قوله: السلام عليك أيتها العقوه، التي لا تلم بها الشقوة؛ والربوه، الموقرة عن الصبوه.
المراد بذلك السلام على رب العقوة وصاحبها، والعرب تخاطب الديار بخطاب أهلها؛ قال الله تعالى: (وأسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أي واسأل أهل القرية وأهل العير. قال الأحوص بن محمد الأنصاري:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل حذر العدا وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل
وقال ذو الرمة التميمي:
أدارًا بحزوى هجت للعين عبرة فماء الهوى برفض يترقرق
والسلام، اسم من أسماء الله تعالى في قوله تعالى: (السلام المؤمن المهيمن) . والسلام: شجر، واحدته سلامة. والسلام: السلامة. والسلام: الاستسلام. والعقوة: ما حول الدار، وكذلك العقاة. الشقوة: ضد
[ ٣ ]
السعادة، وكذلك الشقاوة والشقاء، بمعنى واحد. والربوة: المكان المرتفع من الأرض، وفيها لغات: ربوة وربوة وربوة، بفتح الراء وكسرها وضمها، وكذلك الرباوة: المكان المرتفع. وربى الشيء يربو، إذا زاد، ومنه الربا في البيع، ويثنى ربوان وربيان. وربا الرجل الرابية، إذا علاها. وربا، إذا أصابه الربو، يربو فيهما. قال الراجز، فجمع بين اللغتين:
حتى علا رأس يفاع فربا رفه عن أنفاسه وما ربا
وربوت في بنى فلان، أي نشأت. والموقرة: الموصوفة بالوقار. ومنه قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) . قال أبو عبيدة: هو عندى من الوقار. ورجل موقر، أي مجرب؛ ورجل موقر، أي مبجل. ومنه قوله تعالى: (وتعزروه وتوقروه) . والصبوة والصبو والتصابي، كل ذلك بمعنى، وهو الميل إلى الصبا واللهو والحداثة؛ يقال: صبا يصبو: صبوا وصبوة، وهو أن يفعل فعل الصبيان. قال أبو إبراهيم: يقال: صبى يصبي صبًا، إذا لعب مع الصبيان. والصبا، يمد ويقصر، إذا كسرت الصاد قصرت، وإذا فتحتها مددت.
[ ٤ ]
قوله: (ذات القرار والمعين، والمستقر لحور العين): القرار والمستقر من الأرض: موضع الإقامة. والمعين: الماء الجاري؛ يقال: معن الماء يمعن معنًا، إذا جرى. والمعنان: مجاري الماء. والمعان: المنزل. والمعن: الشيء اليسير السهل. قال النمر بن تولب العكلي ثم البصري:
فإن هلاك مالك غير معن
أي ليس بهين. والحور: جمع حوراء وأحور، مثل أعور وعوراء، وجمعه عور؛ وأسود وسوداء، وجمعه سود. وعنى بالحور في هذا الموضع الكتب. والحور: شدة بياض العين في شدة سوادها. قال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر. وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء: حور العين، لأنهن شبهن بالظباء والبقر. قال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين. ويقال: حورت الثياب، إذا بيضتها. وقيل لأصحاب عيسى ﵇ الحواريون، لأنهم كانوا يحورون الثياب، أي يبيضونها.
[ ٥ ]
والحواري أيضًا: الناصر. قال رسول الله ﵌: (الزبير ابن عمتي، وحواري من أمتي) . والحواريات: نساء الأمصار؛ سمين بذلك لبياضهن. قال أبو جلدة اليشكري:
فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
والحواري من الطعام: ما حور، أي بيض. ويقال: حور خبزته، إذا أدارها ليضعها في الملة. ويقال: حور عين بعيرك، أي حجر حولها بكى، وهو شيء مدور. ويقال: أحور الشيء، إذا ابيض. والجفنة المحورة: المبيضة بالسنام. ويقال: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وهو النقصان بعد الزيادة. والأحور، عند العرب: كوكب، وهو المشترى.
والعين، بكسر العين: جميع عيناء، وهي البقرة الوحشية، سميت بذلك لسعة عيونها؛ يقال: بقرة عيناء وثور أعين؛ وقال بعضهم: لا مذكر له. وأما العين، بالفتح، فالين عين الإنسان. والعين: مصدر عنت الشيء أعينه عينًا، إذا أصبته بعينك وغبطته، فهو معين ومعيون، والفاعل عائن.
[ ٦ ]
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قد يضر الغبط كما يضر العضاه الخبط) . والعين: المتجسس للخبر. ويقال: بلد قليل العين، أي قليل الناس. والعين: عين الماء. والعين: مطر يدوم خمسة أو ستة لا يقلع. والعين: عين الشمس. والعين: المال الناض. والعين: نفس الشيء. والعين الميل في الميزان. والعين: عين الركية. والعين: الثقب في المزادة. وانشد ثعلب:
بذات لوث عينها في جيدها
وأسود العين: جبل. قال الشاعر:
إذا زال عنكم أسود العين كنتم كرامًا وأنتم ما أقام ألاثم
لثام وألاثم، مثل كرام وأكارم. وعين الشيء: خياره. ويقال: لقيته أول عين، أي أول شيء.
[ ٧ ]
وقوله: بعيدة عن رجم الظنون، كأمثال اللؤلؤ المكنون) .
رجم الظن، الذي لا يوقف على حقيقته. والرجم أيضًا: الشتم. والشيطان الرجيم: البعيد عن رحمة الله. والمكنون: المصون؛ ومنه: كنانة النبل، لأنها تصونها. والكانون: الثقيل الملارم في المجلس. قال الحطيئه يهجو أمه:
أغر بالا إذا استودعت سرًا وكانونًا على المتحدثينا
قوله: بيض الغرر والترائب، سود الطرر والذوائب.
الغرر هاهنا: الوجوه، وهو جمع غرة، وغرة كل شيء: أوله وأكرمه. والأغر: الأبيض. والغرر: ثلاث ليال من أول الشهر. وأما قول النبي ﷺ: (في الجنين غرة: عبد أو أمه) . فإنه عبر عن الجسم كله بالغرة. والغرة: البياض في الجبهة فوق الدرهم؛ وجمع ذلك كله غرر. والغرار، في قول النبي ﷺ: (لا غرار في الصلاة) هو ألا يتم
[ ٨ ]
ركوعها وسجودها. والغرار: حد السيف والشفرة وغيرهما. والغرير: الخلق الحسن؛ يقال للشيخ: أدبر غريره، وأقبل هريره. والترائب: جمع تريبة، وهي عظام الصدر. والتريب أيضا: الصدر. قال الراجز، الأغلب العجلي:
أشرف ثدياها على التريب لم يعدوا التفليك في النتوب
وطرة الشعر معروفة، وكذلك طرة الثوب. وطر النبت، إذا اهتز؛ ومن ذلك يقال: طر شارب الغلام، فهو طار. والرجل الطرير: ذو الهيئة. قال ابن مالك معود الحكماء:
ويعجبك الطرير فنبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير
والذوائب: جمع ذؤابة، وذؤابة كل شيء: أعلاه؛ وبذلك سميت الذؤابة.
قوله: مقرونة الحواجب، موشومة الرواجب؛ تفتر عن درر من الثغور، ودراري طالعة لا تغور.
القرن في الحاجبين: اتصالهما، وهو مصدر: قرن. والذي ليس بأقرن يسمى الأبلد والأبلج، ومصدرهما البلد والبلج، وهو الذي بين حاجبيه
[ ٩ ]
فرجة لا شعر فيها تسمى البلدة. وبذلك سميت البلدة من منازل القمر، لأنها لا نجوم فيها. والقران: الحبل الذي يقرن به شيئان، أي يوصل بينهما. والقرن: الحبل أيضًا. قال الشاعر:
أبلع أبا مسمع إن كنت لاقيه أني لدى الباب كالمشدود في قرن
والقران أيضًا: أن يجمع بين تمرتين عند الأكل، ومنه: قران الحج بالعمرة. والمقرن: المطيق للشئ، ومنه قوله تعالى: (وما كنا له مقرنين) .
ووشم اليد: نقشها، وهو أن تغرز بالإبرة ثم يذر عليها النؤور، وهو دخان الفتيلة. وكنى بالوشم عن الكتابة في هذا الموضع. والرواجب: مفاصل الأصابع كلها، وهي جمع راجبة. تفتر، أي تبسم. والدرر: جمع درة. والدراري: جمع دري، وهو الكوكب الثاقب المضئ، شبه بالدرة المضيئة. تغور، أي تغيب؛ يقال: غارت الشمس تغور غيارًا. قال أبو ذؤيب.
هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
أي مغيبها. وغار الماء يغور غورًا. ومنه قوله تعالى: (أ، أصبح ماؤكم غورًا) أي غائرا، أقام المصدر مقام اسم الفاعل، كقولهم: جاء القوم ركضًا، أي راكضين. وغارت عينه تغور غورا. قال العجاج:
[ ١٠ ]
كأن عينيه من الغؤور قلتان أو حوجلنا قارور
الحوجلة: قارورة صغيرة واسعة الرأس. والغور: تهامة؛ يقال: غار الرجل وأغار، إذا أتى الغور. قال الشاعر يصف الخيل:
تغور زمانًا ثم تبدو قد اكتست من المال جلات العشار القناعس
ويروى: وتعرى زمانًا. وقال آخر:
ليت شعري ما أماتهم نحن أنجدنا وهم غاروا
وغور كل شيء: قعره. وأغار الرجل على العدا إغارة. والاسم الغارة.
قوله: عواطل من الحلي، لا تعرف عدوا من ولي؛ يخلو بها ذو الريب، وهي بريئة الجيب، من التهمة والعيب.
يقال: امرأة عاطل، إذا كانت غير حالية. والريب: الشك؛ يقال دع ما بريبك إلى مالا يريبك. وريب المنون: حوادث الدهر. ومنه قوله تعالى: (نتربص به ريب المنون) . وأراب الرجل، إذا صار ذاريبة. ورابني، إذا أدخل على شكا وخوفًا. والريب: الحاجة. قال كعب بن مالك الأنصاري:
[ ١١ ]
قضينا من تهامة كل ريب وخير ثم أجممنا السيوفا
قوله: لم تطمث بأنس ولا جان، ولا استترت عن الأبصار بالبراقع ولا المجان.
الطمث: الجماع، مصدر طمث الرجل زوجته يطمثها، فهو طامث، إذا جامعها؛ ويقال. إذا افتضها. ومنه قوله تعالى: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) . والطامث أيضًا: الحائض. والطمث: المس، في كل شيء يمس. قال: ويقال: ما طمث هذا المرتع قبلنا أحد. قال: وكل شيء يطمث. قال الخليل: طمثت البعير طمثًا، إذا علقته. ويقال: ما طمث هذه الناقة حبل قط، أي ما مسها. والطمث أيضًا: الدنس.
والمجن. ما يسترك، وسمي الترس مجنًا لستر صاحبه، واختص بذلك لكثرة الاستعمال. والجنة: ما استترت به من السلاح؛ ومنه قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل) أي ستره بالظلام. يقال: جن الليل جنونًا وجنانًا. قال خفاف بن ندبة:
ولولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطي عياض بن ناشب
[ ١٢ ]
والجنين: الولد في بطن أمه. والجنين أيضًا: المقبور. والجنان: القلب. واشتقاق ذلك كله من الستر والتغطيه. وسميت الجن جنا لاستنارهم.
قوله: (لا تجزى المحب بنفار، ولا تحرم بنكاح على الكفار؛ تحل بعد ثلاث من الطلاق، بمساس وتلاق؛ لا تنشر من بعل، وإن وطئها بالنعل؛ مقعدة تسير في بعد وقرب، صائمة عن الأكل والشرب) .
النفار: التباعد، وكذلك النفور. لا تشز، يقال: نشزت المرأة على بعلها نشوزًا، إذا عصته. ونشز بعلها عليها: ضربهًا وجفاها. والنشر: المكان المرتفع. والنشز: الارتفاع. والبعل: الزوج والبعل: الرب. والبعل: الصاحب. يقال منه: بعل يبعل، إذا صار بعلا. قال الشاعر:
يا رب بعل ساء ما كان بعل
والبعل: صم كان يعبد. ومنه قوله تعالى. (أتدعون بعلًا) . والبعل: ما يشرب بعروقه من الأرض بغير سقى. وفي الحديث عن رسول الله ﵌: (ما شرب بعلًا) . والبعل: الأرض المرتفعه لا يصيبها مطر إلا مرة واحدة في السنة. والبعال: ملاعبة الرجل أهله. وفي الحديث: (إنها أيام أكل وشرب وبعال) . يعني أيام التشريق.
[ ١٣ ]
قوله: (ممنوعة عن اللذات، نقية العرض والذات؛ لا تغسل من درن، ولا توصف بكسل ولا أرن؛ تنطق بصموت، وتحيا بعد أن تموت؛ يسمع نطقها بالعين، لا تلفظ بلسان ولا بشفتين) .
والعرض: النفس والعرض: الحسب. ويقال: بل العرض: كل موضع يعرق من الجسد. ويقال: بل العرض: الجسد، والريح طيبة كانت أو خبيثة.
والدرن الوسخ. والدرين: الحولي من النبات اليبيس والإدرون: الأصل. ودرينة. اسم للأحمق.
والأرن والإران: النشاط في الخيل وغيرها. والإران: النعش يحمل عليه الموتى.
قوله: تضحك وتبكي السامر والضجيع، بنظام حسن وتسجيع.
والسامر. واحد السمار. والسامر أيضًا: القوم يسمرون. قال الحارث الجرهمي.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
بل نحن كنا أهلها فأزالتا صروف الليالي والجدود العواثر
[ ١٤ ]
والسامر: المكان يجتمع فيه للسمر. قال:
وسامر طال لهم فيه السمر
والسمر: فعل السامر. والسمر أيضًا: سواد الليل.
والضجيع: المضاجع. والنظام: الشعر، شبه بنظام الدر والخرز، وهو ما نظم بعض إلى بعضه، أي جمع بخيط، وذلك الخيط يسمى السلك.
والسجع من الكلام: ما كان له قواف كقوافي الشعر.
قوله: تخبر عن جديس وطسم، وما عفا من أثر ورسم؛ حبهن دين، وهواهن فرضٌ على الموحدين) .
جديس وطسم: هما أمتان عظيمتان من الأمم الماضية انقرضوا فلا بقية لهم. وجديس؛ أخو ثمود. وهما ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح. وطسم، ابن لاوذ بن سام بن نوح. وكانت طسم وجديس يسكنون اليمامة، وكان لهم ملك من طسم سيئ السيرة، وكانوا لا يزوجون امرأة من جديس إلا بعث غليها ليلة زففها فافترعها قبل زوجها. فوثبت جديس على ذلك الملك في غرة فقتلوه، وقتلوا معه من طسم مقتلة عظيمة. فمضى رجل من طسم إلى حسان بن أسعد تبع ابن كلي كرب بن تبع الأكبر بن تبع الأقرن بن شمر برعش بن إفريقيش ابن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرائش الحميري يستصرخه فوجه معه جيشًا إلى اليمامة، وكانت اليمامة تسمى يومئذ جو، وكانت بها امرأة اسمها اليمامة، وهي الزرقاء، وكانت تبصر الراكب من مسيرة أيام. وباسمها سميت جو اليمامة.
[ ١٥ ]
فلما خافوا أن تبصرهم فتنذر بهم قطعوا الشجر، وجعل كل رجل من الجيش بين يديه شجرة. فنظرت اليمامة فقالت: يا معشر جديس. لقد جاءتكم حمير أو سار إليكم الشجر. فقالوا ما ترين؟ فقالت: أرى في الشجر رجلا معه كتف يأكلها أو نعل يخصفها، فكذبوها. فصبحتهم حمير فقتلتهم وأفنتهم. وقد ذكرت ذلك الشعراء. قال الأعشى:
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها يومًا ولا كذب الذئبي إذ سجعا
قالت أرى رجلًا في كقه كتف أو يخصف النعل لهفي أية صنعا
فكذبوها بما قالت فصبحهم ذو آل حسان يزجي السم والسلعا
فاستذلوا أهل جو من مساكنهم وهدموا يافع البنيان فاتضعا
وما عفى من الخ. يقال: عفا المنزل يعفو عفاء، أي درس، وعفته الريج أيضًا، عفاء، أي درسته، يتعدى ولا يتعدى.
وأثر الشيء. بقيته. والرسم: الأثر. وترسمت الدار، نظرت إلى رسومها. قال ذو الرمة:
أأن ترسمت من خرقاء منزلة ماء الصبابة من عينيك مسجوم
والرسيم: ضرب من سير الإبل. وناقة رسوم: تؤثر في الأرض من شدة
[ ١٦ ]
الوطء. والروسم: الرسم. والروسم: واحد الرواسيم، وهي كتب كانت في الجاهلية؛ قال ذوا الرمة:
من دمتة هيجت شوقي معًا لمها كأنها بالهدملات الرواسيم
قوله: وحديقة الأدب التي لا تهيج، وتربته التي أنبتت من كل روج يهيج؛ وسيمة الأزهار، جارية الأنهار؛ غصونها دانية، وعيونها غير آنية.
الحديقة: واحدة الحدائق، وهي أرض ذا شجر، سميت حديقة لأن النبات محدق بها، أي مدير. ويقال: هاج النبت هياجًا وهياجًا وهيجا، إذا اصفر ويبس. وأرض هائجة، إذا يبس بقلها؛ ومنه قوله تعالى: (ثم يهيج فتراه مصفرًا) . يقال: هاجت الحرب هيجانًا.
والبهيج: الحسن. والبهجة السحن. والوسيمة: الحسنة. والآنية: الحارة التي انتهى حرها؛ ومنه قوله تعالى: (يطوفون بينها وبين حميم آن) .
قوله: (لاخبت أنوارك، ولا ذبل نوارك؛ لأنت جنة العدن، الحقيقة بالسدن؛ نحييك من بعد بالجنان، ونشير بأطراف البنان) .
يقال: خبت النار، إذا طفئت، وكذلك السراج. ويقال: ذبل البقل ذبولًا، وذبلًا؛ إذا يبس. والنوار والنور، جميعًا: الزهر. والعدن: الإقامة. يقال: عدن بالمكان يعدن، إذا أقام به؛ ومنه قوله تعالى: (جنات عدن) . والسدن: الخدمة، وكذلك السدانة؛ ومنه: سدانة الكعبة. نحييك أي ندعو لك بدوام التحية. والتحية: الملك. قال زهير بن جناب الكلبي:
[ ١٧ ]
وتركتكم أولاد سا داتٍ زنادكم وريه
ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه
ومعنى قول القائل: حياك الله، أي ملكك قوله: هل أتاك نبأ النار المؤنسة، في الأرض المقدسة؛ بجانب القصر المشيد. وجناب الملك الرشيد؛ نار سؤدد رفعت للنواظر؛ وهديت بها البوادي والحواضر؛ جاهلها في الناس مليم، وفاز من هو لها كليم؛ مضرمةٌ للولي بلهب من ذهب، وللعدو بهلاك ورهب؛ أججت بأعواد الكرم لا الكروم، وأرجت بطيب الأغصان والأروم؛ تخضر بقربها الغرائس، ويترب المفتقر البائس؛ يعوذ بها الأواه المنيب، ويلوذ اللاصق والجنيب؛ بورك من في النار؛ وعلى علو ذلك المنار.
المؤنسة: المنظورة؛ ومنه قوله تعالى: (آنس من جانب الطور نارًا)، أي رأي. والهذلى:
وإني إذا ما الصبح آنست ضوءه يعاودني قطع على ثقيل
المقدسة: المهطره؛ ومنه: روح القدس. والمشيد: البناء. والسؤدد: الرياسة. والمليم. الذي يأتي ما يلام عليه؛ ومنه قوله تعالى:
[ ١٨ ]
(فالتقمه الحوت وهو مليم) . والكليم: المكالم، وهو المراجع في الكلام. ومنه قيل لموسى: كليم الله. والكليم أيضًا: الجريح. والكلم الجرح، وجمعه كلوم وكلام. قال أبو بكر بن أبي قحافة يرثي رسول الله ﵌:
أجدك ما لعينك لا تنام كأن جفونها فيها كلام
والرهب: الرهبة؛ وهو الرهب أيضًا؛ ومنه قوله تعالى: (واضمم إليك جناحك من الرهب) . والرهب: البعير المهرول. والرهب أيضًا: الرغبة. والرهب. النصل الرقيق. والرهابة: عظم في الصدور مشرف على البطن مثل اللسان. والترهب: التعبد؛ ومنه اشتقاق الرهبان. والإرهاب: قدع الإبل عن الحوض وذيادها. أججت، أي أوقدت. وأرجت، يقال: أرج الطيب يأرج أرجًا، إذا فاح. والأروم والأرومة: الأصل. ويقرب المفتقر، يقال: أترب الرجل، إذا استغنى. وترب، إذا افتقر؛ ومنه قولهم: تربت يداك. أي افتقرت. فأما قوله تعالى: (أو مسكينًا ذا متربة) فإنما هو لاصق بالتراب. والبائس: المحتاج؛ ومنه قوله تعالى: (وأطعموا البائس الفقير) . يقال منه: بئس الرجل يباس بؤوسًا، إذا اشتدت حاجته، والأواه: كثير الدعاء. وقال قوم: الفقيه. وقال قومٌ: المؤمن. والمنيب: المقبل إلى الله النائب. ومنه قوله تعالى: (وخر راكعًا وأناب) .
والجنيب: البعيد؛ يقال منه: جنب يجنب جنابة، فهو جانب.
[ ١٩ ]
والجنب: أن يشتد عطش البعير حتى تلصق رئته بجنبه. قال ذو الرمة يصف نافته ويشبهها بحمار وحش.
وثب المسجح من عانات معقلةٍ كأنه مستبان الشك أو جنب
ورجلٌ جنب، أي قريب، ومنه قوله تعالى: (والجار الجنب) . ويقال: قعد فلان جنبةً، إذا اعتزل الناس. قال الراعي:
أخليد إن أباك ضاق وساده همان باتا جنبةً ودخيلا
والجنبة: نبت؛ يقال: مطرًا كثرت منه الجنبة.
بورك، البركة: والخير؛ يقال: بارك الله فيك، وبارك عليك، وبارك لك، وباركك. ومعنى قول القائل: تبارك الله، أي تعالى.
والمنار: علم الطريق. وذو المنار: ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه أول من بث الأعلام في الطريق ليهتدوا بها، رهو أبرهه ذو المنار بن الحارث الرائش بن شداد بن
[ ٢٠ ]
الملظاظ بن عمرو بن ذي أبين بن ذي يقدم؛ بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن جيدان بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع ابن حمير الأكبر.
قوله: غني وإن غدوت والعين على جان، وضربت من الدهر بصولجان؛ ضرب كرة بين الحزاور، ولفظة بها كل محاور؛ يحفظ الغيب لجدير، وعلى هدية الشكر لقدير، لسيد مطاع، أصبح لببت الشرف كالسطاع.
الصولجان: العود الذي تضرب به الكرة. والحزاور: الغلمان؛ جمع حزور، وهو الغلام المترعرع. والمحاورة: المجاوبة. والغيب: المغيب؛ يقال: غاب غيبًا ومغيبًا، مثل سار سيرًا ومسيرًا، كل ذلك بمعنى. والغيب: المطمئن من الأرض. قال لبيد:
وتسمعت رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها
والغيب: ما غاب من أمر الله ﷿ عن عباده. ومنه قوله تعالى (يؤمنون بالغيب) . ويقال: إن فلانًا بكذا وكذا لجدير وحقيق وحري وقمين وخليق، كل ذلك بمعنى. السطاع: عمود البيت. قال القطامي:
أليسوا بالألى قسطوا قديمًا على النعمان وابتدروا السطاعا
قوله: وصنائعه في كل جناب، كالأوتاد له والأطنناب، لا يفتأ من صيانة حسب، غير مؤتشب، بإهانة ما اكتسب.
[ ٢١ ]
الجناب: الفناء. والأطناب: جمع طنب، وهي الحبال التي يشد بها البيت، والإطنابة: سير في طرف الوتر تشد به القوس العربية. والإطنابة: المظلة. والإطناب في الكلام: المبالغة فيه.
لا يفتأ، أي لا يزال. وحسب الرجل: شرفه ومآثره؛ ويقال: حسبي الشيء، أي كفاني. والحسب: الكفاية. والحسبان: العذاب؛ ومنه قوله تعالى (حسبانًا من السماء) . والحسبان: الحساب؛ ومنه قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) . والحسبان: سهام صغار يرمى بها عن القسي الفارسية، الواحدة حسبانه. قال أبو زياد الكلابي: أصاب الأرض حسبان، أي جراد. والحسبان، بكسر الحاء: الظن. والحسبانة: الوسادة الصغيرة. قال الشاعر:
غداة ثوى في اللحد غير محسب
أي غير موسد. والمحسب: الموسد. قال ابن الأعرابي: المحسب: المكفن. والأحسب: الذي ابيضت جلدته من داء أصابه ففسدت شعرته كأنه أبرص. قال امرؤ القيس بن مالك الحميرى:
أيا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا
يصفه باللؤم والشح، يقول: كأنه لم تلحق عقيقته في صغره حتى شاخ. والعقيقة: شعر المولود الذي يولد وهو عليه. والبوهة: طائر مثل البومة، يشبه به الأحمق.
[ ٢٢ ]
والمؤتشب: الذي هو غير خالص النسب. والأشابة. والأخلاط من الناس. قال الذبياني:
وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزت قبائل من غسان غير أشائب
وتأشب القوم، إذا اختلطوا. ويقال: أشبه يأشبه أشبا، إذا لامه وعابه. قال أبو ذؤيب:
ويأشبني فيها الذين يلونها ولو علموا لم يأشبوني بطائل
بطائل، أي بفضل. أي لو علموا أنها لا توليني إلا شيئًا يسيرا، كالنظرة والكلمة، لم يأشبوني بطائل، أي بأمر طائل.
قول: من وفر ونشب.
النشب: المال. قال الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب
قوله: حكم بالعدل مقسط، ولدوحة الشرف متوسط؛ بين والد مشب، وبغرس كرم نامي العشب، وطرف من الأخوة والأولاد منجب، وشرف عالي العماد مرجب، فهو كعبة للثناء، سامية البناء؛ تضيق بقاصدها الفجاج، ويفي بحمدها الحجاج، ما صفرت يد القابض، ولا رمى الظن بنكس حابض.
المقسط: العادل. والقاسط: الجائر؛ يقال: أقسط، إذا عدل، وقسط، إذا جار، ومنه قوله تعالى: (إن الله يحب المقسطين) . وقوله تعالى: (أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا) . قال ابن وكيع:
[ ٢٣ ]
أمنك للدهر غلط أقسط يومًا أو قسط
والدوحة: الشجرة العظيمة؛ وجمعها: دوح. قال امرؤ القيس:
فأضحى يسح الماء من كل فيقة تكب على الأذقان دوح الكنهبل
الكنهبل، بفتح الباء وضمها: ضرب من الشجر، والنون زائدة.
مشب، يقال: أشبى الرجل يشبي إشباء فهو مشب، إذا كان أولاده كرامًا. قال ذوا الإصبع:
وهم إن ولدوا أشبوا بسر النسب المحض
طرف: طرف الرجل: أقاربه. قال الشاعر:
وكيف بأطرافي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح
ويقال: ما يدري فلان أي طرفيه أطول. المراد بذلك نسب أبيه وأمه. ومعنى: أطول، أي أشرف. وقيل في قول الله تعالى: (أولم يروا أنا نأتيه الأرض ننقصها من أطرافها) . إن الأطراف هاهنا: العلماء. قال الشاعر:
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها وإن يمت عالم منها يمت طرف
والنجيب من الرجال: الكريم، وجمعه نجباء، ومصدره نجابة. يقال: نجب
[ ٢٤ ]
الرجل، إذا صار نجيبًا، وأنجب، إذا ولد ولدًا نجيبًا.
والمرجب: المعظم. ومنه: اشتقاق رجب، لأنهم كنوا يعظمونه. وترجيب الشجرة: أن تدعم إذا كثر حملها لئلا تنكسر أغصانها. قال حباب بن المنذر يوم السقيفة لقريش. أنا جذيلها المحك، وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير.
الصفر: الخالي؛ يقال: صفرت يداه، إذا افتقر. ويقال في الشتم: ماله صفر إناؤه، أي هلكت ماشيته. والصفر. حية تكون في البطن نصيب الماشية والناس، يقال منها: رجل مصفور. قال الأعشى يرثي المنتشرين وهب:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يزال أمام القوم يفتقر
لا يغمز الساق من أبن ولا وصب ولا يعض على شرسوفه الصفر
والنكس: السهم الذي انكسر فوقه فنكس وجعل أعلاه أسفله. والنكس: الرجل الضعيف. والحابض: السهم الذي يقع بين يدي راميه. والحبض: التحرك. يقال: ما به حبضٌ ولا نبضٌ، ويقال: حبض ماء الركية، إذا نقص. والمحابض: العيدان التي يشتار بها العسل.
قوله فحرس الله الحضرة المطهرة بأزال، عن كل ما غير النعم وأزال؛ حتى تنخفض واجبات الأفعال، وتنطيق الشفاه بمنطبق عال) .
[ ٢٥ ]
أزال: اسم صنعاء مدينة اليمن، سميت باسم أزال بن قحطان، لأنه الذي بناها، وقيل هو أزال بن يقطن. وسميت صنعاء بصنعاء بن أزال هذا. الأفعال، يعني الماضية، وتسمى الأفعال الماضية واجبة، والأفعال المستقبلة تالية.
تنطبق الشفاه يعني أن حروف الإطباق لا تخرج أبدًا من الشفة، فدعا للحضرة بالدوام حتى تخرج الحروف المطبقة من مخرج حروف الشفة، وذلك ما لا يكون أبدًا. وحروف الشفة ثلاثة: الفاء والباء والميم. والحروف المطبقة أربعة: الصاد والضاد والطاء والظاء، وسميت مطبقة لانطباق اللسان على ما حاذاه من الحنك الأعلى.
بمطبق عال لأن الحروف المطبقة من حروف الاستعلاء يجمعها قولك: ضغط فظ خص. قال عبد الرازق بن علي النحوي في رسالته المسماة بإكسير الذهب: إنه جمع هذا أبو بكر بن أشته البغدادي في كتاب المحبر.
وما عدا حروف الاستعلاء فهو مستفل. ومعنى الاستعلاء صعود الصوت إلى جهة من فوق الحنك.
قوله: ويتولد الإدغام بين متوسط ذو لقى. وآخر هابطي حلقي.
فالحروف الذولقية ثلاثة: الراء واللام والنون. سميت ذولقية لأن مخرجها من ذولق اللسان. وذولق اللسان: طرفه. والحروف الحلقية ستة: العين والغين والحاء والخاء والهاء والهمزة. والحروف الحلقية لا يتولد بينها وبين الذولقية إدغام أبدًا. ومعنى الإدغام: أن يجعل حرفين في الكلام حرفًا واحدًا مشددًا.
[ ٢٦ ]
ولا يصح الإدغام إلا لأحد وجهين، إما أن يلتقي حرفان من جنس واحد فتسكن الأول منهما وتدغمه في الثاني، أي تدخله فيه، فيصير حرفًا واحدًا مشددًا، نحو قولك: شد، ومد، ورد، وما شاكل ذلك، هذا أحد وجهي الإدغام والوجه الآخر: أن يلتقي حرفان متقاربان في المخرج، فتبدل الأول منهما من جنس الثاني وتدغمه فيه، كقولك: الرجل والذاهب، وما شاكل ذلك. فإذا أمرت من الأول كان لك وجهان: إن شئت أدغمت فقلت: مد، وشد، ورد، وإن شئت أظهرت فقلت: اشدُد، وامدُد، واردُد. قال الأعشى:
وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو صليت ياللهم ما
أردد علينا شبخنا مسلما
فإذا ثنيت أو جمعت لم يجز الإظهار، تقول: شدًا، ومدًا، وردًا؛ وشدوا، ومدوا، وردوا؛ ولا يجوز: اشددا وامددا، وارددا، واشددوا، وامددوا، وارددوا. والحروف التي تدغم فيها لام المعرفة ثلاثة عشر حرفًا، لا يجوز إظهارها معها لقرب مخرجها منها، وهي: النون والدال والذال والتاء والثاء والصاد والضاد والطاء والزاي والسين والشين والراء، كقولك: الداعي، والناصر، والذاكر، والتائب، والصاحب، وما شاكل ذلك.
فتلك حراسة تهرم الأزلم الجذع، ودوام لا أمد له ولا منقطع؛ وأطال بقاءها حتى تدنوا لميم في المخرج من العين، على تباين النوعين؛ إن بينهما
[ ٢٧ ]
لأبعد بين بعد المشرقين من المغربين، وحاطها عن النوائب، ومخشي الغير والشوائب؛ حتى تود السين وأخواتها التسع من حروف الجهر، وليلة التمام أول غرة الشهر، أين الجهر من الهمس، ونصف عدة المنازل من منزلة الشمس.
الأزلم الجذع: الدهر. قال لقيط بن يعمر الإيادي، وكان كاتب كسرى:
يا قوم بيضتكم لا تفضحن بها إني أخاف عليها الأزلم الجذعا
حتى تدنو يريد: حتى يكون مخرج العين والميم واحدًا، وذلك ما لا يكون أبدًا، لأن مخرج العين أول مخارج حروف المعجمة من الحلق، والميم آخر الحروف مخرجًا من الشفة، وقد تقدم ذكرها.
تباين النوعين لأن الحروف الحلقية مباينة لحروف الشفة. والبين: البعد، في هذا الموضع. والبين: الوصل، في قوله تعالى: (لقد تقطع بينكم) . وهذا الحرف من الأضداد. والبين، بالكسر: قطعة من الأرض قد رمد البصر.
قال ابن مقبل يخاطب الخيل:
من سرو حمير أبوال البغال به أني تسديت وهنًا ذلك البينا
[ ٢٨ ]
بعد المشرقين يعني مشرقي الشمس ومغربيها حيث تنتهي عند الطلوع والغروب في الشتاء والصيف من جهة الجنوب والشمال في المغرب والمشرق.
الشوب: الخلط، ومنه قوله تعالى: (لشوبًا من حميم) .
من الهمس فالحروف المهموسة عشرة، يجمعها قولك: (سكت فحثه شخص) . وما عدا الحروف المهموسة فهو مجهور، لأن الجهر ضد الهمس في الكلام. والهمس: الصوت الخفي. ومنه قوله تعالى: (وخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا) . وهمس الأقدام: أخفى ما يكون من صوتها عند المشي. والجهر: الإعلان بالشيء. ومنه قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها. ورجل جهير الصوت: عاليه. ورجل جهير بين الجهارة، أي ذو منطر. قال أبو النجم:
وأرى البياض على النساء جهارةٍ والعتق أعرفه على الأدماء
وجهراء القوم: جماعتهم.
ليلة التمام: ليلة يتم القمر فيها، وهي ليلة أربع عشرة. والغرر: ثلاث ليال من أول الشهر. والشمس والقمر يجتمعان عند آخر كل شهر وأوله، وينتهي البعد ما بينهما ليلة الإبدار، وهي ليلة أربع عشرة.
ونصف عدة المنازل، وذلك أن بينهما أربع عشرة منزلة، تميز بينهما ليلة التمام، وذلك منتهى البعد بينهما. فاجتماعهما في تلك الليلة لا يمكن. ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلة، منها أربع عشرة منزلة شآمية، وهي
[ ٢٩ ]
الناطح، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثر، والطرف، والجبهة والزبرة، والصرفة والعواء والسماك.
ومنها أربع عشرة منزلة يمانية، وهي: الغفر، والزباني، والإكليل
[ ٣٠ ]
والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو الأعلى والفرع الأسفل والحوت.
قال أبو إسحاق الزجاج فيما روى عنه أبو القاسم الزجاجي في تفسير رسالة أدب الكتاب: في شرح الأنواء: السنة أربعة أجزاء. لكل ربع منها سبعة أنواء، كل نوء منها ثلاثة عشر يومًا. ويزاد يوم لتكمل السنة ثلثمائة وخمسة وستين يومًا، وهي مقدار ما تقطع الشمس به بروج الفلك كلها. فإذا نزلت
[ ٣١ ]
الشمس منزلة من هذه المنازل سترته، لأنها تستر ثلاثين درجة، خمس عشرة درجة خلفها، وخمس عشرة درجة أمامها، فإذا انتقلت عنه ظهر. فإذا اتفق أن يطلع منزل من هذه المنازل، مع الغداة ويعرف رقيبه فذلك النوء، وهو مأخوذ من: ناء ينوء، إذا نهص متثاقلًا. والعرب تجعل النوء للغارب، لأنه ينهض للغروب متثاقلًا، وعلى ذلك أكثر أشعارها. وبعض العرب يجعله للطالع، وهذا هو مذهب المنجمين، لأن الطالع له التأثير والقوة، والغارب لا قوة له. هذه المنازل كلها تقطع من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلة مرة، وهو دور الفلك، ولكن التوء لا ينسب إلا إلى المنزل الذي يظهر من تحت الشعاع، ويتفق طلوعه مع الغداة كما ذكرت لك. ولا يتفق ذلك لكل واحد منهما إلا مرة في السنة.
وأجزاء السنة الأربعة التي أراد الزجاج: ربيع وصيف وخريف وشتاء. فالربيع له سبع منازل، أولها طلوع مؤخر الدلو بالغداة وآخرها طلوع الهقعة. والصيف له سبع منازل، أولها الهنعة وآخرها الصرفة. والخريف له سبع منازل، أولها العواء وآخرها الشولة. والشتاء له سبع منازل، أولها النعائم وآخرها مقدم الدول. وهذا رأي المنجمين. وبعض العرب تجعل الربيع لسقوط سبع منازل، في أولها العواء، ثم على هذا الترتيب والمنزلة ثلاثة عشر درجة وثلث درجة. والبرج ثلاثون درجة.
[ ٣٢ ]
قوله: تضرع بالدعاء إلى رب السماء، وتوصل بالأفعال والأسماء؛ وابتهال من أسير عان في يد الزمان، لا يطمع منه بسلامة ولا أمان؛ منى بحال مثل تاء الأفعال في الانقلاب والإبدال، مرة بطاء ومرة بدال.
فالتضرع: التذلل. قال الفراء: التضرع: طلب الحاجة والتعرض لها. والضراعة: الذل. والضارع: النحيل الجسم. من ذلك أن ابنى جعفر جيء بهما إلى رسول الله ﷺ فقال: (ما لي أرهما ضارعين)؟ فقالوا: إن العين تسرع إليهما. فقال: (استرقوا لهما) . والضريع: سلع، وهو نبت مر. قال ابن عيزارة:
وحبسن في هزم الضريع فكلها جدباء دامية اليدين حرود
يذكر إبلًا وسوء مرعاها. والضريع. يبيس الشبرق. قال الشاعر:
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعًا نازعته النحائض
ومنه قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) .
والرب: الملك. والسماء، تجمع على سماوات. والسماء: كل ما علاك فأعلك؛ ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: السحاب؛ ومنه قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء مباركًا) . وهو مذكر في المعنى. قال معاوية بن مالك.
إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
وقال النمر بن تولب:
[ ٣٣ ]
سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر
غمام ينزل رزق العباد فأحيا البلاد وطاب الشجر
ويجمع على سمي. قال العجاج:
تلفه الرياح والسمي في دق أرطاة لها حنى
وتوصل يعني الدعاء، لأنه كلام، والكلام أفعال وأسماء. والابتهال: التضرع. والمبتهل: المتضرع. والمباهلة: الملاعنة. ومنه قوله تعالى: (ثم نبتهل) والبهل: اللعن. والبهل: الماء القليل. والباهل: الناقة التي لا صرار عليها. قالت امرأة من العرب لزوجها. أتيتك باهلًا غير ذات صرار. ويقال: أبهلته، إذا خليته وإرادته.
والعاني: مشتق من العناء، وهو التعب: يقال: عنى يعني عناء، فهو عان.
منى بحال. قال يعقوب بن السكيت. نقول: منوت الرجل ومنيته: إذا ابتليته. والمنى: القدر؛ يقال منى له يمنى منى فهو مانٍ، أي قدر. قال الشاعر:
ولا تقولن لشيءٍ سوف أفعله حتى تلاقي ما يمنى لك الماني
[ ٣٤ ]
وقال آخر:
سأعمل نص العيس حتى يكفني غنى المال يومًا أو منى الحدثان
وقال الهذلي:
لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى إلى حدث نوزى له بالأهاضب
تاء الافتعال فإن تاء الافتعال تنقلب مع سبعة أحرف، وهي: الصاد، والضاد، والدال، والذال، والطاء، والظاء، والزاي. وتبدل طاء مع أربعة أحرف منها، مع: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء؛ نحو قولك: اصطلح، واضطجع، واطلع، واظطلم. وتبدل دالًا مع ثلاثة منها، وهي: الدال والذال، والزاي. نحو قولك: ادلج، وادكر، وازدجر.
وحروف البدل اثنا عشر حرفًا، وهي: الهمزة، والألف، والياء، والواو، والجيم، والنون، والهاء، واللام، والميم، والتاء، والطاء، والدال. وأكثرها الواو، والياء، والألف. ويجمعها قولك: أدمجها لتنطوي. فالهمزة تبدل من الواو والياء، في مثل: قضاء وشقاء، لأن الأصل: قضاي وشقاو؛ لأن الياء والواو لا يتطرفان بعد الألف إلا انقلبتا همزة. قال قطرب في كتاب جماهير الكلام: والدليل على أن شقيت من ذوات الواو، قولهم: شقوة، وشقاوة.
[ ٣٥ ]
وإنما انقلبت في شقيت لسكونها وللكسرة قبلها، كما قالوا: غبيت، ورضيت؛ وهما من الأضداد. لقولهم: غباوة ورضوان. ولو كانا من الياء، لقالوا: غبيان، ورضيان، كما قالوا: عصيان.
والألف تبدل من الواو والياء، في مثل قفا ورحى والأصل: قفى ورحى، يدل على ذلك قولهم: قفوان، ورحيان، فأبدلا في التثنية؛ لأن الواو والياء إذا تطرفتا بعد الفتحة قلبتا ألفًا.
والواو تبدل من الياء في مثل: موسر، وموقن.
والياء تبدل من الواو في مثل: ميزان، وميعاد. والأصل: موزان، وموعاد، لأنه مفعال، من وزنت ووعدت، فقلبت للكسرة.
والتاء تبدل من الواو في مثل: تجاه، وتراث؛ وفي قولهم: اتعد، واترث، لأنها من الوراته، والوجه، والوعيد، والوزن.
والهاء تبدل من تاء التأنيث في الوقف، في مثل: طلحة، وما شاكله. وتبدل من الهمزة في مثل قولهم: هراق الماء.
والنون تبدل من الواو في مثل قولهم: صنعاني، وبهراني، والأصل: صنعاوي وبهراوي.
والميم تبدل من النون في مثل: عنبر، وقنبر، وشنباء، فيصير عمبر، وقمبر، وشمباء. وتبدل أيضًا من الواو في: فم، والأصل: فوهٌ، لأن تصغيره فويه؛ وجمعه أفواه.
والدال تبدل من تاء الافتعال إذا كان فاء الفعل دالًا، أو ذالًا، أو زايًا، نحو: ازدجر، وادكر، وادلج.
[ ٣٦ ]
واللام تبدل من النون في قولهم: أصيلال، إنما هو أصيلان.
والطاء تبدل من تاء الافتعال إذا كان فاء الفعل صادًا، أو ضادًا، أو طاء، أو ظاء، نحو: اصطلح، واضطرب، واطرد، واظطلم، وكذلك تصرفه نحو: يصطلح، ويضطرب، ويطرد، ويظطلم.
والجيم تبدل من الياء في مثل قول الشاعر:
خالي عويفٌ وأبو علج المطعمان الضيف بالعشج
وبالغداة فلق البرنج
أراد: أبو علي والعشي والبرني. فأبدل من الياء جيمًا، ومثله قول أبي النجم:
كأن في أذنابهن الشول من عبس الصيف قرون الإجل
أراد: الإيل، فأبدل من الياء جيمًا، وليس لذلك قياسٌ مطرد فيعمل عليه.
قوله: أبدلت في الحالتيين بشديد، غير راخ ولا مديد؛ وضروب من حوادث الدهر تدور، مع السنة والشهور؛ تعيد الجلد من الرجال كثلاثي الأفعال؛ عليل الطرفين، ثم تنقص منه للعلة حرفين؛ فيصير حرفًا واحدًا، وتعيضه في الوقف حرفًا زائدًا.
فإن الطاء والدال من الحروف الشديدة، والحروف الشديدة ثمانية، يجمعها قولك: أجدك قطبت. وما عدا الحروف الشديدة والمتوسطة فهو رخو.
[ ٣٧ ]
والحروف المتوسطة ثمانية أيضًا، يجمعها قولك: يعلومارن. وحروف المد ثلاثة، وهي: الواو، والياء، والألف، وهي المديدة.
الجلد: القوي، وكذلك الجليد، والجلد: القوة، وكذلك الجلادة. والجليد: الصقيع الجامد، وهو البرد. قال ابن السكيت: الجلد: الإبل التي لا أولاد معها ولا لبن فيها. والجلد: الأرض الغليظة الصلبة. قال النابغة الذنياني:
إلا أواري لأيًا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
المظلومة: الأرض التي لم تمطر.
والجلد: أن يسلخ الحوار فيلبس جلده حوارًا آخر.
كثلاثي مثل: وشى ووعى، إذا أمرت نقصت منه حرفي الاعتلال، فقلت: ع الكلام، وش الثوب. والأصل: يوعي ويوشي، فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وسقطت الياء للأمر.
فيصير حرفًا يعني أنك إذا وصلت الكلام لم يبق من هذا الفعل غير حرف واحد، مثل: عِ الكلام، وشِ الثوب، وما شاكله. فإن وقفت قلت: عِهْ، وشِهْ، فزدت الها، وحروف الزيادة عشرة، وهي: الواو، والألف، والياء، والهاء، والتاء، والسين، والميم، والنون، والهمزة، واللام. يجمعها قولك: اليوم لنسأة. ويجمعها أيضًا قولك: (سألتمونيها) . ويجمعها أيضًا قولك: (هويت السمان) . وروى أبو علي الفارسي في كتابه المعروف
[ ٣٨ ]
بالتصريف الملوكي، أن أبا العباس محمد بن يزيد المبرد الثمالي، سأل أبا عثمان المازني عن حروف الزيادة، فأنشده أبو عثمان:
هويت السمان فشيبنني وما كنت قدمًا هويت السمانا
فقال له أبو العباس: الجواب؟ فقال: قد أجبتك دفعتين. يعني قوله هويت السمان.
فالهمزة تزاد في أول الكلمة، مثل: أحمر وأصفر؛ وفي آخر الكلمة، مثل: حمراء وصفراء؛ وفي وسط الكملة، مثل: شمأل، لأنه من شملت الريح.
والميم تزاد في أول الكلمة زيادة مطردة القياس، كقولهم: مضرب ومقتل، وما شاكل ذلك. وتزاد في وسط الكلمة وفي آخرها زيادة شاذة غير مطردة القياس. فزيادتها حشوًا في مثل قول الأعشى:
إذا جردت يومًا حسبت خميصةً عليها وجريالًا يضئ دلامصا
فاليم في دلامص زائدة، لأن أصله من الدلاص، وهي البراقة. وتزاد آخرًا في مثل قولهم: زرقم وفسحم، لأنه من الزرق والانفساح.
والنون تزاد في مثل: عنبس، لأنه من العبوس، وتزاد في التثنية والجمع، كقولك: الزيدان والزيدون. وتزاد في فعل الاثنين والجمع والمؤنث، كقولك: يفعلان، ويفعلون، وتفعلين. وتزاد في باب الانفعال، مثل: الانطلاق، وما شاكله. وتزاد في فعل الجماعة، كقولك: نقوم، ونقعد، وما شاكله.
[ ٣٩ ]
والتاء تزاد في فعل المخاطب. كقولك: تقوم، وما شاكله. وفي باب الافتعال، مثل: الاجتراح: والاكتساب، وما شاكله. وتزاد للتانيث، في مثل: مسلمات، وما شاكله.
والهاء تزاد في الوقف، مثل قولك: ارمه، واغزه، وعه، وشه، وما شاكله.
والسين تزاد في باب الاستفعال، كالاستخراج، وما شاكله.
واللام تزاد في: هنالك، والأصل: هناك؛ وفي عبدل، وفحجل، لأن معناه: العبد، والأفحج.
والواو والياء والألف تزاد في مثل: كرام، وكريم، وعليم، وضروب، وحسود، وما شاكله؛ لأنه من الكرم، والعلم، والضرب، والحسد. والقياس في ذلك مطرد.
قوله: ونوائب، معابلها صوائب؛ ترد الصفو مشيبًا، والشباب شيبًا، وتخلق برد الشبيبة وقد كان قشيبا؛ فهو معها كحرف اعتلال، لا يوسم بصحة ولا إبدال؛ يختلف باختلاف الحركات المختلفات، فيعود على غير ما كان من الصفات؛ يذهب بدخول الجوازم، ويلزمه للحذف لوازم.
النوائب: جمع نائبة، وهي ما ينوب الإنسان، أي يصيبه، والمعابل: جمع معبلة، وهي النصل العريض الطويل. والقشيب: الجديد. لا يوسم، يقال: وسمت الصبي وسمًا؛ إذا أثرت قيه سمة، والسمة: العلامة. والوسم: الكلي. سمي بذلك لأنه يورث علامة في الجسد. والوسمي: أول المطر، لأنه يسم
[ ٤٠ ]
الأرض بالنبات. قال الأصمعي: توسم الرجل، أي طلب كلأ الوسمي، وأنشد:
فأصبحن كالدوم النواعم غدوة على وجهة من ظاعن متوسم
وفلان موسوم بالخير، وامرأة ذات ميسم، إذا كان عليها أثر الجمال. وفلان وسيم الوجه، أي حسنه. والوسامة: الحسن.
والإبلال: الصحة من المرض. وكذلك البلول؛ يقال: بل من مرضه وأبل، إذا صح. وبللت به، بالكسر، إذا ظفرت به وصار في يدك. يقال: لئن بلت بك يدي لا تفارقني، أو تؤدي حقي. قال ابن أحمر:
فبلي إن بللت بأريحي من الفتيان لا يضحى بطينا
وحروف الاعتلال هي حروف المد واللين.
يختلف يعني أن الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما انقلبتا ألفين، مثل: قام، وسار، أصلهما عند النحويين: قوم وسير، فلما تحركتا، وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين. هذا في الأفعال؛ وأما في الأسماء، فمثل: باب، وناب، أصلهما عندهم: بوب ونيب. يدل على ذلك الجمع والتصغير، تقول: أبواب وأنياب، وبويب ونويب، فيرجع إلى أصله. فلما تحركت الواو والياء في: نوب ونيب، وانفتح ما قبلهما انقلبتا ألفين، فقيل: بابٌ وناب. وكذلك إذا كان قبل الواو كسرة قلبت ياء في مثل: ميعاد وميزان، لأنهما من: الوعد والوزن. وكذلك إذا كان قبل الياء ضمة قلبت واوًا، مثل: موسر، وموقن، لأنهما من اليسر واليقين. فتختلف حروف الاعتلال باختلاف الحركات التي قبلها. والقياس في ذلك مطرد.
[ ٤١ ]
يذهب يعني أن الفعل المعتل إذا دخل عليه حرف جزم قلت: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش؛ فذهبت حروف الاعتلال.
ويلزمه للحذف فالحذف على وجهين: أحدهما عن علة فهو مقيس، والآخر عن استخفاف، فهو مسموع ولا يجوز قياسه. فالحذف عن علة: إذا كانت فاء الفعل واوًا وكان مستقبله مكسور العين حذفت فاء الفعل في المستقبل، لوقوع الواو بين ياء وكسرة، كقولك: وجب يجب، ووصل يصل، وما شاكله. أصله عند أهل العربية: يوجب ويوصل، فحذفت الواو لما ذكرت لك. فإن وقعت الواو بين ياء وفتحة لم تحذف، كقوله تعالى: (لا توجل)، وكقوله تعالى: (لم يلد ولم يولد) . وكذلك حذفوا الواو المكسورة من مصادر الباب الذي حذفت فاؤه في المستقبل منه، كقولهم: وعد عدة، ووسم سمة، ووزن زنة، وكان الأصل: وعدة، ووزنة، ووسمة، فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى ما بعدها، وحذفت الواو تخفيفًا من المصدر كما حذفت في مستقبله. وكذلك حذفوا الهمزة في مستقبل باب أفعل، كقولهم: أحسن يحسن، وأكرم يكرم، كراهية أن تجتمع همزتان في قولهم: أحسن، وءأ كرم، وقد جاء من ذلك على الأصل، قال الراجز:
فإنه أهلٌ لأن يؤ كرما
الحذف الثاني الذي هو مسموع: قد حذفت الهمزة، والألف، والواو، والياء، والهاء، والنون، والتاء، والحاء، والخاء، الفاء، والطاء. فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وصارت الألف واللام عوضًا منها في اسم الله تعالى، وأصله في أحد قولي سيبويه: إلاه، فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال وصارت
[ ٤٢ ]
الألف واللام عوضًا عنها. وحذفت أيضًا في أناس تخفيفًا. قال الشاعر:
أناسٌ إذا ما أنكر الكلب أهله أناخوا فعادوا بالسيوف الضوارب
وحذفت أيضًا في قولهم: خذ، وكل. وأصله: أأخذ، وأأكل، وأأمر. فحذفت الهمزة تخفيفًا. وربما جاءت على الأصل في مثل قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة) . وحذفت في قوله ﷿: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) . وحذفت أيضًا في مثل قولهم: يا با فلان. يريدون يا أبا فلان. قال أبو الأسود:
يابا المغيرة رب مرٍ معضل فرجته بالنكر مني والدها
وحذفت أيضًا في مضارع: رأيت، فقالوا: يرى وترى ونرى. وربما جاء ذلك على أصله. قال سراقه البارقي:
أرى عيني ما لم تر أياه كلانا عارفٌ بالترهات
قال أبو عمرو: وهذا البيت من قصيدة في قصة مع المختار بن عبيد الثقفي، وقبله:
ألا أبلغ أبا إسحاق عني رأيت البلق دهما مصمتات
كفرت بدينكم وجعلت حقًا على قتالكم حتى الممات
أرى عيني البيت.
[ ٤٣ ]
قال أبو الحسن الأحفش: أشياء، أصلهما أشيياء، كأصدقاء وأنبياء، فحذفت الهمزة التي هي لام تخفيفًا. قال الفراء: في مثل قول الحارث بن حلزة:
فإنا من قتلهم لبراء
قال: أصله برآء، كظرفاء، فحذفت الهمزة، التي هي لام، تخفيفًا.
وحذفت الألف في مثل قول لبيد:
وقبيلٌ من لكيزٍ شاهد رهط مرجوم ورهط ابن المعل
أراد: ابن المعلى. قال أبو عثمان: في قوله تعالى: حكاية: (يا أبت) . أراد: يا أبتا. وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابي:
فلست بمدركٍ ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لواني
أراد بلهفا: وحذف الألف قليل لخفتها.
وحذفت الواو في مثل قولهم: غد، وأصله: غدو. وربما جاء على أصله، قال الشاعر:
[ ٤٤ ]
لا تغلواها وادلواها دلوا إن مع اليوم أخاه غدوا
وروى أبو سعيد السيرافي النحوي في كتاب أخبار النحويين البصريين: أن جارية غنت في مجلس الواثق، ومعه أبو محمد التوزي، قول الشاعر:
أظلوم إن مصابكم رجلًا أهدى السلام تحية ظلم
فقال أبو محمد: لحنت، وإنما هو: مصابكم رجل، بالرفع. فأبت ذلك وقالت: يا أمير المؤمنين، سمعته ممن هو أعلم بهذا منه. قال: وممن سمعته؟ قالت: من أبي عثمان المازني بالبصرة. فأمر الواثق بإشخاصه. فلما وصل سلم على أمير المؤمنين. ثم قال له الواثق بعد رد السلام: بسمك؟ قال أبو عثمان: قلت: بكر. وإنما أراد أن يعلمني أن العرب تبدل الباء من الميم في مثل هذا. ثم قال: ممن أنت؟ فقلت: من بني مازن. فقال: أمن مازن تميم أم من مازن شيبان؟ فقلت: من مازن شيبان. ثم قال. ألك ولد؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين، ولكن لي أخت تقوم مقام الولد، رأفة ورحمة لها. قال: فما قالت لك حين هممت بالشخوص؟ قلت: قالت لي: نحن بعدك كما قال الأعشى:
ترانا إذا اضمرتك البلا د نجفي وتقطع منا الرحيم
أبانا فلا رمت من عندنا فإنا بخير إذا لم ترم
[ ٤٥ ]
قال: فبماذا أجبتها؟ قلت: بقول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ومن عند الخليفة بالنجاح
قال: ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى. ثم قال الواثق: أفدنا شيئًا. فقلت: يا أمير المؤمنين، أقول كما قال الشاعر:
لا تغلواها وادلواها دلوا إن مع اليوم أخاه غدوا
أراد أبو عثمان: ارفق بي، ولا تستعجل علي. فقال: يكفينا من الفائدة تفسير هذين البيتين. فقلت: معنى قوله: لا تغلواها، أي لا تعنفا بها. يقال: غلوت الأبل غلوا، إذا حثثتها في السير، ودلوتها، إذا رفقت بها. وقوله: غدوا إنما المستعمل منه غد، لأنه على حرفين، مثل: يد وما أشبهه. وأصله: غدوٌ، فحذفت منه الواو، فلما اضطر إليه الشار رده إلى أصله. فقال: يكفينا هذا. وأمرني فنزلت وأكرمت، ثم جلس مجلسًا آخر وأحضرت الجارية وأبو محمد التوزي، فغنت البيت:
أظلوم إن مصابكم رجلًا
فرد عليها أبو محمد أن ترفع رجلًا. فقلت له: كيف تقول: إن ضربك زيدًا معجبٌ لي؟ فقال أبو محمد: حسبي، وأمرها: أن تنصب رجلًا. وسألني الواثق الإقامة بحضرته، فاعتذرت له إليه. فأمر لي بعشرة آلاف
[ ٤٦ ]
درهم وبكساء وغير ذلك، وقال: لا تقطعنا. فانصرفت ولم أعد إليه.
وحذفت الواو أيضًا في قولهم: حَم، وأصله حَمَوٌ. وحذفت الواو أيضًا في قولهم: أب، وأخ، وهما من الواو، لقولك: أبوانِ وأخوَانِ. وحذفت أيضًا في: كرة، وثبة، وما جانسهما من الأسماء.
وحذفت الياء في قولهم: يد، وأصلها: يدي، لقولهم: يديت إلى فلان يدًا، إذا أسديت إليه معروفًا. وحذفت أيضًا في قولهم: دم؛ وأصله: دميٌ. لقولهم في التثنية: دميان. قال بعض بني سليم:
فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين
ومنهم من يقول: دموانِ، وهو قليل.
وحذفت الهاء في قولهم: شفة، وأصلها: شَفَهَةٌ، لأن تصغيرها شُفَيْهة. وجمعها: شِفَاه، بالهاء. وحذفت الهاء أيضًا في قولهم: عضة، وأصلها عضهة، عند بعضهم، لقولهم: جمل عاضهٌ، أي يأكل العِضَاه، وعند بعضهم أنها من الواو وأصلها: عضوة، واحتجوا بقول الراجز:
هذا طريقٌ يأزم المآزما وعضوات تمشق اللهازما
تمشق: تضرب. والمآزم هاهنا: كل طريق ضيق بين جبلين. وحذفت الهاء في قولهم: فم، وأصله: فوه، لأن تصغيره فُوَيْه، وجمعه أفْوَاهُ،
[ ٤٧ ]
بالهاء. وحذفت الهاء في قولهم: شاةٌ، وأصلها: شوهة، لأن تصغيرها: شُويْهَة، وجمعها: شِيَاه، بالهاء.
وحذفت النون في قولهم: مذ، وأصلها: منذ، لأنك إذا سميت رجلًا بمذ ثم صغرته قلت: مُنيذًا، وجمعته قلت: أمناذ. وحذفت أيضًا في قولهم: إن زيدًا لمنطلق، مخففة، وأصله: إن زيدًا، فحذفوا النون الثانية تخفيفًا.
وحذفت الياء في قول الشاعر:
رب هيضل لجبٍ لففت بهيضل
الهيضل: الجماعة يغزون بسلاحهم. فحذفت الياء الثانية تخفيفًا.
وحذفت الحاء في قولهم: حر، وأصله: حرح، لأن تصغيره: حريح: وجمعه: أحراح. قال الشاعر:
إني أقود جملًا ممراحا ذا قبة مملوءة أحراحا
وحذفت الخاء في قولهم: بخ بخ. قال أعشى همدان:
بين الأشج وبين قيس باذخٌ بخ بخ لوالده وللمولود
وأصله: بخّ بخّ. قال العجاج:
في حسب بخ وعز أقعسا
[ ٤٨ ]
وحذفت الفاء في قولهم: أف، وأصله التشديد. وفيها ثمان لغات: أُف وأُفُّ وأفٌّ، وأفٍّ وأفًّا وأفٌّ، وأفْ وأفَّى. وحذفت أيضًا في قولهم: وسَوَ أفعل. يريدون: وسوف أفعل.
قوله وآونةً تنغص المرء بالممرر، وترد إلى الأرذل كل معمر؛ فهي لنظم الحيوان زحاف، ولها في طلب النفوس إلحاف؛ تلحق الصحيح تارة بخامس الخفيف.
الآونة: جمع أوانٍ، مثل زمان وأزمنة. قال الشاعر:
أبو حنش ينعمنا وطلقٌ وعبادٌ وآونة أثالا
نصب آونة لأنها ظرفٌ. قال سيبويه: أصله أثالة، فحذف الهاء، وهو في موضع رفع لأنه عطفٌ على طلق. وأثال، عنده مرخم في ضرورة الشعر، وأصله: أثالة، فترك فتحة اللام على حالها. وخالفه أبو العباس المبرد، فقال: لا يجوز الترخيم فيما ليس بمنادي، وهو أثال، بغير هاء، وهو منصوب، لنه عطفٌ على النون والألف، في ينعمنا.
والأرذل: الردئ الخسيس. وأرذل كل شيء: أدنوُّه وأرْدَؤُه، وأرذل العمر: آخره، لأن المعمر يصير إلى الضعف بعد القوة.
والزحاف: ما حذف من حروف أبيات الشعر للعلة. والإلحاف: الإلحاح في السؤال، ومنه قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافًا) .
[ ٤٩ ]
والصحيح من الشعر عند العروضيين: ما لم يكن في زحاف ولا علة. والصحيح عند النحويين من الكلام: ما لم يكن من حروفه الأصلية حرفٌ من حروف الاعتلال الثلاثة.
وخامس الخفيف: ضربٌ من ضروب الشعر. وسنذكر في هذا الموضع جملة من أصول الشعر والعروض، ينتفع بها من وقف عليها، ونقتصر على الأصول، دون العلل والفروع، لأن الغرض المقصود تفسير الرسالة، فمن أحب الوقوف على ذلك بكماله، فهو في مختصرنا المعروف بكتاب ميزان الشعر وتثبيت النظم.
اعلم أن الشعر على وجهين: مستعمل ومهمل؛ فالمستعمل منه: ما خف على اللسان، وحسن نظمه، وتساوت أوزانه، وعذب لفظه. ولذ نشيده، وأسرعت القلوب إلى حفظه، وأصغت الآذان إلى سماعه، ولم يتتبع صاحبه وحشي الكلام، ولا ركيك اللغات، ولا بعيد المعاني. وكان أول البيت منه يدل على آخره، وصدره على سائره. ولم يكن فيه تعقد ولا تكلف، ولا تلكؤ ولا تعجرف. قال أبو تمام:
لم يتبع شنع اللغات ولا مشي رسف المقيد في حدود المنطق
فما كان بهذه الصفة فهو المستعمل، وما كان بخلافها فهو المهمل. ولله در القائل:
سأقضي ببيت يحمد الناس غبه ويكثر من أهل الروايات حامله
يموت ردي الشعر من قبل أهله وجيده يبقى وإن مات قائله
[ ٥٠ ]