أبي عمرو الشيباني - ﵀ - واسمه: إسحق بن مرار بن زرارة قال أبو عمرو: ويقال للبُسر أيضًا الجدال، وأنشد:
يَخِرُّ على أيدي السُّقاة جَدالها
وإنما الجدال: البَلَحُ بإجماع، وقد أتى أبو عمرو بأسماء البلح في نوادره على الاستقصاء؛ ولم يأت بالجدال فيها.
٢ - وقال: المُصاداة المنع بين الشدة والإرخاء، وهو من المُداراة، قال: وهي المُفاناة والمُساناة والمُدالاة والمُداجاة، قال رجل من غَطَفان:
كلٌّ يُداجي على البَغْضاء صاحبَهُ ولن أُعالنهم إلاّ كما عَلَنوا
هذا الرجل الغطفاني - هو قَعْنَب بن أمِّ صاحب، والمداجاة: التغطية والمساترة وليست من المداراة، والأصل فيها: التستر بالدُّجْية - وهي قترة الصائد - وجمعها الدجى، وهي مأخوذة من دُجى الليل، ودجى الليل: ما ستر الأشياء بظلمته فغطى عليها. وفي دجية الصائد يقول الطِّرماح:
مُنطوٍ في مُستوى دُجْية كانطواء الحُرِّ بين السِّلامْ
والحر: الأبيض من الحَيّات، والسِّلام: الحِجارة، وفي جمع دُجية دُجىً، يقول أميه بن أبي عائذ الهذلي:
فأسلكها مَرْصدًا حافظًا به ابنُ الدُّجى لاطئًا كالطِّحال
جعله لكمونه في دُجيته واستتاره ابنًا للدُّجى أي القُتر، وقد قال هو في كتاب الجيم: الدُّجية قُترة الرامي، قال كعب:
وهم بوِرْدٍ بالرُّسَيس فصدَّ رجال قُعودٌ في الدُّجى بالمعاول
وقول أبي عمرو: هي المُفاناة والمُساناة: يعني المداراة.
وإنما المساناة: المُساهلة، ومنه قول الشاعر:
إذا الله سَنَّى عَقْد شيءٍ تيسّرا
وجمعه بين المساناة والمداراة أقرب من جمعه بينها وبين المُداجاة.
[ ٧ ]
٣ - وقال أبو عمرو: كان مدركة وطابخة أخوين طلبا إبلهما فصادا أرنبا، فقال مُدركة لطابخة: اطبخ لنا هذا إلى أن أثني عليك الإبل، فطبخها طابخة، وثني عليه مدركة الابل، فلما أتيا أمهما، قالا: فعلنا وفعلنا، قالت: " فأنت طابخة وهذا مُدركة ". فذهب طابخة ومدركة باسميهما وأمهما خِندف.
وإنما أبوهما الذي قال لهما هذا، وهو الذي قال لأمهما يومئذ - واسمها ليلى -، وكانت خرجت مسرعة لما أتاها الخبر: " علام تُخندِفين وقد أدركت الإبل " فذهب خندف باسمها وهي: ليلى بنت عمران بن إلحاف بن قُضاعة.
٤ - وقال أبو عمرو: التَّماتين في المظلة: التَّضريب في البيت ليستقيم بها البيت، وهو أن يضرب بالخيوط كما يضرب في الفسطاط والشاذكونة، يقال: مَتّنْ بيتك، وواحد التماتين: تمتين.
وهذا الذي قاله غلط، إنما التماتين: الخيوط وواحدها تَمْتان، بإجماع أهل اللغة، فأما التَّمتين فالفعل - وهو التضريب - يقال: متن فُسطاطه وثوبه يُمَتّنه تمتينًا فجعل الفعل اسمًا واحدًا ووحّد الجمع فغيّر واحده.
٥ - قال أبو عمرو: واللِّص يقال له خارب، وأنشد:
ولا خاربٌ إنْ فاته زادُ صاحبٍ يَعَضُّ على إبهامه، يَتَفكّنُ
أي يتندّم.
وهذا غلط، الخارب: الذي يسرق الإبل خاصة لم. قال أبو زياد: الخارب: الذي يسرق الإبل ولا نسميه لصًا، هو عندنا أجلُّ من اللص.
وقال ثعلب في قول العجّاج:
أنت وهبت هجمةً جُرجورا أُدْمًا وعِيسًا مَعَصًا صبورا
لم تعط في عطائها تكديرا خِرابةً ولم تكن مهورا
الخرابة: سرقة الابل خاصة، وكذلك قال أبو نصر في قول ذي الرمة:
فجاء كذَوْد الخاربين يسلُّها مِصَكّ تهاداهُ صحارٍ صرادحُ
وقال أبو زياد أيضا: " والخارب الذي يأخذ النَعَم من الشام فيستاقها، ثم يبيعها باليمن، ويأخذها من اليمن، فيبيعها بالشام، وهو الطَّراد ولا ندعوه لصًا، هو أرفع عندنا من اللصّ، واللِّص: عندنا الذي يسرق من البيت؛ والطريق؛ ومتاع الناس ".
وهذا الذي فاله أبو زياد غير صحيح، لأن أبا رياش قال: الخارب الذي يسرق الإبل - وقد يقال له اللص - واللص لا يقال له: خارب، وهذا هو القول الصحيح لا قول أبي عمرو وأبي زياد، لأن الراجز يقول:
والخاربُ اللِّصُّ يُحبُّ الخاربا وتلك قُربى مثلَ أن تُناسبا
أنْ تُشبه الضَّرائب الضَّرائبا
فأما فول الآخر:
إئتِ الطريقَ واجتنبْ أرماما إنَّ بها أكتلَ أو رزاما
خُويربينِ ينفقانِ الهاما لم يتركا لمُسلمٍ طَعاما
وإنما وصفهما مع سرقتهما الإبل بالنَّهم، لا بأنهما يسرقان طعام الناس، والعرب تعدُّ آكل مُخّ الرأس نهمًا، ولذلك يقول شاعرهم:
ولا يسرقُ الكلبُ السَّروقُ نِعالنا ولا ينتقي المُخَّ الذي في الجماجمِ
ومما يدلّك على صحة قول شيخنا أبي رياش، وفساد قول الشيخين - ﵏ - قول قّسَّام بن رواحة السِّنْبسي:
لبئسَ نصيبُ القوم من أخويهم طِرادُ الحواشي واستراقُ النواضحِ
وقول أبي محمد الحذلمي:
يمنعها من شرِّ خرَّابٍ وسَلْ وطائفِ الحُواضِّ أو من مُهتبلْ
مخافة البيضِ وأطراف الأسَلْ
وقال ابن الأعرابي: السَّلُّ: السرقة، يقال: في فلان سلَّة أي سرقة. ومن أمثالهم: " الخلّة تورث السَّلّة " قال: والخُرّاب: الذين يسرقون الإبل خاصة.
٦ - وأنشد أبو عمرو لمالك العليمي:
انجُ نجاءً من غريمٍ مكبولْ يُلقي عليه النّأدلان والغولْ
واتّق أجنادًا بفرعٍ مجهولْ
وفسره فقال: النأدلان أمران جسيمان واحدهما: النأدل، والغول: أمرٌ دَهيٌّ، والفَرع: الأرض المجدبة.
وأكثر الرواة على أن النَّيدلان - بفتح النون وحذف الهمزة - وأنه الذي تسميه العامة: الكابوس. وينشدون هذا البيت:
يُلقى عليه النَّيدلان بالليل
والوجه ما رواه أبو عمرو من الغول، والوجه في، تفسيره ما عليه الرواة من التوحيد، وأنه الكابوس.
٧ - وقال أبو عمرو: والصُّفاخ: واحدة ولا أعرفها إلاّ واحدة، وهي في شعر الحطيئة، يقال: ناقة صُفَّاح ولا يقال: صُفّاحة.
[ ٨ ]
وقد أساء أبو عمرو في هذا الشرط ووهم، يقال: ناقة صفّاح - كما قال - وصُفّاحة وأنا أذكرها، والشاهد له قول حارثة بن بدر الغداني:
لحيبِ الجَنْب صُفّاح سِنادٍ مُفأَّمةٍ كدسْكرة الموالي
والشاهد عليه أيضا قول الفزاري أنشده ابن الأعرابي وغيره: ١٤ب وصفّاحةٍ مثل الفنيق منحتها عِيالَ ابن حَوْبٍ جنّبته أقاربه والحوب: الجهد. والصُّفاحة: الناقة الشديدة - هاهنا - شبهت بالصخرة لصلابتها وشدتها، والصُّفاحة: الصخرة.
٨ - وقال أبو عمرو: يقال غَوِي الجَدي. إذا عطش من اللبن وأُسيء غذاؤه.
وأهل اللغة على خلاف هذا، الغوي عندهم البَشَم، وبذلك يفسرون قول الشاعر يصف قوسًا:
مُعَطَّفةُ الأثناء ليس فَصيلُها برازئها درًّا ولا مَيّتٍ غَوَى
وقول أبي عمرو أشبه بالبيت، والرواة على ما أنبأتك به.
٩ - وقال أبو عمرو: الصَّيصة: الحُفُّ الصغير تنسج به النساء. وهذا سهو منه - ﵀ - إنما الصيصة: شوكة الحائك الذي يُمرّها على الثوب، وهي قرن، والقرون هي الصياصي، وبذلك سُميت الحصون الصّياصي لأنها تمنع من فيها كما يمنع ذو القرن بقرنه، قال الله ﷿: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب) .
وقال أبو يوسف: ورأيت معزًا مُلسًا كأنها الصياصي، والصياصي ملاقط النساء التي يلقطن بها النسوج، والواحدة: صيصة بمنزلة الحَف فأراد أنها سِمان مُلسٌ تبرق.
فقوله: ملاقط النساء التي يلقطن بها النسوج موافق لقولنا. وهو الصحيح.
وقوله: بمنزلة الحفّ مقارب لقول أبي عمرو وهو غلط - وفيه نقض لما قدم من صحيح قوله. وقال در يد بن الصِّمة يذكر أخاه عبد الله:
فجئتُ إليه والرِّماح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج المُمدَّدِ
وأما قول الراجز، وذكر التمر:
يُنزعُ بالقَرْن وبالصِّيصجِّ
فإنه لما اختلف اللفظ كرر كما قال الآخر:
وألفى قولها كَذِبًا ومَيْنا
كما قال النابغة:
يشفي بريق لِثاتها العَطِشُ الصَّدى
وكما قال الآخر:
وهندٌ أتى س دونها النأيُ والبُعدُ
وقال العجّاج:
عَهدَ بنيٍّ ما عفا وما دَثَرْ
وقال العدواني:
ولا آمن أن تكذبا وأنْ تَلعا
أن تكذبا يقال: يلَع وَلَعًا ووَلْعًا وولعانًا: إذا كذب، ويدلك على أن الصياصي القرون، قول الشاعر:
فأصبحتِ الثيرانُ غرقى وأصبحت نساءُ تميم يلتقطن الصَّياصيا
وإنما يلتقطن القرون لينسجن بها.
وقال بعض الرواة: الصياصي شوك الحاكة الواحدة صيصية، وهي مأخوذة من صيصية الديك، وهي شوكة وإبرة في رجله. وهذا قريب معناه مما قدمنا بل هو مثله، وكل ردّ على أبي عمرو.
١٠ - وقال أبو عمرو في تفسيره قول زياد الملقطي:
يلفُّ منها بالخرانيف الغُزرْ لفًّا بأخلافٍ رخيّات المَصَرْ
حُمْرِ الذُّرى خراخر بلا حَوَرْ
الخرانيف: السمان الغزار الواحد خِرنفٌ، والخراخر: الكرام الواحد خُرخُور. والمَصْر: أن يمتصرها، يحلبها قليلًا قليلًا، وناقة مصور: إذا كان بها لبن قليل. تقول: هذه ناقة مصور، ويمصرها: يحلب منها شيئًا بعد شيء.
ولم يذكر المصر بالتحريك، وإنما فسر المصْر بالإسكان وهذا سهو منه.
وما يخلو الراجز أن يكون أراد النصر، وهو موضع الصّر بالصّرار فعدل أبو عمرو إلى تفسير المصْر فغلط.
وأما أن يكون أراد المصْر فحرّك فقال: المَصَر، وكان يجب على أبي عمرو أن يبين ذلك فإنهم ربما حركوا المسكّن للضرورة. فمن ذلك قول زهير:
كما استغاث بسيءٍ فزُّ غيطلةٍ خاف العيون فلم ينظر به الحَشَكُ
وإنما هو الحَشْك بالإسكان، وهو اجتماع اللبن، ومنه قول رؤبة:
وقاتمِ الأعماق خاوي المخترقْ مُشتَبه الأعلام لمّاع الخَفَقْ
وإنما هو الخَفْق، يقال: خَفَق يخفِق خَفْقًا، ومثله:
وشَفَّها اللوحُ بمأزولٍ ضَيَقْ صوادقَ العَقْبِ مهاذيبَ الوَلَقْ
وقد يحرك الساكن إذا كانت القافية موقوفة، قال الراجز:
عَلّمنا أخوالنا بنو عِجِلْ الشَّغربيَّ واعتقالًا بالرِّجِلْ
وقال آخر:
[ ٩ ]
عجبت والدهر كثيرٌعَجَبه من عَنزيٌ سَبّني لم أضربُهْ
وقال أبو النجم:
فقرِّبنْ هذا وهذا أزحِلُه
وقال أوس:
له صرخةٌ ثم إسكاتةٌ كما طرّقت بنِفاس بِكرْ
وأيًا ما أراد زياد، فقد عدل أبو عمرو عن شرحه.
١١ - وأنشد أبو عمرو:
وأخرجها النِّسناسُ حتى أحَلّها بدار عُقيل، وابنها طاعمٌ جَلْدُ
وقال: النسناس: الجوع.
وإنما القسقاص بقافين، وقال أبو زيد: القسقاص: شدة الجوع والبرد، وأنشد:
أتانا به القَسقاس يُرعش خابطًا ولليل أسجافٌ على البيد تُسْبَلُ
وقال ابن دريد في كتاب الثناثي المكرر في سين وقاف: والقسقاس: شدة الجوع والبرد، وقرب قسقاس: بعيد المطلب مثل حَصْحاص وحذحاذ، وحدحاد وأنشد البيت الذي أنشده أبو زيد.
وما أعلم أن أحدًا من الرواة قال النسناس: الجوع سوى أبي عمرو، والرواة على القسقاس بقافين، وهذا تصحيف منه - ﵀ - ولو بلغ تنبيهنا هذا أبا عبيدة لسُرَّ، وعلم أنا أثأرنا له منه فيما راسله به في الغيل.
١٢ - وأنشد أبو عمرو لطريف بن تميم:
حَوْلي فوارسُ من أُسَيِّدَ شِجْعةٌ وإذا حللت فحولَ بيتي خَضَّمُ
وقال: الشِّجعة: الشجعاء، وهم الشجعان والشجعان، والخضم: العدد الكثير.
هذا غلط فاحش إنما العدد الكثير: الخضم مشبه بالبحر، قال العجاج:
فاتجمج الخِضَمُّ والخِضَمُّ فخَطَموا أمرَهمُ وزَمّوا
فأما خَضّمُ في بيت طريف، فإنما لقب لبني العنبر بن عمرو بن تميم، ويلقبون أيضا الجعْراء. قال أبو عبيدة: خَضَّمُ: لقب بني العنبر، وكذلك ابن الكلبي، وغيره من أهل النسب.
١٣ - وأنشد أبو عمرو للمُثلّم الدَّغشي من طيفي:
كنتُ ابتألتُ على قوم ذوي حَسَبٍ قد كنت أُوليهمُ عُرفًا فخانوني
وقال الابتآل: الاعتماد على العصا، ويقول: ابتألت عليهم في ذلك أي اعتمدت كأنه من الوَأْل، وهو الحِرْز أي صيّرتهم ملجأً لي.
وهذا فاسد. إنما الحرز: الموئل، فأما الوأل فمصدر لقولهم: وأل يئل وألًا إذا لجأ أو تحرز. ومن كلامهم: " لا وألتُ إن وألتَ " أي لا نجوتُ إن نجوتَ.
١٤ - وأنشد أبو عمرو لعطاء الدُّبَيري:
ونازحةِ الجُولين خاشعة الصُّوى قطعتُ بمدشاءِ الذَّراعين ساهمِ
وقال: المدشاء سريعة أوب اليدين.
وإنما المدشاء: القليلة لحم الذراعين، قال أبو زيد: المدش: الضعف في البصر وفي اليدين. وقال ابن دريد: مَدِشت عين الرجل تمدش مدشًا إذا أظلمت من جوع أو حر شمس، والرجل مَدِشٌ، قال: وأحسبه مقلوبا من دَمِش.
وقال الأصمعي: المدْش: الضعف. وهذا كلّه متقارب لأنهما إذا قل لحمهما ضعفتا، ولم يذكر أحد في المدش السرعة.
وقول عطاء في البيت: " ساهم " يدل على التحول والتغير، وذانك لهما مُضعِّفان.
١٥ - وقال: الابل المطاريق التي تسير ولا تأكل وقد أطرقت الإبل؛ والواحدة مُطرقة.
هكذا نقل عنه وهو وهم منه، ومن نقل عنه، وإنما الوجه اطّرّقت بتشديد الطاء، وهي مُطّرقة قال الراجز:
حتى إذا الليل علا الحَيّوتا سارت معًا واطّرقت شتيتا
١٦ - وقال: اللِّماك: الكُحل، وأنشد:
حتى إذا ما مرَّ خِمْسٌ قعْطني وشبّ عينيها لِماك مَعْدِني
هكذا روى عنه: لِماك بالكاف وكسر اللام.
وأكثر الرواة: أبو زياد وغيره، يروون: لَمال بلامين الأولى مفتوحة وهما الأعرف.
١٧ - وقال أبو عمرو: الدَّهْمَجة مشيُ الكبير كأنه في قيد.
والرواة: على أن الدهمجة تقارب خطو مع سرعة، قال الفرزدق:
حمارٌ لهم من بنات الكداد يُدَهمجُ بالوطب والمِزودِ
يبيعون نزوته بالوَصيف وكوميهِ بالناشفي الأمردِ
ولو كانت الدهمجة من مشي الكبير كأنه في قيد لما ساوى هذا الحمار وصيفًا فكيف نزوته. والدهمجة: السرعة لا محالة.
١٨ - وقال أبو عمرو: الثفال الذي يجعل تحت الرحى يقع عليه الدقيق.
وهذا محال إنما يقع عليه الحب لأنه جلد بين الحجرين محيط بالقطب تحت الفأس، ولا دقيق ثمَّ.
١٩ - وقال أبو عمرو: المَسَد من جلود الإبل تُغار، والإغارة: الفتل فتجعل - وهي رطاب - مثل الرِّشاء الغليظ فيبقى دهرًا.
وإنما قال الشيخ هذا لأنه حفظ قول الراجز:
[ ١٠ ]
وَمَسدٍ أُمرَّ من أيانقِ ليس بإنسانٍ ولا حقائقِ
ونسي - ﵀ - قول الراجز:
يا مَسَدَ الخُوصِ تعوّذْ مني إن كنت لَدْنًا ليِّنًا فإني
ما شئتَ من أشمطَ مُقسئنِ
وإنما الأمساد: الحبال الغِلاظ من أي شيء كانت من أبق، أو قطن، أو شعر، أو وبر، أو جلد.
وقال أبو زياد: الأرشية كلها أمساد الواحد مسد، ولعل المسد ما كان من جلود الإبل، ثم قيل لكل رشأ مسد، وأنشد:
وبكرةً ومحورًا صرّارا ومَسَدًا من أبَق مُغارا
قال: والأبق: هُدْب الكتان، وهو عند غيره القِنّب.
وقال أبو خيرة وأصحابه من الأعراب: المسد من جلد أو أبق، والأبَق: القِنّب عام ومن مصاص، وهو نبات كالكولان أو من خلب، والخلب: اللّيف. وقال الفراء: المسد: الحبل من الليف ثم قيل في الحبل من الجلود.
٢٠ - وقال أبو عمرو: ذكر الحارث بن عباد وقصّ خبره، ثم قال: " وكان معهم يوم قِضة ويوم التحالق، فحمل فأخذ عدي بن ربيعة أخا مهلهل ".
فجعل يوم قضة ويوم التحالق يومين وإنما هو يوم واحد، يوم قضة: هو يوم التحالق، وهو يوم الثنية، وهي ثنيّة قِضة.
٢١ - وقال أبو عمرو: الأنبار: أنبار الطعام الواحد منها نِبْر، والأنبار: القردان الصغار الواحد نِبْر، وأنشد:
مدارج الأنبار
وهذا سهو، الأنبار من الطعام واحد، والجمع: الأنابير.
٢٢ - وروى أبو عمرو:
والحَمَضيّات على علاّتها يَبِتن يَنتقلنَ أجهزاتها
وإنما الرواية: يَنْتُقنَ أجهزاتها.
٢٣ - وأنشد أبو عمرو لأبي البقاء العنزي:
أحمَدُ ربًّا وهبَ الجلّوخا من بعد ما شِبتُ وقالوا: شيخا
وسيّر الشيب شَبابًا أشدخا
لم يفسر أشدخًا ولا أعرفه، وأنا أظن أنه يُروى: شدخا بغير ألف، فإن كان كذاك، فالشَّدخ: الحديث السن الرَّخص.
٢٤ - وقال أبو عمرو: الرَّجاجة: النعجة المهزولة، ولا تكون إلآ من الضأن، وأنشد:
أعطى عِقالٌ نعجةً هملاجا رَجاجةً أنَّ له رَجاجا
وقد وهم، قد تكون الرجاجة من الضأن والمعز والإبل والناس، قال أبو عبيدة: الرَّجاج: الضعفاء من الناص والإبل، وأنشد:
قد بكرتْ مَحوةُ بالعجاجِ فدمّرت بقيّة الرَّجاجِ
وأنشد غيره:
فهُمْ رَجَاجٌ وعلى رجاجِ يَهمونَ أفواجًا إلى أفواجِ
والضأن لا يُركب.
٢٥ - وقال أبو عمرو: وحَمّجَ إذا شدّد النظر.
والتحميج: أن يُصغّر الإنسان عينيه ليستثبت.
٢٦ - وقال أبو عمر وتقول: هو على سليقة واحدة أي على طبيعة واحدة، وعلى سُرجوجة واحدة. وأنشد:
فما الشرُّ فاعلم بسُرجوجةٍ وما الخير للمرء إلاّ درّرْ
وما رأينا أحدا قط ولا سمعنا بدرّ عليه الخير، وإنما الرواية:
وما الخير للمَرء إلاّ تِيَرْ
يقال: تارة وتارات وتِيَر، قال العجاج:
ضرب إذا ما مِرجل الموت أفَرْ بالغَلي أحموه وأجْنوه التِّير
الأفر: النزو.
٢٧ - وأنشد أبو عمرو لابن هرمة:
أقدرُ أنقاها وأندؤها
والرواية: تقدر أنقاها بالتاء، وأول البيت:
يمشي طُهاتي إلى كرائمها تقدر أنقاها وتندوها
٢٨ - وقال أبو عمرو الجُبّأ: الناجي من الأمر الذي قد انفلت منه. وأنشد:
وما أنا من ريب المنون بجُبّإ وما أنا من سَيب الإِله بيائسِ
وهذا التفسير منه على التوهم، إنما الجُبّأ: الجبان لا الناجي، وإنما حمله على الأغلب في الظاهر على حقيقته في اللغة.
٢٩ - وقال أبو عمرو: الصُّور: الجماعة من النخل الصِّغار منه الذي لا يطول، وجماعه: الصِّران.
في هذا القول غلطان أحدهما: أن الصُّور الجماعة من النخل الصغار والكبار والطوال والقصار. وقال أبو حاتم: الصور: النخل المُلتف، وأنشد غيره قول الراجز يصف جملًا بطول العنق:
كأنّ جذعًا خارجًا من صَوْرهِ بين مقذّيه إلى سِنّورهِ
والآخر أن: جمع صور أصوار، ونما الصيران جمع صِوار، يقال: صِوار وصُوار، والجمع: صيران وأصورة.
٣٠ - وأنشد أبو عمرو لابن الرقيات:
أعني ابنَ ليلى عبدَ العزيز ببا ب اليونِ تغدو جفانه رُذما
[ ١١ ]
وفي هذه الرواية أيضا غلطان: وإنما الوجه ببابليون، وهو اسم مصر بلغة السودان، وتمسي جفانه لأن المساء وقت الإطعام، ومجيء الأضياف، وقال الرواة في قول الخنساء:
يذكرني طلوعُ الشمس صَخرًا وأذكرهُ لكلِّ مغيبِ شمسِ
أنها تبكيه عند طلوع الشمس للغارة، وعند مغيبها للأضياف. على أن تغدو قد يجوز، وباب اليون لا يجوز.
٣١ - وأنشد أبو عمرو:
ألا بكّر الناعي بخيريْ بني أسَدْ لسعدِ بن مسعودٍ وبالسيد الصَّمدْ
وإنما الرواية: لعمرو بن مسعود.
٣٢ - وقال أبو عمرو في قوله: " لا إسلالَ ولا إغلال ". الإسلال: السَّرَف، والإغلال: الغش، ويقال: " إنّ في بني فلان سِلّة ". أي: سَرَف، والإغلال: كأنه من الغل يعني الغش.
وإنما الإغلال من الغل، وهي الخيانة يقال: غلّ يغُلّ غلًا إذا خان. ومنه قول الله ﷿ (وما كان لنبيٍّ أن يغُلَّ)، والغل: الخيانة، وأنشد أبو حاتم لامرأة في صفة نخلة:
أضلّها أضلّ ربي عمله ثم أتى فاخرها فأكله
ثُمت قالت عرسه: لا ذنب له لو قتل الغل امرأً لقتله
ولا معنى للغُلّ مع السّل، وإنما الإسلال من السِّلة والإِغلال من الغُل.