قَالَ القَاضِي: فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ عظة ومعتبر، وتنبيه لمن عقل ومُزْدَجر، وَفِيمَا اقْتضى فِيهَا مَا دَعَا ذَوي النَّهْي إِلَى الصدْق وَحفظ الْأَمَانَة، وحَذَّر من ركُوب الْغدر والخيانة، وَفِي خزن السِّر وحياطته، وصونه وحراسته مَا لَا يحِيل عَلَى الألباء وفور فضيلته، كَمَا لَا يذهب عَلَيْهِمْ مَا فِي إفشائه وإضاعته، من سُقُوط الْقدر، وقبيح الذّكر، وَمَا يُكسب صَاحبه من حَطَّه عَنْ منزلَة من يشرف ويعتمد عَلَيْهِ، ويؤتمن ويركن فِي جلائل الخطوب إِلَيْهِ، وَالنَّاس فِي هذَيْن الخلقين المتناقضين مُعافًى مُكْرم، ومبتلى مذمّم، وَقد قَالَ بَعْض من افتخر بالخلق الْكَرِيم مِنْهَا:
وأطعن الطعنة النجلاء عَنْ عِرْضٍ وأكتمُ السِّرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ العنقِ
وَقَالَ بعض من خَالف هَذِه صفته، وسلك خلاف محجته:
[ ٥٩ ]
وَلا أكتمُ الأسرارَ لكنْ أُذِيعُها وَلَا أدعُ الأسرارَ تغلِي عَلَى قَلْبِي
وَمَا أَتَى من هَاتين الخليقتين المتضادتين من مَنثور الْأَخْبَار ومنظوم الْأَشْعَار مَا يتعب إحصاؤه، ويمل استقصاؤه، ولعلنا نضمن فِي مجَالِس كتَابنَا هَذَا مِنْهُ مَا يستفيده النَّاظر فِيهِ، إِذَا أَتَى مَا يجرّه ويقتضيه، إِن شَاءَ اللَّه.
وَذكرت من النَّوْع الَّذِي تضَاد فِيهِ فريقان فِيمَا وصف بِهِ كلّ وَاحِد مِنْهُمَا نَفسه، شَيئًا أَحْبَبْت أَن أثْبته فِيمَا هَا هُنَا، وَإِن كَانَ بَابه أوسع من أَن يُستوعى، وَأكْثر من أَن يسْتَغْرق ويستوفى، وَهُوَ مَا روى لَنَا أَن منفوسة بِنْت زَيْدُ الفوارس لمّا أهديت إِلَى قيس بْن عَاصِم قَرِّبت إِلَيْهِ إهداء، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ أكيلي؟ فَلم تدرِ مَا يَقُولُ لَهَا، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أيا ابنةَ عَبْد الله وَابْنَة مالكٍ وَيَا بنة ذِي الْبُرْدَيْن والفَرَس الوردْ
إِذَا مَا صنعتِ الزَّاد فالتمسي لَهُ أكيلا فَإِنِّي لستُ أكلهُ وحدِي
أَخا طارِقًا أَوْ جَارَ بَيْتِ فإنني أخافُ مَلامات الأحاديثِ من بعدِي
وَإِنِّي لعبد الضَّيْف مَا غَيْر ذلة وَمَا فِي إِلَّا ذَاك من شِيَمِ العبدِ
فَسَمعهُ جَار لَهُ وَكَانَ مبخلا، فَقَالَ:
لبيني وَبَين الْمَرْء قيس بْن عَاصِم بِمَا قَالَ بون فِي الفعال بعيد
وَإِنَّا لنجفو الضَّيْف من غَيْر عسرة مَخَافَة أَن يغرى بِنَا فَيَعُود