وإنما قدمناه على ما تقدم قبله لنفاسته، ولأنه لم يصنف قبله ولا بعده في معناه ما يدانيه، فضلا عما يساويه.
ومصنفه أبو حنيفة أحمد بن داود الدِّينوري - ﵀ - وروايته عن أبي نصر وأبي حاتم ومن كان في عصريهما ولم يلق الرَّياشي.
١ - قال أبو حنيفة في تفسير قول قيس بن عيزارة الهذلي:
له هَجَلاتٌ سهلةٌ ونِجادةٌ دكادك لا تُؤيى بهنَّ المراتعُ
وواحد الهجلات: هجْل، وواحد الدكادك: دَكداك. وهذا غلط. لم تأت فَعَلات جمع فَعْل، وإنما تأتي جمع فَعْلة. والهَجَلات جمع هَجَلة، مثل تمرة وتمرات، وضربة وضربات، وقربة وقربات.
فأما الهَجْل فجمعه هُجُول مثل: خمر وخمور، وزَرْب وزروب، قال ذو الرمة:
إذا الشَّخصُ فيها هزَّهُ الآل أغْمَضَتْ عليهِ كإغماضِ المُغَضّي هُجُولُها
وقال أبو حنيفة: ومن بواطن الأرض الكرام المِطلاء، وهو مطمئنٌّ من الأرض منبات مِحلال، قال الراعي:
فنُورثكم أنَّ التُراثَ إليكمُ حبيبُ قراراتِ الحجى فالمطاليا
وقال هِميان السعدي يصف إبلًا: والرِّمث بالصريمة الكُنافجا ورُغُل المطلى به لواهجا فقصرالمطلى.
وليس الأمر كما ذكر. المِطلاء: يُقصر ويُمدّ، والقصر فيه أكثر، وليس هميان وحده قصره. أكثر الرواة على قصره، وقد قال حُميد بن ثور:
تجوب الدُّجى كُدْريّة دون فرخها بمطلي أريكٍ سبسبٌ وسُهوبُ
وقال أبو زياد - وقد ذكر دار أبي بكر بن كلاب - ومما يسمى من بلادهم تسمية فيها حظها من المياه والجبال المطالي وواحدها المِطلى وهي أرض واسعة، وأنشد:
أللبرق بالمِطلى تَهُبُّ وتبرقُ ودونك نِيق من ذقانين أعنقُ
٣ - وقال أبو حنيفة: قال الفراء: النَّواشغ مجاري الماء في الأودية الواحدة: ناشغة، قال الشاعر:
ولا مُتداركٌ والشمسُ طفلٌ ببعضِ نواشغِ الوادي حُمولا
وهذا الشعر للمرار، والرواية:
ولا متلاقيا والشمس طفل
فإن تقل: متلاقيًا إلى متدارك فالنصب.
٤ - وقال أبو حنيفة، قال الأصمعي: سألت. رجلا عن المَرت فقال: " هي التي لا يجف ثراها، ولا ينبت مرعاها ".
وليست المرت بهذه الصفة، ولا هكذا أيضًاالرواية عن الأصمعي، رُوي عنه عن يونس أنه قال: سألت بعض العرب عن السَّبْخة فوصفها لي، ثم ظن أني لم أفهم، فقال: التي لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها. وهذه من صفة الأرض السَّبخة على الحقيقة، وأما المرت: فالتي لا شيء فيها من نبت، ولا ماء، ولا ندىً، ولا ظل وجمعها مُروت.
وقد وصفها أبو حنيفة بمثل وصفنا قبل أن حكى هذه الحكاية، وأنشد:
وقَحَّمَ سيرُنا من ظهر نجدٍ مَروتَ الرَّعْيِ ضاحيةَ الظِّلالِ
قال: ثم وصفها بان لا مرعى ولا ظل. قال - وعن الأعراب -: المرت التي لا كلأ بها - وإن مُطرت - وهذه الصفة على الحقيقة صفتها، وذلك لصلابة أرضها، فأما الذي حكاه بعد هذا عن الأصمعي فسهو منه، أو ممن نقله إليه.
٥ - وقال أبو حنيفة: وروى النضر، الصَّردحة: الصحراء التي لا تنبت، وهي غَلْظ من الأرض مستوٍ.
وهذا غير محفوظ عنهم إنما يقولون: غِلَظ وغَلْظ مثل: قِمَع وقِمْع، وضِلَع وضْلْع، وأما غَلْظ فلا أعرفه. والنضر غير موثوق به.
[ ١٩ ]
٦ - وقال أبو حنيفة: وكذلك الوقيع من الأرض، وهو الغليظ الذي لا يُنَشِّف الماء ولا ينبت، وأمكنة وُقُع: بيّنة الوقاعة، قال ذو الرمة:
فلما رأى الرائي الثُّريا بسُدْفَةْ ونَشّتْ نِطافُ المُبْقياتِ الوقائعِ
وقد أصاب في الوقيع والوقائع، وأخطأ في الوقائع. ولا شاهد له في بيت ذي الرمة، لأن الوقائع هاهنا جمع وقيعة، وهي: القَلْتُ في الصَّفا يكون فيه الماء، قال الشاعر:
إذا شاءَ راعيها استقى من وقيعةٍ كعينِ الغُراب صفوةٍ لم تُكَدّرِ
٧ - وقال أبو حنيفة: والأقارع مثل الوقْع في الصلإبة ولا تنبت، قال ذو الرمة، ووصف غيثًا:
كسا الأُكم بُهمى غَضّةً حَبشيَّة تُؤَامًا ونُقْعانُ الظهورِ الأقارعِ
أراد أنه أنبت البُهمى مما بنبت وأنفع المياه فيما لا ينبت، ويقال لكل صُلب شديد: قرّاع.
وقد أصاب أيضًا في الأقارع وأخطأ في القرّاع، إذ قَرنه بالأقارع، لأن الأقارع من القَرَع - بالتحريك - والقَرّاع من القَرْع بالإسكان.
٨ - وقال أبو حنيفة: - وقد ذكر الرياح - وفي الشمال تقطيع للسحاب وتبديد، ولذلك سميت مَحْوة.
وهذا قول مرغوب عنه، وهو قول الأصمعي، والناس على خلافه. وسنوضح فساده في تنبيهات الكامل إن شاء الله.
٩ - وروى أبو حنيفة للبيد:
كأنَّ مُصفَّحاتٍ في ذراه وأنواحًا عليهنَّ المآلي
يضيءُ رَبابه في المُزن حُبْشًا قيامًا بالحراب وبالإلالِ
وفسر فقال: الإلال: الحراب الواحدة ألة، والمصفحات: المصفّقات. شبّه الرعد بأصوات الملاعب وبأصوات المناوح. والألّة: الحربة - كما قال - وجمعها ألٌّ، وجمع ألّ إلالّ. فأما المصفّحات فقد رويت كما قال، إلا أن الأعلى من الروايات المصفَّحات بفتح الفاء.
وقال الخليل: المصفَّحات: السُّيوف الصَّفائح. وتشبيه البرق بالسيوف العراض خير من تشبيه الرعد بالتصفيق. هذا مع أنهم يختارون لما يصفونه من الدّيم ألاّ يكون بها رعد، قال كُثيّر:
أناكرةٌ يا عزَّ عدوى نواكم سقتكِ سوادي دِيمةٍ وغوادي
بمكتتماتِ الرَّعد غُرٍّ نشاصها عوادٍ من الجوزاء غير جهادِ
وقال ابن هَرْمة:
فلا حسَّ إلا خوات الرذاذ وزعب السُّيول بأدراجها
وكذلك أيضًا يختارون ألاّ يكون بها برق. فإن كان، كان غير خاطف، وأن يكون الرعد إن كان بها غير قاصف، وإن يكونا ساكنين، كما قال الشاعر:
إذا حرّكته الريحُ أرزمَ جانبٌ بلا هَزَق منه، وأومضَ جانبُ
والإيماضُ:البرق وأخفاه. وأنشد أبو عمرو:
يا ميَّ أسقاكِ البريق الوامضُ والدِّيَمُ الغادية الفضافضُ
ألا تراه - وقد جعل غيثه ديمًا - كيف صنع وجعله وامضًا كما قال فجعله ضعيفًا عليلًا، فقال:
هَلْ هاجكَ الليلُ كليلٌ على أسماءَ في ذي صُبُرٍ مُخْيَلِ
١٠ - وقال أبو حنيفة: يقال رعدت السماء وبرقت، هذا الكلام العالي الفصيح، وقال: جاء أرعدت وأبرقت على قلّة، وهو مرغوب عنه، والأصمعي يردّها وليس الكثرة كأرعدت وأبرقت والرَّغبة فيهما واحدة، ولردّ الأصمعي علّة سنشرحها فيما ننبّه عليه من أغلاط الغريب المصنف لأبي عبيد إن شاء الله.
١١ - وقال أبو حنيفة - وقد ذكر بطون الأرض -: ومنها الدارة والجمع دارات، وهي تعد من بطون الأرض المنبتة، قال الأصمعي: وهي الجوْبة الواسعة تحفّها الجبال. قال: وإذا كانت في الرمل فهي الدَّيَرة، والجمع الدَّيَر.
وقد غلط في هذا من وجهين: أحدهما أن الدارة، قد تكون من البواطن، وتكون من الظواهر والبواطن، فمن البواطن قول عِتْر بن عَبْقس:
رعت موقع الوسميّ حول عُنَيرةٍ وداراتها بالحزم حيث تَقعّرا
ومن الظواهر قول بُرْد:
ودارة الأحزم لن تراها بها المكاكي صَخِبًا صداها
يَستنُّ في آل الضحى رُعاها
وقد قال الهجريّ: " الدّارة: النّبكة السهلة حفّتها جبال " فقوله: نبكة شاهد أنها من الظواهر، وقد أنعمنا في وصف الدارة في كتاب الدّارات.
١٢ - وقال أبو حنيفة: فأما الدارات التي ذكرها الأصمعي فنحو: دارة أهوى، ودارة موضوع، ودارة جُلْجُل وسائر دارات أرض العرب.
[ ٢٠ ]
وقد غلط في دارة أهوى لا دارة لأهوى، إنما هي قارة أهوى وأما، الوجه الآخر الذي غلط فيه فقوله: أنها إذا كانت في الرمل فهي الديِّرة، واستشهد الأصمعي بقول ابن مقبل: بتنا بدَيِّرة يضيءُ وُجوهَنا دَسَمُ السَّليط على فَتيل ذُبالِ وقد غلط ولا شاهد له في هذا البيت. لأنه يقال للدارة إذا كانت بين الجبال أو بين جبال الرمل: دارة ودَيِّرة بمعنىً وأنشد أبو عمرو لأبْرج:
وأبرقْ وأرعدْ لي إذا العيس خَلّفتْ بنا دارة الآرام ذاتَ الشقائقِ
والشقائق: جمع شقيقة، وهى الشِّقة الطويلة المستقلة بين حَبْلي الرمل، وقال الآخر:
تَربّعتْ من بين دارات القِبعْ بين لوى الأمعز منها وضَبَعْ
واللِّوى: ما أشرف من الرمل.
١٣ - وروى أبو حنيفة لأبي ذؤيب:
ثلاثًا فلما استُجيل الرّبا بُ واستجمَعَ الطفل فيه رشوحا
وفسره فقال: استجيل الرباب: كُرْكِرَ ومُخِضَ، وهذا البيت والذي قبله وهو:
وهى خَرْجُهُ واستجيل الرّبا ب عنه وغُرِّمَ ماءً صريحا
ويرويان: بالخاء والحاء والجيم، واستخيل واستحيل واستجيل والجيم رواية أبي حنيفة، واستخيل - وهي أضعفها - وتليها الحاء ثم الخاء معجمة، وهي أعلى الروايات وخيرها.
فاستجيل - بالجيم - كُركِرَ ومُخض؛ وقيل: بل حالت العين فيه. والقول الأول خير وهو أشبه بالشعر، وهو قول أبي حنيفة.
واستحيل: فرغ ماوه، ومنه قول الشاعر:
يُحيلون السِّجالَ على السِّجالِ
وهو اختيار ثعلب.
واستخيل: نظر إلى حاله، وهو خير الأقوال لأن بعده:
مَرَته النُّعامى فلم يعترف خلاف النُّعامى من الشأم ريحا
ونحن نختار الخاء معجمة. فتأمّل الشعر تجد ما اخترناه خيرًا مما اختاره غيرنا.
١٤ - وأنشد أبو حنيفة لكثيّر:
وعرّس بالسَّكران رِبعين وارتكى يَجرُّ كما جرَّ المكيثُ المسافرُ
وقال: ربعين ثمانية أيام، كما قال الأول: سبعين.
وهذا غلط لأن الربعين خمسة أيام، فأما الذي قال سبعين فهو أبو وجزة، والسّبْعان هناك مفتوحان، وهما: أربع عشرة ليلة، والبيت:
وكركرته الصَّبا سَبْعين تحسبهُ كأنَّه بحِيال الغَور مَعقُورُ
فإن كسره أبو حنيفة أخطأ كما أخطأ في تفسير الرِّبعين، ثم يؤخذ من الجزء الطويل له.
١٥ - وقال أبو حنيفة: الصَّلال: أمطار متفرقة، وكذلك نباتها صِلال والواحدة صَلّة، والصلّة - في غير هذا - الأرض، قال الراعي:
سيكفيك الإله ومُسْنَمات كجندلِ لُبْنَ تطّرِدُ الصِّلالا
وهذه رواية مغيّرة، وإنما الرواية:
سيكفيك المُرَحّلَ ذو ثمانٍ سحيلٌ تعزلين له الجُفالا
ويكفيكِ الإله ومُسنمات كجَنْدل لُبَنْ تطَّردُ الصِّلالا
١٦ - وقال أبو حنيفة: والخَوات: صوت الرعد، قال عروة:
كأنَّ خواتَ الرَّعد صوت زئيرهِ من اللائي يسكُنَّ العَزيفَ بِعَثّرا
وفي بعض نسخ الكتاب: الخوات الرعد.
وكلا القولين غلط، ولا شاهد له في البيت، وإنما الخوات: الصوت لأي شيء كان، وليس بمقصور على الرعد دون غيره. وقال ابن هرمة:
فلا حسّ إلا خوات الرَّذاذ وزَعْبُ السُّيولِ بأدراجها
وتقول: سمعت خوات الطائر إذا سمعت حسه، فالخَوات: حسُّ كل شيء وصوته. ولا وجه لما قال إلا أن يخرجه على العموم، فإن كان أراد ذلك فقد كان يلزمه أن يزيد كلامه شرحًا، وإن كان لم يُردْه فقد غلط.
١٧ - وقال أبو حنيفة: روي أن رسول الله ﷺ سُئل عن سحائب مرت، فقال: كيف ترون قواعدها وبواسقها أجونًا أم غير ذلك؟ فقال: كيف ترون رحاها.
ثم سال عن البرق: أخفوٌ أم وميض أم يشقُّ شقًا؟ فقال: جاءكم الحيا.
وما هكذا ألفاظ الخبر، روى ابن الأعرابي وغيره - واللفظ لابن الأعرابي - قال: بينما رسول الله - ﷺ - جالس ذات يوم مع أصحابه، إذ نشأت سحابة، فقيل: يا رسول الله: هذه سحابة فقال: كيف ترون قواعدها قالوا: ما أحسنها وأشدّ تمكنها، قال: فكيف ترون بواسقها، قالوا: ما أحسنها وأشدّ استقامتها، قال: فكيف ترون برقها أوميضًا أم خفيًا أم يشق شقًا؟ قالوا: يشقُّ شقًا، قال: فقال رسول الله الحَيا.
[ ٢١ ]
فقالوا: يا رسول الله ما أفصحك ما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال: ما يمنعني وإنما أُنزل القرآن بلساني، بلسان عربي مبين.
١٨ - وقال أبو حنيفة: ومن كلام العرب المأثور: " إذا طلعت الشِّعرى سَفَرا، ولم ترَ مطرا، فلا تغذُونَّ إمّرةً ولا إمّرا، وأرسل العُراضات أثرا، يَبغينك في الأرض مُعْمرا.
ثم قال: وقد ظن قوم أن الساجع أراد طلوع الشِّعرى بالغداة، وقد أخطأوا في ذلك، وحكاه من لا أثق به عن مؤرِّج فإن كان صدق، فإن مؤرجًا إذا كان قليل المعرفة بهذا الفن.
وهذا القول منه ئ مؤرّج مثل ما قدمناه في صدر كتابنا من ردّ بعضهم، على بعض، ثم نَصر قوله وبيّن غلط مؤرج وأصاب فيما بيّن ولكنه أتي من حيث أمِنَ. قد غلط هو أيضا في ألفاظ هذا السجع وتفسيره لأنه قال: فأما تفسير الكلام الذي في السَّجع، فإنه يقول: إذا أخطأ الوسميّ فلم يقع له مطر فأُسيء الظن بسنّتك ولا تتشاغل بالغُنْم، ولكن اظعن عن دارك، واطلب بالإبل دارًا قد غاثها الله بغيث فانججُ إليها. والعُراضات أثرًا: هي الإبل، والمَعْمر: المنزل بدار معاش، والإِمَّر: الذكر من أولاد الضأن والأنثى إمّرة، وإنما خصّ الضأن بالذكر، وإن كان أراد جميع الغَنَم لأنها أعجز عن الطلب من المعز، والمعز تدرك ما لا تُدرك الضأن.
فأما ما حكينا من غلطه في الرواية فإن أبا عمرو قال: إذا طلعت الشِّعرى سَفَرًا، ولم ترَ مطرًا، فلا تلحق فيها إمّرة ولا إمّرًا ولا سُقيبًا ذكرًا. وقالي أبو زيد مثله إلاّ أنه روى فلا يلحقن فيها. وأما غلطه في التفسير فإنهما قالا جميعًا في تفسيره. وقد قاله غيرهما الإمّرة: الرجل الذي لا عقل له إلاّ ما أمرته به.
وقال أبو عمرو يقول: لا ترسل في إبلك رَجَلًا لا عقل له يدبّرها. والإمّر والإمّرة أيضًا من الضأن - كما ذكر - إلاّ أن المستعمل هاهنا ما حكيناه، ولعله لو غطّى على الشيخ مؤرّج لأعفاه الله من تكشّفنا.
١٩ - وقال أبو حنيفة قال الأصمعي: الحِدَأ الواحدة حِدَأة، وهي الفأس ذات الرأسين قال: وكذلك قال أبو عبيدة: وقال تقديرها عِنَبة، قال: وإذا كان لها رأس واحد فهي فأس، قال الشمّاخ يصف إبلًا:
يُباكرن العِضاه بمقنعاتٍ نواجذُهُنَّ كالحِدَأ الوقيعِ
والناس على خلاف قوله، والمحفوظ عن الأصمعي وأبي عبيدة غير ما قال، وتقديره غلط، ومثاله فاسد.
روى أصحاب الأصمعي عن الأصمعي: الحدأة الفأس لها رأسان والجمع حَدَأ بالفتح. وهكذا قال غيره من الرواة عن أبي عبيد: الحَدَأة - بالفتح - الفأس ذات الرأسين، والحِدَأة - بالكسر - الطائر، ومنه قولهم: " حِدَأة وراءك بُنْدُقة " يعنون الطائر، وقد زعم ابن الكلبي أن حِدَأة وبندُقة قبيلتان والأول هو الأعرف.
وقال أبو يوسف وتقول: هي الحِدَأة والجمع حِدَأ - مكسور الأول مهموز - ولا تقل حَدأة، وتقول في هذه الكلمة: " حِدَأ حِدأ، وراءك بُندقة " وزعم ابن الكلبي عن الشرقي: أن حِدَأة وبُندَقة قبيلتان من قبائل اليمن، قال النابغة:
فأوردهنَّ بطنَ الأتمِ شُعْثًا يَصُنَّ المشيَ كالحِدَإ التُّؤامِ
ثم قال: والحِدأ الفؤوس واحدتها حَدَأة بالفتح.
وقال أبو يوسف، قال الشرقي: هو حِدَأ بن نمرة بن سعد العشيرة، وهم بالكوفة، وبندقة بن مَظّة - وهو سفيان بن سِلْهم بن الحكم بن سعد العشيرة - وهم باليمن فأغارت حِدَأ على بُندقة فنالت منهم، وأغارت بُندقة على حِدَأ فأبادتهم.
وقال ابن قتيبة، الحِدَأ: الفؤوس لها رأسان واحدتها حَدَأة مثل فَعَلة - والطائر حِدَأة - بكسر الحاء - والجمع حِدَأ، وهذا هو الصحيح وإياه أراد أبو حنيفة لا محالة فأسقط بعض الكلام فغلط.
٢٠ - وأنشد للبَعيث:
وذي أُشُرٍ كالأُقحوان تشوفُه ذهابُ الصّبا، والمُعصِراتُ الدّوالحُ
وقال الدّوالح: الثِّقال التي تدْلح بالماء، ويُروى أنه معنى قول الله ﷿: (وأنْزَلْنا من المُعْصِرات ماءً ثَجّاجًا) . وقد قال قوم: إنَّ المُعصرات الرياح ذوات الأعاصير، وهو الرَّهج والغبار، قال الشاعر:
وكأنَّ سُهْكَ المُعصِرات كَسَوْنَها تُرْبَ الفدافدِ والنِّقاعِ بِمُنْحُلِ
[ ٢٢ ]
النِّقاع: جمع نَقع، وهو القاع من القيعان. وزعموا أن معنى من معنى الباء كأنه قال: وأنزلنا بالمعصرات ماء ثجّاجًا. وقال غيرهم: بل المعصرات الغيوم أنفسها، وذهب إلى معنى البعيث.
ولا يحتمل قوله غير السحاب لقوله: الدّوالح فتكون المعصرات التي أمكنت الرياح من اعتصارها واستنزال قطرها، يقال: أمضغ النخل وآكل وأطعم وأفرك الزَّرعُ إذا أمكن ذلك فيه.
وقد ألم أبو حنيفة بالصواب، ثم حاد عنه، المعصرات: السحابات بعينها كما قال، ولكنها إنما سميت مُعصِرات بالعَصَر، والعُصرة وهما: الملجأ، وقال أبو زبيد:
فارسٌ يستغيث غير مُغاثٍ ولقد كان عُصرةَ المنجودِ
أي ملجأ المكروب، وتقول: أعصرني فلان إذا ألجأك إليه، واعتصرت أنا اعتصارًا، قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ كنت كالغَصّان بالماء اعتصاري
فمعنى المعصرات: المُنجيات من البلاء، المُعصمات من الجَدْب بالخِصب لا ما قال أبو حنيفة، ولا ما قال من قال: إنها الرياح ذوات الأعاصير فلا تَلْتَفتنَّ إلى القولين معًا.
٢١ - وفسر أبو حنيفة قول صخر الغيّ:
أسالَ من الليل أشجانَهُ كأنَّ ظواهره كنَّ جُوفًا
بأن قال: يعني أنَّ الماء صادف أرضًا خوّارة استوعبته فكأنّها جوفاء غير مصمتة.
وهذا التفسير بخلاف البيت، لأن في البيت أسال، وإذا استوعبت الأرض الماء فأيَّ شيء يسيل، وإنما أراد صخر: أن السيل لشدته يشق خدود الأرض فسال في أخاديدها فصارت ظواهرها كالأودية الجوف. ومثله قول نابغة بني جعدة:
يَشقُّ حَديدَ الأرضِ من حدِّ سَيلهِ أخاديدَ حتى يتركَ القَفَّ واديا
٢٢ - وفال في قول أبي وَجْزة:
مُطِّبقةُ المجرى لذيذٌ نسيمُها رُخاءٌ أَبتْ أعقابُها أنْ تَصرّبا
والمُطِّبقة: المُحقِّقة.
وإنما أخذ أبو حنيفة هذا من قولهم: طَبَّق المَفصِل. وليس كذلك، وإنما هذا مأخوذ من قول امرئ القيس:
ديمةٌ هَطْلاء فيها وطفٌ طَبَقُ الأرض تحرّى وتدُرْ
أي مُغطّية للأرض كلها، وغطاء كل شيء طبق له، ومنه قيل لغطاء القدر طبق، ومنه قوله تعالى: (سَبْعَ سمواتٍ طِباقًا) أي طابقت كل واحدة صاحبتها مطابقة، وطباقًا أي هذه غطاء لهذه لم تحجز عنها، وهذه تحتها لم تفصل عنها. ومن هذا قيل للمتفقين على الأمر متطابقًا على كذا وكذا سبحانه بالمصدر، ولم يُجمع على لفظ طَبَق لأن جمع طبق أطباق، قال الشمّاخ:
إذا دعتْ غَوْثَها ضرّاتها فزِعتْ أطباقُ نِيٍّ، على الأثباجِ مَنْضودِ
والمُغطّي للشيء طَبَقٌ له وطِباق له، ولا معنى للمُحقّقه في بيت أبي وجزة، ولا يجوز غير ما قلناه فاعلم.
٢٣ - وقال أبو حنيفة، قال أبو عمرو: الشعر الذي في العنق يدعي الغفير والغفارة والغَفْر، واستشهد به على قوله في صفة النَّبت، وهو ما دام صغارًا أغفر، وقد أغفرت الأرض. ذكر ذلك أبو عمرو وقال: وهو مأخوذ من الغفر، وهو الشعر الصِّغار الذي مثل الزَّغب، ويقال: رجل غَفِرُ القفا، وامرأة غَفِرة الوجه إذا كان في وجهها غَفْرٌ.
وقد صدق فيما حكاه عن أبي عمرو. والمعروف: الغَفَر - بالتحريك - ولا أعرف الغَفْر إلاّ عن أبي عمرو، وقد يمكن أن يقال: غَفرٌ وغَفَر - إلاّ أن الفتح أشهر - ولم يذكراه، وقد قال الراجز:
قد علمت خَود بساقيها الغَفَرْ لتروينْ أو لتبيدنَّ الشَّجَرْ
أو لأروحنْ أُصُلًا لا أتّزرْ
وقد روى هذا واحد من الرواة: بساقيها القُفْر - بالقاف - وقد غلطوا، والرواية بالغين، وممن رواه بالقاف ابن دريد والوجه ما أنبأتك.
٢٤ - وقال أبو حنيفة: قال أبو النجم:
نَبْتُها بالرَّوض أعشابَ الخَضرْ
وإنما الرّجز للعجّاج.
٢٥ - وقال أبو حنيفة، قال أبو زيد: الرَّف: الأكل، رفت الإبل تُرفُّ رفًّا، ثم قال أبو حنيفة: حفظي رفَّ يَرُفُّ رفيفًا في اللون، وفي الأكل والمصّ: رفّ يرَفُّ رفًّا - بفتح راء يرفّ - وهذا أيضًا مما قدمنا من ردّ بعضهم على بعض إلاّ أن هذا من أقبحه، لأنه خلط بصحيح ردّه سقيمًا وإنما يقال: رفَّ يرِف كما قال: إذا بَرَق لونه، يقال منه: رفَّ الثّغر يرِف رفًّا، وقال بشر بن أبي خازم:
[ ٢٣ ]
ليالي تستبيكَ بذي غُروبٍ يرفُّ كأنّه وَهْنًا مُدامُ
ورف يرِفُّ إذا اختلج حاجبه، ورَفَّ الشَّجَر يرف إذا اهتزَّ من نضارته هذا بالكسر كلّه.
ويقال: رفَّ يرُفُّ إذا مصَّ الشراب وغيره، وكذلك رفَّ البعير البقل إذا أكله، ولم يملأ فمه منه، وكذلك رفَّ له يرُفُّ إذا كسب له وكل هذا بالضم.
وأما رفَّ يرَفُّ - بالفتح - فكما ذكر أبو حنيفة أنه حفظه فلم يأت في كلام العرب.
والرَّف من الكلمات التي جاءت كل واحدة منها، بعشر معان، وقد أفردنا لها كتابًا سميناه بكتاب العَشَرات، أنت ترى الرَّف فيه مستقصىً، إن شاء الله، ولما لم يستقبح أن يرد على أبي زيد استقبحنا نحن أن نردَّ عليه.
٢٦ - وقال أبو حنيفة - وقد ذكر البَرَم -: وأخبثها بَرَمة العُرفط، وهي بيضاء كأن هيادبها القطن، كما يُرى في برمة الآس، وهي مثل زرِّ القميص أو أشفُّ منه، وقد يقال: لبُرمة العُرفط خاصة الفَتْلَة.
وهذا غلط في هذا الشرط لأن أبا زيد قال في كتاب النبات، وقد ذكر السَّمُرة ووصفها، ثم قال: ويقال لنَوْرتها لأول ما تخرج البَرَمة، ثم أول ما يخرج من بدء الحُبْلة كُعْبورة نحو بدء البُسْرة فتلك البَرَمة ينبت فيها زُغبٌ بيض هو نَورها، فإذا خرجت فتلك البَلّة، والفَتْلة، ثم ذكر كلامًا قال فيه: ويقال أبرمت السَمُرة، وأحبلت، وأفتلت، ثم ذكر العُرفط ولم يذكر الفتلة التي ذكرها أبو حنيفة. ولست أُنكرها وإنما رددت شرطه الذي قال فيه لبَرمة العُرْفط خاصة.
٢٧ - وقال في قول النمر بن تولب:
وكلُّ خليل عليه الرِّعا ثُ، والحُبُلاتُ كذوبٌ مَلِقْ
الرِّعاث: القِرطة الواحدة منها رَعثة، ولعمري إنها لقِرطة، ولكن الرَّعثة الواحد، والجمع: رَعَثات، قال الشاعر:
ماذا يُؤرّقني والنوم يعجبني من صوت ذي رَعَثاتٍ ساكنٍ داري
وقال جرير:
بِزَرودَ أرْقصتِ القَعودُ فِراشها رَعَثاتِ عُنْبُلها الغِدَفْلُ الأرْعَلُ
ثم جمع الرّعثة على الرَّعثات والرِّعاث، وهذا كقولهم: جَمْرة، وجَمَرات، وجِمار.
٢٨ - وقال أبو حنيفة: الإبرام أعمُّ من الإحبال لمخالفة الثمرة واشتباه النور، يقال للقتاد: أبرم وللأراك أبرم ذكر ذلك أبو عبيدة. ولا يقال لثمره حُبْلة، ولا عُلّفة.
وقد أصاب في الأراك وأخطأ في القَتاد، لأن القتاد يقال لبَرَمه البَغْو، والواحدة بَغْوة - حكاها أبو زيد وغيره - ولا يقال لها: بَرَمة.
٢٩ - وقال أبو حنيفة: وزعم الجَرمي عن يونس أن من العرب من يقول: سِيس يُساس فهو مَسوس، وأنشد:
فما رَزَق الجنود بها قفيزًا وقد سيست مطاميرُ الطَّعامِ
في رواية هذا البيت تغييران، وهذا شعر معروف لرجل من بني تميم، كان في حرب الأزارقة مع المُهَلّب يخاطب به الحجّاج ويشكو إليه مما فعل المغيرة بن المُهلّب، والرُّقاد من جباية خَراج إصطخر ودرابِجرد، وترك النَّفَقة في الناس، والرواية:
ألا قل للأمير جُزيت خيرًا أرحنا من مُغيرةَ والرُّقادِ
فما رَزَقا الجنود بها قفيزًا وقد ساستْ مطاميرُ الحصادِ
ويروى: سيست. فروى رَزَق، وهو رزقا - بالتثنية - وغيّر الحصاد بالطعام.
٣٠ - وأنشد أبو حنيفة لأبي ذؤيب:
تأبَّط خافةً فيها مِسابٌ فأضحي يقتري مَسدًا بِشيقِ
وفسّر فقال: وترك الهمزة من المسأب، وقال ساعدة في ذلك:
معه سِقاءٌ لا يُفرِّط حَمْلَهُ صُفْنٌ وأخراصٌ يَلُحن ومِسأبُ
وهذا الذي قاله قد قاله غيره من الرُّواة، وليس بالجيّد، إنما الجيد أن المسأب - هو سقاء العسل - مهموز والجمع مسائب، فإذا ترك همزه، فهو مساد - بالدال - قال الراجز يصف حبشيًا مقتولًا على قفاه، وهو عُريان فشبهه بالزِّق وشبه عانته بكفِّ جِعْلان:
كأنّما جِيفتُهُ في الوادي كومةُ جِعلانٍ على مَسادِ
ووجه رواية أبي ذؤيب: تأبّط خافةً فيها مساد.
٣١ - وأنشد أبو حنيفة لأبي ذؤيب:
فليتهمُ حذروا جيشَهم عَشيّةَ هُمْ مثلُ طير الخَمَرْ
وقال: أي يَتَقَبّصون على جنّ عَيْن كما يتقبّص طير الخَمَر لأنه يستخفي له حتى يؤخذ.
[ ٢٤ ]
قال أبو القاسم: وكان يجب أن يقول: كما تتقبص - بتاءين - فلأنه يُستخفى لها حتى تؤخذ، لأنَّ الطير اسم للجنس والواحد طائر.
٣٢ - وقال أبو حنيفة، قال الفراء: إذا رعى القوم العِضاه قيل: القوم مُعِضّون، وقد أنشدني العُقيلي:
أقول وأهلي مُؤرِكُونَ وأهلُها مُعِضُّون: إن سارتْ فكيف أسيرُ
فجعله إذ كان من الشجرة لا من العشب بمنزلة المعلوفة في أهلها، النَّوى وشِبْهه، وذلك أن العُضّ هو عَلَف الرِّيف من النَّوى والقَتّ وما أشبه ذلك، ولا يجوز أن يقال من العِضاه مُعِضّ إلاّ على هذا التأويل، والمُعِضّ: الذي تأكل إبله العُضّ، والمؤرِك: الذي تأكل إبله الأراك، أو الحمض، والأراك من الحمض. هذا كلّه قول أبي حنيفة.
وقد غلط في الذي قاله وأساء تخريج وجه كلام الرجل لأنه قال: إذا رعى القوم العضاه قيل: القوم مُعِضون فما لذكره العُضّ، وهو علف الأمصار، مع قول الرجل العضاه، " وأين سُهَيْلٌ من الفَرْقَد "! وقوله: لا يجوز أن يقال من العِضاه مُعِضّ إلاّ على هذا التأويل، شرط غير مقبول منه - ﵀ - لأن ثم شيئًا غيّره عليه قبل، ونحن نذكره إن شاء الله.
قال أبو زيد الأنصاري في أول كتاب الكلأ والشَّجر: " العضاه اسم يقع على شجر من شجر الشوك له أسماء مختلفة يجمعها العضاه، وواحدتها عِضاهة وعضة وعضهة، وإنما العِضاه الخالص منه ما عظم واشتدّ شوكه، وما صغر من شجر الشوك فإنه يقال له: العِضُّ والشِّرْسُ ".
وقال أبو زيد - في هذا الكتاب وقد ذكر القياس -: " فهذه كلها تدعى عِضاه القياس، وليست بالعِضاه الخالص وليست بالعضّ ولا الشِّرس، وأهل تهامة يسمون شجر القياس هذه كلها عضاهًا وليس فيهن شوكة إلاّ حَجَن صغار الواحدة جَحَنة، وهي كأنها شوك السِّدر، والحجن: المعفقة الصغار ".
قال أبو زيد: " ومن العضّ والشِّرْس القَتاد الأصغر، ثم حلأها، ومنه الشُّبْرم والواحدة شُبْرمة، وهي شجرة شاكة، ولها ثمرة نحو النّخذة في لونه ونبتته، ولها زهرة حمراء ". وذكر غير ذلك من شجر العضّ والشِّرس.
قال أبو يوسف في إصلاح، المنطق ويقال: هذا بعير غاضٍ، إذا كان يأكل الغضا لإبل غواضٍ، فإذا اشتكى عن أكل الغضا، قيل بعير غضٍ. وإذا نسبته إلى الغضا، قلت: بعير غضويٌّ. فإذا كان يأكل العِضاه قلت: بعيرعَضِهٌ. وبعيرعاض: يرعى العضَّ، وهو في معنى عَضهٍ، والعِضّ هو العضاه. يقال: بنو فلان مُعِضّون، أي ترعى إبلهم العضُّ. وبنو فلان مُشرسون أي ترعى إبلهم الشِّرس، وهي عضاه الجبل. وإذا نسبت إلى العضاه قلت عضاهي، قال الراجز:
وقرّبوا كلَّ جُماليَ عَضِهْ
وقال أيضًا: وأرض مُعضهة كثيرة العضاه، ومُعِضّة كثيرة العِضّ وهي العضاه بعينها، وأرض مُشرسة كثيرة الشِّرس.
وقال في هذا الباب: والبارض أول ما يخرج من الأرض من البُهمى، والحُمرة، والنَّزَعة، وبنت الأرض، والقبأة، والهلثى - وهو ما دام صغيرًا - بارضٌ، لأن نبتة هذه الأشياء واحدة ومنبتها واحد، فإذا طالت تبيّنت.
وإنما سقنا هذه الحكاية لما فيها من فائت أعيان النبات. وقال أبو رياش: العِضاه اسم عظام الشَّجر من ذي الشوك وصغاره، فما صغر من ذي الشوك ونبت في الجبل فهو الشِّرس، وما صغر من ذي الشوك، ونبت في السَّهل فهو العضّ.
وعلى هذه الأقوال وهذا التفصيل قول الفراء: مُعِضّون يكون من العِضّ الذي هو نفس العضاه، وتسلم حكايته وتصح روايته، وقلة التفقد لمواضع الردّ على العلماء مُردٍ، وبالله أستعين من الزلل، وإياه نستوهب السَّلامة في القول والعمل.
٣٣ - وذكر أبو حنيفة العِظْلم فقال: ونبات العظلم ببلاد العرب كثير ولا يتخذ منه ببلاد العرب النّيل، ولكن ببلاد الهند لفضل ذلك العِظلم في الفوّه.
وليس الأمر كذلك، قد يتخذ النّيل بأرض العرب وغيرها، والنيل الهندي جيد - لعمري - ولكنه قد يجيء من الحجاز ومن أغوار زَعر وأعلاها نيل لا يُقصِر جيّده عن الهندي.
٣٤ - وقال أبو حنيفة: وقد روى بعض الثقات عن الأصمعي أنه قال: الإبل لا تُهنأ بالقطران للجَرَب، ولكن للقِردان والحَلَم والدَّبَر، فأما الجرب فإنها تُهنأ منه بالنفط ٠ هذا ما حكاه هدا الشيخ، وقد قال القَطِران العبشمي:
أنا القَطِرانُ والشعراءُ جَرْبى وفي القطران للجَربى شِفاءُ
[ ٢٥ ]
فحقق ما قال الأعرابي، وقد كان أبو حنيفة حكى عن أعرابي حكاية سنذكرها في موضعها إن شاء الله.
٣٥ - ثم قال أبو حنيفة: ولعل الأصمعي قال ذلك في بعض الحَرَب مما يحتاج ما هو أحرّ من القطران كما أن العَنيّة في بعضه أبلغ، والعَنيّة: أبوال تُعتّق، وهو التعنية ثم يخلط بها دسم لئلا يحرق الجلد، ثم يهنأ بها وربما قوى ذلك بما يزيده حِدَّةً إذا كان الجرب مُعضلًا ومن ذلك قول المرّار:
جربن ولا يُهنأن إلاّ بغلقةٍ عِطينٍ وأبوالِ النّساء القواعدِ
ثم قال: وقد أنشد الأصمعي هذا البيت في هذا المعنى بعينه.
وقد غلط الأصمعي فيما قال، وأساء أبو حنيفة في الاعتذار له ولا شاهد له في البيت، والإجماع من العرب والعلماء بكلامهم أن القطران يهنأ به للجرب، والشيخ الثقة الذي كنّى عنه أبو حنيفة هو أبو عبيد وسنذكر هذا من قوله ويدل على فساد قول الأصمعي، ونسوق الحكاية التي حكاها أبو حنيفة عن الأعرابي فيما ننبه عليه من أغلاط الغريب المصنف إن شاء الله.
٣٦ - وقال أبو حنيفة: وعَرِف الجلد إذا أنتن مثل الصُّماح، ومن أمثال العرب: " لا يعدم جِلْدُ سَوْء عَرْف سَوء ".
وقد أساء في هذا القول لأن الصُّماخ النتن، قال الشاعر:
يتضوّعن لو تضمّخن بالمسك صُماحًا كأنه ريح مَرقِ
والعَرف: عرف الطِّيب، ويقولون: عَرّفت كذا إذا طيّبته، ومنه قوله جل وعز: (الجَنَّةُ عَرَّفها) أي طيّبها، ومنه قول أوس:
فتدخل أيدٍ في حناجير أفيعت لعادتها من الخزير المعرّفِ
والدُّهن المُعرَّف: المُطيّب، وقال أبو يوسف، العرف: الريح الطيبة ومع هذا فقد قال أبو حنيفة - في باب الروائح الطيبة والمنتنة - العرف: الرائحة الطيبة وساق ما ذكرنا وغيره ثم قال: ويقال إنه لطيب البَنّة والأريجة والنشر والعرف بمعنىً واحد، وذكر ما به في النتن، وقد كان يلزمه أن يورد ما أصاب فيه أخيرا في الموضع الذي وهم فيه أولًا، وإذا لم يفعل فقد غلط وأساء فجاء بالذي جاء بمعنيين بمعنىً واحد، ثم قال بعد هذين الموضعين: والعرف: يكون في الطيب والنتن، ومنه المثل الذي مضى، وقال الشاعر:
فلعمر عرفك ذي الصُّماح لما عَصَبُ السِّفاد بغضبةِ اللهمِ
وهذا هو الصحيح.
٣٧ - وذكر أبو حنيفة: نار الحُباحب ونار أبي حُباحب ثم قال: ولا يعرف حباحب ولا أبو حباحب، ولم نسمع فيه عن العرب شيئًا، ويزعم قوم أنه اليَراع، وهو فراشة إذا طارت بالليل لم يشك من لم يعرفها أنها شررة طارت عن نار.
وقد ذكرت هذا من قوله في كتاب الأباء والأمهات، ودللت على فساده، وأحضرت هناك من أقوال الرواة ومأثور كلام العرب ما يغني الناظرين فيه عن كل قول، واستطلت إعادته على الكمال هنا ولم أحب أن أختصره، وأنت تراه هناك إن شاء الله.
٣٨ - ومد أبو حنيفة ذكا النار في كتابه في مواضع، فقال في موضع منها: والسُّعار: حر النار وذكاؤها وقال في موضع آخر: ولَهَبانها ذكاء لهبها واضطرابها وقال في موضع آخر: فلا نجد له من الرماد إلاّ اليسير مع ذكاء وقود وقال في موضع آخر: وقد ضربت العرب المثل بجمر الغَضا لذكائه.
فكل هذا غلط، وذكا النار مقصور يكتب بالألف لأنه من الواو من قولهم: ذكت النار تذكو ذكوًا، وذكو النار وذكا النار بمعنىً، وهو التهابها، قال أبو خراش:
وعارضها يوم كأنّ أواره ذكا النار من فيحِ الفروع طويلُ
ومن هذا اشتقاق اسم ذكوان الألف والنون زائدتان.
ويقال أيضا: ذكت النار تذكو ذكوًّا وذكّها بالموقد لتذكو ذَكوًا وذُكوًّا.
فأما ذكاء النار فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفهم والسِّن إذا علت، قال زهير:
يُفضّله إذا اجتهدت عليها تمام السِّن منه والذَّكاءُ
وقال آخر:
وكيف يُراضُ العود بعد ذكائهِ بلا رَسَنٍ يُثنى ولا بعِنانِ
وقال أوس:
على حينَ أن تمَّ الذكاء وأدركتْ قريحة حِسي من شريح مُغمّمِ
مُغمم: ملأ كل شيء وعمّه، ويستعمل الذكاء أيضا في حدّة الرائحة، فيقال: مسك ذكيٌّ بيّن الذكاء، ويستعمل أيضا فيما أنتن فيقال منه: رائحة ذكيّة، وقد ذكت الرائحة تذكو ذكوًا وذكاءً، وهي في الطِّيب أشهر، وهم لها أكثر استعمالا، قال الراجز:
[ ٢٦ ]
يُعلى بفأر الجُوَن الذكيِّ
وقال آخر:
إذا ما مشت نادى بما في ثيابها ذكيُّ الشَّذا والمندليُّ المُطّيرُ
٣٩ - وروى أبو حنيفة عن أبي عمرو: خمَّ وأخمَّ، وصلّ وأصلّ، ونتن وأنتن فمن قال: نَتُن قال مُنْتِن، ومن قال: أنتن فهو مُنْتِن.
وهذا غلط من أبي عمرو وكان يلزم أبا حنيفة أن يوضحه ويتكلم عليه كما جرت عادته في الاعتراض على الرواة فيما يخطئون فيه، وإذا لم يفعل فنحن نوضحه إن شاء الله.
الأصل في هذه الكلمة: أنتن الشيء يُنتِن إنتانًا فهو مُنتِن وهي لغة أهل الحجاز وغيرهم يقول: نَتِن الشيء ينتُن نَتنًا ونُتونة ونتانة ثم لا يقولون: فهو نتين، وهكذا القياس في فعُل كقولهم في فقُه وشرُف وظرُف وكبُر وأشباهها فهو: فقيه وشريف وظريف وكبير إلاّ أن طائفة من العرب جلّهم من تميم يقولون: شيء مِنْتِن فيتبعون الكسر بالكسر.
وسنزيد هذا الحرف شرحًا فيما ننبه عليه من أغلاط أبي العباس ثعلب في كتاب الفصيح، ونحصر ما أغفلناه هاهنا لئلا يخلو ذلك الموضع من فائدة إن شاه الله.
٤٠ - وقال أبو حنيفة: والبَنّة: الريح ما كانت منه، ومنه قول علي بن أبي طالب ﵇: " إني لأجدُ منه بَنّة الغَزْل ".
وما هكذا لفظه، وإنما قال لهذا الرجل: قُمْ لعنك الله حائِكًا فلكأني أجد منك بَنّة الغَزْل ".
وسنسمّي هذا الرجل ونذكر العلة التي من أجلها قال له هذا الكلام فيما ننبه عليه من أغلاط الغريب المصنف إن شاء الله.
٤١ - وروى أبو حنيفة للراعي في فأرة الإبل:
لها فأرة ذفراء كلَّعشيّةٍ كما فتقَ الكافورُ بالمسك فاتقُه
وهمز الفأرة ثم قال: ظن أنه يُفتق به، وكان الراعي أعرابيًا قُحًّا، والمسك لا يُفتق بالكافور.
وقد غلط في همز هذه الفارة - لأن الفأركلّه مهموز - ما خلا فارة الإبل.
وقد اختلف في فأرة المسك، وفي فأرة الإنسان، وهي: عَضَلهُ، والأعلى في فأرة المسك الهمز، وفي فار الإنسان ترك الهمز ومن كلامهم: " أبرزْ نارَكَ وإنْ أهزلتَ فاركَ " أي أطعم الطعام وإن أضررت ببدنك.
فأما قوله: والمسك لا يفتق بالكافور فصحيح، ولم يقل الراعي: كما فتق المسك بالكافور، وان كان المسك لا يفتق بالكافور، فإن الكافور يفتق بالمسك، وجعل الراعي أعرابيًا قحًا ونسبه إلى الجفاء، وأوهم أنه قد غلط وخطّأه في شيء لم يقله اللهم إلاّ أن يكون عند أبي حنيفة أن الكافور لا يفتق بالمسك، ويكون قد غلط هو في العبارة وعكسها فيكون في هذه الحالة أسوأ حالا منه في الأولى ويكون قليل الخبرة بالطِّيب وعمله واستعماله. ولا رائحة أخمُّ من الكافور إذا فُتق بالمسك، يشهد بذلك ذو النعمة والعطارون قاطبة.
٤٢ - وقال أبو حنيفة في قول ابن مقبل:
يعلون بالمَردقوشِ الوَرْدِ ضاحيةً على سعابيبِ ماءِ الضَّالةِ اللّجِنِ
وأراد بماء الضَّالة: ماء الآس، ونساه الحَضَر يمتشطن به. شبهه بماء السِّدر لخضرته، واللّجِن: المتلّزج، وكذلك الغِسلة متلّزجة، والسّعابيب: ما امتدّ من الغِسلة، ومن الخَطمي إذا أُوخف، الواحد منها سُعْبوب.
والغِسلة: متلزجة كما ذكر، ونساء الحضر يمتشطن بماء الآس، كما قال إلاّ أنه عدل عن الصواب في الضّالة، والضالة - هاهنا - السِّدرة، ونساء الحَضر يمتشطن بالسِّدر بمصر والشام وغير ذلك من البلاد، واكن أبا حنيفة لعله لم يملك رقيقًا من رقيق هذه النواحي، ولا تزوج امرأة من نسائها، ومع هذا فماء الآس غير مُتلّزج ولا مُتَلَجّن، ولا رطبٍ ولا يابسٍ، وإنما السِّدر هو: المُتلزّج، ولو عدل عن الصحيح إلى صحيح مثله لما جاز، فكيف وإنما عدل إلى فاسد.
٤٣ - وقال أبو حنيفة: والأسَل: هذه العيدان التي تنبت طوالا دقاقًا مستوية لا ورق لها يُعمل منها الحُصُر وهو الكَوْلان.
وقد أصاب في صفة الأسل وغلط في أن قال: وهو الكوْلان، ونحن نستغني بشهرة هذا عن الاستشهاد عليه، أو لعله نقله عن نسخة فاسدة فجاء الغلط من قبلها.
٤٤ - وقال أبو حنيفة: وقال بعض علماء البصرة: هي الدَّبْر والأَوْب والنّوب والدَّبوب قال: والخَشرم: ذكر النحل.
وهذا القول مشهور من قول هذا العالم - وهو اليزيديّ - ذكره في كتاب " ما اتفق لفظه واختلف معناه ".
[ ٢٧ ]
وهو قول فاسد، وإنما ألزمنا أبا حنيفة جزيرة غلط اليزيدي إذْ لم ينبه عليه كما جرت عادته في الاعتراض على الرواة والاشادة بأغلاط الغالط والاستشهاد على ذلك.
ووجه الغلط في هذه الحكاية أن اليزيدي - ﵀ - سمع قول ساعدة الهذلي:
فما ضَرَبٌ بيضاء يسقى دَبوبها دَقاق فعَروان الكَراث فضيمها
وظن أن الدَّبوب هاهنا النحل، أو لعل بعض المخطئين فسره له كذلك. وإنما دَبوب: اسم بلد به هذا الضرب، ودقاق وعروان وضيم أودية تجري على هذا البلد، وكذلك سمع قول أبي ذؤيب:
وحالفها في بيت نُوب عوامل
فظن أن ذلك اسم النحل، وإنما تلك صفة، وليس الأوْب من أسمائها، ولا من صفاتها، ولا أعلم من أين دُهي فيه، وقد تبع اليزيدي في النوب جماعة من العلماء منهم الأصمعي. وكلٌّ غالط!!.
٤٥ - وقد قال أبو حنيفة: ويقال للنحل أيضا: الأوْب - ذكر ذلك غير واحد - لإيابها المباءة، وهي لا تزال في مسارحها ذاهبة وراجعة حتى إذا جنح الليل آبت كلها حتى لا يتخلف منها شيء، فسميت به كما قيل للسارحة سرح، وفي شهرة إيابها يقول أبو ذؤيب:
بأري التي تأوي إلى كلِّ مَغرب إذا اصفرّ ليطُ الشمس حان انقلابُها
وقال آخر في وصف النحل:
إذا مرَّ جُلُّ اليوم راحت وبعضها إلى الحيّ بعضًا كالظِّلال يضوعُ
أي يحث بعضها بعضًا، وواحد الأوب: آئب كما قيل: شارب وشَرْب، وصاحب وصَحْب. وعلى مثل هذا التفسير سميت نُوبًا لأنها تنوب في أعمالها، وواحد النُّوب نائب مثل: عائذ وعُوّذ. هذا قول أهل العلم، وزعم آخرون أن النُّوب من النحل التي فيها سواد يشبهها بالنوبة.
هذا كلّه قول أبي حنيفة واستشهاده وحكمه، وهو غالط في جميعه ومسيء في قوله: " هذا قول أهل العلم، وزعم آخرون ". إن الآخرين في زعمهم هم المصيبون، وهم العلماء المتقدمون والمتأخرون، فمن قول العلماء المتقدمين ما حكاه هو فقال: وزعم العلماء بشأن النَّحل ثم ساق كلامه فيه، وقد قالوا: النحل الصغير عمال، وهي سُود الألوان كأنها محترقة.
فأما النحل الصافي اللون النقيّ، فإنها تُشبّه بالنساء البَطّالات اللاتي لا يعملن شيئًا، فهذا هو إخباره هو عن العلماء بشأن النحل. وقد قدم آنفًا استثناءهم من أهل العلم وهذا هو القول الصحيح وبه سُمي نوبًا، وأما ما حكيناه عن العلماء المتأخرين فإن أبا حاتم حكى عن الأصمعيّ: النُّوب: جماعة النحل الواحدة نائبة، وهي التي تنتاب المراعي فتأكل ثم ترجع فتُعَسِّل، كما ينوب الجند باب الأمير، وقالوا: نائب ونُوّب مثل عائذ وعُوّذ، والناقة العائذ: الحديثة النِّتاج.
وقال أبو عبيدة: النُّوب: السود شبّه سوادهن بسواد ألوان النُّوبة: ثم قال أبو حاتم: وليس النُّوب كما قال، قال: وقال الأصمعي، قال يعقوب بن أبي طرفة الهُذَليّ: الأوْب: النحل سميت بذلك لأوبها حين تؤوب أي ترجع، قال المتنخل الهذلي:
كأَوْبِ الدَّبْر غامضة وليستْ بمرهفةِ النِّصالِ ولاسِلاطِ
وأبو حاتم أيضًا غالطٌ في حكمه، ولا شاهد له في بيت المتنخّل كما لا شاهد لأبي حنيفة في بيتي أبي ذؤيب والطِّرماح اللذين قدمهما لأنه احتجَّ بقول أبي ذؤيب: حان انقلابها، وهكذا حمر الوحش والظباء، وكل راعٍ لا بد له أن يؤوب إلى قراره، ولذلك قالت العرب " كلُّ راجع مع الليل آيب " ولذلك قال النابغة:
وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ
أي لا يؤوب كما يؤوب راعي الإبل والغنم، وقال أبو ذؤيب:
وحتى يؤوبَ القارظانِ كلاهما ويُنشرَ في القتلى كليبٌ لوائلِ
وقال آخر:
فرجّي الخيرَ وانتظري إيابي إذا ما القارظُ العنزيّ آبا
وهذا على العموم لا وجه لتخصيص النحل به، وقد حصل لنا من قول أبي حاتم شهادته أن أبا عبيدة قائل لما ردده هو وأبو حنيفة وأخرجه أبو حنيفة من جملة العلماء، وقد ذكرنا أنه لا حجة له في بيت المتنخل والدلالة على صحة قولنا إجماع أهل العلم أن العرب إذا شبّهت وقع النَّبل، وذكرت الدَّبْر أرادت النحل، ولو ضبط أبو حاتم هذا لم يقل ما قال. فمما قلناه قول أُمية بن أبي عائذ الهذلي:
تروح يداه بمَحْشورةٍ خواطي القِداحِ عجاف النِّصالِ
[ ٢٨ ]
كخشرم دَبْر له أزمَلٌ أو الجمر حُشَّ بصُلب جُزالِ
وممن قال بقولنا هذا أبو حنيفة - وهو مُصيب - قال تحت هذا الشعر: الدَّبْر هاهنا الزَّنابير لأنه إنما شبّه وقع النَّبل بلَسْع الزنابير ولذلك قال: " أو الجَمْر "، ولم يكن يشبّه بالأضعف مع قوله " أو الجمر "، وأنشد:
والنَّبْل تلسع فيها كالزَّنابير
٤٦ - وقيل في بيت الأعشى:
سَلاجِمَ كالنَّحْلِ أنْجى لها قَضيبَ سَراءٍ قليلَ الأُبَنْ
إنه إنما شبّه النَّبل بمضيّ النَّحل كما قال أبو كبير الهذلي:
يأوي إلى عُظْم الغَريف ونبلُهُ كسَوام دَبْر الخَشْرم المُتَنوّرِ
أي تمضي كما تسوم النَّحل، والسَّوم: المضيّ. فقد أوضحت لك قول أبي حاتم، وسقوط شهادته وسلمت لنا روايته عن أبي عبيدة التي جعلناها حجة على أبي حنيفة مع ما قدمناه من قول أبي حنيفة، واختاره عن العلماء المتقدمين، ومع هذا فإن أبا العباس أحمد بن يحيى، قال مفسرًا قول أبي ذؤيب:
إذا لسعته النَّحلُ لم يرجُ لسْعَها وحالفها في بيت نُوب عواملِ
وقال أبو عبيدة: إنما سميت نوبًا لسوادٍ فيها، وكذلك قال أبو عمرو. واخراج جملة العلماء المتقدمين وأبي عبيدة وأبي عمرو من العلماء قبيح بأبي حنيفة مع الصواب، فكيف مع الخطأ. وقد قدمنا في أبي حنيفة ما يستوجبه.
٤٧ - وقال أبو حنيفة: وزعم العلماء بالنحل أن ملوك النحل لا تلدغ ولا تغضب ثم قال أبو حنيفة: وإن في هذا لعبرة، لأن هذا لو كان في واحد من عقلاء الإنس الذين فُضِّلوا على جميع الخلق لكان ذلك عجَبًا. ولذلك قال الله ﷿ بعد ما قصَّ علينا ما ألهمه هذا الحيوان على ضعفه (إنَّ في ذلك لأيةً لقومٍ يتفكَّرون) .
وقد أساء في قوله الإنس الذين فُضلوا على جميع الخلق لأنا نعلم أن واحدا من أدنى ملائكة الله تعالى، أو من مؤمن الجن، أفضل من جميع من يدخل النار من كفار الإنس مع علمنا بأنهم أضعاف عدد من يدخل الجنّة من المتقين، ومن شملته رحمة الله من المسلمين فكيف يكون عند أفضل من جميع الخلق.
لا! ليس الأمر كذلك أين الصافّون والملائكة المقرّبون الذين لما ذكر الله تعالى المسيح - وهو روحه وكلمته ألقاها إلى مريم - قال الله ﷿ (لن يستنكف المسيحُ أن يكون عبدًا لله ولا الملائكةُ المقرَّبُون) . وإنما سمع أبو حنيفة قول الله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فَضَّلْتُكم على العالمين) فظنَّ أن الإنس مفضَّلون على جميع الخلق.
وهذا سؤ ظن منه، وسهو عن قوله سبحانه (ولقد كَرَّمْنا بني آدَمَ وحَمَلْناهم في البرِّ والبحْرِ ورَزَقْناهم من الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم علن كثيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضيلًا)، فلم يصب أبو حنيفة فيما قال ولا في قوله، ولذلك قال الله تعالى بعدما قمق علينا ما ألهمه هذا الحيوان على ضعفه (إنَّ في ذلك لآيةً لقومٍ يَتَفكَّرون) لأن الله تعالى لم يقل لنا في ملوك النحل: ولا تلدغ ولا تغضب إنه لقوم يتفكرون، فيكون في ذلك شاهدأ لأبي حنيفة، ولا الأمر على ما تأوّل مع بعده مما ظنَّ أنَّ الآية (لقومٍ يتفكَّرون) هي في إلهام الله تعالى لها أن تتخذ من الجبال بيوتًا، ومن الشجر ومما يعرشون. لا! ليس الأمر كذلك أيضا، إنما الآية في آخر الكلام الذي قصّه سبحانه وهو (يخرُجُ من بُطونها شرابٌ، مُختَلفٌ ألوانُهُ فيه شِفاءٌ للناس)، وإذا كان الأمر كذلك فالآية لله ﷿ في فعله ولا شيء للنحل فيها، فلمَ قال: ولذلك قال الله، وهَبْه كما ظنَّ، وكما قلنا، وأنَّ الآية في أن فقهت ما ألهمت، وأن أخرج الله من بطونها هذا الشِّفاء، وليس هو من الالهام في شيء، فلمَ جعل الآية مقصورة على بعض وأخلاها من بعض؟ على أن القول في الآية ما قلناه، وإنما جئنا بما قال على الله لو كان لكان، فكيف وما كان.
٤٨ - وقال أبو حنيفة: فأما حدود الكور فهي التخوم - بالفتح - وهي واحدة، ومن الناس من يضم فيجعله جمعًا، ويجعل الواحد تخمًا، والأول أعرف، وقد شرحت هذا في باب الأرضين.
وهذا غلط منه - ﵀ - والذي شرحه في باب الأرضين صحيح، وهو مخالف لهذا القول، وأنت هناك تراه، وتراه فيما ننبه عليه من أغلاط إصلاح المنطق من كتابنا هذا إن شاء الله.
[ ٢٩ ]
٤٩ - وقال أبوحنيفة في تطبيب الخمر، قال الأعشى:
أُلقيَ فيها فِلجانِ من مِسك دا رينَ، وفِلجٌ من عَنبرٍضَرِمِ
أي متوهج الريح، والفِلْج: مكيال معروف، ومنه قول أنجي كبير الهذلي:
كسُلافةِ العِنبِ العصير مزاجها عُودٌ وكافور ومِسكٌ أصهبُ
وليس البيت للأعشى، ولا الرواية فيه كما روى، ولا وجه لروايته والخمر قد يطيب كما ذكر، وأكثر الطِّيب يقع في تطييبها ما خلا العنبر فإنه لا فعل له فيها وللمسك والكافور والعود والقرنفل والزنجبيل والسنبل وغير ذلك من الأفواه فيها عمل مستلذّ ولا عمل للعنبر فيها لأنه لا طعم له إلا إذا مُضغ ولا رائحة له إلاّ على النار، والعنبر لايوصف بالضرم، ولو ضرم لأدّى رائحة أخثاء، البقر، والبيت للنابغة الجعدي وروايته: من فلفل ضرم.
وسترى هذا البيت مشروحًا في كتابنا على تنبيهاتنا على ما في كتاب الجمهرة - جمهرة اللغة - من كتابنا هذا إن شاء الله.
٥٠ - وذكر أبو حنيفة أسماء الخمر، فقال: ومنها الكأس، وهو اسم لها، ولا يقال للزجاجة: كأس إن لم يكن فيها خمر. ثمَّ أورد حججًا على ذلك منها قوله ﷿: (يُطافُ عليهم بكأْسٍ مِن مَعين) .
وقد أساء في هذا الشرط، الكأس: نفس الخمر كما قال، والكأس: الزجاجة، وقول الله ﷿ الذي ذكرنا أنه احتجَّ به حجة عليه، ومثله قوله سبحانه: (بأكوابٍ وأباريقَ وكأْسٍ مِن مَعين) وقوله تعالى: (وكأس من مَعين) أي ظَرْف فيه خمرمن هذه التي هذه صفتها، وقد قال سبحانه: (وكأْسًا دِهاقًا) والدَّهاق: الملأى ولا يجوز أن يقال: أراد وخمرًا وملأى. هذا فاسد من القول. والعرب تقول: سقاه كأسًا مُرّةً، وجرّعه كأسًا من الذِّيفان، وسقاه كؤوس الموت قال الراجز:
كأسًا من الذِّيفان والجُحالِ
وقال العجاج:
أو أن يُرَوّوا نهلَ المُجْتسِّ من الذُّعاف غيرَ ما تَحَسِّ
من العدى بالكأس بعد الكأسِ
وقال:
وقد سقى القومَ كأسَ النَّعْسةِ السَّهَرُ
وأوضح من هذا كله وأبعدُ من قول أبي حنيفة ما أنشده أبو زياد لريسان بن عَمِيرة - من بني عبد الله بن كلاب -:
وأولُ كأس من طعام تذوقه ذُرَى قُضُبٍ تجلو نقيًّا مُفلّجا
فجعل سواكها كأسًا، وجعل الكأس من الطعام وبعّضَ من تبعيضًا، يدل على صحة ماقلنا.
وقال الآخر:
مَنْ لم يمتْ عَبْطةً يمتْ هَرَمًا الموتُ كأسٌ والمرءُ ذائقها
وقال الكراع، الكأس: الزجاجة، والكأس أيضًا: الخمر. فبدأ بقولنا.
ثم قال أبو حنيفة: وكل ما شرب به الشراب - أعني الخمر - فهو مع ما فيه من الخمر كأس، ولا يقال له وحده كأس.
وقد بيّنا فساد قوله فيما مضى.
ثم قال: ولا يقال للاناء وحده كأس إلا بما فيه كما لا يقال للدلو: سَجْل إلاّ بما فيها من الماء وقد بينا فساد هذا القول ومضى.
٥١ - وأنشد أبو حنيفة:
مُفدّمةً قزًّا كأنَّ رؤوسها رؤوسُ بنات الماء أفزعها الرَّعدُ
وقال: شبه أعناق الطير إذا نصبتها بأعناق الأباريق فلذلك قال: أفزعها الرَّعد.
وقد غلط في الرواية والتفسير، وهذا الشعر للأقيشر الأسدي، مجرور، والرواية:
سيُغني أبا الهنديّ عن وطبِ سالمٍ أباريقُ لم يَعْلقْ بها وَضَرُ الزُّبْدِ
مُفدّمةً فَزًّا كأنَّ رقابَها رقابُ بنات الماء تفزع للرَّعدِ
فهذا غلطه في الرواية.
وأما غلطه في التفسير فقوله: شبّه أعناق الطير إذا نَصَبتها بأعناق الأباريق فلذلك قال: أفزعها الرَّعد.
وهذا غلط لأن الطائر إذا سمع صوت الرعد لم ينصب عنقه له، ولكن يلويه، وكذلك أيضًا الأباريق عُوج، ولذلك شتهت بأعناق الطير العرج، وقد أوضح ما قلناه شُبْرمة بن الطفيل الضّي بقوله:
كأنَّ أباريقَ الشَّمول عشيّةً إوَزٌّ بأعلى الطَّف عُوجُ الحناجر
ألا تراه كيف اختار إوزَّ كسكر - وهي أعلى الطف - لأنها تُعوِّج رقابها شديدًا.
٥٢ - وقال أبو حنيفة - في باب النَّخل وقد ذكر أسماء الفسيل - وأنشد الثقة فى الهِراء:
أبَعد عطيّتي ألفًا جميعًا من المرجُوِّ ثاقبةَ الهِراءِ
[ ٣٠ ]
وقال: يعني ما ثقب من الفسيل في أصوله، وانما تُثَقَّب إذا قويت جدًا فخيف عليها أن تستفحل، فيثقب أصلها ثقبًا نافذًا لئلا يغلو في القوة، ويثقب بالعَتَل. وقوله: ثاقبة يريد ذات ثقب كما قال الآخر:
جوف اليراع الثَّواقبِ
أي ذوات الثَّقب، قال: ومثله شجر ثامر أي: ذو ثَمَر.
هذا كلام أبي حنيفة وروايته وتفسيره. وما أحسبه لو كان أصاب في الرواية، ولكنه قد غلط فيها والشعر مرفوع والرواية:
أبعد عطيّتي ألفًا جميعًا من المرجوّ ثاتبهُ الهِراءُ
أذمُّك ما تَرترق ماءُ عيني عليَّ إذن من الله العفاءُ
وقال أبو حاتم في قوله: ثاقبه الهراء يعني: قد طلع فسيله.
٥٣ - وروى أبو حنيفة عن أبي عمرو: وهي بلغة أهل المدينة الرّقلة، وهي الرِّقال، والسَّحوق، والباسقة: تلعة.
وقد أساء في هذا القول، وأساء من حكاه عنه ولم ينكره، والله ﵎ يقول: (والنَّخلَ باسِقاتٍ لها طَلْعٌ نَضِيدٌ) .
٥٤ - وقال أبو حنيفة: وأفضل الغراسة ما بُوعد بينه حتى لا تمسّ جريدة نخل جريدة نخلة أخرى، وشرُّه ما قورب بينه.
وقد غلط في بعض هذا القول، وأصاب في بعض، وسيأتي الشرح على ذلك، عند انقضاء كلامه وما أورد.
وقال: قال الأصمعي، يقول أهل الحجاز المُحِقُّ: الخفيُّ النخل المقارب بينه، قال: ومما كانت العرب تتكلم به على ألسن الأشياء أن نخلة قالت لأخرى: " أبعدي ظلي من ظِلك، أحمل حملي وحملك ".
وقال الأصمعي: أخطأ المرّار في قوله في وصف النخل:
كأنَّ فروعها في كلِّ ريحٍ جَوارٍ بالذوائب يَنْتصينا
ثم فسر أبو حنبفة هذا البيت فقال: وهذا من التقارب حتى ينال بعضه بعضًا، وذلك يقال له الحَصَر، وهو التضايق. وقال لبيد في نعت نخل بخلاف وصف المرّار:
بين الصفا وخليج العين ساكنةٌ غُلبٌ سواجدُ لم يدخل بها الحَصَر
ثم فسرهذا البيت.
وقد غلط في تصويبه الأصمعي، والاستشهاد له لأن الأصمعي غلط في بعض ما حكاه أيضًا، وأصاب في بعض، وسيأتي التنبيه على ذلك.
وقد أنبأتك فيما تقدم من كتابنا بعيب أبي عمرو لهذا البيت وضمنت لك إيضاح معنى شاعره، وفساد قول عائبه، وهذا موضع الوفاء بضماني، وستراه فتعلم أني وفيتُ إن شاء الله.
والغلط من غير الأصمعي في أمر النخل قبيح، وهو منه أقبح لأنه بصري، ومُتّبع الغالط غالط، والمستشهد بالغلط أقل عذرًا من المرسل.
أما ما حكاه عن أهل الحجاز فصحيح، وأما الذي، حكاه العرب وتكلمها به على ألسن الأشياء، فقد خالفت رواية أبي حاتم عنه الرواية التي ساقها أبو حنيفة لأن أبا حاتم قال في كتاب النخلة، قال الأصمعي في مَثل للفُرس والنَّبَط: تقول النخلة لأختها: " تباعدي عني وأنا أحمل حِملك وحملي ".
وقد روى ابن قتيبة عن الأصمعي مثل رواية أبي حنيفة وعنه أبو حنيفة لا محالة، والقول قول أبي حاتم.
وأما قوله: أخطأ المرّار في قوله: جوار بالذوائب ينتصينا. فالخطأ منه، ولا شيء أحسن من هذا الوصف للنخل، ولا أحد أجهل ممن خطّأ قائله، وأهل البصر بالنخل من أهل الحجاز وأهل البصرة مجمعون على أن النخل سبيله أن يباعد بين غرسه، وأن من جيّد نعته أن يمتدّ جريدُه؛ ويكثر خوصه؛ ويكثف ويتّصل بعضه ببعض، ويُواصيه حتى يمنع الطير من أن تطيرمن تحته وأعلاه، وهذا أشدّ اشتباكًا من المُناصاة لأن المناصاة أن يأخذ الاثنان؛ كل واحد منهما بناصية صاحبه، ومن وصفهم لنخلهم أن يقولوا: " لا تقدر الطيرعلى أن تَشُقَّهُ، ولا ترى منه الشمس " وسيأتيك هذا منظومًا لفصحاء العرب.
وقول أبي حنيفة: ان النخل إنما يتناصى من الحصَر غلط وإنما الحصر: تقارب ما بين الأصول، والاختيار تباعدها، حدثني أبو روق الهزاني، قال: حدثنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني، قال حدثنا الأصمعي قال: قال ابن بكرة: من أراد النخل والشجر والأرض فليغرس على عشرين ذراعًا، ومن أراد النخل والشجر ولم يرد الأرض فعلى خمس عشرة ذراعًا، ومن غرس على أقل من ذلك، فليس يريد نخلًا، ولا أرضًا، ولا شجرًا.
فهذا حد تباعد ما بين الاصول، واذا ذهب من اثنتي عشرة ذراعًا بدن النخلة ثم انقسم الباقي بين جريدها وجريد التي تليها فالذي لكل جريدة خمسة أذرع وشعير، ولا خير في الجريدة إذا لم تزد على هذا الذَّرع، فكيف إن نقصت منه.
[ ٣١ ]
ومن جيد النعت قول ذكوان العجلي:
نواضرَ غُلْبًا قد تدانت رؤوسها من النبت حتى ما يطير غرابُها
ترى الباسقاتِ العُمَّ منها كأنها ظعائنُ مضروبٌ عليها قبابُها
بعيدة بين الذرع لا ذات حشوة قصار ولا صعل سريع ذَهابها
ألا تراه كيف أتى بما شرطناه من تباعد الاصول، ونواصي الفروع. وهذا مثل قول المرّار الذي أحسن فيه فعابه الأصمعي.
وأشدُّ من وصفيهما تقارب فروع، قول عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
دُهم الخوافي منطقات خُرسُ تَحارُ في أطلالهنّ الشمسُ
كأنهنَّ الفتيات اللعسُ
وما تحار الشمس فيها، وتمنع الناظر اليها، إلاّ من تكاثف الجريد واتصاله وأطراف خوصه. ومثله قول المخيِّس بن أرطأة الأعرجي:
غُلْب الرِّقاب تدحّى في مباركها كومًا بها درّ ملتفًا أعاليها
فجعلها مُلتفّة، ومانعة شعاع الشمس، وهو يدخل من خرت الإبرة فضلًا عما سواه.
وأشدُّ من هذا كثافة وتدانيًا قول أبى سليمان المحرزي:
بجانبيها منزلا مخرف ذُراهما مُعتصمُ الطائرِ
يذكرني بردهما فائظًا من برد ظل الصخرة الوافرِ
ولاظل كظل صخرة! وقال أيضًا:
وظلّها داجٍ ولا منظرٌ أحسنُ منها بعدُ للناظرِ
والدّاجي: الأسود، ومنه: دجا الليل، وقال الله ﷿: (وجَنَّاتٍ ألْفافًا)، وقال غيره: الألفاف جمع لفَف من قولهم: لفَّ الشجر يُلَفُّ لفًّا ولفَفًَا ثم سمّوا بالمصدر، وهو مثل التفّ التفافًا، قال الشاعر:
ولقد غذتني منك جدوى أنبتت حَصَرًا إلى لففٍ من الأشجارِ
ويقولون: جنّة لفّاء، وشجر ألفّ، إذا التفَّ بعضه ببعض. ومن وصف أهل البصرة لنخلهم: هذا نخل كالليل المُدْلهم، ومن وصف أهل المدينة: نخل كالحَرّة سوداء، قال المحرزي:
كجانب الحَرّة مسودّة تملأ عين اللامح الحازرِ
وقال غالب بن الجز الطاثي يصف نخلًا:
كأنَّهاحين أنى شبابُها وأدركتْ برد الثرى أسبابُها
حرّة ليلى متدانٍ لابُها
وقال ابن الأعرابي: يحمد من النخل التفاف جريده مع تباعد أصوله، وأن يسودّ منظره لشدّة خضرة سعفه وزيّه، وأن تسودّ أيضًا جذوعه.
وأنشد الأصمعي لسُويد بن الصامت:
على كل خوّار كأنَّ جذوعها طُلين بزفتٍ أو بحمأة ماتحِ
وأنشد الهِزّاني عن السجستاني لابن أرطأة الأعرجي يصف نخلًا:
كأنَّ سدّ الليل في نهارها من أي قطرجئت من أقطارها
كثيرة الخير على خطّارها
وقال أبو الغُصن العَنبري:
خطيرةٌ بين بُراقٍ وقننْ مثل العذارى زيَّنَتْهُنَّ اللّوَنْ
كأنّها الليل إذا الليل سكنْ
فانظر الى هذه الأوصاف بنظر غير كليل، تجدهم وصفوا حتى يعود ما تحتها نهارًا كظلمة الليل.
وقد أنشد أبو حنيفة لقُدامة بن غالب الحمّاني:
دُهمًا كأنَّ الليل في زُهائها
وكان يلزم أبا حنيفة أن لا يورد قول الأصمعي في تغليط الشاعر المستحق للحمد المستوجب لاسم التجويد، فلما وهم في ايراده أن لا يورد شاهدًا له ليس بصحيح فلما أن فعل ذلك قرنَّاه به ونبهنا على غلطيهما، والله نسأل العصمة بمنِّه وفضله.
٥٥ - وقد وهم أيضًا أبو حنيفة في رواية بيت لبيد وفي تفسيره، فمما وهم فيه من التفسير ما أنباتك به من أنه جعل الحَصَر تقارب الرؤوس، وإنما هو تقارب الأصول، ووهم أيضًا وخلط في السَّواجد وزعم أفها المَوائل وزعم أنها الثوابت، واستشهد لهذا القول، بقول الراجز:
لولا الزّمام اقتحم الأجاردا بالغَرْب أو دقَّ النعامَ السَّاجدا
أنشده ابن الأعرابي وقال: قول ابن الأعرابي هذا حسن، وقد يجوز أن يكون الساجد: المائل، على أن المُرَجّبات من النخل كلها موائِل، ولا يُرَجّب إلا كريم النخل.
٥٦ - ثم قال: وصَعْل النخل كلها عوج، وأنشد:
لا ترجونَّ بذي الآطام حاملةً ما لم تكن صَعْلةً صعبًا مراقيها
ثم مال إلى أنها الموائل واختار هذا القول.
وقد أساء من جهتين: إحداهما تغيير الرواية، إنما روى العلماء بيت لبيد:
[ ٣٢ ]
غُلْب شوامذُ لا يزري بها الحَصَرُ
فجعلها سواجد ثم اختار شر وجهي سواجد، ولو كان قاله، وإنما الساجد في لغة طيئ المنتصب، وفي لغة سائر العرب المنحنى وهَبْه رُوي له هكذا لا خير في النخل إذا مال، وما رواه في كتابه في الترجيب وأتمه لا يرجّب إلاّ الكريم من النخل إنما تُرجّب الكريمة في الفِرط، فأما أن يختار شاعر أن يجعل نخله كلها موائل فهذا نهاية الجهل ألا ترى الشاعر كيف وصف نخلة فقال:
ليست بسنهاءٍ ولا رُجَبيَّة ولكن عرايا في السِّنينَ الجوائحِ
وكذلك الصَّعْل أيضًا غير مختار، وما أنشده في الصَّعْلة فهو ذم لنخل ذي الآطام لامدح له.
ويلي ما أنشده:
جرداءُ مِعطاءُ لا ليفٌ ولاكربٌ ولا ينال بغير الكرّ ما فيها
يقول خارفها والريح تنفضه لا بارك الله فيما في خوافيها
وهربه من تخفيف همزه أخرى، ولو تبع الرواية كان أسلم له.
٥٧ - وقال: قال أبو عمرو الشيباني، الصَّوادي: النخل الذى قد بلغ عروقه الماء فجزأ عن الماء فلا يُسقى، قال ذو الرُّمة:
لقد سُمِّيت باسم امرئ القيس قَريةٌ كِرامٌ صَواديها لِئامٌ رجالُها
قال: والقرية اسمها مرأة، قال: والصَّوادي أيضًا: الطِّوال من النخل، والواحدة: صادية، والصَّوادى أيضًا: العِطاش.
وقال أبو زياد - وقد ذكر عارض اليمامة، -: ولهم مرأة، وهي لبني امرئ القيس، وهي التي يقول فيها ذو الرمة وذكر البيت، قال: الصّوادى نخلها الواحدة صادية، وما سمعت أحدًا يسمّيها الصّوادى إلاّ ذا الرّمة في شعر، ذلك أن نخلها جوازيّ كلّها، والواحدة: جازية، وهذه القرية يقال لها: مرأة، قال ذو الرمة:
ألا لَعَنَ الإلهُ بذات غِسْلٍ ومَرْأةَ ما حَدا الليل النَّهارا
نساءَ بني امرئ القيسِ اللواتي كَسَونَ وجوههم حُمَمًا وقارا
٥٨ - وخلط أبو حنيفة في ذكر اللِّينة والألوان وذلك لتخليط الرواة قبله فيه، ولم يُجد تحصيله فقال في موضع هذا الباب: فإن لم يكن الفحل بالعتيق قيل: هذا فحل اللون والألوان وقال رواه عن الأصمعي.
وهذا قول صحيح.
ثم قال في موضع آخر: قال الأصمعي، الدَّقَل: وهو أحسن التمر، وهو كل ما لا يعرف اسمه، وهو الألوان والنخلة منه اللِّينة، وهي الرِّعال وكان يقال فيما مضى بالمدينة: " لا تنتفخ المرابد حتى يجدّ الألوان ".
وبعض القول صحيح وبعضه فاسد وسننبه عليه إن شاء الله. ثم قال في موضع آخر، واللّينة: النخلة من الألوان، وهذه الياء في لينة، وانقلبت ياءً للكسرة كما انقلبت في عيد وقيد. وقال أبو عبيدة: اللِّينة من النخلة ما لم تكن عَجْوة ولا بَرْنيّة.
ثم قال في موضع آخر: قد بينا ما قيل في الألوان أنها بالحجاز ما كان سوى البرنيّ والعجوة، وأن الدَّقَل ما لم يكن مسمى معروفًا وأنه يقال له: الجمع إذا صُرم وخُلِط.
وجميع هذه الأقوال فاسدة مُخلّطة، والوجه أن الألوان جمع لون كما حكى، ويقال لكل نوع من النخل ليس بذي اسم معروف لوْن والجمع الألوان، وهو المعروف بالدَّقَل وبالجمع كما قال.
وقال الكراع ويقال للدَّقل من النخل: الألوان واحدها لون، فأما اللِّينة فاسم للنخلة عَلَم، يقال: هذه نخلة، وهذه لينة بَرْنيّةٌ كانت أو عجوة، أو من الدَّقَل، وجمعها لين وليان، قال الله ﷿: (ما قَطَعْتُم مِن لِينةٍ) أي ما قطعتم من نخلة، وقال ذو الرمة:
كأنَّ قَتودي فوقها عُشّ طائرٍ على لينةٍ سوقاءَ تهفو جَنوبُها
أي على نخلة، وقال امرؤ القيس:
وسالفةٍ كسَحوق اللَّيا نِ أضرم فيها الغوي السُّعُرْ
أي كسحوق النخل.
وقال ابن دريد: أهل المدينة يسمون النخل الذي تسمّيه أهل البصرة: الدَّقَل اللين واللون واحدتها: لِينة ولُونة، ومنه قوله جل وعزّ: (ما قَطَعْتُم من لِينةٍ) .
وهذا الذي أراده أبو حنيفة أعني لُونة ولِينة فعدل الى الألوان فغلط. وقد تبعه أبو حاتم فقال في كتاب النخلة: ويقال للنخلة اللّينة، واشتقاقها من اللِّون، وتصغيرها لُوينة.
[ ٣٣ ]
وهذا كلام صحيح، ثم قال: وقال بعض أهل العلم اللِّينة عند أهل المدينة ألوان الدَّقَل. والدليل على أن اللِّينة جماعة نخل قوله ﷿ (ما قَطَعْتُم مِن لِينةٍ أو تَرَكْتُموها قائِمةً على أُصولها) والأصول جمع.
وهذا الذي قاله فاسد، والشاهد على فساده قوله أولًا: ويقال للنخلة اللِّينة، وما أوردناه من بيت ذي الرمة ولا شاهد له في قول الله ﷿ لأن النخلة الواحدة لها أصول، ولا يجوز في قول ذي الرمة إلاّ التوحيد لأنه قال: على لينة سوقاء تهفو جنوبها، وقال آخر في جمع لينة على لين:
والطين لا يصلح إلاّ في اللِّينْ واللِّين لا يصلح إلاّ في الطينْ
٥٩ - وقال أبو حنيفة: وأنشد الأصمعي في وصف امرأة حدلاء:
حدلاء كالوطب نحاه الماخِضُ
وهذا غلط، إنما هذا صفة شِقشِقة فحل من الإبل، وصاحبه أبو محمد الفقعسي فيما روى أبو عمرو وغيره، وقبل هذا البيت:
له زِجاج ولهاةٌ فارضُ
٦٠ - وقال أبو حنيفة: إذا لم يشّ توتير القوس قيل: رَتاها يرتوها رتوًا، وكل تقصيرمن شيء رَتْو، ويقال: ارتَ من قوسك أي: أرخ من حزقها.
وهذا - وإن كان صحيحًا - فإن الرّتو من الأضداد، ولم يصب في أن قال: وكل تقصير من شيء رتوٌ مرسلًا، والرَّتو أيضًا: الشدّ، ومنه قول لبيد:
فخمةً ذفراء تُرتى بالعُرى قرْدُمانيًا وتركًا كالبصل
ومن ذلك قولهم: " إن الحريرة لترتو فؤاد المريض " أي تشدّه.
٦١ - وقال أبو حنيفة - في ذكر الأراكة - قال أبو زياد: منه تُتّخذ هذه المساويك من الفروع والعروق، وأجوده عند الناس العروق.
وقد أتى من ذلك الفرزدق حيث يقول:
إذا استيقظت حدراء من نومةٍ ضحى دعت وهي في بُرد رقيق ومُطرفِ
بأخضرَ في نعمانَ ثم جلت به عذابَ الثنايا طيّبَ المُترشفِ
وهذان البيتان من:
عزفت بأعشاشٍ وما كدتَ تعزفُ
وهما أشهر من أن لا تعرف، والرواية:
دعتْ وعليها درع خزّ ومِطرفُ
عذاب الثنايا طيّبًا حين ترشفُ
وهكذا رواهما أبو زياد، وإنما التغيير من قبل أبي حنيفة.
٦٢ - وقال أبو حنيفة: أخبرني بعض بني أسد قال: الثَّغام أرقُّ من الحَليّ، وأدقُّ، وأضعف، وهو يشبهه.
وقال غيره: الثغام حلي الجبل، قال الراجز:
لما رأت صاحبتي عَيْنيّهْ ولِمّتي كأنّها حَلِيّهْ
وكلا القولين غلط، لأن الثغام غير الحليّ ومع هذا فهو أغلظ من الحليّ وأجل عودًا، قال أبو يوسف: يقول الرجل للرجل - وهو يرعى غنمه في الجبل الثغام - والله ما بقيت في هذا الجبل إلاّ بقايا من أثغِماء في شعابه، كأنها آذان الذئاب، قال: ورأيت بقايا من ثغائم كأنها تقواتٌ وُقوع، ولا ينبت الثَّغام إلاّ في قُنّةٍ سوداء ونبتته على نبتة الحليّ وهو أغلظ منه، وأجلّ عودًا وهو ينبت أخضر، ثم يبيضُّ إذا يبس يُشَبّه به الشَّيبُ.
وهذا وصف الثغام لا ما قال أبو حنيفة! ٦٣ - وقال أبو حنيفة: وعن الأعراب القدم: الحُلّب يَسْلَنْطح على الأرض له ورق صغار مرّ. ثم وصفه.
وقد غلط في هذا القول، لأن أبا يوسف قال - وقد وصف الحُلّبة -: ولها ورق صغار كأنّه ورق الحندقوق إلاّ أنه أكثف، وهي حامضة وليست بعشبة ولا بقلة.
والقول قول أبي يوسف هكذا: الحُلَّبة حامضة.
٦٤ - وقال أبو حنيفة: زعم بعض الرواة أن الخِضلاف: شجر المُقل وهو الدّوم.
وقوله: زعم تضعيف لحقيقته وشكٌ فيه، وتشكيك لمن سمعه والخضلاف أشهر من ذلك.
قال أبو عمرو: الخِضلاف شجر المُقل، وكذلك قال الأصمعي وغيره، وقال ثعلب في تفسير قول أسامة بن الحارث الهذلي:
تُتِرُّ برجليها المُدرُّ كأنّ بمشرفةِ الخضلافِ بادٍ وقولها
الخضلاف: شجر المقل، والوقول: نوى المقل الواحدة وَقْلة. قال: والمقل أيضا يقال له: الأوقال.
وحكى أبو عمرو في نوادره: النخل المخَضْلف القليل الحمل، وأنشد لابن مقبل:
إذا زُجِرتْ ألوت بضافٍ سبيبه أثيثٍ كقنوان النخيل المُخَضْلفِ
وقال أبو عبيدة في تفسير هذا البيت، المُخضلف: المشبّه بالخِضلاف، وهو شجر المُقل.
[ ٣٤ ]
٦٥ - وقال أبو حنيفة: - وذكر الزعفران -: ومن أسمائه الكُرْكم، وهو فارسيّ، وقد جرى في كلامهم، قال البَعيث في صفة قطاة:
سماويّةٌ كَدْرٌ كأنَّ عيونها يُداف بها وَرْسٌ حديث وكرْكمُ
والكركم غير الزَّعفران: الزعفران شَعَر معروف، والكركم: عيدان معروفة يُستغنى بشهرتها عن الشاهد عليها، ولونها كلون الوَرْس سواء وهما مُباينان للون الزعفران، وهما: أصفران، وصبيغاهما أصفران فاقعان، وكلّما زيدَ في صِبْغهما نَصَعا، وصَبيبُ الزعفران أيضًا أصفر، فإن زيد في صبغه رهقته كدْرة، فإن أُفرط فيه شاكل السَّواد. ولون الزعفران أحمر، ولذلك قالت العرب: الأحمران - يعني الزعفران والذهب، وقالوا: الزعفران والخمر، وقالوا: الزعفران واللحم، قال الشاعر:
إنَّ الأحامر الثلاثة أذهبتْ مالي وكنتُ بها قديمًا مُولعا
الخمر واللحم الغريض وأطَّلي بالزَّعفران فما أزال مروّعا
٦٦ - وقال أبو حنيفة - وقد ذكر السِّحاء - أخبرني بعض أعراب السراة - وهي معدن السِّحاء - قال: السِّحاء شوك قصار لازم للأرض لا يسمو يكثر في منابته ولا ورق له، ولكن أقماع كبيرة في أضعاف الشوك ثم ذكر كلامًا، وقال: وعن الأعراب: السحاء شجيرة مُغبرة مثل الكف لها شوك، وزهرة بيضاء مُشربة تسمى البَهْرمة.
قال أبو القاسم: وقال أبو يوسف: ويقال رأيت سِحاء كأنه أذناب الحَسَلة، والسِّحاء: نبت يتمطّط إذا مُضغ كأنه الخِطميّ، وهو ينبت على هيئة أذناب الضَّباب.
وهذه الصفة مخالفة لصفة أبي حنيفة لأنه قال: مثل الكفّ، والقول قول يعقوب.
وقال أبو يوسف: وله براعيم ولا يكون في تلك البراعيم ورق، ولكن الورق في أصوله كأنه ورق الهندباء، إلاّ أنه قصار على قدر أنملة وأنملتين ينبت في الجبل والبلد الغليظ الذي يشبه الجبل ولا يفنيه المال في منابته أبدًا.
وهذا القول أيضًا لما رواه أبو حنيفة لأنه قال: ولا ورق له. وقال أبو يوسف: ولكن الورق في أصوله. والقول قول أبي يوسف.
٦٧ - وقال أبو حنيفة، العَنْقر: المرَزَجوش، ذكر ذلك أبو نصر، وقال: هو أيضًا السَّمسق، وقال غيره من الرواة يقال لها: العِتر. ولم أجد ذلك معروفًا - وقد وصفنا العتر - ولا يكون العَنْقر بأرض العرب بريًا وقد يكون بغيرها، ومنه يكون هناك الّلادن.
وهذا غلط لأنَّ اللاذن شيء يقع من السماء بجزائر بحر الروم من قبرس وغيرها من بلاد أرمينية سقط على ضروب من النبات فترعى ذلك النبات الغنم فيتلزق اللاذن فيها فيُنتزع من أصوافها وشعورها، وهو شيء كالمن إلاّ أنه أسود. وحكى هذا حذّاق الفلاسفة المتقدمين جالينوس وغيره.
تم الردّ على أبي حنيفة بحمد الله وعونه