وسنذكر في هذا الموضع جملة من عيون المذاهب، مختصرة تكون سببًا لنظر الناظر وتذكرة، ونقتصر منها على المذاهب المشهورة، والمقالات المأثورة، ونسند كل مذهب منها إلى أول من ابتدعه، وسنه لمن بعده وشرعه.
ونقتصر على أئمة الأديان وأربابها، ومصنفي الكتب وأصحابها، ولا نتعدى الأصول إلى الفروع، ولا نذكر التابع اكتفاء بذكر المتبوع، ونبين اختلاف المختلفين من الأنام، في معرفة المعبود والإمام، فما اختلافهم في سوى هذين الوجهين، فاختصرناه خوفًا أن يطول به الكتاب، لو ذكرناه، والله الموفق للصواب، والمسدد لما يرضيه من العمل في جميع الأسباب.
اعلم أن الناس اختلفوا في معرفة الصانع، فقال بعضهم: العلم محدث، لما فيه من دلائل الحديث، من التأليف والتصوير، والحركة والسكون، وذلك دليل على أن له صانعًا قديمًا بخلافه.
[ ١٣٦ ]
وقال بعضهم: هو قديم، لأنههم لم يشاهدوا شيئًا إلا من شيء، كالإنسان لا يكون إلا من نطفة، والطائر لا يكون إلا من بيضة، وإنما يقع نمو ذلك باعتدال الحر والبرد، والرطوبة واليبس، ويقع فسادها بإفراط أحدها فيه.
ثم اختلف من قال بقدم العالم.
فقالت الهولانية - أرسطاليس، ومن قال بقوله هيولى -: له قدم، وتفسير الهيولى: أصل الأشياء، مثل القطن للثوب، هو هيولى له، والهيولي هو المدبر للعالم، وهو أصل له لم يزل، وقوة معه، فالعالم لن ينفك من عرض وجوهر، فالجوهر هو القابل للأعراض؛ والهيولى حرك القوة، فحرك البرد، ثم حركها فحدث الحر، فقبلهما الجوهر؛ والجوهر قديم معه؛ واعتلوا في ذلك: أنهم يرون الإنسان ضعيفًا؛ ثم يرونه قويًا، والذات قائمة بعينها، فعلموا أن القوة لمعنى الحدث، والضعف لمعنى الحدث؛ ودليلهم على الجوهر أنه قابل للأعراض: أن البشرة يحدث فيها الألوان، وهي قائمة بعينها، وذلك دليل على أن العين غير الألوان، والطعوم؛ ودليلهم على الفعل: أنك ترى الإنسان قد يحدث الفعل بعد إذ كان غير فاعل له، والفعل عرض، كذلك يجوز أن يحدث الهيولي أعراضًا هو غيرها، ولا يقال: كيف حدث هذا الفعل؟ كما لا يقال: كيف حدثت هذه الحركة من الإنسان؟ وقالت الأطباء - جالينوس، ومن قال بقوله -: أربع طبائع لم يزل العالم منها: الحر والبرد والرطوبة واليبس، قياسًا على تأثيرها في المشاهد.
[ ١٣٧ ]
وقالت الفلاسفة: أربع طبائع لم تزل، وخامس معها بخلافها، والدليل على ذلك: أنهم لما رأوا الشيء لن ينقلب عن حاله التي كان عليها، مثل النار لن تنقلب رطوبة أبدًا ولا بردًا؛ وكذلك هذه الأربع الطبائع لما كانت غير محتازة للفعل، فلما احتاجت؛ فهي بحالها الأولى لن تنتقل عن طباعها؛ فلما رأوا الاحتياز والتمثيل، علموا أن ذلك المحتاز المثل هو الخامس.
وقالت الجوهرية: جوهرة قديمة واحدية الذات، وإنما اختلفت على قدر التقاء أجزاء الجوهرة وحركاتها، فإذا كان جزءان كان ذلك حرًا، فإذا كان ثلاثة صار بردًا، فإذا كان ذلك أربعة صار رطوبة، وعلى هذا المثال، واثبتوا الحركات، وزعموا أن حركة قبل حركة إلى ما لا نهاية.
وقال أصحاب الجثة: إن العالم كله لم يزل بصورة تفلقت هذه الجثة عنها؛ فكان الخلق كاملًا فظهر، وأنكروا أن يكون كانت غير صورة، فيحتاج إلى مصور.
وقال هرموس: أربع طبائع وخامس لم تزل - مثل مقالة الفلاسفة - وأثبت العالم ساكنًا لم يحرك، والسكون عنده ليس بمعنى والحركة معنى؛ ودليله على ذلك: أنه لما وجد الفعل هو الحركة، وهو زوال عن المكان، فوجده لا يبقى زمنين، ووجده ليس بمحبوس ولا مدرك، وهو فعل، كان محالًا أن يكون السكون فعلًا، لأن السكون لبث في المكان، ولو كان فعلًا، كان يكون زوالًا، كما أن الفعل الزوال.
وقال بلعم بن باعور: إن العالم قديم، وإن له مدبرًا بخلافه من جميع المعاني، وأثبت الحركات، فقال: إن الحركة الأولى هي الحركة الثانية معادية، وإن الجسم
[ ١٣٨ ]
يبقى الأزمنة، والحركة لا تبقى، فمحال أن يكون الحديث كالقديم، وإن النفس معنى سادس غير الحواس الخمس.
وقال بعض اليوناينة: أربع طبائع لم تزل، وخامس بخلافها، وفضاء، والفضاء عندهم ليس بجسم، وأنه مكان الأشياء، وأنه ليس بمعنى، وقالوا: بل حركات، على مثل مقالة أصحاب الجوهرة.
وقال بعض اليونانية الآخرون - وهم أصحاب الأسبطون -: بمثل مقالة بلعم بن باعور، إلا أنهم زعموا أن العالم لم يزل متحركًا بحركت لا نهاية لها، وادعوا ذلك من قبل أنهم أنكروا حدث شيء في العالم، وأنكروا أن تكون الحركة لها أول وآخر، لأنها لو كان لها أول وآخر، ثبت حدث العالم، لأنه غير منفك منها.
وقالت السمينة من الهند: العالم قديم كله، إلا أنهم لا يدرون أكان الإنسان قبل النطفة، أو كانت النطفة قبل الإنسان؟ لأنهم لم يروا إنسانًا إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، ولا يدرون أيهما قبل صاحبه إلا ن لهما أولًا، وأن أحدهما مولد عن الآخر؛ وقالوا: لا موجود إلا ما وقعت عليه الحواس، وأنكروا الأعراض.
وقالت السوفسطانية: لا حقيقة للأشياء، وإنما هي خيالات، وليس لها صفات، ولا حالات متغايرات، ولا يقال: موجودة ولا معدومة، قياسًا على ما يرى، ولا حقيقة له.
وقالت الشكاك: بإثبات الحواس، وزعم أنه محال أن يكون شيء إلا من شيء، مثل السنبلة، محال أن تكون إلا من الحبة والهواء والأرض والماء، واستحال أن يصور الشيء عندهم نفس، فقالوا: لا ندري، أقديمة أم محدثة؟ اختلاف الثنوية وقالت المانية - أصحاب ماني، وهو سرياني -: الأصل
[ ١٣٩ ]
شيئان قديمان، وهما جسمان محدودان، نور وظلام خلافان، سميعان بصيران، عالمان، كل واحد منهما في نفس اسم لخمسة معان: اللون والطعم والرائحة والمحسة والصوت، وإنهما كانا غير ممتزجين، ثم امتزجا فحدثت الصور لامتزاجها، فالنور فاعل الخير، والظلام فاعل الشر، والدليل على ذلك: أنهم وجدوا الذات الواحدة لا يكون فيها فعلان متضادان، مثل النار لا يكون فيها التبريد، والثلج لا تكون منه الحرارة والشيخين كذلك فاعل الخير غير فاعل الشر، وفاعل الشر غير فاعل الخير، وأنهما كانا قبل الامتزاج متماسين على مثل الظل والشمس؛ وليس في مذهبهم ذبيحة ولا نكاح.
وقالت الديصانية: شيئان قديمان خلاقان، أحدهما حي، والآخر موات، فالحي هو النور الحساس الدارك، وهو يؤثر ما كان في العالم من جنسه، من الخير والحياة، والموات هو الظلام، الذي لا ينتقل إلا بالنور، وهو يؤثر ما كان في
[ ١٤٠ ]
العالم من جنسه من الموت والشر، وكل واحد منهما معنى في نفس، ولون كل هو طعمه، وهو رائحته، وهو صوته، وهو شيء واحد، ودليلهم على قدمهما استحالة حدث شيء إلا من شيء قبله، ودليلهم على حياة النور: تنقل الشمس وحركتها، والظلام قائم بحاله.
وقالت المرقيونية - أصحاب يعقوب بن مرقيون - ثلاثة أشياء قديمة: شيئان نور وظلام، فالنور فاعل الخير، والظلام فاعل الشر، وثالت معدل بينهما ليس من جنسهما، وهما مصطلحان على فعله. وهم يرون النكاح وأكل اللحم، ويكرهون الذبيحة لما فيها من الألم.
وقالت الماهانية - أصحاب ماهان وهو فارسي الأصل -: بمثل مقالة المرقيونية، إلا أنهم وافقوا المانية في كراهية النكاح والذبائح.
وقال الصابؤن: شيئان قديمان: نور وظلام، فالنور عالم، والظلام جاهل، لأن النور يدخل على الظلام، ولا يدخل الظلام عليه، وذبحوا ونكحوا، وصاحبهم قابيل، وهو سرياني الأصل، وقيل إن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، وقيل: إن الصابئين قوم يخرجون من دين إلى دين.
وقالت الصامونية: بمثل ما قاله الصابئين في النور والظلام، إلا أنهم خالفوا الصابئين في الذبائح والنكاح، وصاحبهم صامون، وهو سرياني الأصل.
وقالت الكنانية: الأصل ثلاثة: الماء والأرض والنار، ثم امتزجت هذه
[ ١٤١ ]
الثلاثة، فصار منها مدبران: خير وشر، وهم يرون النكاح، وصاحبهم كينان وهو سرياني الأصل.
وقال الحرانيون - وهم عبدة النجوم -: مقالة ألمانية، إلا أنهم زعموا: أن المدبرات للعالم: السبعة الأفلاك، والبروج الأثنا عشر.
وقال المزادكة - أصحاب مزدك الفارسي -: بمثل مقالة ألمانية، إلا أنها نكحت وسفكت الدماء، وكان مزدك في وقت قباد بن فيروز بن يزدجرد الملك الفارسي، فخرج مزدك، ومن قال بقوله، على قباذ، فقالوا: إن الله جعل الأرض لعباده بالسوية، فتظالم الناس، واستأثر بعضهم على بعض، ونحن قاسمون بين الناس، ورادون على الفقراء حقوقهم في أموال الأغنياء.
وقالت المجوس وهم ثلاثة أصناف: الجرمدينية والهرابذة والموابذة.
فقالت الجرمدينية: أصل العالم النور، إلا أنه مسخ بعضه بعضًا لما غضب، فاستحال الممسوخ ظلمة، فالخير من النور، والشر من الظلمة، والأصل واحد، وهو النور، وذبحت ونكحت.
وقالت الهرابذة: الصانع واحد قديم، وهو نور، وليس كمثله في النور والعظمة والقدرة والعلم، والطول والعرض، شيء، وإنه هم همة فتولد منها الظلام،
[ ١٤٢ ]
فهو إبليس، فمنه جميع الشرور، وذبحت ولم تنكح، وصاحبهم زرادشت، وهو فارس الأصل.
وقالت الموابذة - وهم قضاة المجوس وأصحاب خزائن كتبهم وعلومهم -: بقدم النور والظلام، وإنهما سميعان بصيران، إلا أن بينهما جوًا، وهو مكان لهما فيه جولانهما، ورأوا النكاح على طريق التزويج، ورأوا الذبح للبهائم، وقالوا بنبوة زرادشت.
وقالت الدهرية: بقدم العالم، وقدم الدهر، وتدبيره للعالم، وتأثيره فيه، وأنه ما أبلى الدهر من شيء أحدث شيئًا آخر؛ وقد حكى الله عنهم ذلك في كتابه بقوله ﷿: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) . فإنما يعني به، الذي يقضي عليكم بما تنسبونه إلى الدهر، وللعرب أشعار كثيرة في ذم الدهر، منها قول الشاعر:
الدهر أبلاني وما أبليته والدهر غيرني وما يتغير
والدهر قيدني بقيد مبرم فمشيت فيه وكل يوم يقصر
وقال صنف من البراهمة، وهم ثلاثة أصناف: العالم قديم، وله مدبر قديم، منيب معاقب، يفرح ويحزن، ويرضى ويغضب، وإنه ليس من جنس العالم، وليس على الخلق طاعة غير المعرفة.
فهذه أقوال من يثبت أول العالم وقدمه من الملحدين، وهم ستة وعشرون صنفًا اختلاف من قال بحدوث العالم.
[ ١٤٣ ]
وقال صنف من البراهمة: العالم محدث - على مقالة المسلمين - إلا أنهم قالوا: إن الصانع حكيم، وليس من صفة الحكيم أن يبعث الرسل إلى المعلوم منه خلاف القبول، لأنه متى فعل ذلك كان عابثًا منقوصًا جاهلًا، والله يتعالى عن ذلك، وقالوا بالتوحيد، وأبطلوا الرسل والكتب، وقالوا: ليس بين الله وبين خلقه واسطة غير العقل، وإنما هو شيء رآه العقلاء، فمن أراد أن يجعل نفسه نبيًا، فليفعل، وقالوا: لا يجب على الخلق إلا معرفة الله وترك المظالم.
وقال صنف آخر من البراهمة: العالم محدث، وله محدث، إلا من مدبرات العالم: السبعة الأفلاك، والبروج الاثنا عشر، وإمامهم برهم، وهو هندي الأصل.
وقالت اليهود: العالم محدث وله محدث، ثم اختلفوا على أربعة أصناف: الجالوتية، والعنانية، والأصفهانية، والسامرية.
فقالت: الجالوتية - أصحاب رأس الجالوت -: بالتشبيه، وذلك أنهم ادعوا أن معبودهم أبيض الرأس واللحية، واحتجوا بأنهم وجدوا في سفر دانيال
[ ١٤٤ ]
أو سفر شعيا رأيت قديم الأيام قاعدًا على كرسي من نور وحوله الأملاك، فرأيته أبيض اللحية والرأس، والجالوتية يقولون: إن الله تعالى ملك الأرض يوسف بن يعقوب ونحن وارثوه والناس مماليك لنا.
وقالت العنانية - أصحاب عنان -: بالتوحيد ونفي التشبيه، كما قالت المعتزلة من المسلمين.
وقالت الأصفهانية: بالتشبيه، مثل الجالوتية، إلا أنها زعمت أن عزيرًا ابن الله على جهة التبني، كما اتخذ الله إبراهيم خليلًا.
وقالت السامرية: مثل مقالة العنانية، إلا أنها زعمت أنه لم ينبأ من الأنبياء إلا موسى ويوشع بن نون.
وقالت النصارى: بحدث العالم وأن له محدثًا، ثم افترقوا أربع فرق: اليعقوبية، والنسطورية، والفولية، والملكانية.
فقالت اليعقوبية: إن الله لم يكن بجسم فتجسم، ولم يكن في مكان فصار في مكان متجسدًا متناسيًا، بعد أن كان غير متجسد ولا متناس، وهو المسيح، ودليلهم
[ ١٤٥ ]
في ذلك أنهم قالوا: لما كان قادرًا على الزيادة في حدثه، كان قادرًا على الزيادة في ذاته، ولو لم يقدر على الزيادة في ذاته لكان عاجزًا، وهو القادر على ما يشاء.
وقالت النسطورية: إن الله تعالى ثلاثة أقانيم، وهو أقنوم واحد، الأب والابن وروح القدس، كقولك الله الرحمن الرحيم، والمعنى واحد، كالشمس لها حر وضوء وذات، وهي شيء واحد، وأنه لم يزل لاهوتًا قائمًا في مكان، ثم اتخذ ناسوتا، وهو المسيح، فصار له مكان لإظهار الصنع والتدبير، ومعنى اللاهوت: الإله، والناسوت الذي انتقل إليه، هو الإنسان.
وقالت المالكانية: إن الله أقنوم واحد، إلا أنه اسم لثلاثة معان: الأب والابن والجوهر، والجوهر عندهم روح القدس، ومعناهم في قولهم: أب وابن وجوهر، أي بدن وروح وكلام، وإن له علمًا هو غيره، وإنه لم يزل قديمًا معه.
وقالت الفولية: قولك الله، اسم لمعنى واحد، والعلم غيره، وهو قديم معه، وزعمت أن المسيح ابن الله على جهة التبني والمحبة، كما اتخذ الله موسى نجيًا، وإبراهيم خليلًا.
وقال أصحاب التناسخ منه بزرجمهر بن بختكان الفارسي ومن قال بقوله: بإثبات الصانع ونفى التشبيه، ودوام الدنيا على الأبد. قالوا: لأن الصانع الحكيم لا يوصف بالبداوات، ولا يهدم بنيان الحكمة. قالوا: ولا يفعل ذلك إلا عابث. وقالوا بدوام التعبد، وهو معرفة الله تعالى، وترك المظالم، وبدوام الثواب والعقاب، فالثواب انتقال أرواح المحسنين إلى الأبدان الأنسية، والعقاب انتقال أرواح المسيئين إلى أبدان البهائم والسباع والهوام، وبقولهم قال خالد الهمذاني.
وقالت الفضائية: يحدث العالم، وأن له محدثًا، وهو الفضاء، ثم افترقوا بفرقتين:
[ ١٤٦ ]
فقالت فرقة منهم: العالم محدث، وله صانع، وصانعه قديم، وهو الفضاء، وهو جسم طويل عريض، مكان للأشياء، والأشياء فيه وتحتاج إليه، لأنهم لا يعقلون إلا ما كان عريضًا طويلًا، وإنه أكبر من كل شيء، ولا يجوز أن يكون شيء أكبر منه، وبعض الأجسام تغيب عن بعض، ولا يغيب عنه شيء منها.
وقالت فرقة منهم: صانع العالم: فضاء، ليس بجسم، والأشياء فيه، ودليلهم على أنه ليس بجسم: أن جميع الأجسام تحتاج إلى أمكنة، وهو لا يحتاج إلى مكان، ويجوز عليها الزوال والتغيير، ولا يجوز عليه.
وقالت كفار العرب: بحدث العالم، وأن له محدثًا، وهم صنفان: فقال صنف منهم، وهم عبدة الأوثان: صانع العالم قديم، إلا أنه مستغن عن عبادة خلقه، ولا يقوون على عبادته، وإنما يعبدون الأوثان لتقربهم غليه، وقد حكى عنهم ذلك بقوله ﷿: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وأثبتوا المعاد، والثواب، والعقاب.
وقال صنف منهم: صانع العالم قديم، متفضل غير معذب، وإنه يخلق خلقًا ويتفضل عليهم، ثم يميتهم، ويخلق خلقًا بعدهم على الدوام، بغير غاية ولا نهاية، وأنكروا المعاد والبعث، وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه بقوله: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) .
فأما المسلمون، فهم ست فرق: المعتزلة، والمرجية، والشيعة، والخوارج، والحشوية، والعامة، وهم مجمعون على حدث العالم ووحدانيته، ثم اختلفوا بعد ذلك في معبودهم.
فقالت المعتزلة كلها، والخوارج، والمرجية، إلا أبا حنيفة، والزيدية من الشيعة، إلا سليمان بن جرير، فإنه خالف في العلم: إن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء،
[ ١٤٧ ]
ولا تدركه الأبصار في دنيا ولا آخرة، ولا تكيفه العقول، ولا تضبطه الأوهام، ولا تمثله القلوب، ولا تحده الأفكار، ولا تقطعه المقادير، ولا تقع عليه مساحة، وإنه غير جسم، ولا له حدود، ولا أقطار، ولا يجوز عليه التنقل من مكان إلى مكان، ولا من حال إلى حال.
وقال أبو حنيفة، وضرار بن عمرو، ومن قال بقولهما: أنه يدرك في المعاد، بحاسة سادسة؛ وقالوا: لن يكون شيء موجود إلا وله أنية ومأنية، وعلمك بالأنية غير علمك بالمانية، وذلك أن تسمع الصوت، فتعلم أن له مصوتًا، ويجهل ما هو، فعلمك بما هو، غير علمك بأن له مصوتًا.
وقال سليمان بن جرير الرقي من الزيدية: بنفي التشبيه، إلا أنه زعم أن الله عالم شيء، لا هو هو، ولا هو غيره وإنه وعلمه قائم معه؛ قال: ولا يجوز أن يكون عالم بغير علم، ولا يجوز أن يكون الشيء علم نفسه، ولا يجوز أن يكون علم الله غيره، لأنه لو كان غيره، لكان عالمًا بغيره، ووقع التغاير بينهما.
وقالت الجهمية - من المجبرة أصحاب جهم بن صفوان الترمذي -: بنفي التشبيه وزعموا أن العلم محدث؛ قالوا: ولا يجوز ن يقال إن الله شيء، ولكنه منشئ الشيء؛ قالوا: لأنه لم يقع اسم الشيء إلا على مخلوق، ولا يكون الله تعالى بصفة الخلق. وقالوا: لم يزل العالم على أنه يكون علمه، كما لم يزل الخالق على أنه يكون بخلقه.
وقالت الإسماعيلية من الجعفرية: إن الله لا شيء، ولا لا شيء، لأن من قال: إنه شيء، فقد شبهه، ومن قال إنه لا شيء، فقد نفاه؛ فقالوا فيه بالنفي والإثبات جميعًا.
وقال هشام بن الحكم من القطيعة ومن قال بقوله: هو شيء جسيم، لا طويل ولا عريض، نور من الأنوار، له قدر من الأقدار، مصمت ليس بما فوق ولا
[ ١٤٨ ]
متخلل، وهو كالسنبلة والذرة، يتلألأ من كل نواحيه. وقالوا: لا يعقل شيئًا إلا موجودًا أو معدومًا، والموجود عندهم ما كان جسيمًا محتملًا للصفات، وما خرج من الصفات، فهو عندهم عدم خارج من الوجود. وقالوا: لم يكن في مكان، ثم أحدث المكان فاستوى بحدث الحركة.
وقالت الجوالقة - منهم هشام بن سالم، وشيطان الطلق، ومن قال بقولهما -: هو صورة من الصور على صورة الإنسان، إلا أنه نور من الأنوار، ليس له لحم ولا دم، وله حواس؛ قالوا: ولا يعقل عالمًا أبدًا يدرك علمًا، إلا بالحواس، وأحالوا أن يوصف بغير ما تحيط به أوهامهم.
وقالت المقاتلية - من المجبرة أصحاب مقاتل بن سليمان -: هو لحم ودم، وله صورة كصورة الإنسان؛ قالوا: لأنا لم نشاهد شيئًا موسومًا بالسمع والبصر والعقل والعلم والحياة والقدرة، إلا ما كان لحمًا ودمًا.
وقالت الحشوية: هو واحد ليس كمثله شيء، ومعنى ذلك، أي ليس كمثله شيء، في العظمة والسلطان والقدرة والعلم والحكمة، وهو موصوف عندهم بالنفس واليد والسمع والبصر، وحجتهم في ذلك من الكتاب قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) وقوله: (ويحذركم الله نفسه) وقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) وقوله: (وكان الله سميعًا بصيرًا) .
وقالوا: لا تدركه الأبصار في الدنيا، ولكنها تدركه في الآخرة، ويحتجون بقوله تعالى: (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) وبقوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وبقول النبي ﵌: (سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة أربع عشرة) .
فهذه خمسون مقالة من اختلاف الناس في صانعهم ﷿.
[ ١٤٩ ]
وأما اختلاف المسلمون في الإمامة.
فقالت المعتزلة والخوارج، إلا النجدات، والشيعة، وأكثر المرجية: إن الإمامة فرض واجب من الله تعالى يجب على المسلمين إقامتها، وإن الناس لا يصلحون إلا على إمام واحد يجمعهم، ويمنع بعضهم من بعض، وينفذ أحكامهم، ويقيم حدودهم، ويغزوا بجيوشهم. ويقسم فيأهم، وغنائمهم، وصدقاتهم بينهم.
وقالت الحشوية، وبعض المرجية والنجدات من الخوارج: إن الإمامة ليست لازمة، ولا واجبة، ولكن إن أمكن الناس أن ينصبوا إما ما عدلا من غير إراقة دم ولا حرب، فحسن، وإن لم يفعلوا ذلك، وقام كل رجل منهم بأمر منزله، ومن يشتمل عليه من ذوي قرابة ورحم وجار، فأقام فيهم الحدود والأحكام على كتاب الله وسنة نبيه، جاز ذلك، ولم يكن بهم حاجة إلى إمام، ولا يجوز إقامة السيف والحرب.
وافترق المشتون للإمامة: بم تستحق؟ فصاروا ثلاث فرق: فقالت فرقة: هي بالشورى، وهم جميع الأمة إلا الشاذ القليل.
وقالت فرقة: هي بالقربى والوراثة.
وقالت فرقة: هي بالنص.
فأما من يقول بالشورى: فقالت المعتزلة، والمرجية، والخوارج، وبعض الحشوية، والحزيرية، والبترية، وهما فرقتان من الزيدية: إن الله تعالى ورسوله ﵌
[ ١٥٠ ]
لم ينصا على رجل بعينه واسمه، فيجعلوه إمامًا للناس، وإن الإمامة شورى بين خيار الأمة وفضلائها، يعقدونها لأصلحهم لهم، ما لم يضطروا إلى العقد قبل المشورة، لفتق يخاف حدوثه على الأمة، فإذا خافوا وقوع ذلك، وبادر قوم من خيار الأمة وفضلائها، أو رجلان من عدو لها وأهل الشورى، فعقدوا الإمامة لرجل يصلح لها ويصلح على القيام بها، ثبتت إمامته، ووجبت على الأمة طاعته، وكان على سائر الناس الرضاء.
ثم اختلف الذين أوجبوا الأمامية: هل يجوز كون إمامين، أو أكثر في وقت واحد؟ فقال بعضهم: لا يجوز ذلك، لما فيه من الاختلاف والانتشار.
وقال بعضهم: يجوز كون إمامين وثلاثة، وأكثر من ذلك، في البلدان المتقاربة، في وقت واحد.
ثم اختلفوا في إمامة المفضول: فقال أهل الشورى جميعًا، إلا الشاذ القليل منهم: إن الإمامة لا يستحقها إلا الفاضل الذي يعرف فضله، وتقدمه على جميع الأمة في خلال الخير، إلا أن تحدث علة، أو يعرض أمر يكون فيه نصب المفضول للإمامة: أصلح للأمة، وأجمع لكلمتها، وأحقن لدمائها، وأقطع لاختلافها، ولطمع العدو فيها؛ أو يكون في الفاضل علة، تمنعه من القيام، كالمرض ونحوه؛ فذا كانت الحال كذلك، فالمفضول أحق بها من الفاضل، ولا يجوز أن يولي الفاضل على هذه الحال.
قالوا: ولن يجوز أن يكون المفضول عطلًا من الفقه والعلم، أو معروفًا بريبة، أو سوء، بل يكون خيرًا فاضلًا من عداد العلماء، وإن كان في الأمة من هو خير أو أفضل أو أعلم منه.
وقال سليمان بن جرير، والبترية من الزيدية: إذا كان الحال بهذه الصفة،
[ ١٥١ ]
فإقامة المفضول جائزة، وهي هدى وصواب، غير أن إقامة الفاضل على كل حال أفضل وأصوب وأصلح.
وقال قوم من المعتزلة، منهم عمرو بن بحر الجاحظ، وأكثر الشيعة، وأكثر المرجية: إن الإمامة لا يستحقها إلا الفاضل على كل حال، ولا يجوز أن تصرف إلى المفضول ما وجد الفاضل.
ثم اختلفوا فيها: فيمن تكون من الناس؟ فقال بعض المعتزلة، وبعض المرجية، وجميع الخوارج، وقوم من سائر الفرق: إن الإمامة جائزة في جميع الناس، لا يختص بها قوم دون قوم، وإنما تستحق بالفضل والطلب، وإجماع كلمة أهل الشورى.
وقال إبراهيم بن سيار النظام، مولى بلحارث بن عباد من بني قيس بن ثعلبة، وهو أحد فرسان المتكلمين، ومن قال بقوله من المعتزلة وغيرهم: الإمامة لأكرم الخلق وخيرهم عند الله، واحتجوا بقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا الآية) . قال: فنادى جميع خلقه الأحمر منهم والأسود، والعربي والعجمي، ولم يخص أحدًا منهم دون أحد، فقال: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، فمن كان أتقى الناس لله، وأكرمهم عند الله، وأعلم بالله، وعملهم بطاعته، كان أولاهم بالأمامة، والقيام في خلقه، كائنًا من كان منهم، عربيًا كان أو عجميًا.
قال مصنف الكتاب: وهذا المذهب الذي ذهب إليه النظام، هو أقرب
[ ١٥٢ ]
الوجوه إلى العدل، وأبعدها من المحاباة.
وقال بعض المعتزلة والمرجية: هي في قريش، ما وجد فيهم من يصلح لها، فإن لم يوجد فيهم من يصلح لها، جازت في الفضلاء من سائر الناس.
وقال الشيعة: لن تخرج من قريش، ولن تخلو قريش ممن يصلح للقيام بها.
وقال ضرار: إن الأعجمي أولى بها من العربي، لأن إزالته أهون وأيسر، متى احتيج إلى ذلك.
فهذا قول الشورى.
وقالت الراوندية: إن أولى الناس بالأمامة، بعد رسول الله ﵌: عمه العباس بن عبد المطلب، لأنه أقرب إلى رسول الله ﵌ نسبًا وأمسهم بهم رحمًا، وأولاهم بميراثه في مقامه، واحتجوا بقول الله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، قالوا: ولا إمامة في النساء بالإجماع، فيكون لفاطمة إرث في الإمامة، ولا ولد لرسول الله ﵌ من الرجال لقول الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم)، ولا يرث بنو العم وبنو البنت مع العم شيئًا، فيكون لعلي ولولد فاطمة إرث مع العباس في الإمامة، فصار العباس وبنوه أولى بها من جميع الناس بهذه الوجوه.
وقال مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة:
أنّي يكون ولَيْسَ ذاك بكائِنٍ لبني البنَاتِ وِرَاثة الأعمَام
ولهذا السبب قالت الجعفرية: هي متوارثة في ولد الحسين، ولا يرث العم مع البنت شيئًا.
واختلف الذين قالوا: إن الإمامة بالنص، على ضربين:
[ ١٥٣ ]
فمنهم من قال: إنها منصوصة بالتسمية، منصوصة بالإشارة والوصف ومنهم من قال: إنها منصوصة بالتسمية والتعيين.
فقال قوم من المرجية، والحشوية: إن النبي ﵌ نص على أبي بكر بالإشارة والصفة، ودل على إمامته واستخلافه بما أمره به من الصلاة بالناس، وبغير ذلك مما رووه من الأخبار.
وقال قوم من الحشوية: إن النبي ﵌ نص على إمامة أبي بكر بالتسمية، والتعيين، ونصبه للناس واستخلفه.
وقالت الشيعة كلها: إن عليًا ﵇ كان أولى الناس بمقام رسول الله ﵌ بعده، وأحقهم بالأمامة والقيام بالأمر في أمته، وأجمعوا على ذلك. ثم افترقوا ست فرق: سبئية، وسحابية، وغرابية، وكاملية، وزيدية، وإمامية.
فقالت السبئية - عبد الله بن سبأ، ومن قال بقوله -: إن عليًا حي لم يمت، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ويرد جميع الناس على دين واحد قبل يوم القيامة.
وقال عبد الله بن سبأ للذي جاء بنعي علي ﵇ إلى المدائن: لو جئتنا بدماغه في صورة لعلمنا أنه لا يموت، حتى يسوق العرب بعصاه.
فقال ابن عباس - وقد ذكر له قول ابن سبأ -: لو علمنا ذلك ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ميراثه.
وقالت السحابية: إن عليًا لم يمت وإنه معبودهم، وإنه تشبه للناس في صورة علي ﵇، وإن البرق سيفه، والرعد صوته، وقد قال فيهم الشاعر:
برئت من الخوارج لست منهم ومن قول الروافض وابن داب
[ ١٥٤ ]
ومن قومٍ إذا ذكروا عليًا يردون السلام على السحاب
وقالت الغرابية: إن عليًا ﵇ أشبه بالنبي ﵌ من الغراب بالغُراب، فغلط جبريل ﵇ حين بعث بالرسالة إلى علي لشبه النبي ﵌.
وقال الكاملية - أصحاب ابن كامل، ومن قال بقوله -: كفرت الأمة وضلت، بصرفها الأمر إلى غير علي، وكفر علي - وحاشا له من الكفر - بترك للقيام، والدعاء إلى نفسه، والجهاد على إمامته، وتضييع الوصية بالأمور التي أوصي بها إليه.
وافترقت الزيدية ثلاث فرق: بترية، وجريرية، وجارودية.
فقالت البترية: إن عليًا ﵇ كان أفضل الناس بعد رسول الله ﵌، وأولاهم بالأمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ، لأن عليًا ﵇ سلم لهما بمنزلة رجل كان له حق على رجل فتركه له، ووقفت في أمر عثمان، وشهدت بالكفر على من حارب عليًا؛ وسموا البترية، لأنهم نسبوا إلى كثير النوى، وكان المغيرة بن سعد يلقب كثيرًا بالأبتر.
وقالت الجريرية: إن عليًا كان الأمام، بعد رسول الله ﵌، وإن بيعة أبي بكر وعمر، كانت خطأ لا يستحق عليه اسم الكفر، ولا اسم الفسوق، وإن الأمة قد تركت الأصلح، وبرئت من عثمان سبب إحداثه، وشهدت عليه وعلى من حارب عليًا بالكفر.
وقالت الجارودية: إن رسول الله ﵌، نص على علي ﵇ بالإشارة والوصف، دون التسمية والتعيين، وإنه أشار إليه، ووصفه بالصفات التي لم توجد إلا فيه، وإن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره،
[ ١٥٥ ]
وإن رسول الله ﵌ نص على الحسن والحسين ﵉ بمثل نصه على علي، ثم الأمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه، ولكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين، فمن شهر منهم سيفه، ودعا إلى سبيل ربه، وباين الظالمين، وكان صحيح النسب، من هذين البطنين، وكان عالمًا زاهدًا شجاعًا، فهو الإمام.
وافترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق: أ - فرقة زعمت أن محمد بن عبد الله النفس الزكية بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لم يمت، ولا يموت، حتى يملأ الأرض عدلًا، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم؛ وكان محمد بن عبد الله خرج على المنصور فقتل بالمدينة.
ب - وفرقة زعمت أن محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، حي لم يمت، ولا يموت، حتى يملأ الأرض عدلًا، وأنه المهدي المنتظر عندهم؛ وكان محمد بن القاسم هذا خرج على المعتصم بالطالقان فأسره المعتصم، فلم يدر بعد ذلك كيف كان خبره.
ج - وفرقة زعمت أن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن لعي بن أبي طالب حي لم يمت، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا؛ وكان يحيى بن عمر هذا خرج على المستعين، فقتل بالكوفة.
هذه رواية أبي القاسم البلخي عن الزيدية، وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما.
ومنهم فرقة، يقال لها الحسينية يقولون: إن الحسن بن القاسم بن علي ابن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب حي لم يمت، ولا يموت، حتى يملأ الأرض عدلًا، وأنه
[ ١٥٦ ]
القائم المهدي المنتظر عندهم؛ وكان قتل يوم السبت الرابع من شهر صفر سنة أربع وأربعمائة، وكان مولده في سنة ثماني وسبعين وثلثمائة سنة، قتله همدان في موضع من أعمال صنعاء.
ويقولون في الحسين هذا: إنه أفضل من رسول الله ﵌، وإن كلامه أبهر من كلام الله، ومعنى: أبهر عندهم من كلام الله: أي أقطع لخصوم الملحدين من كلام الله؛ ويروون أن من لم يقل بقولهم هذا فيه فهو من أهل النار.
ثم افترقوا فرقتين: فرقة تزعم أنه يأتيهم في السر ولا ينقطع عن زيارتهم، في حال مغيبه، وأنهم لا يفعلون شيئًا إلا بأمره.
وفرقة تبطل ذلك، ويقولون: إنه لا يشاهد بعد الغيبة، إلى وقت ظهوره وقيامه، وإنما هم يعملون بما وضع في كتبه.
وقالت الأمامية جميعًا: إن رسول الله ﵌ نص على إمامة علي ﵇ باسمه وعينه ونسبه، ونصبه للناس إمامًا واستخلفه وأظهر الأمر في ذلك إلى غيره، وإن الإمامة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره.
ثم افترقت الإمامية فرقتين: فقالت فرقة منهما: إن الإمام بعد علي ابنه الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم ابنه محمد بن علي الباقر وهو ابن الحنفية، وهذه الفرقة تسمى الكيسانية.
وقالت الفرقة الثانية: إن الإمام بعد الحسين بن علي: ابنه علي بن الحسين، ثم محمد بن علي الباقر وهو أبو جعفر.
ثم افترقت الكيسانية ثلاث فرق: فقالت فرقة منهم تسمى الكربية - أصحاب أبي كرب الضرير والسيد الحميري -: إن محمد بن الحنفية حي لم يمت، مقيم بجبال رضوى بين ملكين في صورة أسد ونمر يحفظانه من عن يمينه وشماله يأتيه رزقه بكرة وعشيًا، وإن الله تعالى يبعث إليه كل يوم ملائكة تحادثه وتحمل إليه من ثمار الجنة ما يأكله. وإنه القائم
[ ١٥٧ ]
المهدي المنتظر عندهم، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وإن الجبال لم تخلق إلا من أجله، ولله فيه تدبير عجيب، لا يعلمه غيره.
وبعض الكربية تقول: إنما فعل به ذلك عقوبة له على ركونه إلى عبد الملك ابن مروان وبيعته إياه، قال الشاعر الكربية:
يا شعيب رضوى ما لمن بك لا يرى وبنا من الصبابة أوثق
حتى متى وإلى متى وكم المدى يا ابن الوصي وأنت حي ترزق
وقال شاعرهم:
ألا إن الأئمة من قريش ولاة الأمر أربعة سواء
عليٌ والثلاثة من بنيه هم الأسباط لبس بهم خفاء
فسبطٌ سبط إيمان وبرٍ وسبطٌ غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى عنا زمانًا برضوى عنده عسل وماء
وقال شاعرهم أيضًا:
ألا قل للوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما
أضر بمعشرٍ والوك منا وسموك الخليفة والأماما
[ ١٥٨ ]
وعادوا فيك أهل الأرض طرًا مقامك عنهم ستين عاما
وما ذاق ابن خولة طعم موتٍ ولا وارت له أرضٌ عظاما
هدانا الله إذ جرتم لأمرٍ به وعليه تلتمس التماما
تمام مودة المهدي حتى تروا راياتنا تترى نظاما
وكان محمد بن الحنفية تحول إلى الطائف، هاربًا من عبد الله بن الزبير، فمات بالطائف، سنة إحدى ومائتين وهو ابن خمس وستين سنة.
وقالت الفرقة الثانية من الكيسانية - وهم أصحاب الرجعة، حيان السراج ومن قال بقولهم -: إن محمد بن الحنفية ميت بجبال رضوى، وإنه يرجع إلى الدنيا، ويبعث قبل يوم القيامة، ويبعث معه شيعته، فيملك بهم الدنيا، ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ولا تقبل التوبة ممن خالفه، وإن الله تعالى عناه بقوله: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) .
وقالت الفرقة الثالثة من الكيسانية: إن محمد الحنفية قد مات، وإنه أوصى إلى ابنه عبد الله بن محمد وهو أبو هاشم، وهو الإمام بعده، فهلك أبو هاشم ولا عقب له، وكان عظيم القدر.
ثم افترق أصحاب أبي هاشم من بعده خمس فرق:
[ ١٥٩ ]
فقالت فرقة منهم: إن أبا هاشم أوصى إلى ابن أخيه الحسن بن علي بن محمد ابن الحنفية، وإنه الإمام بعده، وإن الحسن بن علي أوصى إلى ابنه علي بن الحسن، وإنه الإمام بعد أبيه؛ فهلك علي بن الحسن ولا عقب له، فهم ينتظرون رجعة محمد ابن الحنفية إلى الدنيا، بعد موته، ويقولون: أنه سيرجع قبل يوم القيامة ويملك، فهم في التيه لا إمام لهم بعده إلى أن يرجع محمد بن الحنفية.
وقالت الفرقة الثانية من أصحاب أبي هاشم: إن الإمام بعد أبي هاشم: محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وإن أبا هاشم صار بأرض السراة بعد متصرفه من الشام، فأوصى إلى محمد بن علي، فهو الإمام بعده، ثم أفضت الخلافة إلى بني العباس بوصية بعضهم إلى بعض.
ثم افترقت هذه الفرقة فرقتين: فرقة يقال لها: المسلمية: زعمت أن أبا مسلم الخراساني، حي لم يمت، وتسمى أيضًا: الحرمية.
قال أبو القاسم البلخي: وعندنا منهم ببلخ قوم يستحلون المحارم، على ما بلغني عنهم.
وفرقة تقول يموت أبي مسلم.
وقالت الفرقة الثالثة من أصحاب أبي هاشم، وهم الحزبية: إن أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن حرب الكندي، وإنه الأمام بعده، وإن روح أبي هاشم تحولت فيه، ووقفوا على كذبه فرفضوه فذهبوا إلى المدينة يلتمسون إمامًا، فلقيهم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فدعاهم إلى إمامته، فأجابوه وقالوا بإمامته، وادعوا أن أبا هاشم أوصى إليه.
وكان عبد الله بن معاوية يقول: إنه رب، وإن العلم ينبت في قلبه، كما تنبت
[ ١٦٠ ]
الكمأة والعشب، وإن الأرواح تتناسخ، وإن روح الله كانت في آدم ثم نسخت حتى صارت فيه، فعبدته شيعته، وكفروا بالقيامة، وزعموا أن الدنيا لا تفنى، واستحلوا الخمر والميتة وغيرهما من المحارم، وتأولوا قول الله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناحٌ فيما طعموا) .
فلما هلك عبد الله بن معاوية، افترقت الحزبية بعده فرقتين: أ - فرقة قالت: إنه حي بجبال أصبهان، ولا يموت حتى يلي أمور الناس، ويملأ الأرض عدلًا، وإنه المهدي المنتظر عندهم.
ومنهم من يقول: حتى يقود نواصي الخيل مع المهدي.
ب - وفرقة قالت: إنه مات، فبقوا بعده مذبذبين لا إمام لهم.
وقالت الفرقة الرابعة من أصحاب أبي هاشم: إن أبا هاشم أوصى إلى بيان بن سمعان التميمي، وإنه الإمام بعده، وليس لبيان أن يوصي بها في عقبه، ولكنها ترجع إلى الأصل؛ وكان بيان بن سمعان يقول: إن الله تعالى على صورة الإنسان وإنه يهلك ويبقى وجهه، لقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)، وادعى أنه يدعو الزهرة باسم الله الأعظم فتجيبه؛ فبلغ خبره خالد بن عبد الله القسري فقتله.
وقالت الفرقة الخامسة من أصحاب أبي هاشم: إن الإمام بعد أبي هاشم علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم اجتمعت هذه الفرقة من أصحاب أبي هاشم على إمامة أبي جعفر الباقر مع الفرقة التي قالت: إنها في ولد الحسين، فصاروا فرقة واحدة.
[ ١٦١ ]
ثم اختلفوا فصاروا ثلاث فرق: جعفرية ومنصورية ومغيرية.
فقالت الجعفرية: إن الإمام بعد محمد بن علي الباقر ابنه جعفر بن محمد.
ثم افترقت الجعفرية ست فرق: ناووسية، وإسماعيلية، وشمطية، وفحطية، وجوالقية، وخطابية.
فقالت الناووسية: إن جعفر بن محمد حي لم يمت، ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها عدلًا، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم؛ ونسبت هذه الفرقة إلى رجل من أهل البصرة يقال له: ابن ناووس، كان ذا قدر فيهم.
وقالت الإسماعيلية: إن جعفرًا نص على ولده إسماعيل أنه الإمام بعده، وجعل الوصية إليه، لأنه كان أسن ولده وآثرهم عنده، فمات إسماعيل في حياة أبيه.
ثم افترقت الإسماعيلية فرقتين: أ - فقالت فرقة منهم: إن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل وإنه حي لم يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض، ويكون إمامًا بعد أبيه، واحتجوا بأن جعفرًا قال: ما كان الله ليدوا له علي في إمامة إسماعيل.
ب - وقالت الفرقة الثانية من الإسماعيلية - وهم يسمون المباركية نسبوا إلى عظيم من عظمائهم يسمى المبارك -: إن الإمام بعد جعفر ابن ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر، لأن جعفرًا كان جعل الأمر والوصية لإسماعيل دون سائر ولده، وأن إسماعيل قد مات في حياة أبيه وأوصى إلى ولده محمد بن إسماعيل بمقامه من أبيه، فصار محمد ولي عهد جده جعفر، دون عمومه، فلما مات جعفر استحق محمد الإمامة بعده بذلك.
ثم افترقت المباركية فرقتين: أ - فقالت فرقة منهم: إن محمد بن إسماعيل بن جعفر حي لم يمت، ولا يموت حتى
[ ١٦٢ ]
يملأ الأرض عدلًا، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم، واحتجوا بروايات لهم عن النبي ﵌ أن سابع الأئمة قائمهم.
قالوا فالسبعة: علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والسابع محمد بن إسماعيل بن جعفر.
ب - وقالت الفرقة الثانية من المباركية: إن محمد بن إسماعيل قد مات، وإن الإمامة في ولده من بعده.
ثم اختلفت هذه الفرقة في الحاكم بأمر الله.
فقالت فرقة: إنه قتل في شعب من شعاب المقطم ليلًا، وكان يركب إليه كل ليلة، ويتفرد فيه.
وقالت الفرقة الثانية: إنه حي لم يمت، ولا يموت حتى يملك جميع الأرض ويملأها عدلًا، وإنه المهدي المنتظر عندهم.
وقالت الشمطية من الجعفرية: إن الإمام بعد ابنه محمد بن جعفر، وإن الإمامة من بعد محمد في ولده، وقد كان خرج محمد بن جعفر وهو المعروف بديباجة على المأمون، ثم أسر وأتى به المأمون فعفا عنه وتوفي بحرجان، وله عقب، ونسبت هذه الفرقة إلى رجل من كبرائهم يقال له: يحيى بن أبي شمط.
وقالت الفطحية: إن الإمام بعد جعفر ابنه عبد الله بن جعفر، وكان أكبر من خلف من ولده، وسموا الفطحية، لأن عبد الله كان أفطح الرأس، وأفطح القدم، أي عريضها، قال الراعي يصف جملًا:
له عنقٌ عاري المحال وكاهلٌ كلوح اليماني ذو أساس أفطح
والمحال: فقار الظهر. والكاهل: ما بين العنق إلى الظهر. والساس: أطراف الفقار.
[ ١٦٣ ]
وقيل: إنما نسبوا إلى رجل من رؤسائهم يسمى: عبد الله بن فطح؛ وتسمى الفطحية أيضًا: العمارية، نسبوا إلى رجل من عظمائهم يقال له: عمار الساباطي.
قال أبو القاسم البلخي: والفطحية أعظم فرق الجعفرية، وأكثرهم جمعًا؛ قال: وقد مال إلى العمارية خلق كثير من الزرارية.
والزرارية كثر الشيعة فقهًا وحديثًا، قال: والفطحية يزعمون أن زرارة ابن أعين كان على مقالتهم وإنه لم يرجع عنها، وزعم بعضهم أنه رجع عنها حين سأل عبد الله بن جعفر عن مسائل فلم يجد عنده جوابها، فتركه وقال بإمامة موسى بن جعفر.
وقال بعضهم: لم يأتم به، ولكنه أشار إلى المصحف وقال: هذا إمامي.
ثم أن الفطحية بعد موت عبد الله بن جعفر قالوا بإمامة أخيه موسى بن جعفر، وقالوا: هو الإمام من بعد عبد الله بن جعفر، ودخلوا في القطعية.
وقالت الجوالقية: إن الإمام بعد جعفر ابنه موسى بن جعفر، وإن جعفر نص على إمامة موسى عند جمهور شيعته.
ثم افترقت الجوالقية بعد حياة موسى بن جعفر الثانية، فصاروا ثلاث فرق: فقالت فرقة منهم: إن موسى بن جعفر قد مات، وقطعوا على موته فسموا: القطعية.
وقالت فرقة: إن موسى بن جعفر حي لم يمت، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وهذه الفرقة تسمى: الواقفة وتسمى
[ ١٦٤ ]
أيضًا: الممطورة. لأن رجلًا منهم ناظر يونس بن عبد الرحمن، وهو من القطعية، فقال له يونس: لأنتم أنتن علي من الكلاب الممطورة.
وقالت فرقة: لا ندري أمات موسى بن جعفر أو لم يمت، إلا أنا مقيمون على إمامته حتى يصح أمره لنا، وأمر هذا المنصوب، يعنون ولده.
ثم افترقت القطعية فرقتين: أ - فقالت فرقة منهما: إن الإمام بعد موسى بن جعفر ابنه علي بن موسى، وإن الإمام بعد علي بن موسى محمد بنعلي بن موسى، ومات أبوه علي وهو ابن أربع سنين، وقيل ابن ثماني سنين. فاختلف الذين قالوا بإمامة محمد بن علي، فقال بعض المؤتمين به: إنه كان إمامًا في حال صغره واجب الطاعة عالمًا بما تعلمه الأئمة من الأحكام والحلال والحرام، وغير ذلك من أمور الدين، يجب استفتاؤه في الحوادث، ويصلح لما يصلح له غيره من الأئمة؛ وقالوا: ليس كبر السن من شرائط الإمامة.
وقال بعضهم: إنه كان في تلك الحال إمامًا، على أن الأمر له وفيه دون سائر الناس، ولا يصلح للأمامة في وقته أحد غيره، فإما يجتمع فيه في تلك الحال ما اجتمع في الأئمة المتقدمين من خلال الإمامة فلا. قالوا: ولا يجوز أن يؤمهم في الصلاة، ولا يجب استفتاؤه في الحوادث في ذلك الوقت، وإنما يتولى ذلك غيره من أهل الصلاح منهم إلى وقت إدراكه، وقالوا بعد ذلك: إن الإمام بعد محمد ابن علي ابنه علي بن محمد، وإن الإمام بعد علي ابنه الحسن بن علي وهو المعروف بالعسكري، ومات العسكري، وهو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى ابن جعفر بن محمد، في شهر ربيع الأول لثمان خلون منه، سنة ستين ومائتين،
[ ١٦٥ ]
ولا ولد للعسكري، فاختلط عليه أمره، فقالوا: إن له ولدًا مكتومًا يظهره الله ﷿ إذا شاء، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وإن خواص شيعته تعرفه وتلقاه، وإنه يظهر إذا شاء الله.
ورووا أخبارًا عن أسلافهم أن الأئمة من آل محمد اثنا عشر إمامًا لا يزيدون ولا ينقصون، أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين، ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي العسكري.
قالوا: فهؤلاء أحد عشر إمامًا، والثاني عشر هو ولد العسكري هذا المستور الذي ادعوه، وهو المهدي المنتظر عندهم.
وهؤلاء يسمون: القطعية والإثني عشرية، وهم أكثر الشيعة عددًا على وجه الأرض.
وقالت الخطابية: إن الإمام بعد جعفر أبو الخطاب، واسمه محمد بن أبي زينب مولى لبني أسد؛ وقالوا: إن الأئمة أنبياء لا يزال منهم رسولان، واحد صامت، والآخر ناطق، فالصامت علي، والناطق محمد، وإن رسل الله تترى، أي اثنان في كل وقت. قالوا: فجعفر أحد الرسولين إليهم، والآخر أبو الخطاب. وقالوا: إن ولد الحسين وشيعتهم بناء الله وأحباؤه. وقالوا: إن عبادة الأئمة واجبة، وتأولوا في ذلك قول الله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي الآية) . وعبدوا أبا الخطاب وقالوا: إنه الههم، وأن جعفر بن محمد إلههم أيضًا، إلا أن أبا الخطاب أعظم من جعفر ومن على. وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر المنصورة فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة.
والخطابية يستحلون شهادة الزور لمن وافقهم في دينهم على من خالهم
[ ١٦٦ ]
في الأموال والدماء والفروج؛ وتقول: إن دماء مخالفيهم، وأموالهم، ونساءهم: لهم حلال.
ثم افترقت الخطابية أربع فرق: فرقة يقال لها: المعمرية، عبدوا معمرًا الصفار وكان رجلًا يبيع الحنطة، كما عبدوا أبا الخطاب. وزعموا أن الدنيا لا تفنى، وأن الجنة هي ما يصيب الناس من العافية والخير، وأن النار ما تصيب الناس من خلاف ذلك. وقالوا بالتناسخ وإنهم لا يموتون ولكن ترفع أرواحهم إلى السماء وتوضع في أجساد غير تلك الأجساد واستحلوا الخمر والزنا وسائر المحرمات ودانوا بترك الصلاة.
وقالت الفرقة الثانية من الخطابية: إن جعفر بن محمد هو الله، ولكن تشبه للناس في صورة جعفر، وزعموا أن كل ما حدث في قلوبهم وحي، وأن كل مؤمن يوحى إليه، وتأولوا قول الله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل) وقوله: (وإذ أوحيت إلى الحواريين) . وزعموا أن فيهم خيرًا من جبريل ومن ميكائيل ومن محمد. وزعموا أنه لا يموت منهم أحد، ون أحدهم إذا بلغ عبادته رفع إلى الملكوت. وادعوا معاينة موتاهم وأنهم يرونهم بكرة وعشيًا.
وقالت الفرقة الثالثة من الخطابية: بتكذيب هؤلاء في الموت، وقالوا: أنهم يموتون ولا يزال منهم خلف في الأرض أئمة وأنبياء، وعبدوا جعفرًا كما عبده المتقدمون، وزعموا أنه ربهم، وضربوا خيمة في كناسة الكوفة ثم اجتمعوا يلبون لجعفر، ويدعون إلى عبادته، وهؤلاء يسمون: العميرية، نسبوا إلى عمير بن البنان العجلي وكان رئيسهم، فأمر عمير بن هبيرة بعمير بن البنان فقتل وصلب في كناسة الكوفة، وحبس قومًا من أصحابه.
وقالت الفرقة الرابعة من الخطابية: بالبراءة من هؤلاء، وقالوا: بربوبية جعفر
[ ١٦٧ ]
وانتحلوا النبوة والرسالة، إنما خالفوهم في البراءة من أبي الخطاب فقط، لأن جعفرًا أظهر البراءة من أبي الخطاب حين لبى به أصحابه في الطريق، وهؤلاء يسمون: المفضلة، نسبوا إلى رئيس لهم كان صيرفيًا يسمى المفضل.
قال البلخي: وقد مال إلى الائتمام بمحمد بن إسماعيل جماعة من الخطابية أيضًا، ودخلوا في المباركية.
وقالت المغيرية: إن الإمام بعد أبي جعفر، محمد بن علي الباقر المغيرة بن سعد العجلي، وإن أبا جعفر أوصى إلى المغيرة، فهم يأتمون به إلى أن يظهر المهدي، والمهدي عندهم: محمد بن عبد الله النفس الزكية ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇، فلما أظهر المغيرة هذا القول، برئت منه الجعفرية، وكان المغيرة بن سعد يدعي أنه نبي، وأنه يعلم اسم الله الأكبر، وأن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور، وله من الأعضاء مثل ما للرجال، وله جوف، وقلب ينبع بالحكمة، وأن حروف أبجد على عدد أعضائه، فالألف موضع قدمه، لاعوجاجها؛ وذكر الصاد فقال: لو رأيتم موضع الصاد منه لرأيتم أمرًا عظيمًا، يعرض لهم بالعورة، وأنه قد رآه وقال: إنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم.
وبلغ خالد بن عبد الله القسري خبره، فقتله وصلبه، فاستأمت المغيرية بعده جابر الجعفي، فمات جابر، فادعى وصيته بكر الأعور الهجري العتات فاستأموه، ثم هجموا منه على الكذب فخلعوه، وانصرفوا إلى عبد الله بن المغيرة بن سعد، فنصبوه إمامًا، فأكل عبد الله أموالهم.
وقالت المنصورية: إن الإمام بعد محمد بن علي الباقر، أبو منصور العجلي،
[ ١٦٨ ]
وإن محمد بن علي إنما أوصى إلى أبي منصور دون بني هاشم، كما أوصى موسى إلى يوشع بن نون، دون ولده، ودون ولد هارون، ثم أن الإمام بعد أبي منصور يرجع إلى ولد علي.
وقال أبو منصور: إنما أنا مستودع، وليس لي أن أضعها في غيري، إلى أن يظهر المهدي المنتظر، وهو محمد بن عبد الله النفس الزكية.
وقال أبو منصور: إن آل محمد هم السماء، وشيعتهم الأرض، وإنه هو الكسف الساقط من بني هاشم.
وقال: في نزل: (وإن يروا كسفًا من السماء ساقطًا) .
وقال: إنه عرج إلى السماء فمسح معبوده رأسه بيده، ثم قال: أي بني اذهب فبلغ عني، ثم نزل به إلى الأرض.
ويمين أصحابه إذا حلفوا أن يقولوا: لا والكلمة.
وزعم أن عيسى أول ما خلق الله من خلقه، ثم علي، وأن رسل الله لا تنقطع أبدًا، وكفر بالجنة والنار، وزعم أن الجنة رجل والنار رجل، واستحل الزنا وأحل ذلك لأصحابه، وزعم أن الميتة والدم والخمر والميسر، وغير ذلك من المحارم: حلال. وقال: إن ذلك أسماء رجال حرم الله ولايتهم، وأسقط جميع الفرائض مثل الصلاة والزكاة والحج والصيام؛ وقال: هي أسماء رجال أوجب الله ولايتهم. واستحل خنق المخالفين، وأخذ أموالهم. فأمر به يوسف بن عمر فقتل وصلب.
وافترقت المنصورية بعد أبي منصور فرقتين: حسينية، ومحمدية.
فقالت: الحسينية إن الإمام بعد أبي منصور ولده الحسين بن أبي منصور، وجعلوا له الخمس مما وقع في أيديهم من الخنق.
[ ١٦٩ ]
وقالت المحمدية: إن الإمام بعد أبي منصور محمد بن عبد الله النفس الزكية، لأن أبا منصور قال: إنما أنا مستودع وليس لي أن أضعها في غيري، ولكنه محمد ابن عبد الله.
فهذه الشيعة في الإمامة على ما حكاه عنهم أبو عيسى الرزاق، وزرقان بن موسى، وأبو القاسم البلخي في كتبهم.
وأما الخوارج: فقد ذكرنا أقوالهم في أصل الإمامة، وسنذكر من فرقهم ما ذكره أبو القاسم البلخي ورواه عنهم من الاختلاف.
فمن فرق الخوارج النجدية: إمامهم نجدة بن عامر الحنفي، والذي تفردوا به أنهم قالوا: أن المخطئ بالجهل معذور، فمن اسحل شيئًا من طريق الاجتهاد مما هو محرم فهو معذور على جهله. قالوا: ومن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام متى تقوم عليه الحجة فهو كافر. وقالوا: من نقل عن دار هجرتهم فهو منافق. وقالوا: دماء أهل العهد في دار النقية حلال، وبرئوا ممن حرمها. وقالوا: إن أصحاب الحدود المذنبين منهم غير خارجين من الأيمان، والمذنبين من غيرهم كفار. وقالوا: لا ندري لعل الله يعذب المؤمنين بقدر ذنوبهم في غير النار. وقالوا: من أصر على نظرة محرمة، أو كذبة فهو مشرك؛ ومن زنى أو سرق غير مصر فهو مسلم.
ومنهم الفديكية. إمامهم أبو فديك قاتل نجدة بن عامر بعد إحداثه، ولا يعلم لهم قول أبدعوه، غير إنكارهم على نجدة ونافع ابن الأزرق أحداثهما.
ومنهم العطوية: إمامهم عطية بن الأسود الحنفي، وكان عطية أنكر على نجدة، ونافع بن الأزرق، ما أحدثاه، ومضى إلى سجستان وخراسان، فهو أصل الخوارج بهما.
[ ١٧٠ ]
ومن العطوية: العجزية: إمامهم عبد الكريم بن العجرد، وهم يقولون: يجب دعاء الطفل إذا بلغ، ويجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام.
ومن العجاردة: الميمونية: إمامهم ميمون، وقيل: إن ميمونًا هذا كان رجلًا من أهل بلخ، وقيل: بل كان عبد الكريم بن العجرد، والميمونية لا يرون إلا قتال السلطان خاصة، وأعوانه، ومن رضي بحكمه، ومن طعن في دينهم. وهم يجيزون نكاح بنات البنين، وبنات البنات، وبنات الأخوات، وبنات بني الأخوة. ويقولون: إن الله حرم نكاح البنات والأخوات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وأحل ما وراء ذلك. وهم يقولون بالعدل. وكانت الغلبة بخراسان وسجستان لهؤلاء وللعجاردة.
ومن الميمونية: الحلفية: وهم يخالفون الميمونية في القول بالعدل، ويقولون بالجبر، وهم بكرمان. وقالوا: لا نستحل العقد لإمام بعده، حتى يصح لنا خبره، أو يتم مائة وعشرين سنة، من يوم ولد، وكان إمامهم هذا يحارب الحمزية.
ومن الميمونية: حمزية: إمامهم حمزة بن أدرد، وهم يجيزون كون إمامين وأكثر من ذلك في وقت واحد، وهم يقولون بالعدل.
ومن العجاردة خازمية: وهم يقولون بالأحبار، ويقولون: إن الولاية والعداوة صفتان في الذات.
ومن الخازمية: مجهولية: وهم يقولون: من لم يعلم الله تعالى بجميع أسمائه فهو له جاهل، وإن أفعال العباد ليست بمخلوقة، وإن الاستطاعة مع الفعل كالكون إلا ما شاء الله.
ومن الخازمية: معلومية: وهم يقولون: من علم الله ببعض أسمائه فلم يجهله.
ومن العجاردة: صلتية: إمامهم عثمان بن أبي الصلت، والصلت بن أبي الصلت. وهم يقولون: إذا استجاب الرجل في الإسلام توليناه، وبرئنا من أطفاله،
[ ١٧١ ]
لأنهم ليس لهم إسلام حتى يدركوا، فيدعوا إلى الإسلام ويسلموا.
ومن العجاردة فرقة يقولون: ليس لأطفال المؤمنين، ولا لأطفال الكافرين ولاية ولا عداوة حتى يدركوا ويسلموا.
ومن العجاردة: ثعلبية: إمامهم ثعلبة، وهم يقولون في الأطفال: إنهم مشتركون في عقاب آبائهم، وإنهم ركن من أركانهم، وبعض من أبعاضهم.
ومن الثعلبية: أخنسية: إمامهم الأخنس، وهم يقفون عن جميع ما في دار النقية من أهل القبلة، إلا من عرفوه بإسلام، أو كفر، ويحرمون البيات والاغتيال والقتل في السر، وأن يبدأ أحد بقتال حتى يدعى إلى الإسلام، فبرئ منهم جمهور الثعالبة.
ومن الثعالبة: معبدية: إمامهم معبد، وهم يرون أخذ زكاة أموال عبيدهم إذا استغنوا، وإعطاءهم من زكاتهم إذا افترقوا، وكان مواليهم على رأيهم أو لم يكونوا، فبرئت منهم الثعالبة.
ومن الثعلبية: شيبانية: إمامهم شيبان بن سلمة الخارج في أيام أبي مسلم، وكان أحدث أحداثًا منها معاونة أبي مسلم، فبرئت منه الخوارج وقتل؛ فقالت الشيبانية: إنه قد تاب، وقال سائر الثعالبة: لا تقبل توبة مثله، إلا بأن يقص منه، أو يعفو صاحب الحق، وبرئوا ممن أجاز توبته.
ومن الثعالبة: رشيدية: إمامهم رشيد، وهم يقولون: إنه يجب فيما يسقي الفيول الجارية، والأنهار، نصف العشر، فبرئت منهم الثعالبة.
ومن الثعالبة: مكرمية: إمامهم أبو مكرم، وهم يقولون: إن تارك الصلاة كافر،
[ ١٧٢ ]
وليس من قبل ترك الصلاة كفر، ولكن من قبل جهله. وكذلك قالوا في سائر الفرائض. وقالوا: من أتى كبيرة، فقد جهل الله تعالى. وقالوا بالموافاة، وهو أن الله إنما يتولى عباده، ويعاديهم على ما هم صائرون إليه لا على أعمالهم. فبرئت منه الثعالبة.
ومن الخوارج الأباضية: إمامهم عبد الله بن أباض التميمي من مقاعس تيم الحارث بن عمر بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
قال أبو القاسم البلخي: حكى أصحابنا أن عبد الله بن أباض لم يمت حتى ترك قوله أجمع، ورجع إلى الاعتزال، والقول بالحق.
قال: والذي يدل على ذلك، أن أصحابه لا يعظمون أمره.
وجمهور الأباضية يقولون: إن مخالفيهم من أهل القبلة كفار، وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم، وحلال غنيمة أموالهم عند الحرب من السلاح والكراع، حرام ما وراء ذلك من سبيهم وقتلهم في السر، إلا من دعا إلى شرك في دار تقية وادعى الإسلام، ولا ذمة له. وقالوا: إن الدار، دار مخالفيهم، دار توحيد، إلا عسكر السلطان فإنه دار بغي. وقالوا: من سرق وزنى، أقيم عليه الحد، ثم استنيب، فن تاب وإلا قتل.
واختلفوا في النفاق.
فقالت فرقة منهم: النفاق براءة من الشرك، واحتجوا بقوله تعالى (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) .
[ ١٧٣ ]
وقالت فرقة منهم: كل نفاق شرك، لأنه يضاد التوحيد.
وقالت فرقة منهم: لا حجة لله على أحد في توحيد إلا بخبر، أو ما يقوم مقام الخبر من إيماء أو إشارة.
وقالت فرقة منهم: لا يجوز أن يخلي الله عباده من التكليف لوحدانيته ومعرفته.
وقالت فرقة منهم: يجوز أن يخليهم الله من ذلك.
وقالت فرقة منهم: من دخل في دين الإسلام وجبت عليه الشرائع والأحكام، ثم وقف على ذلك، أو لم يقف، سمعه، أو لم يسمعه.
وقالت فرقة منهم: يجوز أن يبعث الله نبيًا بلا دليل.
وقالت فرقة منهم: من ورد عليه الخبر بأن الخمر قد حللت، وأن القبلة قد حولت، فعليه أن يعمل بذلك، أخبره بذلك مؤمن أو كافر، وعليه أن يفعل ذلك بالخبر، وليس عليه أن يعلم ذلك بالخبر.
وقالت فرقة منهم: من قال بلسانه إن الله واحد، وعني المسيح، فهو صادق في قوله مشرك بقلبه.
وقالت فرقة منهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والزكاة والحج، ولا شيء من أسباب الطاعة، التي توصل بها إليها؛ وإنما عليهم فعلها بعينها فقط.
وقالت فرقة منهم: الدرهم بدرهمين يدًا بيد حلال. وقالوا: قد يكون في الإنسان إيمان، ولا يسمى به مؤمنًا.
وقالت فرقة منهم: بتحليل الأشربة التي يسكر كثيرها، إذا لم تكن الخمر بعينها؛ وحرموا السكر، وهم يرون قتل المشبهة وبسبيهم وغنيمة أموالهم ويجهزون على جريحهم.
[ ١٧٤ ]
ومن الأباضية. حفصية: إمامهم حفص بن أبي المقدام. وهم يقولون: إن ما بين الشرك والكفر معرفة الله، فمن عرف الله، ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو جنة أو نار، أو عمل جميع الجنايات، فهو كافر بريء من الشرك؛ ومن جهل الله وأنكره، فهو مشرك.
ومنهم اليزيدية: إمامهم يزيد بن أبي أنيسة، قال: إن الله تعالى سيبعث رجلًا من العجم، وينزل عليه كتابًا من السماء، ثم يكتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، فيترك شريعة محمد ويأتي بشريعة أخرى وغيرها، وإن ملته تكون الصابية، وليست هذه الصابية؛ ولكن الصابين الذين ذكرهم الله في كتابه، قال: ولم يأتوا بعد؛ وزعم أن في هذه الأمة شاهدين عليها، وأنه أحدهما، وأنه لا يدري أمضى الآخر، أم هو كائن؟ فبرئ منه جل الأباضية.
ومن الخوارج الواقفة: من قصتهم أن رجلًا منهم يقال له: إبراهيم من أهل المدينة، كان يصبي في منزله من دين إلى دين - قال أبو عبيدة: صبى من دينه إلى دين آخر، كما تصبي النجوم، أي تخرج من مطالعها - ومعه جماعة منهم، فبعث جارية له إلى السوق كانوا يتولونها، فأبطأت، فغضب إبراهيم وقال: لأبيعها في الأعراب فقال له رجل ممن حضر - يقال له ميمون غير الذي من العجاردة - فكيف يسعك أن تبيع جارية مسلمة من قوم كفار؟ فقال إبراهيم: إن الله أحل البيع وحرم الربا، وقد مضى أسلافنا وهم يستحلون ذلك؟؟؟!! فبرئ ميمون ممن استحل بيعها، ووقف سائر من في البيت، فلم يقولوا بتحليل ولا تحريم، وكتبوا إلى علمائهم يسألونهم عن ذلك، فأفتوا أن بيعها حلال، وبأن يستناب أهل البيت من توقفهم في ولاية إبراهيم، وبأن يستناب ميمون، وبالبراءة من امرأة كانت
[ ١٧٥ ]
معهم وقفت، فماتت قبل ورود الفتوى، فأبى من كان في البيت أن يبرأوا منها، وأن يتوبوا من الوقوف، وثبتوا عليه، فسموا: الواقفة، فبرئت منهم الخوراج.
ومن الخوارج الضحاكية: إمامهم الضحاك، وهم يجيزون أن تزوج المرأة المسلمة عندهم من كفار قولهم في دار النقية، كما يجوز للرجل منهم أن يتزوج الكافرة من قومه في دار التقية؛ فأما دار العلانية، ودار حكمهم، فلا يجوز؛ فبرئت منهم الخوارج، ووقفت فرقة في ذلك فسموا الواقفة، وقالوا: لا نعطي هذه المرأة من حقوق المسلمين شيئًا، ولا نصلي عليها إن ماتت، ونقف في أمرها، ومنهم من برئ منها.
ومن الخوارج البيهسية: وإمامهم أبو بيهس الهصيم بن جابر وهم يقولون: إن السكر من كل شراب حلال الأصل موضوع عمن سكر منه، وكل ما كان من ترك صلاة أو شتم فهو موضوع عن صاحبه، لا حد فيه ولا حكم، ولا يكفر أهله بشيء من ذلك، ما داموا في حال السكر؛ وقالوا: إن الشراب الذي هو حلال الأصل، لم يأت فيه من التحريم ولا إقلال أو إكثار أو سكر، ويقولون: إنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله ﷿، ومعرفة رسوله، ومعرفة ما جاء به محمد ﵌ جملة من الشريعة؛ وقالوا: من جهل شيئًا من ذلك فهو مشرك، وقالوا: بقتل الغيلة، وأخذ مال المخالفين.
ومن البيهسية: العوفية: وهم يقولون: إذا كفر الإمام كفرت بكفره الرعية، الشاهد منهم والغائب، وصارت الدار دار شرك، يحل قتل أهلها وسبيهم على كل حال.
[ ١٧٦ ]
قال المداني: طلب الحجاج أبابيهس الهيصم بن جابر، وهو أحد بني سعد بن ضبيعة بن قيس أيام الوليد، فهرب إلى المدينة، فلم يعرفه أحد، فطلبه الحجاج، فأعياه، فبلغ الوليد أنه بمكة، فكتب إلى عثمان بن حبان المري فيه، ووصفه له صفته، فظفر به عثمان وحبسه، وكان يسامره إلى أن ورد الكتاب من الوليد بقطع يديه ورجليه وصلبه، ففعل به ذلك.
ومن الخوارج الصفرية: نسبوا إلى إمامهم زياد بن الأصفر، وزعم قوم أن الذي نسبوا إليه عبد الله بن الصفار، ونهم الصفرية بالصاد، وهم يقولون: إن كل ذنب مغلظ كفر وشرك، وكل شرك كيادة للشيطان، وهو قول الخوارج إلا الفضيلية.
والصفرية يجيزون مناكحة المشركين والمشركات، وأكل ذبائحهم وقبول شهادتهم ومواريثهم، ويحتجون بأن النبي ﵌ زوج بناته من المشركين في دار التقية.
ومن الخوارج: الفضيلية: وهم يقولون: إن كل معصية صغرت أو كبرت، فهي شرك، وإن صغائر المعاصي مثل كبائرها؛ ويقولون: إنه لا يكفر عندهم من قال بضرب من الحق وهو يضمر غيره، نحو أن يقول: لا إله إلا الله، وهو يريد قول النصارى، أي الذي له الولد والزوجة، أو يريد ضما قد الحدوة، ويقول: محمد رسول الله، وهو يعني غيره، ممن هو حي، وأشباه ذلك.
ومن الخوارج الشمراخية: إمامهم عبد الله بن شمراخ، وهم يصفون خلف من صلى إلى القبلة، ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا ينافق بصلاته.
ومن الخوارج الأزارقة إمامهم نافع بن الأزرق الحنفي، وهو أول من الحد
[ ١٧٧ ]
الخلاف من الخوارج، وهم يقولون: إن من أقام من المسلمين في دار الكفر، فهو كافر، ويرون قتل النساء والأطفال، ويحتجون بقول الله تعالى: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا الآية إلى قوله كفارًا) .
ومن الخوارج: البدعية وهم يقولون: إن الصلوات ركعتان بالعشي وركعتان بالغداة، لا غير ذلك، لقول الله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار) .
والبدعية يقطعون بالشهادة على أنفسهم وموافقتهم أنهم من أهل الجنة من غير شرط ولا استثناء.
وأصل فرق الخوارج: الأزارقة، والأباضية، والنجدية، والصفرية، وسائرها متفرع من هذه الفرق، وقيل: سائرها متفرع من الصفرية.
هذه أصول فرق الشيعة والخوارج المشهورة التي نسبت إلى أول من ابتدعها منهم وقال بها من أئمتهم.
فأما الفروع التي تفرعت منها والشعب التي تشعبت عنها فهي كثيرة، وكذلك أئمة هاتين الفرقتين الخارجون، والداعون إلى الجهاد لا يجمع ذكرهم إلا كتاب مفرد.
والشيعة والخوارج أشد فرق الأمة تمسكًا بالأئمة، وأكثرهم اختلافًا وتفرقًا وبراءة من ولاية بعضهم.
وإنما سميت الشيعة: شيعة، لمشايعتهم علي بن أبي طالب، ولأولاده ﵈؛ والمشايعة: الموالاة والمناصرة، والشيعة: الأولياء والأنصار والأصحاب والأحزاب، ومنه قوله تعالى: (ومن شيع الأولين)، وقوله: (وإن من شيعته لإبراهيم)، ومنه قول الكميت بن زيد الأسدي:
إذا الخيل وراها العجاج وتحته غبارٌ أثارته السنابك أصهب
[ ١٧٨ ]
فما لي إلا آل أحمد شيعةٌ وما لي إلا مشعب الحق مشعب
المشعب: الطريق ويقال شيع الرجل: إذا صحبه، والمشايعة أيضًا: المخالطة والمشاركة في الأمر وغيره، ومنه يقال: سهم مشاع أي غير مقسوم، وسهم شائع أيضًا، كما يقال سائر وسار، قال أبو ذؤيب يصف ظبية:
فسود ماء المزد فاهًا فلونها كلون النؤور وهي أدماء سارها
أي سائرها، وقال آخر في صفة الوتد:
ومشج أماسوا قذاله فبدا وغيب ساره المعزاء
وقيل: إن اسم الشيعة مأخوذ من السهم الشائع، فإن صح هذا، فالشيعة جمع شاع، مثل حيرة جمع حار، والشيعة أيضًا من غير هذا: مثل الأسد وهو ولده وهو الشيع أيضًا، ويقال: هذا شوع هذا وشيع هذا: للذي ولد بعده، ولم يولد بينهما، ويقال: آتيك غدًا شيع غد: أي بعد غد، قال عمر بن أبي ربيعة:
قال الخليط غدًا تصدعنا أو شيعه أفلًا تود عناء
ويقال: إن الشيع: المقدار، ويقال: أقام شهرًا أو شيعه، ويقال: شيع الراعي بأبله، وشايع، إذا صاح بها، ودعاها إذا استأخر بعضها: والمصدر: المشايعة والشياع، الشياع: صوت مزمار الراعي، قال قيس بن أبي ذريح الكناني، أخو ليث بن بكر بن كنانة، المشهور بالعشق:
[ ١٧٩ ]
إذا ما تذكرين يحن قلبي حنين النيب تطرب للشياع
ويقال شيعه: أحرقه، ويقال: شيعت النار بالحطب تشييعًا إذا أذكيتها به، والمشيع: الشجاع، قال أبو ذؤيب:
فتبادروا وتواقفت خيلاهما وكلاهما بطلٌ للقاء مشيع
الرواية المشهورة: بطل اللقاء مخدع بالخاء المعجمة ودال مهملة، أي خدع مرارًا في الحرب حتى صار مجربًا، ويروى: مجذع بالذال المعجمة مفتوحة أي مقطع، أي مضروب بالسيف. والمشايع: اللاحق.
وكانت الشيعة الذين شايعوا عليًا ﵇ على قتال طلحة والزبير وعائشة، ومعاوية، والخوارج في حياة علي ﵇، ثلاث فرق: فرقة منهم، وهم الجمهور الأعظم الكثير، يرون إمامة أبي بكر وعمر، وعثمان، إلى أن غير السيرة، وأحدث الأحداث.
وفرقة منهم، أقل من أولئك عددًا: يرون الإمام بعد رسول الله ﵌: أبا بكر، ثم عمر، ثم عليًا، ولا يرون لعثمان إمامة؛ قال أيمن ابن خزيم الأسدي:
له في رقاب الناس عهدٌ وبيعةٌ كعهد أبي حفص وعهد أبي بكر
وحكى الجاحظ أنه كان في الصدر الأول لا يسمى: شيعيًا، إلا من قدم عليًا على عثمان؛ ولذلك قيل: شيعي، وعثماني؛ فالشيعي: من قم عليًا على عثمان، والعثماني: من قدم عثمان على علي.
[ ١٨٠ ]
وكان واصل بن عطاء ينسب إلى التشيع في ذلك الزمان. لأنه كان يقدم عليًا على عثمان.
وفرقة منهم يسيرة العدد جدًا، يرون عليًا أولى بالإمامة بعد رسول الله ﵌، ويرون إمامة أبي بكر وعمر كانت من الناس على وجه الرأي والمشورة، ويصوبونهم في رأيهم ولا يخطئونهم، إلا أنهم يقولون: إن إمامة علي كانت أصوب وأصلح.
ولم تزل الشيعة على هذه الأقوال الثلاثة، إلى أن قتل الحسين بن علي ﵇، ثم افترقت الشيعة بعده على ثلاث فرق: فرقة قالت: إن الإمام بعد الحسين ابنه علي بن الحسين، وإن الإمامة بعد الحسين في ولده خاصة، لأنها استقرت في يده فلم تكن لتخرج من أيدي ولده إلى غيرهم، وإنها تمضي قدمًا قدمًا لا تأخذ يمينًا ولا شمالًا، وإنها لا ترجع القهقرى ولا تمشي إلى وراء، ولا تكون إلا بنص من الإمام الأول على الإمام الثاني، وإن الأرض لا تخلو من إمام طرفة عين، إما مشهور وإما مستور، ولهذا سموا: بالإمامية، لالتزامهم بالإمام.
وقالت الفرقة الثانية: لم يصح عندنا أن الحسين عهد إلى أحد، ولا دعى ابنه علي إلى بيعة، فنحن نقف حتى نرى رجلًا من أحد البطنين - يعنون: ولد الحسن والحسين - يصح لنا ولادته، وزهده، وعلمه، وشجاعته، وعدالته، وورعه، وكرمه، يشهر السيف، ويباين الظالمين، فتلزمنا طاعته، فسموا: الواقفة، فمكثوا بعد قتل الحسين ستين سنة، حتى قام زيد بن علي بن الحسين بالكوفة،
[ ١٨١ ]
في زمن هشام بن عبد الملك، فبايعوه، فسموا: الزيدية.
وقالت الفرقة الثالثة: إن الإمام بعد الحسين أخوه محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، واحتجوا في ذلك بأن عليًا ﵇ أحضره في وقت وصيته مع أخويه الحسن والحسين، ووصاه بطاعتهما، ووصاهما ببره وتعظيمه، قالوا: فلم يحضره في الوصية إلا وله شرك في الإمامة، وهذه الفرقة تسمى الكيسانية، نسبوا إلى رئيس لهم يقال له: كيسان، وهو مولى لبطن من بجيلة بالكوفة، وقيل: إن كيسان مولى لعلي ﵇.
وقيل: إن كيسان هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وإن عليًا سماه بذلك، وكان المختار كيسانيًا، يؤمن بالرجعة، ويقول: إن محمد بن الحنفية، سيموت، ثم يبعث هو وشيعته، فيملأ الأرض عدلًا، وكان يدعى أن خروجه كان عن أمره، وتتبع قتلة الحسين بن علي، فقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص وابنه حفص بن عمر، وقتل شمر بن ذي الجوشن الضبابي، ووجه إبراهيم بن الأشتر، فقتل عبد الله ابن زياد، وغيرهم، وغلب على الكوفة، حتى خرج نفر من أهل الكوفة يستنجدون أهل البصرة على المختار، فخرج أهل البصرة مع مصعب بن الزبير، فقاتلوه، وكان في عسكر مصعب: عبد الله بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن الأشعث ابن قيس، فقتلهما المختار؛ ثم قتل المختار، قتله صراف بن يزيد الحنفي في سنة سبع وستين، وعقب المختار لكوفة كثير، وكان المختار يزعم أن جبريل يأتيه وينزل عليه قرآنًا، وهو أحد الكذابين، قال فيه أعشى همدان، وفي الحجاج ابن يوسف:
[ ١٨٢ ]
إن ثقيفًا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذابٌ ثان
إنا سمونا للكفور الفتان حين طغى الكفر بعد الإيمان
بالسيد الغطريف عبد الرحمن يا رب مكن من ثقيف همدان
وكان المختار توعد أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، وولد سعيد بن قيس ابن يزيد بن ذي مرت الهمداني. بهدم داريهما، وبلغ أسماء بن خارجة أن المختار يقول لأصحابه: إنه نزل عليه في قرآنه: (لتنزلن من السماء نار بالدهماء، فلتخوفن دار أسماء!!) فقال أسماء: ويلي على ابن الخبيثة، قد عمل في داري قرآنًا!! لا أقف بعد هذا؛ فهرب أسماء من المختار، فهدم داره وأحرقها، وحالت همدان دون دار صاحبهم؛ فقال عبد الله بن الزبير الأسدي، يؤنب مضر في هدم دار أسماء:
فلو كان من همدان أسماء أصحرت كتائب من همدان صعر خدودها
لهم كان ملك الناس من قبل تبع تقود وما في الناس حي يقودها
وقيل لعبد الله بن عمر: إن المختار يعمد إلى كرسي فيجعله على بغل أشهب، ويحف بالديباج، ثم يطوف حوله هو وأصحابه فيستسقون به ويستنصرون به، ويقولون: هذا الكرسي فينا، مثل تابوت آل موسى.
فقال ابن عمر: فأين بعض جنادبة الأزد عنه؟ قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: يعني: جندب بن كعب بن عبد الله ابن حر بن عامر بن مالك بن ذهل بن ثعلبة بن ظبيان، قاتل الساحر الذي يقال له: بستاني، وكان يلعب للوليد بن عقبة، يريد أنه يقتل رجلًا، ثم يحييه، ويدخل
[ ١٨٣ ]
في فم ناقة، ثم يخرج من حيائها، فرآه جندب بن كعب يفعل ذلك؛ فقال لمولى له صقل: أعطني سيفًا هذامًا، فأعطاه السيف، فأقبل جندب إلى الساحر فضربه ضربة فقتله، ثم قال: أحي نفسك، فأخذه الوليد بن عقبة فحبسه؛ فلما رأى السجان صلاة جندب، وصومه، خلى سبيله؛ فأخذ الوليد السجان فقتله؛ قال أعشى همدان في المختار وأصحابه:
شهدت عليكم أنكم سبيئة وأني بكم يا شرطة الكفر عارف
وأن ليس كالكرسي فينا وإن سعت شبام حواليه ونهم وخازف
وإن شاكر طافت به وتمسحت بأعواده وأدبرت لا تساعف
وسميت الرافضة من الشيعة: رافضة، لرفضهم زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، وتركهم الخروج معه، حين سألوه البراءة من أبي بكر وعمر، فلم يجبهم على ذلك.
وروى عوانة بن الحكم قال: لما استتب الأمر لزيد بن علي ﵇ جمع أصحابه فخطبهم وأمرهم بسيرة علي بن أبي طالب في الحرب.
فقالوا: قد سمعنا مقالتك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: وما عسيت أن أقول فيهما؟ صحبا رسول الله ﵌ بأحسن الصحبة، وهاجرا معه، وجاهدا في الله حق جهاده، ما سمعت أحدًا من أهل بيتي تبرأ منهما، ولا يقول فيهما إلا خيرًا.
قالوا: فلم تطلب بدم أهل بيتك، ورد مظالمهم إذًا، وليس قد وثبا على سلطانهم، فنزعاه من أيديكم، وحملا الناس على أكتافكم، يقتلونكم إلى يومكم هذا؟
[ ١٨٤ ]
فقال لهم زيد: إنما وليا علينا وعلى الناس، فلم يألوا العمل بكتاب الله وسنة رسوله.
قالوا: فلم يظلمك بنو أمية إذًا، إن كان أبو بكر وعمر لم يظلماك! فلم تدعونا إلى قتال بني أمية، وهم ليسوا لكم ظالمين، لأن هؤلاء إنما تبعوا في ذلك سنة أبي بكر وعمر؟
فقال لهم زيد: إن أبا بكر وعمر ليسا كهؤلاء، هؤلاء ظالمون لكم ولأنفسهم، ولأهل بيت نبيهم، وإنما أدعوكم إلى كتاب الله ليعمل به، وإلى السنة أن يعمل بها، وإلى البدع أن تطفأ، وإلى الظلمة من بني أمية أن تخلع وتنفى، فإن جبتم سعدتم، وإن أبيتم خسرتم، ولست عليكم بوكيل.
قالوا: إن برئت منهما وإلا رفضناك!! فقال زيد: الله أكبر، حدثني أبي أن رسول الله ﵌ قال لعلي ﵇: (إنه سيكون قوم يدعون حبنا لهم نبزٌ يعرفون به، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون) . اذهبوا فإنكم الرافضة.
ففارقوا زيدًا يومئذٍ فسماهم: الرافضة، فجرى عليهم هذا الاسم.
وروى السيد أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني في كتاب الدعامة: أن جميع فرق الأمة اجتمعت على إمامة زيد بن علي ﵇، إلا هذه الفرقة التي تقدم ذكرها.
فقال: لما شهر فضله وتقدمه، وظهر علمه وبراعته، وعرف كماله، الذي تقدم به أهل عصره، اجتمع طوائف الناس، على اختلاف آرائهم، على مبايعته، فلم يكن الزيدي أحرص عليها من المعتزلى، ولا المعتزلى أسرع إليها من المرجى،
[ ١٨٥ ]
ولا المرجى من الخارجي، فكانت بيعته ﵇ مشتملة على فرق الأمة، مع اختلافها، ولم يشذ عن بيعته إلا هذه الطائفة العلية التوقيف.
قال: ومن الواضح الذي لا إشكال فيه، أن زيد بن علي، يذكر مع المتكلمين إن ذكروا، ويذكر مع الزهاد إن ذكروا، ويذكر مع الشجعان وأهل المعرفة بالضبط والسياسة، وكان أفضل العترة، لأنه كان مشاركًا لجماعتهم في جميع خصال الفضل، ومتميزًا عنهم بوجوه لم يشاركوه فيها.
فمنها: اختصاصه بعلم الكلام، الذي هو أجل العلوم، وطريق النجاة والعلم الذي لا ينتفع بسائر العلوم إلا معه، والتقدم فيه، والاشتهار عند الخاص والعام.
هذا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ يصفه في صنعة الكلام ويفتخر به ويشهد له بنهاية التقدم، وجعفر بن حارث في كتاب الديانة، وكثير من معتزلة بغداد كمحمد ابن عبد الله الإسكافي وغيره، وينسبون إليه في كتبهم، ويقولون: نحن زيدية.
وحسبك في هذا الباب انتساب المعتزلة إليه، مع أنها تنظر إلى الناس بالعين التي ينظر بها ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلًا، فلولا ظهور علمه وبراعته، وتقدمه كل أحد في فضيلته، لما انقادت له المعتزلة.
وإذا أردت تحقيق ما قلناه فسم بعض تلامذتهم، أو متوسطهم أن ينسب إلى غيره من أهل البيت، ممن لا تحصيل له في رتبة زيد بن علي، ليسمع منه العجائب.
ومن الوجوه التي اختص بها: تميزه عن جماعتهم بفضل الفصاحة والبيان.
ومنها: اختصاصه بعلم القرآن ووجوه القراءات، وله قراءة مفردة مروية عنه.
ومنها: تقدمه بالشجاعة، والرغبة في الجهاد، فقد روى عنه ﵇ أنه
[ ١٨٦ ]
لما خفقت الروايات على رأسه، قال: الحمد لله الذي أكمل لي ديني بعد أن كنت أستحي من رسول الله ﵌ أن أرد عليه، ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنه عن منكر.
ومما يدل على صحة ما رواه السيد أبو طالب من إجماع فرق الأمة، على زيد ابن علي، لما كان من فضله، قول شاعر الخوارج يرثي زيدًا ﵇ ويقرع الزيدية:
يا با حسين والأمور إلى مدى أولاد درزة أسلموك وطاروا
يا با حسين لو شراة عصابةٍ علقتك كان لوردهم إصدار
وقال أيضًا:
أولاد درزة أسلموك مبلا يوم الخميس لغير ورد الصادر
تركوا ابن فاطمة الكرام تقوده بمكان مسخلة لعين الناظر
وروى حسن بن علي، عن يحيى بن أبي يعلا، عن عمر بن موسى، قال: قلت لزيد بن علي: أكان علي إمامًا؟ فقال: كان رسول الله ﵌ نبيًا مرسلًا، لم يكن أحد من الخلق بمنزلة رسول الله ﵌، ولا كان لعلي ما ينكر الغالية، فلما قبض رسول الله ﵌، كان علي من بعده إمامًا للمسلمين في حلالهم وحرامهم، وفي السنة عن نبي الله، وتأويل كتاب الله، فما جاء به علي من حلال أو حرام أو كتاب أو سنة، أو أمر أو نهي، فرده الراد عليه، وزعم
[ ١٨٧ ]
أنه ليس من الله، ولا من رسوله، كان رده عليه كفرًا، فلم يزل ذلك حتى أظهر السيف، وأظهر دعوته، واستوجب الطاعة، ثم قبضه الله شهيدًا.
ثم كان الحسن والحسين، فوالله ما ادعيا منزلة رسول الله، ولا كان من رسول الله ﵌ من القول فيهما ما قال في علي ﵇، وأيضًا أنه قال: سيدا شباب الجنة، فهما كما سماهما رسول الله ﵌، وكانا إمامين عدلين، فلم يزالا كذلك، حتى قبضهما الله تعالى شهيدين.
ثم كنا ذرية رسول الله ﵌ من بعدهما ولد الحسن والحسين، ما فينا إمام مفترضة طاعته، ووالله ما ادعى علي بن الحسين أبي ولا أحد منزلة رسول الله ﵌، ولا منزلة علي، ولا كان من رسول الله فينا ما قال في الحسن والحسين، يغر أنا ذرية رسول الله ﵌؛ فهؤلاء يقولون: حسدت أخي وابن أخي!! أحسد أبي حقًا هو له؟ لبئس الولد أنا من ولد، إني إذًا لكافر، إن جحدته حقًا هو له من الله. فوالله ما ادعاها علي بن الحسين، ولا ادعاها أخي محمد بن علي، منذ صحبته حتى فارقني.
ثم قال: إن الإمام منا أهل البيت، المفروض علينا وعليكم وعلى المسلمين، من شهر سيفه، ودعا إلى كتاب ربه وسنة نبيه، وجرى على أحكامه، وعرف بذلك، فذلك الإمام الذي لا تسعنا وإياكم جهالته.
فأما عبد جالس في بيته، مرخ عليه ستره، مغلق عليه بابه، يجري عليه أحكام الظالمين، لا يأمر بمعروف، ولا ينهي عن منكر، فأنى يكون ذلك إمامًا مفروضة طاعته؟ وفي فضل زيد بن ما روى محمد بن سالم، قال: قال لي جعفر بن محمد: يا محمد هل شهدت عمي زيدًا؟ قلت: نعم، قال: فهل رأيت فينا مثله؟ قلت: لا، قال:
[ ١٨٨ ]
ولا أظنك والله ترى فينا مثله، إلى أن تقوم الساعة؛ كان والله سيدنا، ما ترك فينا لدين ولا دنيا مثله.
وروى عن محمد بن علي أنه قال - وأشار إلى زيد -: هذا سيد بني هاشم، إذا دعاكم فأجيبوه، وإذا استنصركم فانصروه.
وروى أن زيدًا بن علي دخل على هشام بن عبد الله فدار بينهما كلام، حتى قال له هشام: إنك لترجى بالخلافة وأنت ابن أمة؟ فقال له زيد: يا أمير المؤمنين، إن أمي مع أمك كأم إسماعيل مع أم إسحاق فلم يمنعه ذلك من أن جعله صديقًا نبيًا.
فلما خرج زيد أتبعه هشام بصره، وقال: كذب من قال: ذهب أهل بيت فيهم مثل هذا.
ثم خرج زيد بن علي بالكوفة على هشام بن عبد الملك - ووالى العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفي - فقتل زيد في المعركة، وذهبت أصحابه، فعلم به يوسف بن عمر، فنبشه وصلبه. ثم كتب هشام يأمر أن يحرق. فأحرق ونسف في الفرات.
ثم خرج ابنه يحيى بن زيد بالجورجان على الخليع الكافر الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، فبعث نصر بن سيار إليه، وأحضر المازني، فحاربه، فقتل يحيى بن زيد بالجورجان من أرض خراسان بقرية يقال لها أرعوية، ودفن في بعض الخانات.
وكان الوليد بن يزيد زنديقًا خليفًا، كافرًا، فصيحًا شاعرًا، ونظر يومًا إلى المصحف ليتفاءل، فوقع على قوله تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد)، فجعل المصحف غرضًا يرميه، ثم مزقه وأحرقه وقال يخاطب المصحف:
[ ١٨٩ ]
أتوعد كل جبارٍ عنيد فها أنا ذاك جبارٌ عنيد
إذا لاقيت ربك يوم حشرٍ فقل يا رب حرقني الوليد
وقال أيضًا:
تلعب بالخلائق هاشميٌ بلا وحي أتاه ولا كتاب
أتوعدني الحساب ولست أدري أحق ما تقول من الحساب
فقل لله يمنعني طعامي وقل لله يمنعني شرابي
وقال أيضًا:
يا أيها السائل عن ديننا وهم على دين أبي شاكر
نشربها صرفًا وممزوجةً بالسخن أحيانًا وبالفاتر
وقال أيضًا:
أدر الكأس يمينا لا تدرها ليسار
أسق هذا ثم هذا صاحب العود النضار
من كميت عتقوها منذ دهر في جرار
ختموها بالأفاوي هـ وكافور وقار
فلقد أيقنت أني غير مبعوث لنار
[ ١٩٠ ]
سأروض الناس حتى يركبوا أي؟.. الحمار
وذروا من يطلب الجن؟ ؟ ة يسعى لتبار
وأما قول الوليد بن يزيد: فقل لله يمنعني طعامي البيت، فإن هذا البيت لبجير بن عبد الله بن عامر بن سلمة القشيري، في شعره الذي رثى به هشام بن مغيرة المخزومي، إلا أن الوليد قلب البيت فجعل عروضه ضروبًا وضروبه عروضًا، وهذا قول بجير:
تحيتي بالسلامة أم بكر وهل لك بعد رهطك من سلام
ذريني أصطبح يا بكر إني رأيت الموت نقب عن هشام
ونقب عن أبيك وكان قرمًا من الفتيان شراب المدام
فود بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام
وود بنو المغيرة لو فدوه بألف مدجج وبألف رام
وكائن بالطوى طوى بدر من الفتيان والخيل الجسام
وكائن بالطوى طوى بدرٍ من الأحسان والقوم الكرام
وكائن بالطوى طوى بدرٍ من الشيزى تكلل بالسنام
أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام
أيعجز أن يرد الموت عني ويحييني إذا بليت عظامي
ألا من مبلغ الرحمن عني بأني مفطرٌ شهر الصيام
فقل لله يمنعني شرابي وقل لله يمنعني طعامي
[ ١٩١ ]
وكان المشركون يسمون النبي ﵌: ابن كبشة، وابن أبي كبشة.
وكان أبو كبشة، رجلًا من خزاعة، مخالفًا لقريش في عبادة الأوثان، وكان يعبد الشعرى العبور، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه بقوله: (وإنه هو رب الشعرى)، أي رب هذا النجم الذي يعبد من دونه.
وأبو كبشة جد جد النبي ﵌ لأمه، وأم النبي ﵌: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وأم وهب بن عبد مناف كبشة بنت أبي كبشة الخزاعي.
وممن رمى بالزندقة من أهل الإسلام: معن بن زايدة بن عبد الله بن زايدة بن مطر بن شريك بن عمرو الشيباني.
ومنهم عبد السلام بن رعبان، وقيل إنه القائل:
هي الدنيا وقد نعموا بأخرى وتسويف الظنون من السوافي
فإن يك بعض ما قالوه حقًا فإن المبتليك هو المعافي
ومنهم أبو نواس الحسن بن هانئ، وقيل إنه وجد في بيته بعد موته هذان البيتان:
باح لساني بمضمر السر وذاك أني أقول بالدهر
وليس بعد الممات حادثةٌ وإنما الموت بيضة العقر
وقيل: كان سبب موته أنه كان صديقًا لبني نوبخت، ولهم إليه إحسان، وكان لهم مذهب في التشيع، فأغرى بهجائهم، وكان لهم كاتب بغدادي، يقال له زنبور، فروى عليه هجاء كثيرًا فيهم، من ذلك قوله في رئيس لهم يقال له إسماعيل:
خبز إسماعيل كالوشي إذا ما شق يرفا
عجبًا من محكم الصنعة فيه كيف يخفى
[ ١٩٢ ]
الأبيات. وكان مما روى عنه أيضًا في هجائهم، وهجاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، يقول فيه:
لله رافضة بليت بهم يتلاحظون بأعين خزر
يرضون أن أرضى أبا حسن لهم وأبرأ من أبي بكر
فلأجمعن على عدوانه ولأشهدن عليه بالكفر
ولأشكرن لراحةٍ ضربت تلك المفارق آخر الدهر
فلما بلغتهم هذه الأبيات سقوه سمًا فمات منه.
وقيل: بل كانوا في منتزه لهم عند سليمان بن أبي سهل، ومعهم أبو نواس وزنبور، فأنشد زنبور هذا الشعر، وقد عمل فيهم الشراب، فقاموا إلى أبي نواس فداسوا بطنه، فلم يزل يضع أمعاءه حتى مات.
ومنهم عبد الكريم بن نويرة الدهلي، وهو الذي سير عن رسول الله ﵌ أربعة آلاف حديث كذبًا، فقتله محمد بن سليمان بن علي بالكوفة وصلبه، فقال للمسلمين حين أحس بالقتل: اعملوا ما شئتم فقد لبست عليكم دينكم وجعلت حلالكم حرامًا وحرامكم حلالًا، ودسست عليكم في كتبكم أربعة آلاف حديث كذبًا، كل يعملون به منها.
ومنهم الأخطل، الشاعر: غياث بن غوث بن الصلت التغلبي، وهو القائل:
ولست بصائم رمضان عمري ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست براكب عيسًا بكورًا إلى بطحاء مكة للنجاح
[ ١٩٣ ]
ولست بقائم كالغير أدعو مع الأصباح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا وأسجد قبل منبلج الصباح
وغير هؤلاء ممن رمي بالزندقة، وهم كثير، واختصارهم أولى من ذكرهم، إلا أنا ذكرناهم عند ذكر الوليد بن يزيد وما كان من كفره.
وكان الوليد بن يزيد، أحد خلفاء بني أمية، فلما أعلن بالكفر خرج عليه ابن عمه، يزيد بن عبد الملك، وهو الذي يقال له: الناقص، وخرجت معه الغيلانية، وهم يقولون بالعدل والتوحيد، فقتل الوليد، وولي الأمر بعده وسمي الناقص، لأنه نقص الجند من أرزاقهم.
وكان يزيد بن الوليد صالحًا، مرضي السيرة، ولم يكن من خلفاء بني أمية مثله، ومثل عمر بن عبد العزيز.
فلما استولى يزيد على الأمر، قام في الناس خطيبًا، فقال - بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﵌ -: والله ما خرجت أشرًا، ولا بطرًا، ولا حرصًا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما أطري نفسي وإني لها لظلوم، ولكني خرجت غضبًا لله، ولدينه، وداعيًا إلى كتاب الله، وسنة نبيه، لما هدمت معالم الهدى، وأطفئ نور أهل التقى، وظهر الجبار العنيد، المستحل لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان ليؤمن بيوم الحساب، وأنه لابن عمي في الحسب وكفيئي في النسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمري، وسألته ألا يكلني إلى نفسي، واستعنت من أطاعني من أهل ولايتي،
[ ١٩٤ ]
إلى أن أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي.
أيها الناس: إن لكم علي ألا أضع حجرًا، ولا أجري نهرًا، ولا أكتنز مالًا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدًا، ولا أنقل مالًا من بدل إلى بلد، حتى أسد فقرة ذلك البلد، وخصصت أهله بما يغنيهم، فإن فضلت فضلة نقلته إلى البلد الذي يليه، ممن هو أحوج إليه، ولا أجهزكم في ثغوركم، فأفتنكم وفتن أهاليكم، ولا أغلق بابي دونكم، فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم، ولكن لكم عطاياكم كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم؛ فإن أنا وفيت لكم بهذا، فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة؛ وإن لم أف لكم، فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني، فإن تبت قبلتم مني، فإن رأيتم أحدًا، أو عرفتموه بالفضل يعطيكم من نفسه، مثل ما أعطيتكم، وأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من يبايعه، ويدخل في طاعته.
أيها الناس، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.
وكانت ولاية يزيد بن الوليد خمسة أشهر ثم مات.
وولي بعده مروان بن محمد بن مروان، وهو الذي يقال له الحمار، فأمر بيزيد ابن الوليد، فنبش وصلب، وكان مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية.
قال البلخي: ولا أعلم كورة يغلب فيها التشيع إلا قُمّ وبلاد إدريس وأهلها معتزلة.
[ ١٩٥ ]
وباليمن من الشيعة فرقتان: الجارودية من الزيدية، والمباركية من الإسماعيلية.
وأول من دعا باليمن إلى مذهب الزيدية، ونشر مذهب أئمتهم: يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولقبه الهادي إلى الحق، فنزل بين خولان، وغلب على صعدة.
فخرج أحمد بن عبد الله بن محمد بن عباد الأكيلي من اليمن، إلى العراق، وافدًا على المعتضد بالله في آخر أيامه، يستنجده على يحيى بن الحسين، فوجد المكتفي قد بويع له، فواجهه المكتفي بالعراق، وأمر معه بالجيوش العظيمة، حتى ورد كتاب أبي مزاحم عج بن شاح، وإلى الحرمين، يخبر أن يحيى بن الحسين العلوي خرج من صنعاء، ففتر السلطان عن ذلك العزم.
قال أبو محمد الحسن بن أحمد الهمذاني في الجزء الأول من الأكليل: حدثني أبو الصباح الحسن بن أحمد عن أبيه، قال: دخلت على الخليفة فبثثت له خبري، وأعلمته بما قصدت له، من نجدته لي.
فقال لي: أتيت على حاجتك، وبلغت منا أقصى مرادك.
قال: ثم أدخلت عليه بعد ذلك، ليتأكد علي في بعثه، الذي يبعث معي.
قال: فألح علي في ذلك.
قال: فقلت يا أمير المؤمنين، إنهم خدمك يصيرون إلى بلدك، وإلى جوار رعيتك وطاعتك.
قال: فقال لي: إن لأهل اليمن وثبات كوثبات السباع النهمة.
[ ١٩٦ ]
قال: فما أقمنا إلا أيامًا حتى أتى كتاب عج، يذكر إخراج العلوي من صنعاء.
فقال لي الوزير: كيف رأيت قول أمير المؤمنين؟
قال: قلت: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ما جعله الله عميد هذا الخلق بأمر قريب.
وأحمد بن عبد الله القائل في شعره إلى العراق:
هي العين أمست والكرى لا يطيعها ففيم تلوم النفس أو ما صنيعها
والقائل أيضًا:
لعمرك ما زال المطايا نواجيًا لهن رسيم دائمٌ وخبيب
شعرين من أحسن الأشعار وأفصحها.
وأول من نشر مذهب الإسماعيلية باليمن منهم: الداعي أبو القاسم أبو الحسن بن فرج بن حوشب بن زادان الكوفي، وهو منصور مستور؛ وهم يرون أن محمد بن إسماعيل بن جعفر كان بالمدينة، وولد بها ولدين: جعفر وإسماعيل، وأقام حتى شهر أمره في زمن الرشيد، فحدث به يومًا أن يومئ إليه، فبعث بحمله إليه، وحدث محمد فاتخذ سربًا، وغاب فيه زمانًا واستتر في داره بالمدين ة، ثم أنه بعد أن هدأ عنه الطلب خرج مستترًا، وخلف ولديه بالمدينة، فصار إلى نيسابور.
ثم صار إلى أرض ديلم لا يعرف مكانه إلا خواص شيعته، وهو يجول في ارض الديلم إلى نيسابور، وولد هنالك ولدًا يكتمون اسمه، ويسمونه: الإمام المستور. وتوفي محمد بن إسماعيل بالمشرق، وأوصى إلى ابنه هذا بالأمامة، وأكد عليه في سترة اسمه.
[ ١٩٧ ]
قال: وكذلك توصي إلى ولدك الذي تعهد إليه وتأمره أن يوصي إلى ولده بمثل ذلك، فإنه لا يزال الأمر مستورًا، حتى يظهره الله بالرابع من ولدك، فيقوم بالغرب وينجز الله له وعده، وينصب راية لا تنكس إلى يوم القيامة، من ولده يكون القائم المنتظر.
فمضى ابنه بعده على هذه السيرة، وهم يلقبونه بالمهدي، ثم أوصى إلى ابنه الثاني بمثل ذلك، وهو يلقب بالمقتدي، ثم أوصى إلى ابنه الثالث بمثل ذلك، وهو يلقب بالهادي.
ثم انتقل الهادي إلى الكوفة، وبعث منها المنصور أبا القاسم بن فرج بن حوشب بن زادان الكوفي داعيًا إلى اليمن، وأمره أن يقصد اليمن، وينزل بعدن لاعه، في مغرب اليمن، فإن الله ﷿ قسم لليمانية ألا يتم أمر في هذه الشريعة إلا بنصرهم، وأمره أن يدعو إلى ابنه عبد الله المهدي.
قال: فأما أنا فلا حظ لي في الملك، وبعث معه علي بن الفضل الخنفري وكان قد وفد إليه من اليمن، فخرجا جميعًا إلى مكة، ثم افترقا. فقصد المنصور عدن لاعه، وقصد ابن فضل إلى أرض يافع، ثم أن المنصور شهر السيف وطلع جبل مسور واستفتحه، وأسر العامل الذي كان فيه للأمير إبراهيم بن محمد بن يعفر الحوالي، وبنى حصن مسور ونزل به، وغلب على تلك الناحية؛ فبعث إليه الهادي بأبي عبد الله الحسين بن أمرن الهرمزي، ولقبه المنصور أيضًا، وأمره أن يبعث أبا عبد الله هذا من اليمن إلى المغرب، فإن على يديه تمام الأمر، فبعثه المنصور، فمضى أبو عبد الله إلى كتامة، وهم من حمير من ولد مرة بن عبد شمس ابن وابل الغوث بن حيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع ابن حمير الأكبر - وكتامة هؤلاء في بلد البرابر - فنزل بينهم، وكان يعلم أولادهم،
[ ١٩٨ ]
فلقب بالمعلم وعرف به، ثم عرف بالشيعي وبالمشرقي، وربما لقب بالصنعاني، فمكث فيهم ستة عشر سنة، حتى تم له الأمر، وخرج عبد الله المهدي، بعد أن كان أبوه قد نزل بالشام هاربًا من العراق مستترًا، فأقام في مدينة سلمية، من أعمال حمص، حتى مات الهادي في الستر، وهو آخر المستوزرين، وطلب ابنه عبد الله أشد الطلب، وبعث له المكتفي من يقبض عليه من سلمية، فهرب بوقته، حتى صار إلى سواحل الشام، ثم مضى إلى مصر فأقام بها، ثم لحقه الطلب، فخرج إلى المغرب، فظفر به بولده بسجلماسة، فحبسا وبلغ إلى أبي عبد الله الشيعي خبره، وقد كان استفتح القيروان، فكتم أمره، وسار بكتامة حتى نزل بسلجماسة، فافتتحها، وأخرج المهدي وابنه عبد الله، وقال لكتامة: هذا الذي بايعتكم له، فاجتمعوا على بيعته، وسار مع أبي عبد الله، وقد ملك المغرب كله، وجعل فيه العمال، وصارت إليه أموال عظيمة، مما جمعه أبو عبد الله من الأخماس والهدايا والوصايا والزكاة في مدته التي أقام فيها بينهم، وجاء المهدي حتى نزل القيروان، وبنى مدينة المهدية على ساحل البحر الغربي، واتخذها دار خلافته، وولده بمصر يخرج الأمر منهم، من رجل إلى ولده بالنص عليه - كما مر ذكره في فرق الخطابية - إلى وقت الحافظ ويومنا هذا، وهو سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة سنة من مهاجرة النبي ﵌.
وسار علي بن فضل الخنفري إلى أرض يافع، فاشتدت وطأته باليمن، واستولى على أكثر مخالفيه، وأعلن بالكفر، وأحل جميع المحرمات، وخرج المساجد، وكان يدعي أنه نبي، فقال فيه بعض شعراء أهل عصره:
خذي العود يا هذه واضربي نقيم شرائع هذا النبي
تولى نبي بني هاشم وهذا نبي بني يعرب
فحط الصلاة وحط الزكاة وحط الصيام ولم يتعب
وغالب الظن أنه كان من الخطابية، لأنهم يدعون أنهم أنبياء.
[ ١٩٩ ]
وابن فضل أول من سن القرمطة في اليمن، والقرمطة عند أهل اليمن عبارة عن الزندقة، وصاحبها عندهم قرمطي فجمعه قرامطة.
فلما مات علي بن فضل، قام ابنه بالمذيخرة من بعده، وفرق الأموال في أصحابه، فخرج الأمير أسعد بن يعفر بن إبراهيم بن محمد بن يعفر بن عبد الرحمن ابن كريب الحوالي من صنعاء، في رجب سنة ثلاث وثلاثمائة، ومعه قواد اليمن، فلم يزل يحارب القرامطة، حتى استفتح بلدانهم، ودخل المذيخرة في جمادى الأولى سنة أربع وثلثمائة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، وظفر بهم في رجب من هذه السنة، فتمثل منهم خلقًا كثيرًا، وأخذ أموالًا عظيمة، يقصر عنها الوصف، وسبى نساء ابن فضل، فوهب بنته لابن أخيه قحطان بن عبد الله بن أبي يعفر، فولدت له عبد الله بن قحطان أمير اليمن؛ وبيع من القرامطة ناس كثير، وأخذ ولدين لعلي ابن فضل، وجماعة من رؤساء القرامطة، معه إلى صنعاء، وأمر بهم فذبحوا جميعًا، وطرحت أبدانهم في بئر في الجبانة، وأخذت رؤوسهم فبقرت ووجه بها في أربعة صناديق إلى مكة، فنصبت هنالك أيام الموسم.
وسميت الخوارج: خوارج، لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ ورضي الله عنه، ومحاربتهم إياه.
ولهم أسماء غير الخوارج يسمون بها.
فمن أسمائهم: الحرورية: سموا بذلك لنزولهم بحروراء، اسم قرية، تمد وتقصر.
ومن أسمائهم: الشراة، سموا بذلك لأنهم يقولون: إنهم شروا أنفسهم من الله بالجهاد.
[ ٢٠٠ ]
ومن أسمائهم: المحكمة: سموا بذلك لإنكارهم التحكيم في صفين، وقالوا: لا حكم إلا لله.
ون أسمائهم: المارقة: وهم لا يرضون بهذا الاسم ويرضون بسائر الأسماء، وكان منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
قال عمران بن حطان الخارجي الشاعر، من بني سدوس، يمدح عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينًا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
أكرم بقوم بطون الطير قبرهم لم يخلطوا دينهم بغيًا وعدوانا
فبلغت الأبيات القاضي أبا الطيب الطبري فقال:
إني لأبرأ مما أنت قائله عن ابن ملجم الملعون بهتانا
إني لأذكره يومًا فألعنه وألعن الدهر عمران بن حطانا
عليك ثم عليه الدهر متصلًا لعائن الله إسرارًا وإعلانا
فأنتم من كلاب النار جاء به نص الشريعة برهانًا وتبيانا
وكان علي بن محمد، الذي يسمى علوي البصرة، من الخوارج، وكان يرى رأي الأزارقة.
[ ٢٠١ ]
قال البلخي: وأفعاله في النساء والصبيان تدل على ذلك.
قال: وله خطبة يقول في أولها: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ألا لا حكم إلا لله.
وكان يرى أن الذنوب كلها شرك، وكان أنصاره الزنج، وكان خرج بالبصرة سنة خمس وخمسين ومائتين، فقتله علي بن أحمد الموفق.
وفي نسبه اختلاف، فمن الناس من يقول: هو علي بن محمد بن علي بن أحمد ابن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
ومن الناس من يقول: إنه دعي، وإنه من أهل الري من قرية يقال لها: وزوى.
وفيه يقول علي بن محمد العلوي الزيدي الكوفي:
يقول لك ابن عمك من تعيذ لتبت أو لنوح أو لهود
لهجت بنا بلا نسب إلينا ولو نسب اليهود إلى القرود
لحقت بنا على عجل كأنا على وطن وأنت على البريد
فهبنا قد رضيناك ابن عم فمن يرضى بأحكام اليهود
والكور التي تغلب عليها الخوارج: الجزيرة، والموصل، وعمان، وسجستان.
وأهل عمان أباضية، وأئمتهم من الأزد من بطن يقال له: التحمد بن حمى بن غيمان بن نصر بن زهران بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهم غير منقطعين من سائر الكور.
ومن الأباضية باليمن: طائفة من همدان في مغارب همدان.
[ ٢٠٢ ]
ومنهم أيضًا طائفة بحضرموت من همدان أيضًا من بشق، بطن من بطون همدان.
وممن أنكر أمر الحكمين، وليس من الخوارج، بل من أنصار علي وأوليائه: الأحنف بن قيس، والأشتر النخعي، والحسن بن أبي الحسن البصري، وهؤلاء يتولون عليًا ﵇ قبل التحكيم وبعده.
وسميت المرجية: مرجية، لأنهم يرجون أمر أهل الكبائر، من أهل محمد، إلى الله تعالى، ولا يقطعون على العفو عنهم ولا على تعذيبهم، ويحتجون بقوله تعالى: (وآخرون مرجون لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) ويقولون: إخلاف الوعد كذب، وإخلاف الوعيد عفو وتفضل وكرم، ولو تهدد رجل عبدًا من عبيده قد أساء إليه، وعصى وخالف أمره، وتوعده بالجلد أو القتل أو الصلب أو غير ذلك من العذاب، ثم عفا عنه، وأخلف وعيده، ما كان يسمى كاذبًا عند العرب؛ واحتجوا بقول الشاعر عامر بن الطفيل:
ولا يرهب ابن العم مني صولتي ولا إحنتي من قوله المتهدد
وإني إذا أوعدته ووعدته لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
قالوا: فجائز أن يخلف الله وعيده في القرآن، ولا يعذب أحدًا من أهل الكبائر من المسلمين، ويجوز أن يعذبهم بقدر ذنوبهم، وأرجوا الأمر في ذلك إلى الله تعالى، يقال: أرجوا وأرجأوا، بالهمزة والتخفيف، فسموا: المرجية.
وليس من كور الإسلام كورة إلا والمرجية غالبون عليها إلا القليل منها.
والمرجية على ضربين: منهم يقولون بالعدل والتوحيد، مثل: الغيلانية والشمرية.
[ ٢٠٣ ]
وضرب منهم يقولون: بالجبر والتشبيه.
وخرجت المرجية على الحجاج بن يوسف الثقفي، مع عبد الرحمن بن الأشعث، حين قال الحجاج على المنبر: أيها الناس، أرسول أحدكم في حاجته أكرم أم خلفته في أهله؟ فقالوا: إنه كفر بذلك؛ وكان الشيعي فيمن خرج، وخرجت منهم الغيلانية مع يزيد بن الوليد الناقص على الخليع الكافر الوليد بن يزيد فقتلوه.
وسميت الحشوية: حشوية، لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله ﵌، أي يدخلونها فيها وليست منها، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه.
وسميت العامة: عامة، لالتزامهم بالعموم، الذي اجتمع عليه أهل الخصوص، وهم الذين يقولون بالأصول ولا يعرفون شيئًا من الفروع، ويقرون بالله، وبرسوله، وكتابه، وما جاء به رسوله على الجملة، ولا يدخلون في شيء من الاختلاف.
وسميت القدرية: قدرية: لكثرة ذكرهم القدر، وقولهم في كل ما يفعلونه قدره الله عليهم.
والقدرية يسمون: العدلية، بهذا الاسم، والصحيح ما قلناه، لأن من أكثر من ذكر شيء نسب إليه، مثل من أكثر من رواية النحو، نسب إليه، فقيل: نحوي، ومن أكثر من رواية اللغة نسب إليها، فقيل: لغوي، وكذلك من أكثر من ذكر القدر، وقال في كل فعل يفعله: قدره الله عليه، قيل: قدري، والقياس في ذلك مطرد.
وسميت المعتزلة: معتزلة، لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، وذلك أن المسلمين اختلفوا في أهل الكبائر من أهل الصلاة.
فقالت الخوارج: هم كفار مشركون.
وقال بعض المرجية: إنهم مؤمنون لإقرارهم بالله ورسوله وبكتابه، وبما جاء به رسوله، وإن لم يعملوا به.
[ ٢٠٤ ]
وقالت المعتزلة: لا نسمهم بالكفر ولا بالإيمان؛ ولا يقولون: إنهم مشركون ولا مؤمنون، ولكن يقولون: إنهم فساق؛ فاعتزلوا القولين جميعًا، وقالوا بالمنزلة بين المنزلتين، فسموا: المعتزلة.
ومن الناس من يقول: إنما سموا معتزلة، لاعتزالهم مجلس الحسن بن أبي الحسن البصري، وكان الذي اعتزله عمرو بن عبيد ومن تبعه، ذكر ذلك ابن قتيبة في المعارف.
ومن الناس من يقول: سموا معتزلة، لاعتزالهم علي بن أبي طالب ﵇ في حروبه، وليس كذلك، لأن جمهور المعتزلة، وأكثرهم إلا القليل الشاذ منهم، يقولون: إن عليًا ﵇ كان على الصواب، وإن من حاربه فهو ضال، وتبرأوا ممن لم يتب من محاربته، ولا يتولون أحدًا ممن حاربه إلا من صحت عندهم توبته منهم؛ ومن كان بهذه الصفة فليس بمعتزل عنه ﵇، ولا يجوز أن يسمى بهذا الاسم.
وقال كثير من المعتزلة: إن أفضل الأمة بعد نبيها: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، بتقدمه لنظرائه في خصال الفضل في الدين.
قال قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، في شرح الأصول الخمسة - وهذا القول هو الذي يقول به أكثر شيوخنا البغداديين، وبعض البصريين، وهو الذي نصره الشيخ أبو عبد الله ﵀، والمشهور في كتب أبي علي وأبي هاشم، الوقوف في ذلك - قال: وإنما استحق ﵇ الفضل من جهة الأفعال، لا من جهة الأخبار، التي يرويها الشيعة، لأنها غير مجمع عليها، وهي مع ذلك تحتمل التأويل، والأفعال التي استحق بها الفضل في الدين، فهي العلم والتبحر فيه، والورع
[ ٢٠٥ ]
والزهد والتقى، والهجرة، والسبق إلى الإسلام، والجهاد، والدعاء إلى الله ﷿، وتعليم الناس الفروع والأصول؛ ومعلوم من حال أمير المؤمنين التقدم في هذه الخصال، فيجب أن نشهد بأنه أفضل الأمة، لا بأن الأخبار دلت على فضله.
والمعتزلة يسمون: لسان الكلام، ويسمون: العدلية، لقولهم بالعدل والتوحيد. وقيل: إن المعتزلة ينظرون إلى جميع المذاهب كما تنظر ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلًا، ولهم التصانيف الموضوعات، والكتب المؤلفات في دقائق التوحيد، والعدل والتنزيه لله ﷿، ما لا يقوم به سواهم ولا يوجد لغيرهم، ولا يحيط به علمًا لكثرته إلا الله ﷿، وكل متكلم بعدهم يغترف من بحارهم، ويمشي على آثارهم؛ ولهم في معرفة المقالات، والمذاهب المبتدعات، تحصيل عظيم، وحفظ عجيب، وغوص بعيد، لا يقدر عليه غيرهم، ينقدون المذاهب كما تنقد الصيارفة الدنانير والدراهم.
ويقال: إن لمذهب المعتزلة أسانيد تتصل بالنبي ﵌، ليس لأحد من فرق الأمة مثلهم، ولا يمكن خصومهم دفعه، وذلك أن مذهبهم مستند إلى واصل بن عطاء، وإن واصلًا يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب وهو ابن الحنفية، وإلى ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي، وإن محمد يسند إلى أبيه علي بن أبي طالب ﵁، وأن عليًا يسند إلى النبي ﵌.
وكان واصل بن عطاء من هل المدينة، رباه محمد بن الحنفية وعلمه، وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتاب، ثم صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة؛ وحكى عن بعض العلماء أنه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره في واصل.
ثم انتقل واصل إلى البصرة، فلزم الحسن بن أبي الحسن البصري.
[ ٢٠٦ ]
وكان واصل ألثغ بالراء، فما زال يروض نفسه، حتى أسقط الراء من كلامه في محاجته للخصوم وخطبه.
قال البلخي: وله الخطبة المشهورة التي ارتجلها بحضرة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأسقط منها الراء، فذكرته الشعراء بذلك، قال الشاعر:
ويجعل البر قمحًا في تصرفه وجانب الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرًا والقول يعجله فعاد بالغيث إشفاقًا من المطر
وقال صفوان الأنصاري:
ملقنٌ مفهمٌ فيما يحاوله جمٌ خواطره جواب آفاق
وقال آخر:
تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا وحبروا خطبًا ناهيك من خطب
فقام مرتجلًا تغلي بديهته كمرجل القين لما حف باللهب
وجانب الراء لم يشعر بها أحدٌ قبل التصفح والإغراق في الطلب
وقال آخر:
فهذا بديه لا كتحبير قائل إذا ما أراد القول زوره شهرا
وقال آخر:
عليم بإبدال الحروف وقامعٌ لكل خطيب يغلب الحق باطله
[ ٢٠٧ ]
وقال بشار بن برد الموعت وذكر خطبته، وكان واصل يكنى بأبي حذيفة:
أبا حذيفة قد أوتيت معجبةً من خطبة بدهت من غير تفكير
وإن قولًا يروق الخالدين معًا لمسكتٌ مخرسٌ من غير تحبير
وروى عن رجل جليل من أصحاب الحسن أنه قال: ما كنا نعد علينا أيام واصل ملكًا.
قال البلخي: وفرق واصل رسله في البلاد، يدعون إلى دين الله.
فأنفذ إلى المغرب: عبد الله بن الحارث، فأجابه الخلق، وهنالك بلد يدعى البيضاء، يقال إن فيه مائة ألف يحملون السلاح، يعرف أهله بالواصلية.
وأنفذ إلى اليمن: القاسم بن الصعدي.
وإلى الجزيرة: أيوب بن الأوتر.
وإلى خراسان: حفص بن سالم، وأمره بلقاء جهم ومناظرته.
وإلى الكوفة: الحسن بن ذكوان، وهو من اصحاب الحسن وسليمان بن أرقم.
وإلى أرمينية: عثمان بن أبي عثمان الطويل، أستاذ أبي الهذيل، وكان واصل قال له: اخرج إلى أرمينية، فقال له: يا أبا حذيفة، خذ شطر مالي وأنفذ غيري. فقال له: أنت يا طويل، فلعل الله أن يصنع لك!! قال عثمان: فخرجت فربحت مائة ألف درهم عن صفقة يدي، وأجابني أكثر أهل أرمينية. وكان قال له: الزم سارية من سواري المسجد تصلي عندها حتى يعرف مكانك، ثم إذا كان كذا وكذا من شهر كذا فابتدئ في الدعاء للناس إلى الحق، فأتى أجمع أصحابي في هذا الوقت ونبتهل في الدعاء لك والرغبة إلى الله، والله ولي توفيقك.
وعتب رجل من المعتزلة جليل على عمرو بن عبيد في شيء كان بينهما، فأنشد معرضًا:
[ ٢٠٨ ]
إن الزمان، وما تفنى عجائبه أبقى لنا ذنبًا واستأصل الراسا
ثم قال: يرحم الله واصل بن عطاء!! قال: فرفع عمرو رأسه، وقد اغرورقت عيناه؛ ثم قال: نعم، يرحم الله واصل ابن عطاء، كان لي رأسًا، وكنت له ذنبًا، والله ما رأيت أعبد من واصل قط، والله ما رأيت أزهد من واصل قط، والله ما رأيت أعلم من واصل قط، والله الذي لا إله إلا هو، لصحبت واصل بن عطاء ثلاثين سنة، أو قال: عشرين سنة، ما رأيته عصى الله قط.
وأرباب المذاهب من المعتزلة، ومصنفو الكتب، منهم: أبو حذيفة واصل ابن عطاء، وعمرو بن عبيد، وروى عمر عن واصل عن الحسن بن أبي الحسن البصري، وروى عن عمر وسفيان الثوري، وسفيان بن عتبة، وأبي يوسف، وأبي مطيع.
وبعد واصل وعمروا: أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف، وهو من أهل البصرة مولى لعبد القيس؛ وأبو اسحق إبراهيم بن سيار النظام، وهو من أهل البصرة؛ وأبو المعتم بن عباد السلمي، وهشام بن عمرو الفوطي، وأبو سهل بشر ابن المعتمر رئيس المعتزلة بالبصرة، وجميع معتزلة بغداد، وأبو عمر ثمامة بن أشرس النميري، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الكناني، وغير هؤلاء أيضًا ممن صنف الكتب منهم، وهم كثير لا يجمع ذكره إلا كتاب مفرد.
وخرجت المعتزلة مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب على أبي جعفر المنصور، ورئيس المعتزلة يومئذ: بشير الرحال، وكان متقلدًا سيفًا حمائله تسعة، وعليه مدرعة صوف، متشبهًا بعمار
[ ٢٠٩ ]
ابن ياسر، فقتلوا بين يديه صبرًا، وذلك أن أصحاب إبراهيم انهزموا، فوقف هو والمعتزلة، فقتلوا جميعًا بباخمرى على ستة عشر فرسخًا من الكوفة.
وكان أبو جعفر المنصور يقول: ما خرجت المعتزلة حتى مات عمرو بن عبيد.
وكان بلغ المنصور أن محمد بن عبد الله، النفس الزكية، كتب إلى عمرو بن عبيد يستمليه؛ فضاق المنصور بذلك ذرعًا وأرسل إلى عمرو بن عبيد، فلما وصله، أكرمه وشرفه، وقال له: بلغني أن محمد بن عبد الله كتب إليك كتابًا؛ قال عمرو: قد جاءني كتاب، يشبه أن يكون كتابه؛ فقال له المنصور: فبم أجبته؟ قال: لم أجبه إلى ما أراد؛ فقال المنصور: أجل، ولكن أحب أن تحلف لي ليطمئن قلبي؛ فقال عمرو: ولئن كنت كذبتك تقية، لأحلفن لك تقية؛ فقال له المنصور: أعني بأصحابك؛ فقال له عمرو: أظهر الحق والعدل، يتبعك أهله.
فقال له المنصور: عظنا يا أبا عثمان.
فقال عمرو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد إلى آخرها.
فبكى المنصور بكاء شديدًا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا الساعة.
ثم قال: اتق الله، فإن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فأفقد نفسك منه ببعضها، واعلم أن الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد غيرك ممن كان قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وأحذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة.
فبكى المنصور بكاء شديدًا، كبكائه الأول، حتى كادت نفسه تفيض.
[ ٢١٠ ]
فقال له سليمان بن مخالد: رفقًا بأمير المؤمنين فقد أتعبته منذ اليوم.
فقال له عمرو: اسكت لا أبا لك، وماذا خفت عليه إن بكى من خشية الله؟ فلما هم عمرو بالنهوض، قال له المنصور: هل من حاجة يا أبا عثمان؟ فقال عمرو: نعم، وذلك ألا تبعث إلي حتى آتيك؛ قال المنصور: إذًا لا نلتقي؛ فقال عمرو: عن حاجتي سألتني؛ فقال المنصور: أستحفظك الله، وودعه. وانصرف عمرو.
والكور التي تغلب عليها الاعتزال والقول بالعدل، على ما حكى البلخي: عمانة، وهي مدينة كبيرة؛ وتدمر أيضًا، وهي من بناء الشياطين لسليمان بن داوود ﵇؛ وبلاد المدارح كلها، وأهلها كلبٌ وقضاعة، وتدمر أيضًا في أيدي كلب وأعرابهم بين حمص إلى رحبة مالك بن طوق، وعامة كلب يذهبون مذهب الاعتزال؛ وكثير من قرى الشام، منها: نهبا، وأزكه، وبعلبك، وغير ذلك.
ومن الغرب: البيضاء، وهي كور كبيرة، يقال إن فيها مائة ألف يحملون السلاح يقال لهم: الواصلية، وقد تقدم آنفًا، وبها أيضًا صنف من الصفرية؛ وطنجة: وهي بلاد إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، وهم معتزلة، وكان رئيسهم إسحاق بن محمود بن عبد الحميد، وهو الذي اشتمل على إدريس بن عبد الله بن الحسن، حين ورد عليه، فأدخله في الاعتزال.
ومن اليمن: وهب بن منبه وأصحابه، وهم أبناء فارس الذين باليمن، ثم ارتدوا بعد ذلك عن الاعتزال، حين وليت بنو أمية اليمن، وكان بنو أمية يسمون المعتزلة:
[ ٢١١ ]
شيعة، لمحبتهم عليًا ﵁، فضربوا من الأبناء لهذا السبب اثنتين وسبعين رقبة، فارتدوا عن ذلك.
وأكثر أهل أرمينية، وفيهم ضرارية، وبعض أهل أذربيجان، وبعضهم خوارج.
ومن كور الأهواز: عسكر مكرم كلها، وهي كورة عظيمة فيها بشر كثير، يقال إن بها مائة ألف حائك، سوى سائر أهل الصناعات، ورامهرمز، وستر، والسوسن وغير ذلك.
ومن كور فارس: سيراق، وغيرها أيضًا. وكورة أيضًا بكرمان.
ومن كور السند: المنصورة، وكورة أيضًا غيرها، وقيل عامة السند.
ومن جزيرة العرب: هجر، والبحرين، وعامة الأيلة، وعامة البصرة.
واعلم أن أول اختلاف جرى بين الأمة بعد نبيها ﵌، اختلافهم في الإمامة يوم سقيفة بني ساعدة.
فقالت الأنصار لقريش: الإمامة فينا وفيكم، منا أمير ومنكم أمير.
وقالت قريِش: نحن عترة رسول الله ﵌، والإمامة في قريش دون غيرهم، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء.
فجرى هذا الاختلاف في الإمامة بين الأمة إلى يومنا هذا.
فمن الناس من يقول: الإمامة في قريش خاصة.
ومنهم من يقول: هي في جميع الناس.
وكانت الأنصار قد بايعوا يوم السقيفة أبا ثابت سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج، فحسده ابن عمه بشير بن سعد بن خلاس بن زيد بن مالك الأصغر
[ ٢١٢ ]
ابن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج.
فكسر بشير على سعد، وكان بشير أول من بايع أبا بكر من جميع الناس، ثم تبعته الأنصار، فازدحموا على بيعة أبي بكر، ورفضوا بيعة سعد، وكان سعد بن عبادة مريضًا يوم السقيفة: فقال قائل: لا تطأوا سعد، لا تقتلوا سعدًا؛ فقال عمر بن الخطاب: اقتلوا سعدًا، قتله الله؛ فقام قيس بن سعد بن عبادة فلزم بلحية عمر، وقال: والله لو قذذت منه شعرة لأخذت ما فيه عيناك.
فقال سعد: والله لولا المرض لتسمعن لسعد بين لابنيها زئير كزئير الأسد يخرجك منها وأصحابك إلى حيث كنتم أذلة صاغرين! ولم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر، وخرج إلى الشام غاضبًا من قومه في خذلانهم إياه، فمات بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر بن الخطاب.
وللأنصار أشعارٌ كثيرة في يوم السقيفة، يلوم فيها بعضهم بعضًا على خذلانهم سعد بن عبادة، ويعنفون بشير بن سعد، وابن الحصين، ومن تبعهما منهم في ميلهم إلى قريش وكسرهم على سعد.
فمن أشعار الأنصار: قول الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري:
سعى بن الحصين في العناد لحاجةٍ وأسرع منه في الفساد بشير
يظنان أنا قد أتينا عظيمةً وخطبهما فيما تراه صغير
وما صغر إلا بما كان منهما وخطبهما لولا الفساد كبير
ولكنه من لا يراقب قومه قليلٌ ذليلٌ فاعلمن وحقير
فيا ابن الحصين وابن سعد كلاكما بتلك التي تعنى الرجال خبير
ألم تعلما لله در أبيكما وما الناس لا أكمهٌ وبصير
بأنا ذا ما سار منا كتائبٌ أسودٌ لها بالغايتين زئير
[ ٢١٣ ]
نصرنا وآوينا النبي وماله سوانا من أهل المكتين نصير
فديناه بالأبناء بعد دمائنا وأموالنا والمشركون حضور
وكنا له في كل أمر يرينه سهامًا حدادًا ضمهن جفير
وكان عظيمًا أنني قلت منهم أميرٌ ومنا يا بشير أمير
وقال حسان بن ثابت:
لا تنكرن قريش فضل صاحبنا سعد وما في مقالي اليوم من أود
قالت قريشٌ لنا السلطان دونكم لا تطمعن بهذا الأمر من أحد
قلنا لهم ثوروا حقًا فنتبعه لسنا نريد سواه آخر الأبد
إن كان عندكم عهدٌ فيظهر في أشاخ بدر وأهل الشعب من أحد
نحن الذين ضر بنا الناس عن عرض حتى استقاموا وكانوا بيضة البلد
في كل يوم لنا أمرٌ نفوز به يعطي الإله عليه جنة الخلد
لستم بأولى به منا لأن لنا وسط المدينة فضل العز والعدد
وإننا يوم بعنا الله أنفسنا لم نبد خوفًا على مالٍ ولا ولد
والناس حربٌ لنا في الله كلهم مثل الثعالب تغشى غابة الأسد
وقال آخر من الأنصار:
علام قريش تطلب الأمر دوننا وكأن نبيان يكونان في عصر
فتحمل رأيًا خالف الرأي بيننا وفرقنا يوم السقيفة بالغمر
وهل كان لولا ذاك، خلق مكابر لنا من جميع الخلق في ساعة العسر
[ ٢١٤ ]
وقال آخر منهم:
وخبرتمونا أنما الأمر بيننا خلاف رسول الله يوم التشاجر
فهلا وزيرًا واحدًا تحسبونه إذا ما عددنا منكم ألف آمر
سقى الله سعدًا يوم ذاك ولا سقى عراجلة هابت صدور البواتر
وقال آخر منهم أيضًا:
مالي أقاتل عن قوم إذا قدروا عدنا عدوًا وكنا قبل أنصارا
ويل أمها أمة لو أن قائدها يتلو الكتاب ويخشى العار والنارا
أما قريش فلم نسمع بمثلهم غدرًا وأقبح في الإسلام آثارا
ضلوا سوى عصبة حاطوا نبيهم بالعرف عرفًا وبالإنكار إنكارا
وقال آخر منهم أيضًا:
دعاها إلى حرماننا وجفائنا تذكر قتلي في القليب تكبكبوا
فإن يغضب الأبناء من قتل من مضى فوالله ما جئنا قبيحًا فتعتبوا
وكان المهاجرون والأنصار مجمعين على الشورى غير مختلفين في ذلك، يدل على ذلك قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في نهج البلاغة في كتاب كتبه إلى معاوية: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا، كان ذلك لله رضي، وإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة، ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على ابتاعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى.
وقوله في الرسالة: وما فعلت حكماء الهند، في عبادة البد، واختيار العباد منهم
[ ٢١٥ ]
في المواقيت، بأبكار كاليواقيت، بضم لهم منهن والتثام، ولمس للفروج للبر لا للآثام، بعد تجردهن وتجردهم من الثياب، لزوال الشك والارتياب.
من حكمة الهند أنهم يقدمون في معرفة الحساب والنجوم، ويقدمون في معرفة الطب وعلاج الأدواء.
والبد: الصنم بلغة الهند، وجمعه بددة، وهي أصنامٌ ينحتونها بأيديهم، ثم يعبدونها، ويجعلون لها بيوتًا كمساجد المسلمين، وفيها بنات رؤسائهم موهوبة لتلك البددة عل وجه التقرب بها، والنذور والكفارات، وتلك النساء واقفة للفساد والفجور، يأمرها أهلها بذلك، ويرون أن لهم فيه أجرًا عظيمًا، ولهم عباد ورهبان في تلك البيوت، متجردون من اللباس، يدعون الزهد في الدنيا، لا يسمون الماء، يتبركون بأوساخهم، ويختبرونهم بتلك النساء وملاعبتها، فمن اشتقاق من أولئك العباد إلى تلك النساء وأنعظ، فقد كفر كفرًا عظيمًا عندهم، وأتى بأعظم منكر، وألحقوه أنواع العذاب والنكال وقتلوه.
هذا في الزهاد خاصة، وأما غيرهم منهم فلا ينكر عليهم الفجور بتلك النساء.
وهذا عجيب في جمع الهندبين الحكمة في دنياهم، والجهل العظيم في دينهم، وكذلك غيرهم بهذه الصفة، وإنك لتلقي الرجل الذكي الفطن الكامل من الناس، فترى من معرفته بأمور الدنيا وفطنته فيما يعيي به غيره، وحسن نظره، وإصابة حدسه، وجودة تمييزه، وشدة ذكائه، ما يستحق به الفضل على غيره، ويستوجب به المزية على سواه، ثم إذا باحثته في أمور دينه، أنكرت منه ما عرفت، ووجدته رجلًا مستلب اللب، عازب الفهم، أعمى البصيرة، كالمصاب في عقله، والصبي في مهده.
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الأخبار: بعد، فإن الناس
[ ٢١٦ ]
يحضون الدين من فاحش الخطأ، وقبيح المقال، بما لا يحضون به سواه من جميع العلوم والآراء والآداب، والصناعات؛ ألا ترى أن الفلاح والصائغ والنجار، والمهندس والمصور، والكاتب والحاسب، من كل أمة، لا تجد بينهم من التفاوت في الفهم والعقل والصناعة، ولا من فاحشة الخطأ وإفراط النقص، مثل الذي تجد في أديانهم، وفي عقولهم، عند اختيار الأديان؛ والدليل على ما وصفت لك: ن الأمم التي عليها المعتمد في العقل والبيان والرأي والأدب والاختلاف في الصناعات، من ولد سام خاصة: العرب والهند والروم والفرس، ومتى نقلتهم من علم الدين، حسبت عقولهم مجتبلة وفطرهم مسترقة.
كالعرب فإنها مخصوصة بأمور، منها: البيان الذي ليس مثله بيان، واللغة التي ليس مثلها في السعة لغة، وقيافة الأثر الإمام قيافة البشر، وليس في الأرض قوم غير العرب يرون المتباينين في الصور، والمتفاوتين في الطول والقصر، والمختلفين في الألوان، فيعلمون أن هذا الأسود ابن لهذا الأبيض، وهذا الطويل ابن أخي هذا القصير، وهذا القبيح عم هذا المليح.
وللعرب الشعر الذي لم يشاركهم فيه أحد من العجم.
قال: وقد سمعت للعجم كلامًا حسنًا، وخطبًا طوالًا يسمونها أشعارًا، فأما أن يكون لهم شعر على أعاريض معلومة وأوزان معروفة، إذا نقص منها حرف أو زاد حرف، أو ترك ساكن أو سكن متحرك، كسره وغيره، فليس يوجد إلا للعرب خاصة دون غيرهم، وليس في الأرض قوم أعنى بذم جليل القبيح ودقيقه، وبحمد دقيق الحسن وجليله، من العرب، حتى لو أجهد أفطن البرية وأعقل الخليقة أن يذكر معنى لم يذكروه لما أصابه.
وللعرب من صدق الحس، وصواب الحدس، وجودة الظن، وصحة الرأي، ما لا يعرف لغيرهم؛ ولهم العزم الذي لا يشبهه عزم، والصبر الذي لا يشبهه صبر،
[ ٢١٧ ]
والجود والأنفة والحمية التي لا يدانيهم أحد فيها، ولا يتعلق بها روميٌ ولا هندي ولا فارسي، لأن هذه الأمم كلها بخلاف العرب شيمًا.
ثم لهم من بعد الهمم، والطلب بالطوائل، ما ليس لغيرهم، مع المعرفة بمساقط النجوم، والعلم بالأنواء، وحسن المعرفة بما يكون منها للاهتداء.
ولهم خط العربية، مع الحفظ لأنسابهم، ومحاسن أسلافهم، ومساوئ أكفائهم، للتعاثر بالقبيح والتفاخر بالحسن، ليجعلوا ذلك عونًا لهم على إثبات الجميل، واصطناع المعروف، ومزجرة لهم عن إثبات القبيح وفعل العار، وليؤدبوا أولادهم بما أدبهم به آباؤهم، ثم الحفظ الذي لا يقدر أحد على مثله، وإن دونه عنده وجلده في كتبه.
وخصلة لا تصاب إلا فيهم، وذلك أن العي والبيان في كل قوم مبثوث متفرق، ولست واجدًا بالبادية عيًا رأسًا، على أنهم وإن تفاوتوا في البيان فليس ذلك بمخرج أحسنهم إلى العي.
وفيهم أيضًا خصلة لا تصاب إلا فيهم، وذلك أن سلفة كل جيل وعلية كل صنف إذا اشتد تشاجرهم، فطالت ملاحاتهم، وكثر مزاحمهم، والدعابة بينهم، وجدتهم يخرجون إلى ذكر الحرمات، وشتم الأمهات، واللفظ السيئ، والسفه الفاحش، ولست بسامع من هذا وشبهه حرفًا بالبادية، لا من صغيرهم ولا كبيرهم، ولا جاهلهم، ولا عالمهم، وكيف يقولون هذا والحيان منهم يتعايبان بدون ذلك.
وليس في الأرض صبيان في عقول الرجال غير صبيانهم، وكل شيء تقوله
[ ٢١٨ ]
العرب، فهو سهل عليها وبطبيعة منها؛ وكل شيء تقوله العجم، فهو تكلف واستكراه.
وللعرب البديهة في الرأي والقول خاصة، ولهم الكنى مع أسماء خاصة، وهي من التعظيم؛ وقد زعم قوم من الفرس: أن فيهم الكنى، واحتجوا بقول عدي ابن زيد.
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا سان أم أين قبله سابور
وليس كذلك، إنما كناه عدي بن زيد على عادته، حين أراد تعظيمه، إن صحت الكنية في هذا البيت.
فأما عمرو بن العلاء، ويونس النحوي، وأبو عبيدة، فرووا جميعًا أن عديًا قال:
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر وان، أم أين قبله سابور
فأخطأ الرواية، وقيل ذلك عنه من لا علم له، وليس في الأرض أعجمي له كنية إلا أن تسكنيه العرب.
وليس في الناس أشد عجبا بالخيل من العرب، ولا أصنع لها، وأكثر لها ارتباطا، ولا أشد لها إيثارًا، ولا أهجا لمن لا يتخذها، أو لمن اتخذها وأهانها، وأهزلها، ولا أمدح لمن اتخذها وأكرمها ولم يهنها، ولذلك أضيفت الخيل إليهم بكل لسان، حتى قالوا جميعًا: هذا فرس عربي، ولم يقولوا: هذى فرس هندي، ولا رومي، ولا فارسي، فحصنوها تحصين الحرم، وصانوها صون الأعراض، ليبتذلوها يوم الروع وليدركوا عليها الثأر.
وكانوا يؤثرونها على أنفسهم وأولادهم، ويصبرون على مؤونتها في الجدب والأزل، ويغتبقون الماء القراح، ويؤثرونها بالحليب، لأنها كانت حصونهم
[ ٢١٩ ]
ومعاقلهم؛ وقالوا في إيثارها أشعارًا كثيرة في الجاهلية والإسلام، ليقتدى الآخر منهم بالأول، ولتبقى ذكر مآثرهم وقديم مفاخرهم.
فمن أشعارهم في الجاهلية: قول الأسعر الجعفي، اسمه مرثد بن حمران، وسمي الأسعر ببيت قاله، البيت:
فلا تدعني الأقوام من آل مالكٍ إذا أنا لم أسعر عليهم وأثقب
وهو هذا:
لكن قعيدة بيننا مجفوة ناد جناجن صدرها لها غنا
تقفي بعيشة أهلها وثابة أو جرشع عبل المحارم والشوى
وقال خالد بن جعفر بن كلاب:
أريغوني إراغتكم فإني وحذفة كالشجا تحت الوريد
مقربة أسويها بخزٍ وألحفها ردائي في الجليد
وأوصى الحالبين ليؤثروها لها لبن الخلية والصعود
وقال الضبي:
[ ٢٢٠ ]
نوليها الصريح إذا شتونا علاتنا ونلى السمارا
وقال عمرو بن مالك:
وسابح كعقاب الدجن أجعله دون العيال له الإيثار واللطف
وقال جرير بن لوذان، وقيل لعنترة:؟ لا تذكرى مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
كذب العتيق وماء شن باردٌ إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
إني امرؤ إن يأخذوني عنوة أقرن إلى سير الركاب وأجنب
إني لأخشى أن تقول حليلتي هذا غبار ساطعٌ فتلبب
إن العدو لهم إليك وسيلةٌ إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
ويكون مركبك العقود وحدجه وابن النعامة يوم ذلك مركبي
وقال لبيد بن ربيعة:
معاقلنا التي نأوي إليها بنات الأعوجية والسيوف
الأعوجية: منسوبة إلى الأعوج: فرس كريم.
وقال المرار بن منقذ الحنظلي:
[ ٢٢١ ]
أخلصته حولين أمسح وجهه وأخو المواطن من يصون ويدأب
وجعلته دون العيال مقربا حتى انجلت وهو الدخيل المقرب
وقال طفيل بن عوف الغنوي:
إني وإن قل مالي لا يفارقني مثل النعامة في أوصالها طول
أو ساهم الوجه لم تقطع أباجله يصان وهو ليوم الروع مبذول
تقريبها المرطى والجوز معتدل كأنه سبد بالماء مغسول
وقال آخر:؟ بنى عامر إن الخيول وقاية لأنفسكم والموت وقتٌ مؤجل
أهينوا لها ما تكرمون وباشروا صيانتها والصون بالخيل أجمل
متى تكرموها يكرم المرء نفسه وكل امرئ من قومه حيث ينزل
وقال آخر من بني تميم، قد سأله بعض الملوك فرسالة يقال لها: سكاب، فمنعه إياها:
أبيت اللعن إن سكاب علقٌ نفيسٌ لا يباع ولا يعار
مفداةٌ مكرمةٌ علينا يجاع لها العيال ولا تجاع
[ ٢٢٢ ]
سليلة سابقين تناجلاها إذا نسبًا يضمهما الكراع
وفيها عزةٌ من غير نفرٍ يحيدها إذا حر القراع
فلا تطمع أبيت اللعن فيها ومنعكها بشيء يستطاع
وكفى يستقل بحمل سيفي وبي ممن تهضمني امتناع
وحولى من بني قحفان شيبٌ وشبانٌ إلى الهيجا سراع
إذا فزعوا فأمرهم جميعٌ وإن لاقوا فأيديهم شعاع
ولهم أشعار كثيرة غير هذه في إكرام الخيل في الجاهلية، غير ما قالوا في الإسلام.
قال: وهم مع ما حكيت لك من صحة العقل، وكرم الطبيعة، وحسن البيان، وسعة المعرفة، وجودة الرأي، وشدة الأنفة: يعبدون الحجارة، ويحلفون بها، ويحاربون دون كسرها، وتهجينها، وينكسون لها، ويدعونها آلهة، ويخاطبونها، ولا يستجيزون عيبها، وينكرون على من ينتقصها، ثم مع ذلك ربما رموا بها، واتخذوا سواها، ثم كانوا يرون أن الرجل منهم إذا مات فلم يأخذ وليه بعده بعيره، فيحفر له حفرة ثم يقيده على شفيرها، ويطرح برذعته على وجهه ورأسه، ثم لا يسقيه ولا يعلفه حتى يموت، ثم ن ذلك الرجل الميت بزعمهم يحيا يوم القيامة حافيًا راجلًا، وإذا فعل ذلك أتى راكبًا، وذلك البعير البلية، قال أبو زبيد:
[ ٢٢٣ ]
كالبلايا رؤوسها في الولايا مانحات السموم حر الخدود
يعني الناقة التي كانت تعكس على قبر صاحبها، ثم تطرح الولية على رأسها إلى أن تموت، وقال الطرماح:
منازل لا ترى الأنصاب فيها ولا حفر المبلى للمنون
أي أنها منازل أهل الإسلام دون أهل الجاهلية، ويقولون: أيما رجل قتل، فلم يطلب وليه بدمه، خلق من دماغه طير يسمى: هامة، فلا يزال يزقو على قبره، وينعى إليه عجز وليه، حتى يبعث، قال الشاعر:
فإن تك هامة بهراة تزقو فقد أزقيت بالمروين هاما
وقال جريبة بن أشيم الأسدي، وهو أحد شياطين بني أسد وشعرائها:
لا تزقون لي هامة فوق مرقب فإن زقى الهام أخبث خابثٍ
وقال توبة بن الحمير:
فلو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني تربةٌ وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح
وكانوا يقولون: أيما شريف قتل، فوطأته امرأة مقلاة: عاش ولدها، قال بشر بن أبي حازم:
[ ٢٢٤ ]
تظل مقاليت النساء يطأنه يقلن: ألا يلقى على المرء مئزر
وكانوا يقولون: إذا كان لرجل ألف بعير فلم يفقأ عين بعير منها: إن السواف تأتي على إبله، فإن زادت على ألف: فقأ عينيه جميعًا، فذلك: المفقأ والمعمى.
وكانوا إذا أجدبت بلادهم، فأرادوا الاستمطار: أخذوا بعيرًا أورق فشدوا في ذنبه العشر والسلع وصعدوه في جبل وأشعلوا في ذنبه النار، ودعوا وتضرعوا، فإن لم يفعلوا ذلك لم يستجب الله منهم، بزعمهم.
وكانوا إذا وقع العر في الأبل: يأخذون بعيرًا سليمًا لا عيب فيه، فيقطعون مشفره ثم يكوونه، ليذهب العر من سائر الإبل وإلا فشا فيها، قال النابغة:
وحملنني ذنب امرئ وتركته كذي العر يكوي غيره وهو راتع
وكانوا يرون أن النهيس إذا علقوا عليه الحلي سلم، وإن لم يعلقوها عليه هلك.
وكان الرجل منهم إذا غزا عقد خيطا في ساق شجرة، فإذا رجع ورآه منحلًا، فقد خانته قعيدته، بزعمهم، وإن وجده بحاله، فقد حفظت نفسها، قال الشاعر:
هل ينفعنك اليوم إن همت بهم كثرة ما توصى وتعقاد الرتم
والرتمة: اسم الخيط بعينه.
وكانوا يقولون: إذا أحب الرجل امرأة وأحبته، فإن لم يشق عليها برقعها وتشق رداءه، فسد حبهما، وإن فعلا ذلك، دام حبهما، قال سحيم عبد بني الحساس:
[ ٢٢٥ ]
وكم قد شققنا من رداء محبرٍ ومن برقع عن طفلةٍ غير عانس
إذا شق برد شق بالبرد مثله دواليك حتى كلنا غير لابس
هذا مع إيمانهم بغزو الجن وتلون الغيلان، وأن الجن هي التي طردت أهل وبارعن ديارهم، وصارت الجن سكانها، فليس بها إلا الجن والوحش.
ومع مذهبهم في الحامي والبحيرة والوصيلة والسائبة، مع أمور كثيرة لا يحتاج إلى ذكرها. وإنما أردنا من ذلك أن يعرف الناس تفاوت ما بين حال العاقل في دنياه ودينه، فإذا صار إلى التكذيب والتصديق والأيمان والكفر، صار إلى غير الذي كان.
قال: ثم ملنا إلى الهند، فوجدناهم يقدمون في الحساب والنجوم، ولهم الخط الهندي خاصة، ويقدمون في الطب، ولهم أسرار الطب وعلاج فاحش الأدواء، ولهم حفظ التماثيل، ونحت الصور مع التصوير بالأصباغ كزي المحاريب وأشباه ذلك، ولهم الشطرنج، وهي أشرف لعبة، وأكثرها تدبيرًا وفطنة، ولهم صنعة السيوف، ولهم
[ ٢٢٦ ]
الكنكلة، وهو وتر واحد على قرعه فيقوم مقام العود والصنج، ولهم ضروب الرقص والخفة، ولهم الثقافة خاصة، ولهم السحر، والتدخين، والخطب الطوال، ولهم الرأي والنجدة والصبر، وليس لأحد من الصبر ما لهم، ولهم الزي الحسن والأخلاق المحمودة، والسواك والخضاب.
وهم - مع جميع ما ذكرنا -: أصحاب بددة، ينحتونها بأيديهم، ويوجبون عبادتها على أنفسهم، وهم اجتلبوها وأوجبوا طاعتها، ثم يتكفنون، ويتصندلون، ويحملون معهم الألطاف والهدايا، ويدخلون النيران، إذا اشتاقوا إلى موتاهم، على أنهم بزعمهم يرجعون إلى أهليهم، إذا قضوا أوطارهم من زيارة موتاهم، لا ينهى الآخر طول غيبة الأول، مع هذه الحكمة الشريفة، والأخلاق السنية، والمعرفة الحسنة، يعرفون من أمر الدنيا ما لا يعرفه أحد، ويجهلون من أمر الدين ما لا يجهله أحد.
قال: ثم ملنا إلى الروم، فوجدناهم أطباء وحكماء، ومنجمين، ولهم أصول اللحون وصنعة القرسطون، وكيان الكتب، وهم الغايات في التصوير، يصور مصورهم الإنسان حتى لا يغادر شيئًا، ثم لا يرضى بذلك حتى يصوره شابًا، وإن شاء كهلًا، وإن شاء شيخًا، ثم لا يرضى بذلك حتى يصوره باكيًا أو ضاحكًا، ثم لا يرضى بذلك حتى يجعله جميلًا ناعمًا عتيقًا، ثم لا يرضى بذلك حتى يفصل بين ضحك السامت، وضحك الخجل، وبين المبتسم والمستعبر، وبين ضحك السرور وضحك الهازئ، وضحك المتهدد، فيركب صورة في صورة، وصورة في صورةٍ، وصورةً في صورة؛ ثم لهم في البناء ما ليس لغيرهم، ومن الخطر والنجر والصناعة ما ليس لسواهم.
ثم هم مع ذلك أصحاب كتاب وملة، ولهم بعد في الجمال والحساب، والقضاء
[ ٢٢٧ ]
في النجوم، والخط، والنجدة والرأي، وأنواع المكيدة، ما لا ينكر ولا يجحد؛ وإنما قلت عقول الزنج، وأشباه الزنج، لتباعدهم عن هذه الخصال.
ثم هم - مع ذلك أجمع -: يرون أن الآلهة: ثلاثة بطن اثنان وظهر واحد، كما لا بد للمصباح من الدهن، والفتيلة، والوعاء، فكذلك جوهر الآلهة، فزعموا أن مخلوقًا استحال خالقًا، وأن عبدًا تحول ربًا، ون حديثًا انقلب قديمًا، إلا أنه قد قتل وصلب بعد هذا، وفقد، وجعل على رأسه أكاليل الشوك، ثم أحيا نفسه بعد موته، وإنما أمكن عبيده من أخذه وأسره، وسلطهم على قتله وصلبه، ليواسي أنبياءه بنفسه، وليتحبب إليهم بالتشبيه بهم، ولأن يستصغروا جميع ما صنع بهم، ولئلا يعجبوا بأعمالهم فيستكثرونها لربهم، فكان عذرهم أعظم من جرمهم.
قال: فلولا أنا رأينا بأعيننا، وسمعنا بآذاننا، لما صدقنا ولا قبلنا أن قومًا متكلمين، وأطباء ومنجمين، ودهاة وحسابًا، وكتبة وحذاق كل صنعة، يقولون في إنسان رأوه يأكل ويشرب، ويبول وينجو ويجوع ويعطش، ويكتسي ويعري، ويزيد وينقص، ثم يقتل بزعمهم ويصلب: إنه رب خالق، وإله رازق، وقديم غير محدث، يميت الأحياء ويحيى الموتى، وإن شاء خلق أضعافًا للدنيا، ثم يفخرون بقتله وصلبه، كما يفخر اليهود بقتله وصلبه.
قال: ثم ملنا إلى فارس، فوجدنا هناك العقول التي لا تبلغها عقول، والأحلام التي لا تشبهها أحلام والسياسة العجيبة، والملك المؤبد، وترتيب الأمور، والعلم بالعواقب؛ ثم كانوا مع ذلك يغشون الأمهات، ويأكلون الميتة، ويتوضون إلا بوال، والماء لهم مباح، ويعظمون النار، وهم أظهروها، فإذا شاءوا أطفأوها؛ ويقولن: بأن الله تعالى كان وحده لا شيء معه، فلما طالت وحدته استوحش، فلما استوحش
[ ٢٢٨ ]
فكر، فلما فكر، تولد من فكرته أهر من، وهو إبليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله، فلما أراد قتله امتنع، فصالحه إلى أجل معلوم، ووادعه إلى مدة مسماة، على لا يمتنع عليه إذا استوفى الأجل وبلغ المدة؛ ثم أن أهر من نوى الغدر، وذلك شيمته، فأنشأ يخلق أصناف الشر، يستمد بها عليه؛ فلما عرف ذلك منه أنشأ يخلق أصناف الخير، ليضع بإزاء كل جند جندًا، وله بعد ذلك فضل قوته، وإنه يسمى القديم دونه.
ثم قولوا في قسمة العوالم الخمس عندهم، وفي أسمائها وجواهرها وهيآتها، وفي خلق مهنة ومهينة وهما آدم وحواء، وفي سويين المنتظر عندهم، ولا يستطيع وصفه أحمق منقوص، ولا عالم تام، ولو جهد كل جهده واستفرغ كل قوته.
قال: ووجه يستدل به على قلة عناية الناس بأكثر الدين، وإن شأنهم تعظيم الرجال، والاستسلام للمنشأ، والذهاب مع العصية والهوى، والرضى بالسابق إلى القلوب، واستثقال التمثيل، وبغض التحصيل، ما تجد من اعتقاد أكثر البصريين وسوادهم لتقديم عثمان بن عفان، ومن اعتقاد أكثر الكوفيين وسوادهم لتقديم علي بن أبي طالب ﵇، ومن اعتقاد أكثر الشآمين لدين بين أمية، وتعظيم عثمان وحب بني مروان، حتى غلط لذلك قوم، فزعموا أن ذلك من قبل الطالع، وقال آخرون: بل من عمل التربة، كما تجد لأهل كل ماء وهواء وطينة: نوعًا من الأخلاق، والمنظر والزي، والصناعة واللغة؛ وليس ذلك - أكرمك الله - إلا من قبل تقليد السلف، وحب الرجال، وما وقع في القلوب، وهيجته المحبة، لأن تقليد الآباء هو الذي ارتهنهم، وحب الرجال هو الذي أعماهم وأصمهم، والنسق على التقليد هو الذي ملأ خواطرهم، وأمات قلوبهم، ولو كن ذلك من قبل الطالع أو التربة، لما حسن الأمر والنهي، ولما جاز الحمد والثواب، واللائمة والعقاب، ولما كان لإرسال الرسل معنى؛ ولو كان ذلك للطالع والبلدة،
[ ٢٢٩ ]
لجاز ذلك في المصيب كما في المخطئ، ولجاز في الناظر كما جاز في المقلد.
وإنما صير أكثر أهل البصرة عثمانية، لأنهم كانوا صنائع ثلاثة أمراء عليهم: أولهم عبد الله بن عامر، والثاني زياد، والثالث الحجاج بن يوسف، وهؤلاء الثلاثة الغايات في حب عثمان وبين أمية، فلم يقصروا في تقديمه واستمالة الناس إليه بالترغيب والترهيب، والسياسة والتدبير، ولصنائع ابن عامر فيهم فزع إليهم طلحة والزبير وعائشة، حين قدموا عليهم يطلبون بدم عثمان، ولأن عليًا ﵇ حاربهم وقتل أعلامهم وفل حدهم، ولذلك قال رجل من كبراء البصريين في علي ﵇: كيف أحب رجلًا قتل من قومي من لدن كانت الشمس ههنا إلى أن صارت ههنا إحدى عشرة مائة.
ولو كان هذا من قبل البحث والنظر، لما صار أهل عمان كلهم أباضية، وغيرهم مرجية، ولما اختار أولاد النصارى كلهم النصرانية، وأولاد اليهود كلهم اليهودية، وأولاد المجوس كلهم المجوسية؛ وكيف يجوز أن يعتقد أولاد اليهود كلهم اليهودية بالنظر؟ وقد تجد الأخوين ينظران في الشيء الواحد فيختلفان في النظر، ولربما نظر الناظر فيصير له في كل عام قول، ولربما كان ذلك في كل شهر؛ فصح أن دين الناس بالتقليد لا بالنظر، وليس التقليد إلى الحق بأسرع منه إلى الباطل.
وروى الجاحظ في كتاب الأخبار أيضًا، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، أنه قال - في الأخبار المروية عن رسول الله ﵌ -: وكيف يجيز السامع صدق المبخر، إذا كان لا يضطره خبره، ولم يكن معه علم يدل على صدق غيبه، ولا شاهد قياس يصدقه، وكون الكذب غير مستحيل منه مع كثرة العلل التي يكذب الناس لها ودقة حيلهم فيها، ولو كان الصادق عند الناس لا يكذب، والأمين لا يخون، والثقة لا ينسى، والوفي لا يغدر، لطابت المعيشة، ولسلموا من سوء العاقبة.
[ ٢٣٠ ]
قال إبراهيم: وكيف نأمن كذب الصادق، وخيانة الأمين، وقد ترى الفقيه يكذب في الحديث، ويدلس في الإسناد، ويدعى لقاء من لم يبلغه، من غريب الخبر ما لم يسمعه، ثم لا يرى أن يرجع عن ذلك في مرضه بل أن تغرغر نفسه وقد أيقن بالموت، وأشفى على حفرته، بعد طول إصراره، والتمتع بالرياسة في حياته، وأكل أموال الناس به؟ ولولا أن الفقهاء والمحدثين، والرواة والصلحاء المرضيين، يكذبون في الأخبار، ويغلطون في الآثار، لما تناقضت آثارهم، ولا تدافعت أخبارهم.
قالوا: ولو وجب علينا تصديق المحدث اليوم لظاهر عدالته، لوجب علينا تصديق مثله، وإن روى ضد روايته، وخلاف خبره، وإذا نحن قد وجب علينا تصديق المتناقض، وتصحيح الفاسد، لأن الغلط في الأخبار، والكذب في الآثار، لم تجده خاصًا في بعض دون بعض!!
قال إبراهيم: وكيف لا يغلطون، ولا يكذبون، ولا يجهلون، ولا يتناقضون؛ والذين رووا منهم أن النبي ﵌ قال: لا عدوى ولا طيرة، وأنه قال: فمن أعدى الأول؟ هم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: فر من المجذوم فرارك من الأسد، وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الأسلام، فأرسل إليه من بايعة مخافة أعدائه؛ وأن النبي ﵌ حين توجه إلى بدر أراد أن ينزل الصفرا، وهي بين جبلين، فسأل عن اسميهما، وعن الحيين النازلين بهما، فقيل: ينزلهما بنو النار، وبنو حراق، بطنان من بني عفار، فتطير منهما، وتعداهما إلى غيرهما، واسم الجبلين الضيقين.
وأنه قال: الشؤم في المرأة والدار والدابة.
قال: والذين يروون أن النبي ﵌ قال: خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، هم الذين رووا أن النبي صل الله عليه وآله وسلم قال: (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره) .
قال: والذين رووا منهم أن الصعب بن جثامة قال: يا رسول الله ذرارى المشركين
[ ٢٣١ ]
تطأهم خيلنا في ظلم الليل عند الغارة؛ قال: اقتلوهم فإنهم مع آبائهم؛ وأنه حين أغزى أسامة بن زيد إلى ناحية الشام، أمر أن يحرق المشركين بالنار وذراريهم؛ هم الذين يروون أن النبي ﵌ بعث سرية فقتلوا النساء والصبيان، فأنكر النبي ﵌ ذلك إنكارًا شديدًا؛ فقالوا: يا رسول الله، إنهم ذراري المشركين؛ وإن خالد بن الوليد لما قتل بالغمصا الأطفال، رفع النبي ﵌ يديه، حتى رأى المسلمون بياض أبطيه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم بعث عليا ﵇ فوداهم.
قال: والذين يروون أن خديجة قالت للنبي ﵌: يا رسول الله أرأيت أطفالي منك أين هم؟ قال: هم في الجنة، قالت: أفرأيت أطفالي من غيرك أين هم؟ قال: في النار، فأعادت عليه الكلام، فقال مثل ذلك، فلما أعادت عليه، قال: ن سكت وإلا أسمعتك ضغاءهم في النار.
وإن عقبة بن أبي معيط لما أمر النبي ﵌ بقتله قال: من للصبية؟ قال: النار. هم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: المؤودة في الجنة والشهيد في الجنة وإن أولاد المشركين خدم أهل الجنة.
قال: والذين رووا أن النبي ﵌ قال: إن الله جل ذكره أوحى إلي إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاغتالتهم عن دينهم، وانه قال: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه الذين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. هم الذين رووا أن النبي صلى الله عليه قال: اعملوا
[ ٢٣٢ ]
فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فهو يعمل للسعادة، وإن كان من أهل الشقاء فهو يعمل للشقاء؛ وأن الله ﷿ مسح ظهر آدم فقبض قبضتين، فأما الذين في قبضته اليمنى فقال: إلى الجنة برحمتي، وقال للذين في اليسرى: إلى النار ولا أبالي، والسعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقى في بطن أمه، وإذا وقعت النطفة في الرحم أوحى الله إلى ملك الأرحام: اكتب فيقول: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب شقيًا أو سعيدًا.
والذين رووا أن القدرية مجوس هذه الأمة، وأنهم قد لعنوا على لسان سبعين نبيًا؛ هم الذين رووا أن ميكائيل كان قدريًا حتى خصمه جبريل، وأن موسى كان قدريًا حتى خصمه عمر.
قال: وتلوا علينا قول الله ﷿: (وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى) .
ثم رووا أن ولد الزنا شر الثلاثة، وأن المعول عليه يعذب بعويل أهله، وأيما صبي مات ولم يعف عنه أبواه فهو محتبس عن الجنة حتى يعفا عنه.
قال: وتلوا علينا: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين)، وأن النبي ﵌ قال: (ما كفر نبيٌ قط)، ثم رووا أن النبي ﵌ على دين قومه أربعين سنة، وأنه قال: ما ذبحت للعزى إلا كبشًا واحدًا؛ وأنه زوج ابنتيه: عتبة بن أبي لهب وأبا العاص بن الربيع، وأنه قال - قبل الوحي - لزيد بن عمرو ابن نفيل: يا زيد، إنك فارقت دين قومك وشتمت ألهتهم، فقال له زيد:
يا أيها الإنسان إياك والردى فإنك لن تخفى من الله خافيًا
[ ٢٣٣ ]
والذين رووا أن النبي ﵌ قال: لا يفضلني أحدٌ على يونس بن متى، فقد كان يرفع له في اليوم الواحد مثل عمل جميع أهل الأرض؛ هم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، وإن كل نبي يقول في القيامة: نفسي نفسي!! وأنا أقول: أمتي أمتي، ومعي لواء الحمد) وهم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: لا تفضلوا بعض الأنبياء على بعض، فإنهم بنو علات أمهاتهم واحدة، والذين رووا أن النبي ﵌ قال: إن روح الشهداء تكون في حواصل طير خضر تأوي الليل إلى قناديل في الجنة، وإن الأرواح في الهوا جنود مجندة، تتشام كما تتشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وأن النبي ﵌ وقف على قليب بدر فقال: يا عتبة بن ربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل، يا أمية بن خلف: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فقيل له في ذلك، فقال: والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون كما تسمعون، وإن منكرًا ونكيرًا ليأتيان الرجل في قبره فيسألانه: من ربك وما دينك؟ وأن النبي ﵌ قال: والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون خفق نعالكم. هم الذين تلوا علينا: (وما أنت بمسمع من في القبور) وأن النبي ﵌ قال: اللهم رب الرواح الفانية والأجساد البالية.
وأن عبد الله بن عباس سئل عن الأرواح أين تكون إذا فارقت الأجساد وأين تذهب الأجساد إذا بليت؟
[ ٢٣٤ ]
قال: أين يذهب السراج، إذا طفئ، وأين يذهب البصر إذا عمى، وأين يذهب لحم الصحيح إذا مرض؟ فقال السائل: لا أين!! قال: كذلك الأرواح، إذا فارقت الأجساد.
قال: والذين رووا أن النبي ﵌، قال: ليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم إلى الجنة؛ وقال: صلاتكم قربانكم، فلا تقربوا بين أيديكم إلا خياركم، ولا صلاة لإمام قوم له كارهون. هم الذين رووا: صلوا خلف كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، ولا بد من إمام بر أو فاجر.
قال: والذين رووا أن النبي ﵌ قال: وأذن لي أن أحدث عن ملك من الملائكة رجلاه في الأرض السفلى وعاتقه تحت العرش، ما بين عاتقة إلى شحمة أذنه سبعمائة عام، خفقان الطير المسرع؛ هم الذين رووا أن الله ﷿ ينزل عشية عرفة، ويوم النصف من شعبان على جمل أورق، وأنه ينزل في قفص من ذهب.
والذين رووا أن أربعة أملاك التقوا، واحدًا من المشرق، والآخر من المغرب، وآخر من السماء السابعة، وآخر من الأرضيين السفلى، فقال كل واحد منهم للآخر: أين تركت ربك؟ فقال: من عند ربي جئت!! هم الذين رووا أن حمل العرش من فرق غضب الله يثقل العرش على كواهلهم، وأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿، وأن النبي ﵌ قال: أتاني ربي في أحسن صورة فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثدي.
قال إبراهيم: ثم يتحدث فقيههم بمثل هذه الأحاديث، ويخبر بمثل هذه الأخبار، ويشهد على الله ﷿ بمثل هذه الشهادة، وهو غير محتفل بذلك ولا مستحٍ منه.
[ ٢٣٥ ]
وإنما ذكر الجاحظ والنظام: أن دين الناس بالتقليد، لا بالنظر والبحث والاستدلال، وقد ذم الله تعالى في كتابه المقلدين فقال: (إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون) الأمة ههنا: الدين.
وقالت العلماء: المقلد مخطئ في التقليد، ولو أصاب الحق، لأن من اعتقد الحق بغير حجة ولا دليل، مثل من اعتقد الباطل بغير حجة ولا دليل، وإذا دخل في الحق بالتقليد، خرج منه بالتقليد، قال الشاعر في ذم التقليد:
ما الفرق بين مقلدٍ في دينه راضٍ بقائده الجهول الحائر
وبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر
وفي كل أهل مذهب ثقة يسندون إليه، وعالم يعتمدون عليه، وكلهم يحتج بقول الله تعالى، ويروى عن رسول الله ﷺ، وقد كثر التدليس في الكتب، والزيادة في الأخبار، والتأويل لكتاب الله ﷿، على قدر الأهواء والمذاهب والآراء.
فيجب على العاقل التيقظ والتحرز والتحفظ من التقليد، الذي هلك به الأولون والآخرون، وجار عن قصد السبيل الحائرون، أعاذنا الله من إتباع الأهواء في الدين، وانقياد الأتباع والمقلدين.
وقوله في الرسالة: فمن شبق منهم وانعظ، فقد كفر وما اتعظ.
والشبق: شهوة النكاح، وهو مصدر شبق يشبق شبقًا، قال رؤبة بن العجاج:
لا يترك الغيرة من عهد الشبق
ويقال انعظ الرجل: إذا تحرك عضوه.
[ ٢٣٦ ]
وقوله: ووجب عليه القتل، وعبادته مكيدة وختل، فعملت رجالهم في استحضار المنية، وحمل للهدايا السنية، والتكفن والتضمخ بالصندل.
وقوله: وطرح النفوس في النار طرح عود المندل.
عود المندل: الذي يتبخر به، والمندل: بلد من بلاد الهند إليها ينسب العود، قال العجير السلولي يصف جارية بطيب الريح:
إذا ما مشت نادى بما في ثيابها ذكى الشذا والمندلي المطيب
والشذا: كسر العود ههنا، ويروى: المندلي المطير.
وقوله: شوقًا إلى زيارة من هلك من الأحباب.
وقوله: وكم للجهل في الناس من سورة وعباب!! السورة: الحدة، ومنه سورة الشراب. والعباب: الكثرة والزيادة، ومنه عباب الماء.
وقوله: وما فعلت الروم في عبادة الصليب، والحض على ذلك والتأليب، وأكل لحوم الخنازير، بغير تثريب على الأكل ولا تعزير، وقولهم أمكن ربهم عبيده من أسره وغلبه، وأقدرهم على قتله وصلبه، ليتأسى بذلك أنبياؤه، ويتشبه حزبه وأولياؤه، ثم أحيا نفسه بعد الموت، وأعادها بعد الفوت.
صليب النصارى معروف، والصليب: المصلوب، ومنه صليب النصارى، مثل قتيل وصريع وما شاكله، والصليب أيضًا: الودك: قال مرة بن خويلد الهذلي، وذكر عقابا:
[ ٢٣٧ ]
جريمة ناهض في رأس نيقٍ ترى لعظام ما جمعت صليبا
يقال: اصطلب الرجل: إذا جمع العظام، فاستخرج ودكها ليأتدم به، قال الكميت الأسدي:
واحتل برك الشتاء منزله وبات شيخ العيال يصطلب
ويقال: المصلوب من هذا، لأنه يسيل ودكه على العود الذي يصلب عليه، والصليب العلم، قال النابغة:
ظلت أقاطيع أنعام مؤبلةٍ لدى صليب على الزراء منصوب
والحض: الحث، ومنه قوله تعالى: (ولا يحضون على طعام المسكين) والتأليب: الجمع، يقال: ألب الجيش: إذا جمعه. والتثرب: اللوم والتعنيف، ومنه قوله تعالى: (لا تثريب عليكم اليوم) .
والتعزير: الضرب والتأديب، وهو الحد، والتعزيز أيضًا - في غير هذا الموضع -: التعظيم، ومنه قوله تعالى: (وتعزروه وتوقروه) .
[ ٢٣٨ ]
وقوله: وما فعلت الفرس في عبادة النيران، وغسل الوجوه بأبوال الثيران، وأكل الميتة ووطء الأمهات، بصريح الحدود لا الشبهات، واحتجوا بأن الذبح مؤلم ضار، والنكاح لأهله سار.
النيران: جمع نار، وهو جمع فعل بفتح الفاء إلا أنه معتل العين بالألف، وكان أصل ألفه واوًا يدل على ذلك تصغيره فتقول: نويرة.
والثيران: جمع ثور، وهو جمع فعل بتسكين العين، وأتى الجمعان بلفظ واحد.
وكانت المجوس يغسلون وجوههم بأبوال البقر، تخشعًا وتقربًا إلى الله تعالى، قال الشاعر فيهم، وفي غيرهم من أهل المذاهب:
عجبت لكسرى وأشياعه وغسل الوجوه ببول البقر
وقول النصارى إلهٌ يضام ويظلم حقًا ولا ينتصر
وقول اليهود إلهٌ يحب كسيس لدماء وريح الفتر
وقوم أتوا من أقاصي البلاد لرمي الجمار ولثم الحجر
فوا عجبًا من مقالاتهم أيعمى عن الحق كل البشر
قوله: وقالوا للخلق فاعلان متضادان، أحدهما إهر من والآخر يزدان، فيزدان فاعل الخير والسرور، واهر من فاعل الغم والشرور، وقالوا ليس الحكيم
[ ٢٣٩ ]
لما بني من الحكمة هادمًا، ولا يصبح على الفعل الحسن نادمًا، ونسبوا فعل ذلك إلى العبث، وصريح الأديان شبيه بالخبث.
وما فعل أصحاب السبت في استقباح نسخ الأديان، وحظر المناهل على الصيدان، إلا منهلًا واحدًا للفارط والتالي، والعشار والمتالي، وقالوا النسخ هو البدا، ولا يجوز على الرحمن أبدًا، ورووا عن موسى أنه قال إن شريعته غير منسوخة، وعقدها غير محلولة ولا مفسوخة، وحججهم من التوراة، وكل الفرق ظاهر العورات.
الصديان: العطشان. والمنهل: المورد. والنهل: الشرب في أول الورد، ومنه اشتقاق المنهل. والحظر: المنع والتحريم، ومنه قوله تعالى: (وما كان عطاء ربك محظورًا) .
والفارط: المتقدم في طلب الماء. والتالي: الذي يتلوه. والعشائر: جمع عشراء وهي الحوامل التي لها عشرة أشهر منذ حملت، ثم كثر استعمال ذلك حتى قيل لكل حامل عشراء. والمتالي: التي يتلوها أولادها.
وقوله: وما فعلت الجالوتية منهم في مضاهاتها الرقوب، وإرثها الأرض عن يوسف بن يعقوب، وما وجدت في سفر شعيا أو دانيال من صفة قديم الأيام، أنه لا يزال من الأملاك في فيام، قاعدًا على الكرسي، بيده ناصية كل وحشي وأنسي، أبيض اللحية والرأس.
المضاهاة: المشابهة، ومنه قوله تعالى: (يضاهون قول الذين كفروا) .
والرقوب ههنا: المرأة التي لا يعيش لها ولد، والرقوب ههنا: المرأة التي ترقب
[ ٢٤٠ ]
موت زوجها لترثه. والرقوب: الناقة التي لا تشرب مع الأبل إذا ازدحمت على الحوض لكرمها.
والجالوتية يقولون: إن الله ﷿ ملك الأرض يوسف بن يعقوب ونحن وارثوه، والناس مماليك لنا.
والسفر: الكتاب، جمعه أسفار.
وشعيًا: هو شعيا بن راموص النبي ﵇، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل.
وقديم الأيام عندهم: هو الله تعالى.
والقيام: الجماعة.
وقوله: لما مر علي من الأحراس.
وما فعلت السامرية منهم في عبادة العجل الذي له خوار، ولكل جلس من المذاهب شين وعوار، والسامرية بالقول يعلنون، ألا نبوءة لغير موسى ويوشع بن نون.
وما فعلت العزيزية منهم في عزير، وسيرهم فيه بأبعد السير، ورفعه له من درجة النبوة، إلى نبوة الأبوة.
الأحراس: الدهور، واحدها حرسٌ، وهو الدهر.
وقوله: وما فعل أصحاب الأحد في المسيح، وسيرهم فيه بالعنق الفسيح، وقولهم في الحي القيوم، هو ثلاثة أقانيم يوصف بأقنوم، أبٌ وابن وروح قدس، وكل يدين بتظنن وحدس؛ وحججهم من الإنجيل، وضل عن قصد السبيل كل جبل.
[ ٢٤١ ]
وما فعلت منهم اليعقوبية، فيما جعلت لعيسى من الربوبية؛ زعمت أنه كان قديمًا لا في مكان، ثم تجسم فصار جسدًا ذا أركان، وأه تناسى بعد علم، وتجسم بعد أن كان غير جسم، وأنه قادر على الزيادة في الذات، ليصل بذلك إلى اللذات، ونفوا عنه لذلك وهن العجز، وما يختص بغيره من المنع والحجز، لأنه القادر على ما يشاء، لا يتعذر عليه الفعل والإنشاء.
أصحاب الأحد: النصارى، وهم يعظمون من الأيام الأحد، مثل ما تعظم اليهود السبت، ويعظم المسلمون الجمعة.
والعنق: السير الفسيح.
والأقانيم: الأشياء بلغة النصارى، واحدها: أقنوم.
وقوله: وما فعلت النسطورية منهم في صفات اللاهوت، واستتاره ببدن الناسوت.
اللاهوت: الإله بلغة النصارى. والناسوت: الإنسان بلغتهم.
وقوله: وقولهم في الماسح والممسوح، ولم يزل الجهل نازلًا بكل سوح.
الماسح عندهم: هو الله تعالى. والممسوح: هو الذي انتقل إليه، وهو عيسى. والسوح: جمع ساحة.
وقوله: وما فعلت الفلاسفة في ضرب المزاهر، والأطناب في الأعراض والجواهر، ووصف المركب والبسيط، وما ظفروا من الدين بفسيط، وأقدامهم على أبطال الشرائع؛ وقولهم بتدبير الأربع الطبائع.
والمزاهر: جمع مزهر وهو العود. والأطناب: المبالغة.
والأعراض: جمع عرض، وهو صفة الجوهر.
[ ٢٤٢ ]
والجواهر: جمع جوهر، وهو القائم بذاته الحامل للأعراض، والجوهر عندهم على ضربين: مركب وبسيط، فالمركب: هو الجسم مثل الجسد وما شاكله، والبسيط: هو النفس والروح وما شاكل ذلك، والنفس: هي الروح عندهم، وهي القوة الناطقة، فكل جسم عندهم جوهر، وليس كل جوهر جسمًا.
والفسيط: قلامة الظفر. والفسيط: ثفروق التمرة، وهو قمعها.
وقوله: وقد قالوا مع الأربع بخامس، كقول هرمس الهرامس، وأكثر الفلاسفة، على غير الطريق عاسفة، وفي أباض من الحيرة راسفة، وشموسها المنيرة كاسفة.
وما فعلت الهيولانية في قدم الهيولى الذي عندهم أصل الأشياء، ومدبر للموات والأحياء، بتحريك قوة في الجوهر أصلية، قديمة أزلية، تجعل الميت ناطقًا من الحيوان، وتنفرد بتدبير هذه الأكوان؛ وقولهم بقدم الجوهر القابل للأعراض، والصحاح أشبه شيء بالمراض، وقيل هي مقالة أرسطاطاليس.
هرمس الهرامس بهذه اللغة: حكيم الحكماء.
والعسف: الأخذ على غير الطريق.
والأباض: الحبل الذي يوبض به البعير، يقال: أبض البعير يأبضه: إذا شد رسغ يده إلى عضده.
والرسفان: مشى المقيد.
وقوله: ومن اطلع على الأغنياء وجدهم مفاليس.
وما فعل أصحاب التناسخ في تنقل الأرواح في الأجساد، وصلاحها بعد الفساد، ومثوبة المحسنين بالأبدان الأنسية، وإلهيًا كل الحسية، وعقوبة
[ ٢٤٣ ]
المقدمين على الجرائم، بأبدان أعجم البهائم، ودوام الدنيا على الأبد.
يقال: اطلع الأمر واطلع على الأمر: بمعنى إذا أشرف عليه وعرف حقيقته، وقد جاءت اللغتان معًا في كتاب الله، قال الله تعالى: (اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا) وقال تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارًا) وقوله: وما للمثرين من سبد ولا لبد، وقيل: هي مقالة بزرجمهر ابن بختكان، وكم انقاد للغي حكيم واستكان.
وما فعلت في تعطيلها الزنادقة، وفصلت في أحكامها المزادقة، زعموا أن أهل الأرض في الأرزاق متظالمون، وأنهم بين الناس في ذلك حاكمون.
المثرون: الأغنياء أصحاب الثراء وهو المال.
والسبد: الشعر. واللبد: الصوف، يقال للنقير: ما له سبد ولا لبد، قال الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته رفق العيال فلم يترك له سبد
وقوله: يقسمون الأرزاق بالسوية، ولا يجيزون الأثرة باللوية وما فعلت الفضائية في عبادة الفضاء، ورد الحكم له والقضاء، والمشبه في الخلق والإمضاء، قالوا لحاجة كل شيء في الشاهد إليه، وغناه عما أحاط به واستولى عليه، ولأنه لا تحصره الأماكن، ولا يغرب عنه ولا يشبهه متحرك ولا ساكن، وقالوا لأنه غير متناه، وما نهى الجاهل عن الجهالة ناه.
[ ٢٤٤ ]
وما فعلت المانية الغوية، ومن وافقها من الثنوية، إذ جعلت مع الله صانعًا، وله عن بعض الأفعال مانعًا؛ وقولهم بتدبير ربين خلاقين، وضدين متشاقين، حيين عالمين، ومن جميع الآفات سالمين، وهما النور والظلام، وما رشد الشيخ ولا الغلام، فالنور عن فعل القبيح متعال، والظلام لكل شر فعال؛ قالوا ولن يكون التضاد من الذات الواحدة ممكنًا، فيكون المحسن مسيئًا والمسيء محسنًا، كما ليس في النار برودة، ولا الثلج حرارة.
اللوية: ما خبأته المرأة لزوجها من الطعام وآثرته به، وكذلك ما خبأت لغيره، قال الراعي:
الآكلين اللوايا دون ضيفهم والقدر مخبوءة منها أثافيها
قوله: ولا في الشرى حلاوة، ولا في الأرى مرارة.
وما فعلت الديصانية في تدبير حي وميت، وطال التعلل بعسى وليت، فالحي هو النور الحساس الدراك، والميت هو الظلام الذي ليس له حراك، وكلاهما بزعمهم ربان، على البرية يعتقبان، ولكل واحد منهما في الخلق من جنسه تأثير، وأود المذاهب وسقطها كثير.
وما فعلت المرقبونية في تدبير الثلاثة الأرباب، خالق الهرم وخالق الشباب، وثالث بينهما معدل، لما استقبح من أفعالهما مبدل.
وما فعل الصابؤن في عبادتهم للملائكة المتعبدين، وخروجهم من دين إلى دين.
[ ٢٤٥ ]
وما فعلت البراهمة في نفي الوسائط، وكم للصحة والسقم من شائب وسائط، إلا واسطة العقل فإنها عندهم غير منفية، وشواهدها النيرة غير غامضة ولا خفية، قالوا لأن إرسال المرسل إلى من علم أنه يعصيه ويمثل برسله، دليل عندهم على عبث المرسل وجهله.
وما فعلت الأطباء في تدبير الطبائع، وكم للضرر من شارٍ وبائع؟ وما فعلت الفلكية في تدبير الفلك، وسلوك سبيل الغي فيمن سلك.
وما فعل الحرانيون عبدة النجوم، وأصحاب الظن والهجوم، في تدبير البروج والأملاك، على قدر نزولها في الأفلاك، وقضائها في الخبرات والشرور، على التوالي والمرور.
الشرى: الحنظل. والأرى: العسل.
وقوله: وليس في التنجيم، غير ترجيم، ولا عند الكواكب، نفع لواكن ولا واكب.
وما فعلت السوفسطائية في نفي الحقائق، وقطع الأسباب في الدين والعلائق، لقد جار عن الحق سوفسطا، ومال عن الطريق الوسطى.
الترجيم، والرجم: الظن الذي لا يوقف على حقيقته.
والواكن: الطائر الذي يحضن بيضته في وكنه، يقال: وكن الطائر يكن وكونًا، ووكن الطائر، ووكنته وكره.
والواكب: الذي يدرج في مشيته، والوكبان: مشية فيها درجان، ويقال: ظبية وكوب، ومن ذلك اشتقاق الموكب.
والمنجمون يزعمون أنهم يدركون في علم النجوم ما سيكون من علم الغيب، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ولا يشاركه فيه أحد من خلقه، وفساد قولهم ظاهر،
[ ٢٤٦ ]
لقوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول)، ولقوله تعالى: (لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) وغير ذلك من الآيات.
وفي نهج البلاغة أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، لما عزم على المسير إلى الخوارج، فقال له رجل من أصحابه: يا أمير المؤمنين، إن سرت في هذا الوقت خشيت ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال ﵇: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه الشر، وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر؟ فمن صدق بهذا، فقد كذب القرن، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب، ودفع المكروه، وتبتغي بقولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه، لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر؟ ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر وبحر فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله ﷿.
[ ٢٤٧ ]
وقوله: ولقد اختص ما ذهب إليه بمذهبه، وبعد عن الأسفار قطع غيهبه.
وما فعل أصحاب الدهر، ومن قال بتدبير السنة والشهر، فيما نقل عنهم من الأقوال، من قدم الأعيان وحدث الأحوال، وبعضهم يقول بقدم الصفات، وما ظفر ذو السقم بالمعافات.
وأما فرق هذه الملة، فللتقاطع مستحلة، يكفر بعضهم بعضًا، ويرى عداوته عليه فرضًا، وقد أمسكت كل طائفة برئيس، وعدت حسنًا منه كل بئيس، ولكل محاسن ومساو، وقولٍ ليس بمتساويٍ، وقل من يوجد على غير دين أبيه، ومعلمه وأقربيه، وداء الناس في دينهم داء قديم، ما صح معه من النغل أديم.
يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء، والقطع: ظلمة آخر الليل، ومنه قوله تعالى: (فأسر بأهلك بقطع من الليل) قال الشاعر:
افتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع ليلٍ بهيم
البهيم: الذي لا يخلط لونه لون سواه. والغيهب: الظلمة، وجمعه غياهب.
وقوله: ومن أوضع في المذاهب، وقع في الغياهب، وأغرق في البحث عن الفرق، لم ير ناجيًا من الغرق.
الإيضاع: الإسراع في السير، ومنه قوله تعالى: (ولأوضعوا خلالكم) .
وقوله: أو نظر في املل، عثر على الزلل، وأشرف على اختلاف، مؤد إلى إتلاف، وهجم على رياض مرة الثمار، منهجة للأعمار.
يقال عثر على الشيء: إذا اطلع عليه، ومنه قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم) .
[ ٢٤٨ ]
وقوله: وموارد ماؤها أجاج، والمسيغ لها مجاج.
الأجاج: الماء المثلج المر. والمسيغ: الذي يسوغ له الشراب، يقال: ساغ الشراب في الحق، إذا نزل، وكانت له لذاذة. والمجاج: الذي يمج الماء من فيه، أي يصبه.
وقوله: في العين الصحيحة عور، وفي القناة الصليبة خور، يشقى بها الغامز والعاجم، شقاء وافد البراجم، فهل عند ضد أو ولي، من نب جلي؟ الخور: الضعف، يقال: رمح خوارٌ أي ضعيف رخو غير صليب، ورجل خوار: أي ضعيف، وهو من الأول مصدره الخور، قال عمر بن لجأ التميمي يهجو جريرًا:
بل أنت نزرة خوارٍ على أمةٍ لا يسبق الحلبات اللؤم والخور
والغمر: اللمس باليد ليعرف لاسمين من غيره، قال جرير:
غمز ابن مرة يا فرزدق كينها غمز الطبيب نغانغ المعذور
وعجم العود: عضه ليعرف صلابته من خوره.
ومن أمثال العرب: إن الشقي وافد البراجم، وكان سبب ذلك أن عمرًا ابن هند، عم النعمان بن منذر - وهو الذي يلقب مضرط الحجارة لتجبره وشدة ملكه - كان له أخ مسترضع في بني تميم، يقال له أسعد، فخرج يومًا يتصيد، فمر بأبل لرجل من بني تميم، فرمى ناقة منها فعقرها، فجاء صاحبها، فلما رآها معقورة وثب عليه فقتلة، فنذر عمرو بن هند أن يقتل من بني تميم مائة، فغزاهم يوم
[ ٢٤٩ ]
أوارة، فأقبل يقتلهم على الثنية، أي العقبة، وآلى ليقتلنهم حتى تصل دماؤهم الحضيض وليحرقنهم؛ فقال له الوصاف، وهو الحارث بن مالك من بني ضبيعة ابن عجل بن الحر: أيها الملك، لو ذبحت الخلق كلهم على حلق واحد، ما بلغت دماؤهم الحضيض، وكنت قد أفسدت ملكك، ولم تبرر أليتك، ولكن صب على دم كل قتيل منهم قربة من ماء؛ ففعل، فبلغت دماؤهم الأرض، فسمى الحارث الوصاف لذلك؛ وأمر عمرو فاحتفر له حفير عظيم، وألقى فيه الحطب واشتعلت النار، فألقى فيها تسعة وتسعون رجلًا منهم، وبقي واحد من نذره، وأبصر رجل من البراجم، لم يعلم بذلك الدخان، وشم القتار فظن أنه طعام يصنع، فأقبل إلى النار؛ فأخذ فأتى به عمرا بن هند؛ فقال: ممن أنت؟ قال: رجل من البراجم والبراجم حي من تميم - فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم، فأرسلها مثلا، وألقى الرجل في النار، فتم نذره مائة.
وقوله: يحدث عنه الرائد بما لقي، ويمسك عما بقي، ويزبل دجى الشكوك والشكاه، بقبس هدى لاقبس مشكاه.
الرائد: الذي يتقدم في طلب الكلأ، يقال: لا يكذب الرائد أهله. والشكاة: الشكاية، قال أبو ذؤيب الهذلي:
وعيرها الواشون أني أحبها وتلك شكاةٌ ظاهر عنك عارها
أي ينبو عنك، ولا يعلق بك. والقبس: شعلة من النار، يقال: قبست من فلان نارًا، واقتبست منه علمًا، ومنه قوله تعالى: (بشهاب قبس) . والمشكاة: الكوة التي ليست بنافذة، ومنه قوله تعالى: (كمشكاة فيها مصباح) .
وقوله: يصدق جهينة الخبر عن أخيها، ويبلغ الخاتمة من توخيها.
يعني بذلك قول الشاعر:
[ ٢٥٠ ]
تسائلني جهينة عن أخيها وعند جهينة الخبر اليقين
قال أبو بكر بن دريد في كتاب الاشتقاق: إن قولهم في هذا البيت خطأ، وهو قول العامة، وإنما هو جفينة، وله حديث.
وقوله أكثر من ينتحل السنة، في دجنة، والعامة في طرق الحيرة آمه، والقدرية، للطعن درية، وحجة الرافضة، عند الله داحضة، والحشوية، غوية شوية، وركبت المرجية، مطية غير منجية، ومشت الخوارج، بأقدام عوارج، ونزلت المعتزلة، من الفضل بمنزله، فهم ملائكة الأرض، وأعلم الناس بالسنة والفرض، فرسان الكلام، وذروة أهل الإسلام.
الدجنة: الظلماء في كتاب الخليل، قال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي في المجمل: ولو خففه الشاعر لجاز، كقول حميد الأرقط:
حتى انجلت دجا الدجون
والآمة: القاصدة، والأم: القصد، ومنه قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) .
ويقال: فلان غيي شوىٌّ اتباع له، وكذلك غويٌّ شويٌّ.
وقوله: وجارأ كثر الشيعة، عن منهج الشريعة، واتخذوا الغلو دينًا، والسب خدينا، كم ينتظر لهم إمام غائب، ولم يؤب من سفر المنون آيب، وطال انتظار السبائية لعلي، وأتت فيه السحابية بالكفر الجلي، وأخرجته إلى الربوبية من الإنسانية، كما فعلت في أئمتها الكيسانية، وطال انتظار جعفر ابن الباقر على الناووسية العمية، كما طال انتظار أبي مسلم على الجرميه، وانتظار الحاكم بأمر الله على الحاكمية، واستراحت القطعية في موسى بن جعفر الإمام انتظار الواقفة الممطورة، وأكاذيبها المسطورة، وطال انتظار ولد الحسن بن علي،
[ ٢٥١ ]
المعروف بالعسكري، على الإثنى عشرية، كما طال انتظار إسماعيل بن جعفر على فرقة من الجعفرية، وطال انتظار محمد بن إسماعيل على المباركية، كما طال انتظار فرق مكن الشيعة لمحمد بن عبد الله النفس الزكية، وطال انتظار محمد بن القاسم الطلقاني ويحيى بن عمر الكوفي على الجارودية، كما انتظر غيرهما من أئمة الزيدية، وطال انتظار الحسين بن القاسم الرسي على الحسسينية، كما طال انتظار المستورين على الباطنية.
المنهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهاج.
والخدين: الصاحب، وكذلك الخدن، والمخادنة: المصاحبة، والأخدان: الأصحاب.
والمنون: المنية، ومنه قوله تعالى: (نتربص به ريب المنون)، وسميت المنية منونًا، لأنها تنقص العدد، وتقطع المدد، وهي مأخوذة من المن، وهو النقص، ويقال: القطع، ومنه قوله تعالى: (لهم أجرٌ غير ممنون) أي غير منقوص، وقيل: غير مقطوع، ومنه قول لبيد:
لمعفر قهد تنازع شلوه غبسٌ كواسب لا يمن طعامها
وقول الراجز:
ومنه سوق المطايا منا
والآيب: الراجع من سفره، قال أبو ذؤيب الهذلي:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في القتلى كليبٌ لوائل
وقوله: وكل فرقة من هذه الفرق تدعي غائبها مهديًا، وتهدي اللعنة إلى مخالفها هديا، وتعلق الكل بروايات الأحاد، وما لبس به على المسلمين أهل الألحاد.
[ ٢٥٢ ]
المهدي الذي ينتظر كل فرقة من فرق الشيعة أنه على رأيها، وأنه يملأ الأرض عدلًا، وقد تقدم ذكر ذلك، ورواياتهم في المهدي كثيرة يطول شرحها.
والهدي: العروس.
وروايات الأحاد: التي هي غير مجمع عليها، وهي التي يرويها الواحد من الناس عن النبي ﵌، ولا يجمع معه أحد غيره من الصحابة، وأخبار الأحاد ضعيفة عند العلماء.
وأهل الألحاد: مثل عبد الكريم بن نويرة الذهلي الذي سير عن رسول الله ﵌ أربعة آلاف حديث كذبًا، وغيره من الملحدين، والحشوية وغيرهم.
قال السيد أبو طالب في كتاب الدعامة: إن كثيرًا من أسانيد الإثنى عشرية مبنية على أسام لا مسمى لها من الرجال، قال: وقد عرفت من رواتهم المكثرين من كان يستحل وضع الأسانيد للأخبار المنقطعة إذا وقعت إليه.
وحكى عن بعضهم: أنه كان يجمع روايات بزرجمهر، وينسبها إلى الأئمة بأسانيد يضعها؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: الحق الحكمة بأهلها؟!! ومدلسو الأخبار على المسلمين في كتبهم كثير الإمام الملحدين وغيرهم لا يحتمل ذكرهم هذا الكتاب لكثرتهم وكثرة رواياتهم عن رسول الله ﵌.
وقوله: ولو كشف الحجاب، لظهر العجاب، من تشبيهات الغرابية، وشهادات الخطابية، وشعوذة المغيرة، وإفك المنصورية، وشرك العميرية، ومين الهريرية، وضلال الكاملية، وتيه المفضلية، وجهل المقاتلية، وفسوق المعمرية، ومروق الحروية، وتصوير الجوالقية، وتجويز المجبرة الشقية.
[ ٢٥٣ ]
العجاب: أعظم من العجب، ومنه قوله تعالى: (إن هذا لشيء عجاب) .
وقوله: لقد جار في التجسيم عن الثكم، هشام بن الحكم، شبه صانع البرية، بالدرة المضية، ومثله بالخشام، هبلت أم هشام، له حد وأبعاض، وحيزٌ وأعراض، تحيط به الجهات الست، والخلف والإمام واليمين والشمال والفوق والتحت.
وفر من التشبيه ضرار، فلم ينجه الفرار، زعم أن ربه يدرك في المعاد بحاسة سادسة، بروية منه وفكرة حادسة، يا ضرار بن عمرو، لقد جئت من العجب بأمر، أي حاسة تعقل غير الخمس، من بصر وسمع وشم وذوق ولمس؟ وغير ضرار يجيز رؤية البصر، لما ولد في الكتاب والخبر، وعنده أن الجسم أعراض بالخلقة مؤلفة، وهي على هذا التأليف مضادة مختلفة، وعنده إثبات فعل واحد على الحقيقة من فاعلين، كجور من جائرين، وعدل من عادلين، وهو أول مبتدع لهذه المقالة، فهل له عند الله من عذر وإقالة؟ وإن صح ما روي عن المقاتلية، لقد عبدت صنمًا كأصنام الجاهلية، زعمت أن معبودها كالآدمي من لحم ودم، يبطش بيد ويمشي على قدم.
أو صح قول البطيحة في التلذذ بعذاب النار، لقد سلك واردها سبيلًا من الرشد على منار.
يعني: هشام بن الحكم القطعي، وكان يقول: إن ربه كالدرة المضية تتلألأ من كل جوانبها.
وحكى عن أبي الهذيل أنه سأل هشام بن الحكم بمنى - بحضرة جماعة من المتكلمين، منهم عبد الله بن يزيد - فقال هذا الجبل - يومي إلى جبل هنالك - أعظم أم ربك.؟ فقال هشام: هذا الجبل!!
[ ٢٥٤ ]
والثكم: الطريق الواضح.
والخشام: الجبل الطويل الذي له أنف.
والهبل: الثكل، يقال: هبلته أمه تهبله هبلًا، كما تقول: ثكلته تثكله.
وقوله: وفر من التشبيه ضرار، فلم ينجه الفرار، يعني: ضرار بن عمرو الذي تنسب إليه الضرارية.
وكان ضرار يقول: بفعل من فاعلين على الحقيقة، وإن الله تعالى خالق لأفعال عباده، وهم فاعلون لها على الحقيقة دون المجاز، وهو أول من ابتدع هذا القول وأحدثه.
وكان يقول: إن الله تعالى يدرك في المعاد بحاسة سادسة، وإن الجسم أعراض مجتمعة هي له أبعاض، وإن الأعراض يجوز أن تقلب أجسامًا، وإن الاستطاعة بعض المستطيع.
وقوله: أو صح قول جهم بن صفوان في أفعال العباد، فلا ذنب للحاضر ولا الباد، إذ الفاعل عنده كشجرة حركت بالريح، صرح بالجبر أي تصريخ، أو صح قوله في فناء النار والجنة، إنهما لجاني الكبائر أحصن جنة.
أوصح قول المرجية في إخلاف الوعيد، فما أشبه الشقي بالسعيد، والعفو من الكريم المنان غير بعيد.
يعني: جهم بن صفوان الترمذي، وكان جهم خرج مع الحارث بن سريح ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقتل بمرو، قتله سلم بن أحور في آخر ملك بني أمية على شط نهر بلخ، وهو الذي تنسب إليه الجهمية.
[ ٢٥٥ ]
وكان جهم يقول: إن الجنة والنار يفنيان، وإن الإيمان هو المعرفة دون الإقرار، ودون سائر الطاعات، وإنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا الله تعالى، وإن الخلق فيما ينسب إليهم من الأفعال كالشجرة تحركها الريح، إلا أن الله تعالى خلق في الإنسان قوة بها كان الفعل، وخلق فيه إرادة الفعل واختياره، كما خلق فيه سرورًا بذلك وشهوة له.
وقوله: أوصح قول المجبرة والخوارج في عذاب لأطفال، لقد حملت أحمال البوازل على الآفال.
الآفال: بنات المخاض فما فوقها.
واختلف الناس في عذاب الأطفال المشركين.
فقال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيلان، ومحمد بن الحنفية، وبشير الرجال، والحسن بن أبي الحسن البصري، وقتادة، وعبد الواحد بن زيد، وجميع المعتزلة، والميمونية، والنجدات من الخوارج: أطفال المشركين في الجنة ولا يقع العذاب إلا على البالغين، واحتجوا بقول الله تعالى: (كل امرئ منهم بما كسب رهين) وبقوله: (لا تزر وازرةٌ وزر أخرى) وبقوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) .
قالوا: وليس للأطفال كسب يرتهنون به.
وقالت المجبرة كلها، والحشوية، وسائر الخوارج: أطفال المشركين في النار، لأنهم بعض من أبعاضهم، واحتجوا بأن الله تعالى خسف الأرض بقوم لوط، وأغرق قوم نوح وفيهم الأطفال، قالوا: فلما خسف بهم وأغرقهم مع آبائهم، قلنا: إنه يعذبهم مع آبائهم في النار، وكل فعل الله عدل، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
[ ٢٥٦ ]
وقال عبد الله بن يزيد، وابن التمار من الزيدية، وحسين النجار والمريسي من المرجية: أطفال المشركين خدم أهل الجنة.
وقالت الروافض جميعًا - إلا هشام بن الحكم -: يجوز أن يعذبهم، ويجوز أن يعفو عنهم.
وقوله: أو صح ما قالت العوفية، إذا كفر الإمام كفرت بكفره الرعية، لقد أخذ المسلم بذنب الكافر، وضربت ذات الخف بجرم ذات الحافر.
وقوله: كمداوة ذي العر، بكى آخر سالم من الضر.
أو صح ما روى عن الميمونة من الهنات، من نكاح بنات البنين وبنات البنات.
العر: داء يقع في الإبل، وكانت الجاهلية، إذا وقع العر في إبلهم أخذوا بعيرًا سليمًا منها لأداء به فطقعوا مشفره وكووه، وزعموا أن ذلك يرفع الداء من سائر الإبل، قال النابغة الذبياني:
وحملتني ذنب امرئ وتركته كذي العر يكوي غيره وهو راتع
وقوله: لقد أحيوا سنة المجوس، وتزويج حاجب لدختنوس.
أو صح قول اليزيدية في آخر الزمن، من ظهور نبي مؤتمن، يأتي من السماء بكتاب، يزيل ريب كل مرتاب، لقد سعد من نسيه الحمام، حتى يدركه نبيٌ أو إمام.
كان زرارة بن عدس التميمي مجوسيًا، وكذلك ابنه حاجب بن زرارة، كان على دين المجوس، وتزوج ابنته دختنوس، وهو القائل عند وفاته:
[ ٢٥٧ ]
يا ليت شعري دخنتوس إذا أتاها الخبر المرموس
أتسحب الذيلين أم تميس لا بل تميس إنها عروس
وقيل: إن دختنوس ابنة أخيه لقيط بن زرارة، وإن لقيطًا قائل الأبيات.
وقوله: أو صح ما روي عن مالك، في العبد المملوك وسيده المالك، لقد جاء بإحدى الكبر، وأتى في الدين بصماء العبر.
أو صح ما روي عن الشافعي في القمار بالشطرنج، فليت شعري ما عنده في لعب الزنج، وضربها على الطبل والصنج.
أو صح ما روي عن أبي حنيفة من تحليل مسكر الشراب، لقد نقل بيت الخمار إلى المحراب!!.
أو صح ما روي عن الجوالقية في تزويج المتعة بالأجور، لقد حملوا المحصنات على الفجور.
أو صح قول الأباضية إنه يجوز أن يبعث نبيٌ بلا دليل، لقد أجازوا النبوة لكل ضليل؛ أو صح قولهم في تصديق ما ورد من الأخبار، عن المؤمن والكافر بغير اختيار، لقد خلطوا الصدق بالمين، وصدقوا الأذن على العين.
أو صح ما روي عن الخطابية من استحلال شهادات الزور، وأن الشاهد بها منهم على المخالف غير موزور، وأن مخالفيهم ضلال، وأموالهم ونساءهم لهم حلال، لقد أتوا في الدين بشنعاء نآد، وأوهنوا منه عضدًا قوية الآد.
[ ٢٥٨ ]
أو صح ما روي عن المعمرية من استحلال الزنا والفسوق، لقد أقاموا للفساد في الأرض شر سوق.
أو صح ما روي عن المعمرية المفضلية من ربوبية جعفر، لقد باءوا بذنب غير مكفر، وأنهم رسله إلى الخليقة، لقد جاءوا في الدين بالفليقة، من ربهم بعد جعفر هلك ذلك الرب؟ وأصبح به ذو السنام وهو أجب.
أو صح ما روي عن أبي منصور إنه الكسف الساقط من السماء، وإنه عرج إلى العرش بكلمة يمشي بها على الماء، وأن معبوده مسح رأسه بيده للإيناس وقال: أي نبي اذهب فبلغ عني كافة الناس، وأن النار والجنة، والبدعة والسنة، أسماء رجال، ما لها غير التسمية من مجال، يجب لبعضهم عداوة ولبعضهم إجلال، فالفروض ساقطة والمحارم حلال، وأن النبوة لا تنقطع بمحمد، ولا بد في كل وقت من نبي مصمد، وأن أول ما خلق الله موسى ثم علي، لقد خاب وخسر العجلي، ورجع دون العروج بالعرج، ولم ينج عند الله من حرج.
أو صح ما روي عن ولده الحسين من استحلال الخنق، وغيلة المخالف بوقص العنق، وأخذ ما معه من مال، لقد حمل من ظلم البرية أثقل الأحمال، وأنه ولي الأخماس؛ من ما غنم أصحابه من الخنق بالتماس، لقد تزود شر زاد للمعاد، وخرج إلى الله بحرم باغ عاد.
أو صح ما روي عن المغيرة بن سعيد، لبئس ما حفظ عنه أكرم قعيد، أن معبوده رجل من نور على رأسه من النور تاج، ينبع قلبه بالحكمة يهتاج، وأن أعضاءه بعدد حروف أبجد، لقد عضه ربه وما مجد، وأشار بالعورة إلى الصاد، إن ربك للظالم بالمرصاد، هلك المغيرة، وأحصيت الكبيرة والصغيرة.
[ ٢٥٩ ]
أو صح قول البيان بن سمعان، إن معبوده في صورة الإنسان، وإنه يهلك ويبقى وجهه، كما يهلك بزعمه نظيره وشبهه، وأنه يدعو النجوم فتجيب، إن شن التميمي لعجيب، لقد بان كفر البيان، وأعلن بالكفر أي إعلان.
أو صح ما روي عن المختارية، ونقل عن الضرارية، أن الدنيا غير فانية، لقد فاز كل جان للذنوب وجانية.
أو صح ما روي عن الطيارة الغالية أن ربهم يحتجب بأبدان الأئمة، وأن عبادتهم واجبة على كل أمة، لقد كثرت الأرباب، واتسع للداخل هذا الباب.
أو صح قول أصحاب الرجعة، في قدوم من انتجع من المنون أبعد نجعة، وظهور الأموات قبل القيامة مع ابن الحنفية، ورد جميع الأديان على الحنفية، لقد ضعف ناصر الرمم، وبعد استظارها على الأمم.
أو صح قول الغرابية في أبي تراب، إنه بالنبي أشبه من الغراب بالغراب، وإن جبريل غلط في تبلغي الرسالة إلى غير علي، لقد نسبوا الغلط - جل عن ذلك - إلى الواحد العلي.
أو صح قول الراوندية إن الأمامة من التراث، وإنها لأقرب العصبة من الوراث، فإنها بعد النبي للعباس، بغير فك عندهم ولا التباس، وإن بني البنات لا يرثون شيئًا مع العم، ولا إمامة في النساء فيدلون بأرث الأم، لقد اشترك فيها البر والفاجر، ووقع الاختلاف والتشاجر، وحكم بها لكل ظالم فظ، على قدر الوارثة والحظ.
أو صح قول أصحاب النص بأمامة من في المهد، وخذ البيعة له والعهد، لقد
[ ٢٦٠ ]
طابقوا الأكاسرة في تقديم غير الكامل، ووضع التيجان على بطون الحوامل، والائتمام بالجنين، قبل حدوث النجو والذنين.
أو صح قول الجارودية إنها منصوصة بالإشارة والوصف، بأخبار عندهم كخير النعل والخصف، لقد وصفوا الخالق بالرمز، والتلبيس بالإشارة والغمز؛ أو صح قولهم في حصرها على الذرية، دون غيرهم من البرية، وأنها لهم كالقلادة، بما لهم من الولادة.
الكبر: الكبائر: ومنه قوله تعالى: (إنها لإحدى الكبر) .
وصماء العبر: اسم من أسماء الداهية. قال الحرماني يمدح المنذر بن الجارود:
أنت لها منذر من بين البشر داهية الدهر وصماء العبر
يريد: يا منذر
يعني: مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن حمير ثم من الأصابح، وهو الذي تنسب إليه المالكية بالمغرب، ويروى عن المالكية أنهم يستحلون اللواط بالمماليك، وأن الشافعية يجيزون القمار بالشطرنج، وأن الحنفية يجيزون شرب الخمر، وأن الروافض يجيزون المتعة.
قال المعري يذكر هذه المذاهب:
الشافعي من الأئمة واحد ولديهم الشطرنج غير حرام
وأبو حنيفة قال وهو مصدق فيما يفسره من الأحكام
شرب المنصف والمثلث جائزٌ فاشرب على أمن من الآثام
وأجاز مالك الفقاح تطرفًا وهم دعائم قبة الإسلام
[ ٢٦١ ]
وأرى الروافض قد أجازوا متعة بالقول لا بالعقد والإبرام
فافسق ولط واشرب وقامر واحتجج في كل مسألة بقول إمام
وذو النآد: اسم من أسماء الداهية، قال الكميت:
وإياكم وداهية نآدي أظلتكم بعارضها المخيل
والوهن: الضعف، ومنه قوله تعالى: (فما وهنوا لما أصابهم) وقوله تعالى: (إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) .
والآد: القوة: قال الشاعر:
باد ما تنهض في أدها
والأيد أيضًا: القوة، ومنه قوله تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) .
وبآء: يقال: باء الرجل بإئمة أي احتمله، ومنه قوله تعالى: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) ويقال: باء أيضًا: أي رجع، ومنه قوله تعالى: (وباءوا بغضبٍ من الله) أي رجعوا.
ويقال: باء القتيل بالقتيل: إذا كان كفئًا له، ويقال باء بالحق: إذا قربه، قال لبيد:
أنكرت باطلها وبؤت بحقها عندي ولم يفخر على كرامها
والفليقة: الداهية.
والرب معرفًا: اسم الله تعالى، ورب كل شيء: مالكه.
[ ٢٦٢ ]
والأجب: مقطوع السنام، قال النابغة:
ونمسك بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام
وأول الأبيات:
ألم أقسم عليك لتخبرني أمحمول على النعش الهمام
فإني لا ألومك في دخولٍ ولكن ما وراءك يا عصام
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والبلد الحرام
ونمسك بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام
وعصام: حاجب النعمان بن المنذر، وهو منم تيم اللات بن ثعلبة، وهو الذي قال فيه النابغة:
نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإقداما
وصيرته ملكًا هماما حتى علا وجاوز الأقواما
والمصمد: المقصود كثيرًا، قال طرفة:
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني إلى ذروة المجد الكريم المصمد
والصمد: السيد المقصود كثيرًا، ومنه قوله تعالى: (الله الصمد)، قال سيرة بن عمرو الأسدي:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعودو بالسيد الصمد
[ ٢٦٣ ]
واعلم أن الناس اختلفوا في النبوة: هل هي مخصوصة أم مكتسبة.
فقال أصحاب التناسخ - منهم أبو خالد الهمداني، وأبو خالد الأعمى المشعبذ الواسطي، ومن قال بقولهم -: إن النبوة مكتسبة بالطاعة، واحتجاجهم في ذلك أنهم قالوا: لو كانت النبوة من طريق المثوبة على اكتساب الطاعة لكانت جبرًا وضرورة، ولو كانت جبرًا لكانت الأنبياء غير ممتنعة منها، ولو كان من الأنبياء ثواب على فعل الله فيهم، فصح أنها مكتسبة بالطاعة.
وقال حسين النجار - ومن قال بقوله، والمريسي من المرجية، وهشام بن الحكم ومن قال بقولهم -: إن النبوة خصوصية من الله ﷿، وتفضل على من تفضل عليه قسرًا وجبرًا، وإن الله يثبت النبوة على الأنبياء تفضلًا، كما تفضل بها عليهم، ويثبتهم على الطاعة دون النبوة جزاء، وعلى الله جزاء المحسنين.
وقال واصل بن عطاء، ومن قال بقوله: النبوة أمانة قلدها الله تعالى من كان في علمه الوفاء بها، والقبول لها، والثبات عليها، من غير جبر، لقوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) أي لم يجعلها الله تعالى لا فيمن علم منه الوفاء بها والقبول لها، وثواب الأنبياء على قبولهم وتأديتهم الرسالة، لا على فعل الله تعالى فيهم وتعريضهم.
وقال بهذا أو الهذيل، وبشرين المعتمر، والنظام، وسائر العدلية.
والعرج: الصمود، مصدر عرج يعرج بفتح العين من الماضي وضمها من المستقبل، ومنه قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) .
[ ٢٦٤ ]
والعرج: مصدر يعرج: إذا صار أعرج بكسر العين من الماضي وفتحها من المستقبل.
والحرج: الإثم، ومنه قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرجٌ ولا على الأعرج حرجٌ ولا على المريض حرجٌ) وقص العنق: دقه. والوقص: العيدان تلقى على النار قال حميد:
لا تصطلي النار إلا مجمرًا أرجًا قد كسرت من يلنجوج له وقصا
والقعيد: المقاعد، وهو الجليس المجالس، ومنه قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد) والقعيد أيضًا: الذي يحموك من وارئك، والقعيد: الجراد الذي لم يستو جناحه بعد، والعرب تقول: قعيدك لا آتيك، وهي يمين لهم، قال متمم بن نويرة اليربوعي:
قعيدك ألا تسمعين ملامةً ولا تنكثي قرح الفؤاد فييجعا
وقعيدة الرجل: زوجته، قال الحطيئة:
أطوف ما أطوف ثم آوي الى بيتٍ قعيدته لكاع
والقعيدة: الغرارة، والقعيدة من الرمل: التي ليست بمستطيلة
[ ٢٦٥ ]
والعضه: الشتم، والعضيهة: الشتيمة.
والتمجد لله تعالى والتعظيم.
والمرصاد: الطريق الواضح، وكذلك المرصد، مثل منهج ومنهاج.
والنجعة: الاسم من الانتجاع في طلب الكلأ.
والفظ: سيئ الخلق، ومنه قوله تعالى: (ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك) . والفظ أيضًا: ماء الكرش وقيل: إن اشتقاق الرجل الفظ من هذا.
والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، سمي بذلك لاجتنانه.
والنجو في هذا الموضع: ما يخرج من البطن. والنجو في غير هذا الموضع: السحاب، وجمعه نجاه، قال المسحال الهذيل، واسمه مالك بن عويمر، أحد بني لحيان بن هذيل:
كالسحل البيض جلا لونها سح نجاء الحمل الأسول
والنجو أيضًا: السر، والنجوة: المكان المرتفع الذي لا يبلغه الماء، قال عبيد:
فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكن كمن يمشي بقرواح
والنجوى مقصورًا: السر ومنه قوله تعالى: (وأسروا النجوى)، والنجوى: مثل المطوي، والمطوي: المتمطي ممدود التمطي، قال شبيب بن البرصاء:
[ ٢٦٦ ]
وهم تأخذ النجواء منه يعل بصالب أو بالملال
والذنين: ما يسيل من الأنف.
وكانت الأكاسرة إذا مات الملك منهم وليس له ولد، وببعض نسائه حمل تركوا تاجه على بطن امرأته الحامل إلى أن تضع ولدها، ثم ملكوه عليهم، ولما هلك هرمز بن نرسا بن نهران الملك الفارسي، ولا ولد له، شق ذلك عليهم، فسألوا عن نسائه، فذكر لهم أن ببعضهن حملًا، فأرسلوا إليها: أيتها المرأة التي قد قاست الحمل، قد تعرف علامات الذكران وعلامات الأناث، فأعلمينا بالذي يقع عليه ظنك في بطنك، فأرسلت إليهم: إني أرى من نظارة لوني وتحرك الجنين في الشق الأيمن مع خفة الحمل ويسره ما أرجو أن يكون الجنين ذكرًا! فاستبشروا بذلك وعقدوا التاج على بطن تلك المرأة، حتى وضعت غلامًا سموه سابور، وهم سابور ذو الأكتاف، وهو أعظم ملوكهم. وأقامت الوزراء يتولون تدبير الأمر والمملكة في حال صغره على انتشار عظيم، وضاع من ملكهم حتى طمع فيهم من يليهم من أعدائهم، وأوعثت العرب من عبد القيس وغيرهم في كثير من بلاد فارس، وأكثروا فيها الفساد.
فبينما سابور نائم ذات ليلة، وقد أثغر وأيفع إذا أنبهه ضجة الناس وأصواتهم
[ ٢٦٧ ]
فسأل الخدمة عن ذلك، فأعلموه أن تلك الأصوات مما على الجسر من الناس، وما يصيح به المقبل منهم، والمدبر يتنحى له عن الطريق، فقال وما دعاءهم إلى احتمال هذه المشقة وهم يقدرون على إزالتها بأيسر المؤونة؟ ألا يجعلون لهم جسرين، فيكون أحدهما للمقبلين والآخر للراجعين، ولا يزحم الناس بعضهم بعضًا؟ فسر من حضر بمقالته ولطف فطنته على صغر سنه.
فلما أتت له ست عشرة سنة أمرهم أن يختاروا ألف رجل من أهل النجدة والبأس ففعلوا، فأعطاهم الأرزاق، ثم سار لهم إلى نواحي العرب الذين كانوا يعيثون في أرضهم، فقتل من قدر عليه منهم ونزع أكتافم، فسمي ذو الأكتاف لذلك، وهو باني الإيواء الأعظم بالمدائن.
ولقد شرك فيها ولد قرين، وولد الديباج ابن ذي النورين، كما إن عيسى من ذرية الخليل، لوجود الشاهد والدليل.
أو صح قولهم إنها شورى منهم بين الأفضل، لقد أيدوا حجة المناضل، ورجعوا إلى العموم بعد الخص، وإلى الشورى بعد النص، واستحسنوا ما استقبحوا من قبل، وانقطع بهم عن التمسك ذلك الحبل.
[ ٢٦٨ ]
قرين: لقب عثمان بن عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام.
وأم قرين: سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وكانت سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عند مصعب بن الزبير بن العوام، فولدت له جارية، ثم قتل مصعب؛ فخلف عليها عبد الله بن حكيم بن حزام، فولدت له قرينًا، وله عقب؛ ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان أخو عمر بن عبد العزيز، فمات بمصر قبل أن يدخل بها، ثم تزوجها زيد بن عمر بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها، ففعل.
وقال ابن الكلبي: أول أزواج سكينة: الأصبغ بن عبد العزيز، ومات عنها بمصر قبل أن يدخل بها؛ ثم خلف عليها مصعب بن الزبير، وولدت له جارية، ثم خلف عليها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكم بن حزام، فولدت له عثمان الذي يقال له: قرين، وله عقب، ثم خلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف جد إبراهيم بن سعد الفقيه.
قال العقيفي، يحيى بن الحسين الحسيني، في كتاب أنساب مضر: قتل الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵉، وعليه بضعة وسبعون ألف دينار، فباع على ابنه ضياعًا لأبيه تسقيها عين جدية إلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، فقضي عن أبيه دينه، فورثها آل حكيم بن حزام.
وأما الديباج: فهو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وسمي الديباج: لجماله، وكان له قدر ونبل، وكان يقال فيه: سمي النبي ﵌، ومن ذريته، وزرع الخليفة المظلوم.
[ ٢٦٩ ]
وذي النورين: عثمان بن عفان.
وأخذ أبو المنصور الديباج وأخواله الفاطميين، فضرب عنقه صبرًا، وله عقب وكانت بنت الحسين بن علي عند ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فمات عنها، ثم خلف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو الذي يقال له: المطرف، سمي بذلك: لجماله، قال فيه مدرك بن حصن:
كأني إذا دخلت على ابن عمرو دخلت على مخبآت كعاب
فولدت لعبد الله المطرف: محمد الديباج.
فقال العقيقي، يحيى بن الحسين الحسيني: كان الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين بن علي؛ فقال الحسين: يا ابن أخي قد انتظرت هذه منك، اختر: إما فاطمة، وإما سكينة؛ فاختار الحسن فاطمة، فزوجه، فولدت فاطمة للحسن ابن الحسن: عبد الله بن الحسن وحسنًا وإبراهيم وزينب وأم كلثوم، فكانت زينب بنت الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة، وكانت أم كلثوم عند محمد بن علي بن الحسين بن علي، فتوفيت عنده وليس لها ولد.
قال العقيقي: فلما حضرت الحسن بن الحسن الوفاة، قال لفاطمة بنت الحسين: إنك امرأة مرغوب فيك، فكأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان إذا خرج بجنازتي، وقد جاء على فرس مرجلًا جمته لابسًا حلية يسير في جانب الناس يتعرض لك، فأنكحي من شئت سواه، فإني لا داع ولا رائي من الدنيا هما غيرك. قالت له فاطمة: أنت آمن من ذلك وغلظته الإيمان من العتق والصدقة، لأنكحته.
[ ٢٧٠ ]
ومات الحسن بن الحسن، وخرج بجنازته، فوافى عبد الله بن عمرو بن عثمان، في الحال التي وصف، وكان يقال لعبد الله بن عثمان: المطرف، من حسنه؛ فنظر إلى فاطمة حاسرة تضرب وجهها، فأرسل إليها: إن لنا في وجهك حاجة فارفقي!! به فاسترخت يداها، وعرف ذلك فيها وحمرة وجهها؛ فلما رحلت أرسل إليها يخطبها؛ فقالت: كيف بيميني التي حلفت بها؟ فأرسل إليها: لك مكان كل يمين من مملوك مملوكان، ومكان كل شيء شيئان؛ فوضعها من يمينها، فنكحته، فولدت له محمد الديباج بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وله عقب، والقاسم بن عبد الله، ولا عقب للقاسم، ورقية بنت عبد الله.
قال العقيقي: وكان عبد الله بن الحسن بن الحسن يكنى أبا محمد، وكان خيرًا، ورئي يومًا يمسح على خفيه، فقيل له: تمسح على خفيك؟ فقال: قد مسح عمر ابن الخطاب، ومن جعل عمر بن الخطاب بينه وبين الله تعالى فقد استوثق.
وكان مع أبي العباس السفاح، وكان له مكرمًا وبه أنيسًا، فأخرج يومًا سفط جوهر، فقاسمه إياه، وأراه بناء قد بناه، وقال له: كيف ترى هذا؟ فقال عبد الله متمثلًا:
ألم تر حوشبًا أمسى يبني قصورًا نفعها لبني نفيله
يؤمل أن يعمر عمر نوح وأمر الله يحدث كل ليله
فقال له أبو العباس: تتمثل بهذين البيتين، وقد رأيت صنيعي بك؟ فقال عبد الله: والله ما أردت بها سوءا، ولكنها أبيات خطرت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحتمل ما كان مني. قال: قد فعلت، ورده إلى المدينة.
[ ٢٧١ ]