حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المَنْصُورِيّ، عَنِ القثمي، عَنْ مبارك الطَّبَريّ، قَالَ: سَمِعت أَبَا عُبَيْد اللَّه، يَقُولُ سَمِعت الْمَنْصُور يَقُولُ للمهدي: يَا أَبَا عَبْد اللَّه لَا تجْلِس مَجْلِسا إِلَّا ومعك فِيهِ رَجُل من أَهْلَ الْعلم يحدثك، فَإِن مُحَمَّد بن مُسلم بْن شهَاب قَالَ: إِن الحَدِيث ذَكَرَ يُحِبهُ الذُّكُور من الرِّجَال ويكرهه مؤنثوهم، قَالَ الْمَنْصُور: صدق أَخُو بني زهرَة.
وَقَالَ آخر:
إِن المشيبَ وَمَا بدا فِي عَارِضِي صَرَفَ الغواني فانصرفتُ كَرِيمًا
وسخوتُ إِلَّا عَنْ جليسٍ صالحِ حسنِ الحديثِ يزيدُني تَعْلِيما
قَالَ القَاضِي:
وَلَقَد سئمتُ مآربِي فَكَأَن طيِّبُها خبيثُ
إِلَّا الحديثُ فإنّه مثل اسْمه أبدا حَدِيث
[ ٣٢ ]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مزِيد الْخُزَاعِيّ الْأَزْهَرِي: قَالَ: دخلت إِلَى سُرّ من رَأَى فَقيل إنَّ بهَا رَجُلا يكنى أَبَا الفَضْل وَيعرف بِالْعَبَّاسِ بْن أبي العبيس بْن حمدون النديم، لَهُ أدب وَمَعَهُ ظرْف وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى مثلك يعاشره، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ أبياتًا فَكتبت إِلَيْهِ:
أَبَا الفَضْل يَا من لَيْسَ تُحْصَى فضائلهُ وَمن مَاله فِي الْخلق خَلْقٌ يعادله
أتقبل خِلا جَاءَ يتبعُ شَوْقَه إِلَيْكَ عَلَى عَلَمُ بأنك قَابله
يرحّل عَنْكَ الْهم عِنْدَ حُلُوله ويُلهيك بالآداب حِين تساجله
يكسِّر طمح الْعين من لحظاته ويغمض مِنْهُ الجفن حِين تخاتله
ويشربُ مَا تَسْقيه غَيْر مماكس إِلَى أَن يُرى وَالرَّأْس تهتز مائله
فَحِينَئِذٍ تُثْنَى إِلَى الْبَاب رجلُه وَإِن لَمْ يكن بِالْبَابِ مَا هُوَ حامله
فَكتب إليَّ فِي جوابها من سَاعَته:
أَتَانَا مقَال أوجب الشُّكْر حامله وَدلّ عَلَى فضلِ الَّذِي هُوَ قَائِله
ومكّن ودًَّا قَبْلَ تمكينِ رؤيةٍ وَمن قبلُ مَا لاحت بِذَاكَ مخايِله
سنقبلُ مَا أهداه من صفو بره ونبذل مِنْهُ فَوق مَا هُوَ باذله
ونقصد أسبابَ التهاجر بَيْننَا فنقطعها مذمومة ونواصله
فَإِن دَامَ دُمنا لَمْ نرد بَدَلا بِهِ وَإِن زَالَ عَنْ عهد فلسنا نزايله
وَتَحْت هَذِهِ الأبيات: تفضل - جُعِلْتُ فدَاك - بالمصير إِلَيْنَا من ساعتك، فصرت إِلَيْهِ فَوَجَدته فَوق الْوَصْف، فَلم نزل نتعاشر طول مُقامي هُنَاكَ إِلَى أَن انحدرت.