حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِكْرمة عَامر بن عِمْرَانَ بْن زِيَاد، قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان وَالِي الْبَصْرَة، فأساء مجاورة مُحَمَّد بْن أبي عُيَيْنَة فتباعد مَا بَينهمَا وقبح، وَكَانَ إِسْمَاعِيل ينتقصه، فَخرج مُحَمَّد بْن أبي عُيَيْنَة إِلَى طَاهِر ابْن الْحُسَيْن يشكو إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر وَيطْلب عَزله عَنِ الْبَصْرَة، فصحب طَاهِر بْن الْحُسَيْن فِي بَعْض أَسْفَاره فَأدْخل عَلَيْهِ وَرفع حَوَائِجه إِلَيْهِ وَقَالَ:
من أوحشته البلادُ لَمْ يَقُم فِيهَا، وَمن آنسته لَمْ يَرِمِ
وَمن يَبِتْ والهمومُ قادحةٌ فِي صَدره بالسُّهَاد لَمْ ينمِ
وَمن يرى النّقْصَ فِي مواطِنه يَزل عَنِ النَّقْص مَوْطِئَ القَدَمِ
والقربُ مِمَّن ينأى بحاجته صَدْعٌ عَلَى الشّعب غيرُ مُلتَئِمِ
وربَ أمرٍ يعيا اللبيبُ بِهِ يَحَارُ مِنْهُ فِي حيرة الظُّلُم
صبرٌ عَلَيْهِ كَظْمٌ عَلَى مضضٍ وتَرْكُه من مراتع الندمِ
يَا ذَا اليمينين لَمْ أَزُرْكَ ولَمْ آتِك من خلةٍ وَلَا عدمِ
إِنِّي من اللَّه فِي مَرَاح غِنى ومُغْتَدى واسعٌ وَفِي نعمِ
زَارَتْكَ مِنِّي همَّةُ منازعةٌ إِلَى الْعُلا من مَرَاتِب الهممِ
[ ٤٦ ]
وإنني للكبير محتملٌ فِي الْقدر من منصبي وَمن شيمي
وَقد تعلّقت مِنْك بالذمم ال كبرى الَّتِي لَا تخيبُ فِي الذِّمم
فإنْ أنل هِمّتي فَأَنت لَهَا فِي الحَقِّ حقِّ الإخاء والرَّحمِ
وَإِن يَعُق عائقٌ فلستُ عَلَى جميلِ رأيٍ عِنْدِي بمتهمِ
فِي قدر اللَّه مَا أُحَمِّله تعويق أَمْرِي واللوح والقلمِ
لَمْ تَضَقِ السُّبْل والفجاج على حر كريم بالصب مُعْتَصِمِ
ماضٍ كحَدِّ السنان فِي طرف ال عَامل أوحد مُصْلَتٍ خذمِ
إِذَا ابتلاه الزَّمَان كَشَّفَهُ عَنْ ثَوْب حريَّة وَعَن كَرَمِ
مَا سَاءَ ظَنِّي إِلَّا لوَاحِدَة فِي الصَّدر مَحْصورة عَنِ الكلمِ
لِيَهْنَ قَوْمٌ جُزْت المَدَى بهم وَلم تُقَصِّر بهم وَلم تلمِ
مَا تنبتُ الأَرْض كلَّ زهرتها وَلَا تَعُمُّ السَّمَاء بالدِّيَم
وَلَيْسَت كلّ الدلاء رَاجِعَة بِالنِّصْفِ أَو ملئها إِلَى الوذم
ترجع بالحمأة القليلة أَحْيَانًا ورَنْق الصُّبابة الأمَمِ
مَا بِي نقصٌ عَنْ كلِّ منزلةٍ شريفةٍ والأمور بالقسمِ
فَأَجَابَهُ طَاهِر بْن الْحُسَيْن:
من تستضفه الهموم لم ينم غلا كنوم الْمَرِيض ذِي السقم
وَلَا يزل قلبه يكابد مَا يُولد الْهم فِيهِ من ألم
فدع أَبَا جَعْفَر بعتب مَا لَيْسَ التجني عَنْهُ بمنصرم
وَقد سَمِعت الَّذِي هَتَفت بِهِ وَمَا بأذني عَنْكَ من صمم
وَقد علمنَا إِن لَيْسَ تصحبنا لخلةٍ فِيك لَا وَلَا عدم
إِلَّا لحق وَحُرْمَة وعَلى مثلك رعى الْحُقُوق والذمم
أَنْت امْرُؤ مَا تُزال عَنْ كرم إِلَّا إِلَى مثله من الْكَرم
وَأَنت من أسرة جحاجحة سادوا بِحسن الفَعال والشيم
فَمَا تَرُمْ من جسيم منزلَة فَالْحكم فِيهَا إِلَيْكَ فاحتكم
إِن كنت مستسقيًا سماحتنا منا تجدك السَّمَاء بالديم
أَوْ ترمِ فِي بحرنا بلدوك لَا نعدمك ملأها إِلَى الوذم
إِنَّا أنَاس لَنَا صنائعنا فِي الْعَرَب مَعْرُوفَة وَفِي الْعَجم
[ ٤٧ ]
مغتنمو كسب كلّ محمدة وَالْكَسْب للحمد خَيْر مغتنم
فاحتكم عَلَيْهِ عزل إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنِ الْبَصْرَة، فَعَزله عَنْهَا، وَأمر لِابْنِ أبي عُيَيْنَة بِمِائَة ألف دِرْهَم عونًا لَهُ عَلَى سَفَره، وَقَالَ ابْن أبي عُيَيْنَة فِي عزل إِسْمَاعِيل:
لَا تعدم الْعَزْل يَا أَبَا حَسَن وَلَا هزالًا فِي دولة السّمن
وَلَا انتقالا من دَار عَافِيَة إِلَّا إِلَى ديار الْبلَاء والفتن
أَنَا الَّذِي إِذَا كفرت نعْمَته أذبتُ مَا فِي جنبيك من عُكن