الكلابي الأعرابي ﵀ وإنما بدأنا بها لشرف قدرها، وسمو ذكرها، ونباهة مصنفها، وهو أبو زياد يزيد بن عبد الله بن الحر بن همام بن دهر بن ربيعة بن عمرو بن نفاثة بن عبد الله بن كلاب بن عامر بن صعصعة.
١ - أنشد أبو زياد:
إني إذا ما القوم كانوا ألوية والتبسَ القوم التباسَ الأروية
وفسر فقال: يقول قد خَفّوا وهُزلوا وجهدوا حق صار أحدهم كأنه أخف من لواء.
والأروية: الحبال واحدها الرِّواء. باقي هذا قول أبي زياد.
وقد غيّر الرواية وأساء في التفسير، وألحق فيه من عنده أخف، واللواء ليس بخفيف، واللواء: علم الجيش، قالت الأخيلية: ومخرّقٍ عنه القميص تخاله وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رُفع اللواءُ رأيته تحت اللواء على الخميسِ زعيما
وإنما رواية الرجز كما أنشدنيه أبو بكر محمد بن الحسين بن يعقوب بن مِقْسم عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيهْ والتبس القومُ التباسَ الأرشيهْ
وشدَّ فوق بعضهم بالأرويهْ هناك أوصيني ولا تُوصي بيه
فهذه الرواية الصحيحة، والأنجية: جمع نجيّ، وهو من قول الله ﷿: (فلما استيأسوا منه خَلصُوا نَجيًَّا) .
وقال أبو رياش:) يقال للاثنين يتناجيان نجي والجمع أنجية، وأنشد:
بتُّ وبات الهمُّ لي نَجيّامُباشِرًا ولم أبتْ قَصيّا مثلَ النجيّ استبرز النجيّا
وأنشد:
إني إذا ما القوم كانوا أنجية
وقال ابن الأعرابي: الأنجية: القوم يتناجون، واحدهم: نجي، وأنشد:
ظلّ وظلّت عُصَبًا نحيّا مثل النجيّ استبرز النجيّا
نحيّا: بعضها مُتنحٍّ عن بعض.
وأخبرني أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الإصبهاني عن أبي اسحق إبراهيم بن السري الزجاج في قوله تعالى: (فلمّا استيأسوا منه خَلَصُوا نجيًّا) . المعنى: خلصوا يتناجون فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم وليس معهم أخوهم، ونجيّ: لفظه لفظ واحد في معنى جميع، ويجوز: قوم نجيّ وقوم نَجْوى وأنجية.
قال الراجز:
إني إذا ما القوم كانوا أنجية واختلف القول اختلاف الأرشية
قال: ومعنى خلصوا: انفردوا وليس معهم أحد.
ورواية ثعلب: واختلف القوم.. وهي أشهر الروايتين. ورواية الزجاج: واختلف القول والمعنى واحد. وما اختلفا في اختلاف الأرشية وهو المعنى الصحيح وهو أشبه من رواية أبي زياد: اختلاف الأروية، بل هو الصحيح.
٢ - وقال أبو زياد وقد أنشد لجميل:
تُماشين ذا الأرطى فلما قطعنه لخَرقٍ أمقِّ الشاطئين بَطينِ
الخرق: والجمع خروق ما استوى من الأرض واتسع، والأمَقّ: البعيد، وقد يقال للرجل والمرأة إذا كان طويلين: أمق ومقاء ولا أعرفه في الدواب، ولم أسمع أحدا يسميه.
فقوله: ولا أعرفه في الدواب، ولم أسمع أحدا يسميه يخيّل إلى سامعه أنه لا يقال. وقد قيل: روى جماعة من الرواة: أن امرأة من العرب سألت فلّ جيش عن أبيها، فقيل لها: ما كان راكبًا؟ فقالت: شقّاء مقّاء طويلة الأنقاء. فقيل لها: نجا أبوك..
وأنشد مؤرّج:
من كل مقّاءٍ وطِرْفٍ هيكلِ
وأخبرني أبو روق الهزاني عن العباس بن الفرج الرِّياشي قال: قال الأصمعي: قيل لضرار بن عمرو ما رأينا بني أبي أضبط لمسافة الإبل من بنيك، فقال: إني كنت أُكره نفسي على كل مقاء مُهرّشة الفخذين. قال الرياشي: أراد قلّة لحمها، والمقاء: الطويلة.
قال الرياشي، ورواه غير الأصمعي: لإكراهي نفسي على المق الطِّوال.
وقد جاء أيضًا في الكلاب. قال العجاج:
آنس سوّاس الكلاب مشقا صقبًا حَنْبطى أو طِوالًا رشْقا
خمسًا ضاريات مُقّا
٣ - وأنشد أبو زياد للأعور بن براء الكلابي:
دعيني ابنة الكعبي والمجد والعلى وراعي صوارًا بالمدينة أحْسَبا
وقال: الأحسب في لونه، والصوار: جمع بقر الوحش، وأنشد:
كأنَّ هِجانها متأبضاتٌ وفي الأقران أصورةُ الرُّعامِ
[ ١ ]
وصوار المسك أيضا، يقال له صوار. هذا قول أبي زياد.
قال أبو القاسم: لو أخر ما قدم وقدم ما أخر لسلم. الصوار في بيت الأعور: هو المسك، ولا يجوز أن يكون من بقر الوحش. وأدلّ دليل على صحة قولنا قوله: بالمدينة: وقوله أيضا: أحسبا، لأن الأحسب كلون المسك وبقر الوحش بيض. والأصورة في البيت الثاني: جمع صوار بقر الوحش وهو القطيع منها، ويقال: صِوار وصُوار بالكسر والضم وكذلك أيضا أصورة المسك، وهي قطع ريحه، ونفحات منه، واحدها صِوار وصُوار.
وقال أبو زياد: وقال جهم بن شبل الكلابي، وهو يُعرّض بخطبة امرأة:
يا سلمَ أسقاك البريقُ الوامضُ هل لك والعائضُ منك عائضُ
في هجمة يُفضل منها القابضُ
وأنشد أبياتًا بعد هذا وفسر فقال: وأراد من قبض منها شيئًا أفضل شيئًا كثيرًا.
وأكثر الرواة على خلاف هذا القول فممن خالفه أبو عمرو الشيباني وأبو زيد الأنصاري، وهما يرويان هذا الرجز لأبي محمد الفقعسي والله أعلم بصحة ذلك.
وأبو عمرو وغيره على أن القابض: السريع، وهو عندهم من القباضة.
وقال أبو يوسف يعقوب بن اسحق السِّكيت يقال: إنه قبيض بيّن القباضة، أي سريع بين السرعة، قال: ومنه قول الفقعسي:
عائض منك عائض في هَجْمة يغدر منها القابضُ
أي السريع السوق لا يقدرعلى سوقها فيغدر منها بعضها.
٥ - وقال أبو زياد - وقد ذكر الفصيل اللاهج وما يفعلون به -: فإذا فعل ذلك غضبوا ففلكوا لسان الفصيل، وذلك إما أن يأخذوا فلكتين مثل فلكتي المغزل مثقوبتين في أوساطها ثم يدخلوا في إحداهما سيرًا، ثم يجعلوه في المسلّة ثم يغمزوا بالمسلة طرف لسان الفصيل حتى تخرج الى الفلكة الأخرى ثم يعقدوا المسلّة وراءها كما عقدوه في الأخرى فيحتلبوها زمانًا، ثم يوشك أن يرضع على الفلكتين فلذلك يسمى الإجرار، والفصيل المجرور قد أجروه كما ترى، فإذا رضع على الفلكتين أخذوه فشقوا من لسانه قدر ثلثه شقتين، ثم حلّوا طرفيه فمرض بذلك حينا ثم أوشك أن يبرأ طرف لسانه، ولا يرضع آخر الدهر شيئًا.
قال: وربما استجزأوا بالخلال فلم يفلكوه، وربما مضى التفليك فاستجزأوا به، ولم يشقوا لسانه.
وقد وهم في هذا الترتيب، إنما الذي حكاه في الإجرار هو التفليك، وشق اللسان: هو الإجراز، يقال: أجر لسانه إذا شقّه. وأنشد أبو رياش أحمد بن هاشم عمرو بن معدي كرب: ظَلِلت كأني في الرماح دريئةً أُطاعن عن أبناء جَرْم وفرّتِ
فلو أنَّ قومي أنطقتني رماحهم نطقتُ ولكنَّ الرماحَ أجرّتِ
قال أبو رياشى: أراد قطعت لساني عن أن أفخر لسوء فعلها.
وقال أبو يوسف في إصلاح المنطق: أجررت الفصيل إذا شققت لسانه لئلاّ يرضع أمه، قال عمرو بن معدي كرب: فلو أن قومي أي لو قاتلوا وأبلوا لذكرت ذلك، ولكن رماحهم أجرتني أي قطعت لساني عن الكلام لأنهم لم يقاتلوا. وقد تبع أبا زياد في هذا القول ابن قتيبة، واحتجّ بقول أبي زياد بقول الشاعر:
كما خلَّ ظهر اللسان المُجرّ
وقد أساء في ذلك لأن المجر - في قول أبي زياد - المُفلك، وفي قولنا وهو الصحيح: الشاق القاطع، والخل - في كل قول -: الشد بالخلال، وإنما أراد الشاعر خلة الخال الذي يخل، ويفلك، ويجر فهذا كقول العجاج:
يكشف عن جَمّاته دلُو الدّال
وإنما هو: دلو المُدْلي فلما كان المُدلي إذا أدْلى عاد فدلّى، قال: دلو الدال.
ومع هذا فقد ذكر أبو زياد الخل، فقال: فإذا غلبهم خلّوا في أنفه بخلال، أصل الخلال في أنفه، وطرفه محدد طويل قدام أنفه، فإذا جاء يرضع طعن بالخلال في ضرعها فوثبت، وأنشد:
حرّضها الحمضُ فلا تقيلُ ولايقيل قربها فصيلُ
إلاّ فصيلٌ لاهجٌ مخلولُ
فهذا الخل. ومع هذا فأكثر الرواة على رواية البيت: كما شد ظهر اللسان المجر وهو موافق لقولنا، لأن الشد أول الإجرار، وقد قال المُتلمّس في الإجرار:
وقد كنتَ ترجو أن أكونَ بعقبكمْ زَنيمًا فما أجررتُ أنْ أتكلما
٦ - وقال أبو زياد: وجماعة المعزى إذا كانت من الأربعين إلى الخمسين فهي صُبّة من معزى ومثلها من الضأن فِزر.
[ ٢ ]
والرواة على خلاف هذا القول: إنما الفِزْر من المعزى، وبذلك لُقب سعد بن زيد مناة لما أنهب معزاه بعكاظ الفزر كأنه لقب بها؛ وبه جر المثل " حتى تجتمع معزى الفزر " وقال الحنفي:
وإنَّ أبانا كان حَلَّ ببلدةٍ سوىً بين قيسٍ قيس عيلان والفِزرِ
٧ - وقال أبو زياد وقد ذكر الطلح: ويسمى واديه الذي يكثر فيه الغول، فيقال: غول من طلح وغويل الصغير، وقال الشاعر في الطلح:
لشُعَب الطلح هصورٌ هائضُ من حيث يَعتشّ الغراب البائضُ
وقال في الغول وجمعها الغلان:
وبُدّلت غُلان الشَّريف من الغضا ولاقيتُ بعد الأصدقاءِ الأعاديا
فجاء بالغلان جمع غول، وإنما الغلان جمع غال، يقال: غالّ وغُلاّن وسال وسلاّن، والسَّال قريب من الغال.
٨ - وقال أبو زياد: وقد يسمي العشرق بعض العرب الفنا، وإذا سقطت حبة العشرق في الأرض ويبست احمرت حتى تكون كأنها عُهنة حمراء، فمن أجل ذلك يقول زهير: كأنَّ دُقاق العِهن في كلِّ منزلٍ نَزَلْنَ به حَبُّ الفنا لم يُحطّمِ والرواة على خلاف هذا القول.
قال أبو زيد وأبو عبيدة وغيرهما: الفنا حمل عنب الثعلب.
وسألت أبا رياش - ﵀ - عن حب الفنا في بيت زهير هذا فقال: حبّ الفنا منه أحمر وأصفر وغير ذلك، ولذلك يشبه به العهن، لأن العهن أيضا مختلف لونه، على ذلك قول امرفي القيس:
وغيثٍ كألوان الفنا قد هَبطتُهُ تَعاورَ فيه كلُّ أوطفَ حنّانِ
وقال أبو حنيفة في كتاب النبات: قال غير واحد من الرواة: الفنا عنب الثعلب وكل احتج ببيت زهير: كان دقاق العهن في كل منزل: ثم ذكر قول أبي زياد الذي قدمناه.
ثم قال: وحبُّ عنب الثعلب ليس بأحمر، هو إلى الصفرة. وفيه أيضا نقط سود، ومنه ما هو أسود بأسره.
وهذا القول من أبي حنيفة مقارب لما قدمناه عن أبي رياش - ﵀ - وكل مخالف لقول أبي زياد. وقد قال عدي بن زيد فوافق امرأ القيس:
وعلى الأحداج ألوان الفنا وخزامى الروض يعلوه الزَّهَرْ
فهذا يدل على اختلاف ألوانه كما قدمناه.
٩ - وقال أبو زياد: من العشب: الصفراء، وهي تسطّح على الأرض وكأن ورقها ورق هذا الخس، وزهرتها صفراء، وهي تأكلها الإبل أكلا شديدًا. وقال أبو يوسف: " الصفراء تنبت في السهل وفي الرمل وورقها مثل ورق الجرجير وثمرتها صفراء وهي ذات شعب فتستقل عن الأرض " وهذه صفة الصفراء، وهي مخالفة لما قال أبو زياد من جهتين: إحداهما قوله: تسطّح على الأرض، والأخرى تشبيه ورقها بورق الخسق، وورق الخسّ مستو أملس، وفي ورق الصفراء تقريض كتقريض ورق الجرجير، كما قال يعقوب ﵀.
١٠ - وأنشد أبو زياد لرجل يرجز بركيّة له:
أحمى لها من برقتي مكتِّلِ والرِّمث من بطن الحريم الهيكلِ
ضرب رياح قائمًا بالمعْوَلِ بذي شباة من قُساس مفصلِ
في مثل ساقِ الحبشيّ الأعضلِ
ثم قال في تفسيره: ومعوله الذي ضرب له برْطِيل مطول: حجر من قساس وقُساس: جبل، وذلك أنهم يأخذون البرطيل الذي كأنه معول فيأسرون عليه النصاب الذي يكون في المعول القدّ، والقد رطب ثم يضعونه في الشمس ثم يحفرون به كأنه معول.
وقال: هذا النِّصاب مثل ساق الحبشي، والعضل: التواء. وهذا الذي قاله فاسد. ولا يمكن أحد حفر بئر بحجر ولو كانت أرضها من عجين، وقساس: جبل كما ذكر إلاّ أنه معدن حديد، وإنما أراد الراجز: بري من حديد قساس، والشَّباة: الحدّ، وأنشدونا عن الأصمعي وغيره في صفة معول:
أخضرُ من مَعدِن ذي قُساسِ كأنّه في الحِيد ذي الأضراسِ
يرمي به في البلد الدَّهاسِ
فقال: من معدن ذي قساس كما قلنا. وقد قال أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب:
ولمّا تبنْ منا ومنكم سواعدٌ وأيدٍ أُترت بالقساسية الشُّهْبِ
أي، قطعت بالسيوف التي عملت من معدن ذي قساس، وأنشد أبو رياش:
بها والنيّ عنها مُعْتَرقْسيفٌ قُساسيٌّ من الغِمد اندلقْ وأنشد أبو زياد:
إذا استُعنتَ فاستعنْ بحدِّ ولا تكنْ مثلَ بليلِ القَدِّ
وإنما الرواية:
إذا استُعنتَ فأعنْ بحدّ
[ ٣ ]
١٢ - وقال أبو زياد: الخرص: الجائع، والخرصة الجائعة، وإنما الخرص: الجوع مع البرد، فإذا لم يكن مع الجوع برد فليس بخرص.
١٣ - وقال أبو زياد - وقد ذكر ثنيّة قِضَة -: وتلك الثنية التي استقبلتها تغلب يوم التحالق، حيث يوم التحالق.. حيث هزمتها بكر بن وائل، وهي التي وقف عليها ابن بَيض ومنها مكان لا يمره إلا فارس فارس، ووقف ابن بيض على ذلك الموضع - وهو رجل من بني حنيفة - فجعل لا يمر عليه أحد من بني تغلب إلاّ قتله، فقال قائل من بني تغلب: " سَدّ ابن بيض الطريق " فذهبت مثًلا: وليس الذي وقف على الثنية من بني حنيفة، ولا هو بابن بيض ولا كان ابن بيض في هذه القصة. وهذا يوم مشهور خبره في حرب البسوس، وإنما الذي وقف بالثنية رجل من بني تغلب.
أخبرني أبو رياش: ان بني تغلب استقبلت ثنية قضة منهزمة يوم التحالق فجرد البرك التغلبي سيفه ونادى: يا بني تغلب في كل يوم هزيمة وفضيحة وجعل يعفر كل من مر به وهو يقول: " أنا البرك أبرك حيث أدرك " فرجع الناس لذلك وعاودوا الحرب.
وأما المثل بابن بيض فإنه كان مجاورًا لبعض ملوك العمالقة، وكان له عليه خرج يحمله إليه في كل عام، فأراد ابن بيض التحول من جواره، وقد كان وجب عليه الخرج فسار تحت الليل حتى أتى ثنية لا طريق لطالبه سواها، فجعل ما كان يحمل إلى الملك من مال وثياب على رأسها وسار فلما أصبح الملك خبر بمسير ابن بيض فاتبعه فلما بلغ الثنية رأى ما تركه له ابن بيض فأخذه ورجع، وقال الملك: سد ابن بيض السبيل فجرت مثلا.
وروى بعض الرواة أن الملك قال: اتقانا ابن بيض بحقنا لا سبيل لنا إليه.
فقال: بعض من سمع هذا منه: " سد ابن بيض السبيل " فجرت مثلًا.
وسمعت أبا رياش يحكي بمثل هذا وقريب منه. وأنشد بعض الرواة في مدح رجل بالوفاء:
وفيْتَ وفاءَ ابن بَيْض بها فسَدَّ على السالكين السَّبيلا
وقال بشامة:
كثوب ابن بيض وفاهم به فسَدَّ على السَّالكين السبيلا
وزعم الأصمعي: أن ابن بيض رجل نحر بعيرا على ثنية فسدها فلم يقدر أحد أن يحوزها فضرب به المثل. وأراد أن يقول: كبعير ابن بيض فقال: كثوب ابن بيض.
وهذا غلط من الأصمعي أيضا، والقول ما أنبأتك به.
١٤ - وقال أبو زياد: من آل كليب آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر، وهي أم الأعياص من بني أمية بن عبد شمس، وأم عبد الله بن العباس بن عبد المطلب لُبابة بنت الحارث بن حزن بن بُجير بن الهُزم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر، وفيهما يقول النابغة نابغة بني جعدة:
وشاركنا قُريشًا في تُقاها وفي أنسابها شِركَ العِنانِ
بما ولدت نساءُ بني هلالٍ وما ولدتْ نساء بني أبانِ
وأهل النسب على خلاف هذا، إنما الهلاليّة التي ذكر النابغة هي صفيّة بنت حزن بن بُجير بن الهُزَم أم حرب بن أمية بن عبد شمس، وهي عمة لبابة بنت الحارث بن حزن - أم عبد الله والفضل واخوتهما من بي العباس بن عبد المطلب.
١٥ - وقال أبو زياد: وبنو كلاب عشرة أبطن: عبد الله بن كلاب، وأبو بكر بن كلاب واسمه: عبيد، وعمرو بن كلاب، ورؤاس، والوحيد بن كلاب، وكعب بن كلاب، ووَبَر بن كلاب - هؤلاء سبعة من ولد كلاب - وأمهم: سُبيعة بنت سَلول، وجعفر بن كلاب، ومعاوية بن كلاب، وربيعة بن كلاب. أم هولاء الثلاثة ذُؤيبة بنت عمرو بن سلول.
وهم لعمري عشرة كما قال إلاّ أن وَبْرًا ليس ابن كلاب، إنما هو وبر بن الأضبط بن كلاب.
١٦ - وأنشد أبو زياد لصاعد:
فما داريّة كُفرت أثاثًا بها دَرَجانُ ساريةٍ عراها
بأطيبَ سورةً من طعم فيها إذا ما الثجُّ من سَنةٍ كراها
وفسر فقال: الدَّارية: الخمر التي تصنع في الدير.
وهذا غلط، إنما الدارية: لطيمة المِسك وأراد المسك بعينه، منسوبٌ إلى دارين، قال كثير:
يُزيّنُ فَوْدي رأسهِ مُستغلِّةٌ جرى مِسكُ دارينَ الأحمُّ خِلالَها
ودارين: قرية بساحل البحر، والنسبة إليها داريّ. ودارية للأنثى، وقال العجّاج:
رَفَّعَ من خِلاله الدَّاريُّ
ولو كانت كما قال أبو زياد، لقال: دَيريّةٌ ولأن يشبه رائحة فيها بالمسك أولى من الخمر.
١٧ - وأنشد أبو زياد لعبد العزيز بن زُرارة الكلابي:
[ ٤ ]
ألا أبلغ أبا بكر رسولًا شبابهم الأكارم والكهولا
فإن أذهبْ وأترككم ورائي فقد أورثْتكم شرفًا طويلا
فإني أستئيس الله منكم من الفردوس مَرتفقًا ظليلا
بضربة كافرٍ من يوم زَحْفٍ يكونُ أداتُها وجعًا فليلا
ثم فسر فقال: أستيئس: يُعزّي نفسه عن قومه. وأهل بلادنا يسمون التعزية: التأسية، وبقول الرجل للآخر هل أسّيت عن كذا وكذا؟ ولم يكن يدري ما التعزية؟ إنما هي التأسية أساني وأسيته. ثم أنشد من ذلك للخنساء:
ولا يبكون مثل أخي ولكنْ أُعزّي النفسَ عنه بالتأسي
ثم قال: وبقول الرجل إني أُوسي نفسي عن ذلك.
وليس القول كما قال، ما أستيئس من التأسي في شيء، إنما أستيئس: أستعطي وأستعوض. فتأمل الشعر تجده شاهدًا لنا، والعرب تقول: استآسه يستئيسه إذا استعطاه، وأنشدني أبو رياش:
وكان الإلهُ هو المُستآسا
أي المستعطى، والأوس: العطيّة، وأنشد لرجل يخاطب ذئبًا:
فلأحشونَّك مشقصا أوسًا أويسُ من الهبالة
فالأوس: العوض، وأُويسُ: الذئب، والهَبالة: العطيّة. يقول: أعوضك من العطية هذا المِشقصُ. وروى لنا الوهبيّ عن الرِّياشي في تفسير قول الأفوه الأوْدي:
أو موثقً في القِدِّ ذي همَّةٍ مُجتنبٍ مستأيسٍ مُستئيسْ
مستأيس: مُستعوض، ومستئيس: مستعيض.
١٨ - وأنشد أبو زياد لجُمل الضِّبابية:
وأنْ رُبَّ جارٍ قد حمينا وراءه بأسيافنا والحربُ يَشرى ذبابُها
وفسره فقال: شري الشر بين القوم، إذا اشتد حتى كأنَّ الذباب قد مسَّه من ذلك شرى في جلده.
وهذا لا معنى له بوجه. وإنما ذباب كل شيء حدّه فأراد يشرى حدها ويشتد. ١٩ - وقال أبو زياد: وقال الوبري:
لا تأمننَّ فزاريًّا خلوتَ به على قلوصكَ واكتبْها بأسيارِ
لا تأمننَّ فزاريًّا خلوت به بعد الذي امتلَّ أيرَ العَيْر في النارِ
وليس هذا الشعر كما روى، ولا هو للوبري. وإنما هو لسالم بن دارة يهجو زُميّل بن أبير والرواية:
لا تأمننَّ فزاريًّا خلوت به بعد الذي امتلَّ أيرَ العَيْر في النارِ
وإن خلوت به في الأرض وحدكما فاحفظْ قلوصك واكتبها بأسيارِ
إني أخاف عليها أنْ يبيِّتها عاري الجواعر يغشاها بقُسبارِ
إنَّ الفزاريَّ لا يَنفكُّ مُغْتَلمًا من النَّواكهِ تَهذارًا بتهذارِ
أنا ابنُ دارةَ معروفًا بها نسَبي وهل بدارةَ يا للناس من عارِ؟
ولسالم فيهم أشعار مشهورة، وله معهم قصص مذكورة. ولما ضرب زميّل سالمًا، قال الكميت:
ولا تُكثروا فيها الضِّجاج فإنه محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
٢٠ - وقال أبو زياد: المومس: الذي يأمس بين الناس أي يفسد بينهم بالنميمة..
وإنما المومس والمومسة: الفاجرات، ومن ذلك قول الراعي:
تغنَّى ليبلغني خَنزرٌ وكلُّ ابن مُومسةٍ أخْزَرُ
فأما الذي يمأس بين الناس فهو المؤوس، وقد مأس يمأسُ، قال العجّاج:
ويَعْتَلون من مأى في الدّحْسِ بالمأس يرقى فوق كل ماس
مأى: أفسدَ مثل مأسَ.
٢١ - وقال أبو زياد: وكل ذات ناب من السباع رغوث إذا كان معها ولد ترضعه، ولا يقال هذا للمعزى ولا للإبل: وربما قيل للمرأة رغوث، ولا يقال لذات حافر رغوث.
هذا شرط باطل لأنهم قد أجروا في أفعل من كلامهم أن قالوا " آكل الأشياء بِرْذونة رَغوث " نقل ذلك عنهم جلة الرواة.
٢٢ - وأنشد أبو زياد للحنفي:
إذْ لبست أُمُّكَ بُرْجديّا ما جئتَ من جال استها سويّا
وفسره فقال: الأجوال: الجوانب واحدها الجال.
وهو غلط لأن الانسان لا يخرج من الدُّبر وإنما يخرج من القُبل، والرواية:
ما جئتُ من جار استها سويّا
والعرب تسمي الفرج: الجار، ومنه قول الشاعر:
يمْرجُ جار استها إذا ولدتْ يهدِرُ من كلِّ جانب خُصُمُ
وكذلك قول الراجز:
[ ٥ ]
وقد أراني في الزمان الأولِ أدُقُّ في جار استها بمعوَلِ
دقكَ بالمِنحازِ حبَّ الفُلْفُلِ
وكذلك قول خوّات بن جُبير:
وأمِّ عيال واثقين بكسبها خلجتُ لها جارَ استها خلَجاتِ
فهذا هو الوجه مع أنه الرواية، وقد يجوز أن يخرج لما قال وجهًا على قبح وضعف. وذلك أن يكون تناهى في أقذاره أن جعله مما يخرج من الدُّبر توسعًا في السب، لا على الحقيقة كما قال المُساور بن هند:
فإن تكن أنتَ من عبسٍ وأمّهمُ فأُمُّ عَبْسِكمُ من جارة الجارِ
فجارة الجار: الدبر، وكما قال الكميت:
جاءت بكم فتحجّوا ما أقول لكم بالظنّ أمّكم من جارة الجارِ
فجارة الجار: الدبر يدلك على ذلك قول الذي دنا من امرأته فوجدها حائضا فأخذها في دبرها، وقال:
كلا وربِّ البيتِ ذي الأستار لأهتِكنَّ حَلَقَ الحِتارِ
قد يُؤخذُ الجار بذنب الجارِ
وهذا وإن جاز التعلق به، فالأولى إتباع الرواية الأولى.
٢٣ - وقال أبو زياد: الوازع: الزاجر، والوازع: المستحث، وقال ذو الرمة:
وخافق الرأس مثلِ السيف قلت له: زَعْ بالزمام وجَوْزُ الليل مَركومُ
وقال لبيد: وقولا له - إن كان يقسم أمره - ألمّا يَزعْكَ الدهرُ أُمُّكَ هابلُ وقال: يقول ألمّا ينهك الدهر.
وقد أصاب في رواية بيت ذي الرمة وتفسيره - وهو مما غلط فيه جماعة من الرواة - وأخطأ في رواية بيت لبيد، وأخطأ أيضا في أن جعل الوازع من الأضداد، وإنما الوازع: الزاجر، والزائغ: المستحث، تقول: وزع يزع، إذا كفَّ فهو وازع، كما يقال: وضع يضع فهو واضع. وإذا أمرتَ قلتَ: زَع مثل قولك: ضع، ومن ذلك قولهم: " لا بد للسلطان من وَزْعة " ومنه قول النابغة:
فقلت: ألمّا تصحُ والشيبُ وازعُ
أي والشيب زاجر كافٌّ. ووجه رواية بيت لبيد: ألمّا يزعك الدهر كما تقول: ألمّا يضعك.
ويقال من الاستحثاث: زاع يزوع زوعا فهو زائع، كما يقال: فال يقول فهو قائل، وتقول إذا أمرته بالاستحثاث زُع كما تقول: قُل، والمُستحثّ والكافُّ وازعٌ هما مختلفان لفظا ومعنى، ولما لم يضبط أبو زياد فرقان ما بينهما جعلهما بلفظ واحد ضدين، ولم يقل هذا أحد غيره، وقد أساء فيه التمييز.
هذا آخر ما في نوادر أبي زياد من السهو.
٢٤ - وقال أبو زياد قبل هذا الموضع وقد أنشد بيت الفرزدق:
وعضُّ د زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلاّ مُسحتًا أو مُجلّفُ
أقوى أبو فراس. وإنما أخرته إلى آخر التنبيه عليه لأنه مما قدمت ذكره من ردّهم على الشعراء فجعلته طرفا لذلك. وقد خالف سائر الرواة في هذا القول لأن الرواة أجمعين على رواية: مسحت بالرفع والنصب، فمن رفع لم يحتج إلى احتجاج لمجلف، ومن نصب احتج وأوضح وجهه، واستشهد له، ولم يقل منهم أحد أنه أقوى. وسنذكر من ذلك ما يحضرنا حفظه إن شاء الله.
قال أبو جعفر محمد بن حبيب وأنشد هذا البيت في النقائض:
إلاّ مُسحت أو مجلّف
وحكى أبو توبة عن الكسائي: مُسحتا بالنصب، وفد قال أبو عبد الله بن الأعرابي والفراء: حروف الاستثناء تجيء بمعنى قليل من كثير فجعل إلاّ معلّقة بأن يكون، فأضمرها ونواها ورفع مسحتًا على هذا المعنى أراد أن يكون مسحت أو مجلف فرفعه بيكون المضمرة، وإلا يدل على تعلقها بأن تكون كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد، ومثله لشبيب ابن البَرصاء:
ولا خيرَ في العِيدان إلاّ صِلابها ولا ناهضات الطير إلاّ صقورها
أراد: ولا خير في العيدان إلاّ أن تكون صلابها، وإلاّ أن تكون صقورها.
وحكوا عن خالد بن كلثوم:
وعضُّ زمانٍ يا ابنَ مروانَ ما به
قال: ومن روى مسحتا، أراد: لم يدع فيه عضُّ الزمان إلا مسحتًا، أو مجلّف بقي. فرفعه على هذا الإضمار، وأنشد:
غداةَ أحلتْ لابنِ أصرمَ طعنةً حُصينٍ عَبيطات السَّدائفِ والخمرُ
أراد: أحلت له الطعنة عبيطات السدائف وجلت له الخمر مع ذلك.
وقال الطوسي: من روى مسحت أو مجلف فرفعهما معا أراد لم يدع من الدعة، ولم يوقع لمسحت فعلا.
[ ٦ ]
وكذلك قال أبو اسحق الزَّجاج وقد أنشد هذا البيت شاهدًا على قول الله ﷿: (فيُسْحِتَكم بعذابٍ) وفيسحتكم معنىً: لم يدع ولم يستقر من المال إلا مسحت.
وقال ابن دريد - وقد أنشد هذا البيت فنصب - مسحت رواية أبي عبيدة: لم يدع بالكسر من الدعة.
وإذا كان ذلك كذلك فلا وجه لنصب مسحت ولا طريق إلى تقول الأقوال عليه، وإن لم يكن كذلك فقد بان وجه رفع مجلف بعد نصب مسحت.
٢٥ - وقد رُوي عن أبي زياد - وليس ذلك في نوادره - أنه قال في قول الفرزدق:
يا أيها المُشتكي عَبْسًا وما جَرمتْ إلى القبائل من قتلٍ وإبآسِ
إنّا كذاك إذا كانت هَمرّجةٌ نَسبي ونقتلُ حتى يسأمَ الناسُ
أقوى أبو فراس.
وسمعت أبا رياش - ﵀ - يسأل أبا بكر بن الخياط النحوي عن ذلك فقال ابن الخياط: وإبآس كذلك. فكان من إيماء أبي رياش أن الجواب عنه.
٢٦ - ورُوي عن ابن زياد - وليس في نوادره - أنه قال في قول الفرزدق:
على زواحفَ تزجى مخُّها ريرِ
لحن الفرزدق.
وقد حكى أبو أحمد عبد العزيز بن محمد الجلودي وذكره في أخبار الفرزدق أنَّ عبد الله بن أبي اسحق النحوي قال في هذا البيت أنه لحن وأن ذلك بلغ الفرزدق، فقال: أو ما وجد هذا المنتفخ الخُصْيين لبيتي مخرجًا في العربية أما أني لو أشاء لقلت:
على زواحفَ تزجيها محاسيرِ
ولكني والله لا أقوله، ثم قال:
فلو كان عبدُ الله مولىً هجوتُه ولكنّ عبدَ الله مولى مواليا
فبلغ ذلك عبد الله فقال: عذره شر من ذنبه. والخفض في ريرٍ جيّد، وتقديره: على زواحف ريرٍ مخُّها يُزجى.
٢٧ - وقد روي عن أبي زياد أيضا - وليس ذلك في نوادره - أنشد الفرزدق:
ألستم عائجين بنا لعنّا نرى العَرَصات أو أثر الخيام
أقولُ إذا رأيت ديار قومي وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
وهذا أيضا مما لحن فيه الفرزدق.
وقد روى أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى بن يزيد الجلودي في أخبار الفرزدق بإسناد متصل. ذكره أن الفرزدق حضر عند الحسن البصري، فأنشده:
أقول إذا رأيتُ ديار قومي وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
فقال له الحسن: كرامًا يا أبا فراس.
فقال له الفرزدق: ما ولدتني إلاّ ميسانية إن جاز ما تقول يا أبا سعيد قال: وأم الحسن من أهل مَيْسان. فهذا ردّ الفرزدق عن نفسه، وقد أصاب، وتقدير قوله: وجيران كرام كانوا لنا.