وللفتنة وُجُوه مِنْهَا الصّرْف عَنِ الشَّيء وَمِنْه هَذَه الْكَلِمَة، وأفتنته مثل حزنته، وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أنَّ من قَالَ: فتنته أَرَادَ جعلت فِيهِ فتْنَة، وَمن قَالَ: أفتنته أَي جعلته فاتنًا، يُقَالُ وَفتن الرَّجُل فَهُوَ فاتن، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم الْخَلِيل أنَّكَ حَيْث قلت فتنته وحزَنته لَمْ تُرِدْ أنَّ تَقول جعلتُه دَاخِلا، وَلَكِنَّك أردْت أنَّ تَقول جعلتُ فِيهِ حُزْنًا وفتنة، فَقلت فتْنَة كَمَا قلت كحلته جعلت فِيهِ كُحلا، ودهنته جعلت فِيهِ دُهْنًا، وَقَالَ الْجرمي: سَمِعت أَبَا زَيْدُ يَقُولُ: حَزَنَني الْأَمر حُزْنًا وحَزْنا وَأَنا حَزِين ومَحْزون، وَهَذَا مثل: جريح ومجروح وقتيل ومقتول، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: كلهم يَقُولُ: أحزنني الْأَمر فَإِذا صَار إليَّ يفعل فَفِيهَا لُغَتَانِ، يَقُولُ قَوْمٍ: يحزنني عَلَى غَيْر قِيَاس، وَيَقُول قَوْمٍ: يحزنني عَلَى قِيَاس، وأمّا الْقُرَّاء فَلم يزدْ فِي هَذَا عَلَى أَن ذَكَرَ فِي حزن يحزن وأحزن يحزن لغتين.
وَقد اخْتلفت الْقِرَاءَة فِي اللَّفْظ بِهَذِهِ الْكَلِمَة فِي الْقُرْآن، فَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي يقْرَأ لَا يحزنك الدَّين، وَإنَّهُ ليحزنك، وأيها الرَّسُول لَا يحزنك الدَّين، وَإِنِّي ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ، ويستمرّ عَلَى هَذَا فِي الْقُرْآن كُله إِلَّا فِي قَوْله: وَلَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر، فَإِنَّهُ يضم الْيَاء فِيهِ، وأمّا نَافِع فعلى عكس هَذَا الْمَذْهَب لأنَّه ضم مَا فَتحه أَبُو جَعْفَر فِي هَذَا الْبَاب وَفتح مَا ضمه، وَكَانَ ابْن مُحَيْصِن يضم ذَلِكَ كُله، وَكَانَ الْجُمْهُور من الْقُرَّاء بعده يفتحون الْجَمِيع وَفِي استقصاء هَذِه الْمَعْنى وَذكر مَا يتَّصل لَهُ لتفريق من فرق بَيْنَ بعضه وَبَين بَعْض، والاحتجاج فِيمَا اخْتلف المقرئون فِيهِ مَوَاضِع جمة من كتبنَا فِي عُلُوم الْقُرْآن، نأتي عَلَى الْبَيَان عَنْهُ إِن شَاءَ اللَّه ﷿.
[ ٢١ ]