت بالمطيً طلوحُ
وقالوا/ عقاب/ قلت عقى حميدة دنت بعد هجر قد تلاه نزوحُ
وقالوا/ حمام/ قلت حُمّ لقاؤها وهبًت لنا ريح الوصال تفوحُ
قالوا: فهذا إلى الشاعر إن شاء جعل/ العقاب/ عقى خير وإلا جعلها عقابا، كما يجعل/ الحمام/ مرة حماما، ومرة لقاء قد حم، والبان/ مرة بينا، ومرة بيانا يلوح. ويجعل/ الصبا/ صبابة/ والجنوب/ اجتنابا/ والصرد/ تصريدا كما يجعل/ الهدهد/ هدى وهداية/ والحبارى/ حبورا وحبرة/ والدوم/ دوام العهد.
[ ١٠٣ ]
وقالوا: جاء ابن أحمر في شعره بأربعة ألفاظ لا تعرف في كلام العرب؛ سمى النار/ مأموسة/ وسمى حوار الناقة/ بابوسا/ وقال/ بنس/ بمعنى تأخر وقال/ الأربة/ لما يلف على الرأس.
ولا يعرف ذلك في شعر غيره.
فأما البيت الذي فيه الحرف الأول فقوله:
تطايحَ الطلً عن أعطا ِفها صُعُدًا كما تطايحَ عن مأموسةَ الشَرَرُ
وأما البيت الثاني الذي فيه الحرف الثاني فقوله:
حنّت قلوصي إلى بابوسها جَزَعاَ وما حنينُك أمْ ما أنت والذَّكَرُ
وأما البيت الثالث الذي فيه الحرف الثالث فقوله:
وبَنَّسَ عنها فرقدٌ حَصِرُ
وأما البيت الرابع الذي فيه الحرف الرابع فقوله:
وتقنّع الحرباءُ أُربتَه متشاوساَ بوريده نَقْرُ
وجاء ابن مقبل في شعره/ بالميزهر/ اسما للابريق/ والمزمر/ إنما هو من أسماء العود.
[ ١٠٤ ]
وجاء في شعره بجمعين خارجين عن كل قياس فقال:
مثل الدمى تصويرهُنّ الطُوّاس
وقوله:
لمن رَمَى رهنٌ برمي أصواب
وحكى التوزي عن أبي عبيدة أن ابن مقبل جاء بكلمتين لم يأت بهما عربي: جمل/ الجوزل/ الم، وهو عند العرب الفرخ.
وسمى خلفي الناقة/ توأبانيين/ فقال:
توْأَباِنّيّانِ لم يَتَفَلْفَلا
وسمى ما تحمله الناقة بخرطومها/ الزبال/
[ ١٠٥ ]
كما سمي الطرماح: الفحل (الكراض).
وكما سمى ذو الرمة: الناقة (أدمانة) ولم يسمع من عربي: حمرانة ولا صفرانة ولا خضرانة.
وقال ابن قادم: جاء الأخطل بكلمة لم يتكلم بها عربي؛ سمى الذئب (تينانا). ولم يسمع إلا في شعره فقال:
يَعْتَفْنهَ عِنْدَ تِينانٍ يُدَمَّنهُ بادي العُوَاءِ ضئيلِ الشّخْص مُكْتَئِب
وجاء الكميت بقصيدته العصبية بقوله:
فللناس القفا ولنا الجبينا
فتكلف بعض التحويين الاعتذار عنه فقال، أراد/ الجبينان/ فحذف النون كما حذفها امرؤ القيس بقوله:
لهامتنتانِ خظاتا كما أكَبَّ على ساعِدَيْهِ النَّمِرْ
[ ١٠٦ ]
وكما حذف الأخطل في قوله:
أبني كليبٍ إنِ عَمّيَّ اللذا قتلا الملوكَ وفكّكا الأغلالا
وجاء دعبل في قصيدته العصيبة التي ناقص فيها الكميت بحرف في قافيتها لا يعرف في كلام العرب، وإنما ولده لما ضاقت به قوافي قصيدته فقال:
قتلنا الحارث المدني قسراَ أبا ليلى وكان فًتى أثينا
فالأثين لا بدرى ما هو.
كما حذف جرير في قوله:
درس المنا بمتالعٍ فأبان
وأراد درس المنازل، وكما حذفت العرب من قولهم "هم بين حاذ وقاذ"
أي بين حاذف وقاذف.
وقال المبرد في قول الفرزدق:
لَبِسْنَ الفرندَ الخسر واني فوقه مشاعرَ من خزَّ العراق مفوّفُ
[ ١٠٧ ]
إن كان/ المفوف/ من صفة المشاعر وجب أن يكون/المفلوفة/ وإن كان المخز وجب أن يكون مجرورا لأجل القافية، والقصيدة هي مرفوعة، فالمعني الذي استخرجه له النحويون: لبس الفرند الخسرواني أي شمارا فوقه المفوف من خز العراق وهو رديء.
وقال في قول الأعشى: زال زوالها.
دعاء على الليل حين لم يأته طيفها أن يزول كما زالت. وحكى عن أبي حاتم انه قال: أراد زالت المرأة زوال الليل، فقيل له: إنما قال زال الليل زوالها، فقال: هذا من المقلوب كما قال لآخر:
كان الزناء فريضةَ الرجم
واعترض بعض الشعوبية على نحوي في إعراب هذا البيت فقال: لم ينصب/ زوالها/، وكان الصواب أن يقول (زوالها) بالرفع فقال، لأنه أراد "أزال الله زوالها" فقال: فينبغي أن تقول على هذا القياس: مات زيدا بمعنى أمات الله زيدا، ثم قال لقد كذب شاعركم حيث يقول:
إنما النحو قياس يتّبع
واعترض أيضا على القائل:
فرميتُ غَفْلة عيِنه عن شاته فِأصبت حبةَ قلبها وطحاَلها
[ ١٠٨ ]
فقال: أترى أن الأعشى توهم أن مسكن الحب في الطحال، لا والله ما توهم ذلك، ولكن ضرورة الشعر قد أوقعته في هذه الشبكة، والحقت به هذه الفضحية لا در در الشعر.
وجاء ابن الرومي بعد ثلاثماثة سنة من أيام الأعشى فخالفه في بناء اسم قد كان الأعشى جاء به في قافية من قوافي قصيدة قد بنى قوافيها على فعل بكسر العين من الأسماء والأفعال وهي:
أتهجر غانيةً أم تَلُمْ أم الحبلُ واهٍ بها مُنْجَذِم
فقال فيها:
ولم يُودِ من كان يَسْعَى له كما قيل في الحرب أودى دَرِم
[ ١٠٩ ]
فجاء ابن الرومي بهذا الاسم مفتوح العين منه مكسور الفاء في قصيدة! أولها:
أفيضا دمًا إنَّ الرزايا لها قيم فليس كثيرًا أن تجودا لَها بِدَم
وقال منها:
سما نحوها خطبٌ من الدهر فاتكٌ فطاحتْ جبارًا مثل صاحِبها دِرَم
وقالوا: من الإقدام على إطلاق القول فيما الانقباض فيه أولى ما قاله الفراء في تأويل قوله ﷿ ﴿أو يأخذهم على تخوف﴾ قال: معناه (على تنقص، قال، وتقول العرب: تخوفت الشيء إذا تنقصته)
قال: ومثل ذلك في موضع آخر ﴿إن لك في النهار سبحا طويلا﴾ أو قرئ (سبخا) بالخاء المعجة لجاز لأن السبخ السعة. قال وسمعت بعض العرب يقول: سبخي صوفك، قال: والسبح نحو ذلك وهو صواب كل ذلك ومعنى السبخ والتسبيخ واحد.
[ ١١٠ ]
وأغفل ما رواه حميد الطويل عن أنس: أن عمر تلا على المنبر ﴿وفاكهة وأبا﴾
فقال هذه الفاكهة، فما الأب، ثم رجع على نفسه وقال لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف.
ومما حُكي فيه لفظة الكلمة وفسر بمقلوبها قول المبرد: يقال قحز الشيء إذا ارتفع ومن ذلك يقال: قحز الكلب ببوله إذا طمح به ورفعه، ومثله قزح الكلب ببوله رشه وأنا أحسب أن قوس قزح مأخوذ من مثل هذا، وأنا أكره أن أفسرها لأننا نهينا أن نتكلم فيها.
قال: وكل ما حكيناه عن الشعراء من عسفهم اللغة قليل في جنب ما انتزعه بعض العلماء من القول في مجاز الاشتقاق في جميع الكلام لأن القياس وإن كان أطاعهم في بعضه فقد عصاهم في جلته حتى تخبطوا فيه ولن يصلح أن يحكى منه في هذا الموضع إلا النبذ اليسير.
زعموا أن (السفر) إنما سمي سفرًا لأنه يسفر عن الأخلاق نحو تسميتهم المكنسة (مسفرة) لأنها تسفر التراب عن وجه الأرض، كما تسفر المرأة عن وجهها النقاب.
[ ١١١ ]
و(الصديق) إنما سمي صديقا لصدقه لك، كما أن (العدو) إنما سمي عدوا لعدوه عليك وسمي (القليب) قليبا لأن ترابه يقلب، وكل ما يحفر من نهر وسرب يقلب ترابه أيضا فما الفرق! وسمي (البز) بزا لخفته، وكذلك سمي (المهد) مهدا لكثرة حركتهن وسميت (الصلاة) صلاة لأن المصلي يثنى صلويه وهما جانبا أردافه والقاعد يلوي صلويه فلم لم يسم مصليا، وسميت (الحبشة) حبشة لأنهم تحبشوا أي تجمعوا، وكل أمة حوالى جزيرة العرب مجتمعون في أرضهم كالسند والفرس والنبط والجرامقة والقبط، فلم لم يقع على أسمائهم الاشتقاق؟
وزسميت (التوراة) توراة لأنها مشتقة من (ورى الزند يري وريا)، وإنما التوراة والإنجيل والزبور، أسماء عربت من السريانية، فكيف يطرد فيها قياس الأسماء العربية، أما سمعتهم يقولون بالسريانية (تورى انكيلون زفرتا).
وسميت (العراق) غراقا تشبيها بعراق القربة وهو الخرز المخروز في أسفلها، بل بالمكان الذي يثنى منها ويخرز طويلا، وفي القول الأول
[ ١١٢ ]
سموا (العراق) عراقا لأنها سفلت عن نجد كما سفل ذلك الخرز عن القربة إلى أسفلها. وفي القول الثاني لأنها ذاهبة عن الاستواء كما ثني من القربة ما ثني منها وخرز طولا، فالمه در هؤلاء لقد جاءوا بسحر عظيم.
وقال أبو عمرو: العراق اسم لساحل البحر، فلما كانت العراق بالقرب من الساحل سموها باسم الساحل، فقول أبي عمرو يوجب أن يسمى بها اليمن لأنها ساحل البحر لأجل الساحل، والساحل اسمها بالفارسية إيراه.
وكذلك شبهوا سيف كورة أردشير خره، من أرض فارس (ايراهستان) وسكانها الايراهية، فعربت العرب لفظ ايراه بالحاق القاف بآخرها، وقالوا: سمي العراق عراقا لكثرة عروق الشجر بها؛ فالعراق في قول أبي عبيدة جمع عرق، وقال الأصمعي: كانت أرض العراق تسمي (دل ايران شهر) أي قلب مملكة الفرس فعربت العرب منها اللفظة الوسطى فقالوا (العراق)، وقالوا في قول عدي بن زيد العبادي:
[ ١١٣ ]
إِجلَ أنَّ اللهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ فَوْقَ مَنْ أحْكى صَلِيبًا بإِزار
إن الصليب: الحسب، والإزار: العفة.
واحتجوا بأنهم انتزعوا ذلك من قول بعض المتعاطين للتفسير في معنى قوله تعالي ﴿وثيابك فطهر﴾ أي خلقك فطهره، قالوا: فقد سقط اللوم إلا عمن كان (لا) يعجز (هـ) علم الاشتقاق. فقال: إن/ المسلم/ إنما سمي مسلما لأنه أما فألم، والمؤمن/ إنما سمي مؤمنا لأنه آمن فأمن، ومسمي/ آدم/ آدم لأنه حوي من أديم الأرض، ويقال بل لأنه كان على لون أدمة الأرض، وسمي/ نوح/ نوحا لأنه ناح على قومه! ! . فليت شعري ما كان يسمى قبل أن ينوح عليهم؟ وسمي/ المسيح/ لمساحته الأرض بالانتقال فيها من بلد إلى بلد، والمسيح إنما عرب من السريانية لأنهم يسمونه بهذه اللغة/ مشيحا/.
كما أن هذه الأفعال تزيل اللوم عن عبد الأعلى القاضي في كلمات تكلف اشتقاقها منها: / الكافر/ فقال إنه سمي كافرا لأنه اكتفى وفر،
[ ١١٤ ]
فقيل له، بماذا اكتفى، ومن أي شيء فر؟ فقال: اكتفى بالشيطان، وفر من الرحمن.
وسمي/ الزنديق/ زنديقا لأنه وزن فدقيق.
وسمي/ البلغم/ بلغما لأنه بلاء وغم.
وسمي/ الدرهم/ درهما لأنه در وهم.
وسمي/ الدينار/ دينارا لأنه دين ونار.
وسمي/ العصفور/ عصفورا لأنه عصى وفر.
وسمي/ الطفيشل/ طفيشلا لأنه طفى وشال
ولما ورد أبو نواس مصر فدخل جامعها طاف فيه على أهل الحلقات فاتهى إلى رجل يتكلم في الاشتقاق، فقال له: لم سميت السماء سماء؟ فقال: لأنها سمت فعلت، فقال: فلم سميت الأرض أرضا؟ فقال: أرضت أرضا فصارت أرضا. قال: فالكامخ؟ قال: لا أعرف له اشتقاقا، قال: لكني أعرف له اشتقاقا، قال: قله، قال: لأنه كمخ يكمخ كمخا فصار كامخا، فخجل الرجل وترك له المجلس.
قالوا: ولو اطرد القياس من كل شيء لجاز أن يشتق العصفور من العصفر، والحرباء من الحرب، والغارة من الغيرة، والعار من العير، والفال من الفيل، والخاطر من الخطر، والجمال من الجمل، والجراب من الجرب، والسرة من السرور، أو من السرير، والبر من البر، إلى غير ذلك ما يطول بذكره الكتاب.
قالوا: وقد تعرض أيضا لتفسير اللغة قوم من المؤلفين باللعب فلم تساعدهم الإصابة فحكينا من جميعها أحرفا يسيرة وهي:
[ ١١٥ ]
الإبل، والحلية، والإثم، والبغي، والمتك، والتين، والزيتون، والخلد فأما الإبل فزعموا أنه اسم من أسماء السحاب، وأتوا بالحجة عليها قوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾.
وأما الحلية فزعموا انها اسم للرحم واحتجوا عليها بهذا البيت:
إنَّ في الَخْيلِ لَلَهوًا حَاِضراَ ثّم في الحِلْيَةِ لَذّاتُ الفَتَى
وأما الإثم والبغي والمتك فإن الإثم عندهم من أسماء الخمرن والبغي اسم للمسكر، والمتك اسم للاترج وجعلوا الحجة فيه هذا البيت:
نَشْرَبُ الاٍثمَ بالصُّواعِ جِهارا وتَرىَ المُستْك بَيْنَنا مُسْتَعارا
[ ١١٦ ]
وقول امرئ القيس:
فاليَومَ أشربْ غيرَ مُستحقبٍ إِثْماَ منَ الله ولا واغل
وزعم ابن قتية ان (المتكأ) الطعام، واحتج عليه بييت منسوب إلى جميل بن معمر:
فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاُتّكَأْنَا وَشَرِبْنَا اُلَحلاَلَ مِنْ قُلَلِهْ
قال فمعنى/ اتكأنا/ طعمنا، والحلال عنده اسم للنبيذ.
وأما التين والزيتون: فقالوا فيهما أقوالا ليس أحد منها يطابق الاسم فيه مسماه.
زأما الخلد، فزعم قوم انه اسم للسوار، وزعم آخرون: أنه اسم للقرط واحتجوا عليه بهذا البيت:
ومُخَلّداتٍ باللّجَين كأنّا أعجازُهُن نقىً على كثبان
[ ١١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ فقوم قالوا: مسؤرون، وآخرون قالوا: مقرطون، وادعى قوم من أهل اللغة أن/ القوم/ اسم يقع على الرجال دون النساء، قالوا وذلك أن الرجال قوامون بالأمر دون النساء واحتجوا برواية بيت لزهير تنقضها رواية أخرى وهو:
وما أَدري وسوف إخال أَدري أَقومُ آلُ حُصنٍ أَم نساء
وكتاب الله يرد عليهم قولهم لأن قوم كل نبي كانوا رجالا ونساء والأصمعي يرويه موافقة للتنزيل وهي:
وما أدري وسوفَ إِخال أدْري رجالٌ آلُ حصن أَمْ نساءُ
وذكروا أن جماعة من العلماء العرب نسبوا إلى اختلاق الأخبار كابن دأب
[ ١١٨ ]
وابن الكلبي والهيثم بن عدي وأضرابهم.
ورموا حماد الراوية، وخلفا الأحمر بانهما كانا يصنعان الشعر على
[ ١١٩ ]
شعر العرب، وتناولوا الخليل فتعذر عليهم بالقدح فيما كان ينتحله من علم اللغة فعدلوا إلى عيب عضهه به المتكلمون وأهل الجدل فقالوا: روى عنه واحد من كبار علماء بلده أنه كان مصروفا عن إدراك الحكمة إلا عن النحو والعروض، وما كل إنسان يفطن لنقصه، وأنه كان محصور الطبع عن تفهم فنون من العلم رام تعلمها فبقي فيها كالا حيرا، فمن تلك الفنون علم الغناء والإيقاع، وعلم الكلام والجدل، وعلم الشطرنج والرد. فأما علم الغناء والإيقاع فإنه وضع فيه كتابا وسماه/ تراكيب الأصوات/ وهو لم يعالج وترا قط، ولا مس بيده قضيبا، ولا كثرت مشاهدته للمغنين.
وأما علم الكلام والجدل فله فيه كتاب لو جهد كل بليغ في الأرض أن يتعمد مثل ذلك الخطا وذاك التعقيد لتعذر عليهم الوصول إليه، ولو أن مجنونا استفرغ مجهوده وأفنى مدته في الهذيان لما تهيأ مثل ذلك منه، ولن يأتي مثل ذلك أحد إلا بخذلان الله تعالى لا يبقى منه شيء.
[ ١٢٠ ]
وأما علم الشطرنج والترد فانه زاد في دواب الشطرنج جملا فلعب به قوم امتحانا له ثم رموا به.
قال وحدثني إبراهيم بن سيار قال: كان كتابه في التوحيد عند أيوب بن جعفر بن سليمان قد جعله عدة لا نقطاع الخواطر المرضية والأحاديث المونقة فاذا اعترتنا سكتة دعا بالكتاب فصار سببا إلى لهو، وطريقا إلى نشاط النفس، وكتاب هذا مقداره عند المتكلمين القرح، والعلماء الخلتص، ما ظنك به. قال وسمعه أبو شمر يوما يقول: لن يصل أحد إلى معرفة ما يحتاج إليه من النحو حتى يتعلم منه ما لا يحتاج إليه،
[ ١٢١ ]
فقال أبو شمر له: فقد صار إذا ما لا يحتاج إليه يحتاج إليه! ! وسمعه يوما آخر يقول: لولا كراهة البدعة لصنفت للناس كتابا لا يختلفون بعده في شيء من الدين، فقال أبو شمر له: أو تعد ما ألف القلوب بين المختلفين بدعة؟ . وسمعة يوما آخر يملي كتابه في التوحيد وكان قال: أيها السائل عن فهم القديم، إن قلت أين هو؟ فقد أينته، وإن قلت: كيف هو؟ فقد كيفته، هو شي شيءن ولا شي لا شيء (لا شيء) وشيء لا شيء ولا شيء شيء، فقال أبو شمر له: هذا هو الكتاب الذي لا يجمع ولا يفرق، هذا هو البدعة التي يرفع الله بها من الأرض البدعة! ! !
قالوا: وقد تجافينا عن إعادة ذكر لابن الكلبي، والهيثم بن عدي، وحماد الراوية، والخليل.
هذا ابن عون قد حدث عن قتادة قال: حضرت
[ ١٢٢ ]
الحسن وقد سئل عن قوله تعالى ﴿قد جعل ربك تحتك سريا﴾ فقال إنه كان لسريا، وإنه كان لكريما، فقال: هو المسيح. فقال له: حميد بن عبد الرحمن: أعد نظرا إنما السري الجدول فتمعر لونه وقال: يا حميد غلبتنا الأمراء.
انتهت الحكايات عن الآزاد مردية منتهاها.
[ ١٢٣ ]
بسم الله
وقال من أخذته الحمية لأولئك العلماء فتصدى لهؤلاء العياب بمر الجواب: أما الخليل فليس ما يحكى عنه بعيب راجع عليه فانه كان منتحلا لعلم اللغة لا علم الجدل، بذلك عرف طول دهره، وبعد فان دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها (أصل) عند علماء العرب أفضل من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدمه احتذاه وإنما اخترعه في ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طت ليس فيها بيان ولا حجة يؤديان إلى غير حليتهما، أو يفيدان غير جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة، ورسومة بعيدة لشك فيها بعض الأمم لصنعه ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمنا ذكره ومن تأسيس بناء كتاب العين الذي يحصر لغة كل أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه الكتاب الذي هو زينة لدولة الإسلام، وفلسفة تفتخر بها العرب على كل أمة. وقد أبان عن حاله جعفر بن يحيى بن خالد فانه قال يوما: حضرت البارحة مجلس أمير المؤمنين الرشيد فتذاكرنا علماء الملة من كل فن فاختلفنا ثم اتفقنا على أنه لم ير فيهم من برع براعة الخليل
[ ١٢٤ ]
وابن المقفع وأبي حنيفة والفزاري.
قالوا: فالإقبال ساق إلى دولة العرب مثل الخليل ومثل هشام بن الكلبي الذي عني لهم بضبط الأنساب فصنف فيها خمسة كتب وهي "المنزل" "والجمهرة" "والموجز" "والفريد" "والملوكي"؛
فأما (المنزل) فأكبر كتاب له في النسب ينزل العرب فيه منازلهم وربما تخطاهم إذا وجدوا كطباطبا في عدد أو نباهة، مثل: مراهة، وهاربة،
[ ١٢٥ ]
وطي السهل، وعامر بن صعصمة، ودهمان قيس، وطفاوة دخان، وحرثان، حمان، وعامر بكر، وحلمة أسد، وهرمة هذيل، وأخزم هنانة، وثعلبة عفار، وحر العشيرة، وكرادة مراد، وقائمة الأهبوب، والهن، ومنعة، وحي بن موت، وحور بن جديلة، في أشاء لهذا.
وأما (الجمهرة) فهو أوسط كتاب له فيه بعض الأخبار وتعداد أمهات الأشراف والقبائل إلى حيث يفترقون عن قبيلتهم ويتجاوزون إلى بطونهم وذكر فرسانهم وشعرائهم وذوي نباهتهم.
وأما/ الموجز/ ففيه ما لا يحسن بمتتبع الأدب والناظر في النسب جهله، فذكر فيه من ينسب إلى بطن وقبيل وشريف كل قوم وشاعرهم ومن احتل السلطة فيهم واستوى على الرئاسة منهم.
وأما/ الفريد/ فهو كتاب القبائل، أفرد فيه لكل بطن نسبه، مفردا أيامه وشعره، فذكر كل ذلك بالأسانيد والرواة، وهو الذي أتحف به المأمون.
وأما/ الملوكي/ ففيه أخبار غريرة معروفة، ومعرفة كثيرة لا تقع في غيره من كتبه، وفيه ما يقع في/ الفريد/ وإن لم يبلغ مداه، وهو الذي أتحف به جعفر بن يحيى البرمكي.
[ ١٢٦ ]
ومثل عيسى بن يزيد بن دأب الكناني، وهو الذي ارتفع في جلالة القدر أنه كان يتكئ في مجلس الخليفة الهادي، ولا يعرف أحد قبله ولا بعده، فال هذه الخطوة، قالوا: وابن دأب يعد من علماء مضر، وهو تاسع تسعة من علمائهم الذين هم: ابن دأب الكناني، وأبو بكر الهذلي، وزيد بن عياض بن جعدبة، وأبو عمرو بن العلاء المازني، والنضر بن شميل المازني أحد تلاميذ أبي عمرو، وأبو عبيدة معمر بن
[ ١٢٧ ]
المثنى مولى ثيم قريش، وعبد الملك بن قريب الباهلي وهو الأصمعي ومحمد بن اسحق بن يسار مولى قريش، وأبو اليقظان مولى بني القحيف من ربيعة مالك.
كما أن ابن الكلبي هو سابع سبعة من علماء اليمن الذين هم: محمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام أبو المنذر، والهيثم بن عدي، والشرقي بن القطامي وعوانة بن الحكم الكلبي، ومحمد بن عمر بن واقد
[ ١٢٨ ]
الأسلمي، وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري؛ فهؤلاء على جلالة أخطارهم ونفاسة علمهم، لو جمعوا كلهم في صعيد واحد لم يعشروا الخليل، ولا نالوا في العلم أدنى درجاته، وما ظنكم برجل تولاه كل جبيل، ومال إليه كل فرقة حتى حل في صدورهم فمنحوه الذكر الجميل بألسنتهم، فهذا أحمد بن الطيب وهو فيلسوف ذلك العصر كان يعد الخليل في فلاسفة الإسلام مع أستاذه أبي يوسف الكندي فكان يقول: انتهت علوم جانب المغرب إلى خمس فرق: وهم أصحاب الرواق كانوا بالاسكندرية، وأصحاب اصطوان وكانو يعلبك، وزأصحاب المظال وكانوا بانطاكية، وأصحاب البرابي وكانوا بمصر، والمشاءون وكانوا بمقدونية، ولو جمعوا بأجمعهم إلى الفيلسوف أبي يوسف لكان يرجع بهم، ولم يتفق له مثل اختراع الخليل لعلم العروض، فهذا هو آخر الباب الذي قد انتهينا إليه.
[ ١٢٩ ]