لا تختلف حركة الروي إذا كان الوصل واوًا، وإذا اختلف حركة الروي، فهو الإكفاء، وهو من السناد، ولا يجوز، وقد تقدم تفسيره وأما الهاء فلا تختلف إذا كانت ساكنة، وإذا تحركت واختلفت حركتها فهو الإكفاء.
ومن عيوب الشعر: الإيطاء وهو إعادة القافية والمعنى واحد، وهو مثل قوله:
أبى القلب إلا أن تزيد بلابله وتهتاج من ذكر الحبيب بلابله
قال الفراء: هو إذا تقارب، وإذا تباعد لم يكن به بأس.
ومن عيوب الشعر: التضمين، وهو ألا يتم البيت إلا بما بعده، ويكون معناه في البيت الذي بعده، وقد استعمله الفصحاء، قال بشر بن أبي خازم:
[ ١٠٣ ]
وسعدًا فسائلهم والرباب وسائل هوازن عنا إذا ما
لقيناهم كيف نعليهم بواتر يفلقن بيضًا وهاما
وهو كثير في أشعارهم. وبعضه أهون من بعض.
قوله: يتمثل كل ساعة في صورة، ولا يقف على طريقة محصورة، يلبس كل حين إهاب حرف، ويبدو في هيئة وظرف؛ ما ضره لو كان كالوصل والخروج، ولم يتنقل في المنازل والبروج، وأناس ليسوا على الحقيقة بناس، ولا الفكر بذاكر لهم ولا بناس؛ أهل نيرب ودد، خفضهم عن السؤدد، خفض ما بعد المائة من العدد، فهم في النسبة أنفار، وفي التجربة أصفار، ربيعهم جماد، وعِدُّهم ثِمَاد؛ ونَقْدهم عِدَّة ضِمَار، وجَوادهم وسكيتُهم مِضْمار، عندهم مَربع العالم، دارس المعالم.
الإهاب: الجلد ما لم يدبغ، وهو استعارة في هذا الموضع، لأن كل حرف من حروف المعجم يقع بين ألف التأسيس والروي فهو دخيل. وقد تقدم ذكره، وكذلك الوصل والخروج، قد تقدم ذكرهما.
والنيرب: النميمة، قال الراعي:
وفي الأقربين ذو أذاة ونيرب
والدد: اللهو، قال رسول الله ﷺ: (لست من ددٍ ولا ددٌ مني)، وكذلك الددن أيضًا: اللهو. قال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلل بددن إن همي في سماع وأذن
[ ١٠٤ ]
والسؤدد: العلو والشرف.
من العدد: فلا يكون ما بعد المائة إلا مخفوضًا بالإضافة، نحو مائة رجل ومائة امرأة، ومائتا رجل، وثلاثمائة رجل، وما شاكله، فإن نونت وأدخلت النون نصب على التفسير، قال الربيع بن ضبع الفزاري:
إذا عاش الفتى مائتين عامًا فقد ذهب اللذاذة والفتاء
والنسبة في الحساب الهندي: العدد، كقولك. واحد، اثنان، ثلاثة، وما شاكل ذلك.
والتجربة: الاختبار، قال النابغة يصف السيوف:
تخيرن من أزمان يوم حليمةٍ إلى اليوم قد جربن كل التجارب
والأصفار: جمع صفر، وهو علامة لخلو تلك المنزلة التي هو فيها من العدد، وهو مأخوذ من صفرت يداه، إذا افتقر، وصفر البيت، إذا خلا، وقد تقدم ذكر ذلك.
والجماد: الأرض التي لم تمطر.
والعد من الماء: ما كانت له مادة فلا تنقطع أبدًا.
والثماد: جمع ثمد وهو الماء القليل الذي لا مادة له فهو ينقطع، قال النابغة:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شرا وارد الثمد
والضمار: الوعد الكاذب، قال الراعي:
[ ١٠٥ ]
وأنضاء أنخن إلى سعيد طروقًا ثم عجلن ابتكارا
حمدن مزاره فأصبن منه عطاء لم يكن عدة ضمارا
والسكيت، بتخفيف الكاف وتشديدها: آخر خليل الحلبة وهو العاشر منها، وهي خيل تضمر للسباق، يقال للسابق من الخيل: المجلي، وللثاني: المصلي، وللثالث: المسلي. وللرابع: التالي، وللخامس: المرتاح، وللسادس: العاطف، وللسابع: الحظي، وللثامن: المؤمل، وللتاسع: اللطيم، وللعاشر: السكيت، وهو آخر الخليل سبقًا.
والمضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل للسباق، وهو أن يقصر بعد السمن على الحب وعلى الشيء اليسير من العلف.
والمربع: المنزل في الربيع خاصة.
والربع: المنزل في الربيع وغيره. وجعل منزل العالم مربعًا لما فيه من الفوائد، تشبيهًا بالمنزل في الربيع لما فيه من الخصب.
والمعالم: جمع معلم وهو الأثر، يعني: أن منزل العالم مهجور، وكذلك هو باليمن خاصة. وكان يقال لكل عالم من الناس: عالم بني فلان، وعالم أرض بني فلان، إلا وهب بن منبه، فكان يسمى: عالم الناس، وهو من أبناء فارس باليمن، فذكر وهب يومًا في مجلس الحسن البصري، فقال الحسن: وأي رجل! لكنه وقع بين حاكه. وقيل جاءه العلم بالعراق، وجاءه المال بمصر، وجاءه السلطان باليمن.
ومن أمثال الناس السائرة: قيل للعلم: أين تريد؟ قال العراق، قال العقل: وأنا معك. وقيل للمال: أين تريد؟ قال: مصر، قال البخل: وأنا معك. وقيل
[ ١٠٦ ]
للحب: أين تريد؟ قال اليمن، قال الكرم: وأنا معك؛ وكذلك أهل اليمن بهذه الصفة، إلا أن العي غالب لهم.
ولما ظفر الحجاج بعبد الرحمن بن الأشعث، أتى بأيوب بن يزيد البليغ الفصيح، الذي يقال له ابن القرية ابن النمر بن قاسط، وكان ابن القرية، مع ابن الأشعث، فكان له وللحجاج حديث، فسأله الحجاج عن البلدان والأمصار وأهلها فوصفهم له بصفاتهم، حتى انتهى إلى اليمن، فقال له الحجاج: أخبرني عن اليمن؛ قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، هم الدهماء عددًا، والبكم أبدًا.
قوله: ومربع الأدِيب، مستوبل جديب.
المرتع: موضع الرُّتوع، وهو المرعى. قال قيس بن زهير العبسي:
تعلم أن خير الناس ميتٌ على جفر الهباءة لا يريم
ولولا بغيه ما زلت أبكي عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل على قومي وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني فمعوج علي ومستقيم
والمستوبل: غير الموافق يقال: استوبل الرجل البلاد، إذا لم توافقه في جسمه.
[ ١٠٧ ]
فهما في الاجتراح فعل أمر، وفي الإطراح واو عمرو، أتى بها للفرق بينه وبين عمر، إذا اتسق بالكلام واستمر، واستغنى عنها بدخول الألف، التي جعلت عوضًا في المنصرف ظروف وغى، لا يظفر منهم بألمعي، يصفون رعا البذج والعدان، وكل ورع منهم هدان، بشدة فارس زبيد، وعبادة عمرو بن عبيد.
فهما: يعني: العالم والأديب أنهما موقوفان عن الاكتساب وقوف فعل الأمر، مطرحان عندهم اطرح واو عمرو.
والاجتراح: الاكتساب، ومنه قوله تعالى: (ما جرحتم بالنهار) وقوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) ومنه سميت كلاب الصيد: جوارح. قال تعالى: (وما علمتم من الجوارح) ومنه جوارح الإنسان، وهي أعضاؤه التي يكتسب بها، قال الحطيئة:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت جارحهم في قعر مظلمة فاغفر، عليك سلام الله يا عمر
يقال لهذا الفعل: موقوف، ولا يقال له: مجزوم، لأنه لم يدخل عليه عامل فيجزمه، فلما خلى من المضارعة خلا من الإعراب، وأصل البناء للأفعال والحروف إلا ما ضارع الأسماء من الأفعال، فأعرب لمضارعته إياها.
وأما واو عمرو: فإنما زادها الكتاب فرقًا بين مشتبهين، بين عمرو وعمر، في حال الرفع والخفض، فإذا صاروا إلى النصب حذفوا الواو، لأن الاشتباه قد زال بانصراف عمرو وزيادة الألف منه التي جعلت عوضًا من التنوين.
[ ١٠٨ ]
والظروف: جمع ظرف وهو الوعاء، وظروف الإنسان: جسمه، قال المغيرة بن حساء التميمي يهجو أخاه صخرا:
أبوك أبي وأنت أخي ولكن تفاضلت الطبائع والظروف
وأمك حين تنسب أم صدق ولكن ابنها طبع سخيف
والغي: الجهل يقال منه: رجل غيي، على فعيل وغي على فعل، وغيابا، ويقال أيضًا: فحل غيابا: إذا لم يهتد للضراب.
والألمعي: الذكي الفطن الذي يعرف الأمور قبل كونها، قال أوس بن حجر:
الألمعي الذي يظن الظن م كأن قد رأى، وقد سمعا
نصب الألمعي بفعل متقدم. وكذلك اليلمعي.
والبذج: الصغير من أولاد الضأن، قال أبو محرز المحاربي:
قد هلكت جارتنا من الهمج وإن تجع تأكل عتودًا أو بذج
والهمج ههنا، قيل: سوء التدبير في المعاش، وقيل الهمج: الجوع.
والعتود: الصغير من أولاد المعز، وهو ما رعى وقوى، وهو مثل البذج، وجمعه: عدان، والأصل: عتدان، مثل: قعود وقعدان، فأدغمت التاء في الدال لقرب المخرجين، لأنهما من الحروف النطعية وهي ثلاثة: الطاء والتاء والدال، ومخرجها من النطع، وهو ما ظهر من غار الفم الأعلى.
والورع: الجبان الهيوب، قال الراعي:
فبت أنجو بها نفسًا تكلفني مالًا يهم به الجثامة الورع
قال ابن السكيت: هو الصغير الضعيف.
[ ١٠٩ ]
والهذان: الأحمق الخامل، وجمعه هذون، قال الراعي يصف الجواري:
يمشين مشي الهجان الأدم أقبلها خل الطريق هدان غير مهتاج
فارس زبيد: عمرو بن معدي يكرب الزبيدي، وكان أشد الناس وأشجعهم، من مضى منهم ومن غبر، وكان يقال لكل فارس من العرب: فارس بني فلان، إلا عمرو بن معد يكرب، فيقال له: فارس العرب جميعًا، وله أيام في الجاهلية مشهورة، وبقي إلى زمن عمر بن الخطاب. وشهد معه الفتوح، وشهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص، فأجمعت العرب والعجم على شدته. وله أشعار يتعتب فيها على سعد، منها قوله:
ألم خيالٌ من أميمة موهنًا وقد جعلت أولى النجوم ثغور
ونحن بصحراء العُذيب ودارها حجازية أن المحل شطير
أكر بباب القادسية معلمًا وسعد بن وقاص على أمير
وسعد أمير شره دون خيره كثير الشذى كابي الزناد قصير
تذكر هداك الله وقع سيوفنا بباب قديسٍ والمكر عسير
عشيةً ود القوم لو أن بعضهم يعار جناحي طائرٍ فيطيرُ
وقال أيضًا:
إذا قتلنا ولم يبك لنا أحد قالت قريش ألا تلك المقادير
[ ١١٠ ]
ونحن بالصف إذ تدمى حواجبنا نعطي السوية مما يخلص السكير
نعطي السوية من طعن له بعد ولا سوية إذ تعطى الدنانير
وقال أيضًا:
وكانت قريش تحمل البر تارة تجارًا فأضحت تحمل السم منقعًا
واختلف الرواة في موت عمرو، فمنهم من قال: أنه استشهد في بعض فتوح عمر، وقال محمد بن الحسن بن دريد في كتاب الاشتقاق: أنه مات على فراشه من حية لسعته.
وأما عمرو بن عبيد بن ناب، فأصله من كابل من ثغور بلخ، وهو مولى لآل عرادة من يربوع بن مالك، وكان أبوه عبيد من أصحاب شرط بالبصرة، وكان الناس إذا رأوا عمرًا مع أبيه قالوا: خير الناس ابن شر الناس، فيقول عبيد: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا أزر.
ومن جبله أصحاب الحسن بن أبي الحسن البصري، وكان الحسن إذا ذكر، قال: خير فتيان هل البصرة.
قال أبو القاسم البلخي: لعمرو فضائل كثيرة لا يجمعها إلا كتاب مفرد، حج أربعين سنة ماشيًا وبعيره يقاد يركبه الفقير والضعيف والمنقطع به، وكان يحي الليل كله في ركعة، فعل ذلك غير مرة في المسجد الحرام.
وقال أبو جعفر المنصور، لما صلى على قبر عمرو بن عبيد بمران: ما بقي على الأرض أحد يستحي منه.
[ ١١١ ]
ورثاه المنصور فقال:
صلى عليك الله من متوسد قبرًا مررت به على مران
قبرًا تضمن مؤمنًا متحنفًا صدق الآله ودان بالقرآن
فلو أن هذا الدهر أبقى واحدًا أبقى لنا حقًا أبا عثمان
وكان عمرو يكنى: أبا عثمان.
وقال بعضهم: إن المنصور أنشد الأبيات وهي لغيره. وذكر العتبي أنها للمنصور.
وقال المنصور: القيت الحب للناس فلقطوا إلا عمرو بن عبيد، ومعاذ بن معاذ، ثم إن معاذًا أثنى جناحيه فلقط.
وكان سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت عيني مثل عمرو بن عبيد، وقد رأى التابعين فمن دونهم.
وقال بعضهم: رأيت عمرًا بمكة، فرأيته كأن حديث عهد بمصيبة، ثم رأيته بمنى، فرايته كأنه أحضر للقود، ثم رأيته بعرفة فرأيت رجلًا كان النار لم تخلق إلا له.
قوله: وفهم حكيم فرهود، وبركة كليم المهود.
يعني بحكيم فرهود: الخليل بن أحمد العروضي النحوي وفرهود حي من الأزد بعمان، ويقال لهم الفراهيد أيضًا، منهم الخليل بن أحمد هذا، وهم من ولد فرهود بن شبان بن مالك بن فهم أخي جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله ابن مالك بن نضر بن الأزد ويقال الأسد.
وكان الخليل ذكيًا فطنًا لطيفًا عالمًا، وهو أول من استخرج علم العروض
[ ١١٢ ]
وابتدعه، وفتق عيون النحو وشرح علله؛ وهو صاحب كتاب العين، الذي هو أصل لكتب اللغة ومنه تفرعت، وكان الخليل شاعرًا فصيحًا، فقيل له: لم لا تقول الشعر؟ فقال: لأني آبي رديه ويأباني جيده.
قال ابن قتيبة: أنشدني ابن هاني، قال: أنشدنا سعد بن مسعدة الأخفش للخليل بن أحمد:
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
قال وأنشدنا له أيضًا:
كفاك لم تخلقا للندى ولم يك لؤمهما بدعه
فكفٌ عن الخير مقبوضة كما خط عن مائه تسعه
وأخرى ثلاثة آلافها وتسعمئنيها لها شرعه
وقال أيضًا:
الله صور كفه مما يراه فأبدعه
من تسعة في تسعة وثلاثة في أربعه
وكان الخليل ورعًا دينًا مع علمه، ودرس في علم النحو فبلغ منه مبلغًا ثم رفضه، والخليل أيضًا القائل:
[ ١١٣ ]
أبلغ سليمان أني منه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخا بنفسي أني لا أرى أحدًا يموت هولًا ولا يبقى على حال
فالرزق عن قدرٍ لا الضعف ينقصه ولا يزيدك فيه خول مختال
ُوالفقر في النفس لا في المال تعرفه ومثل ذاك الغنا في النفس لا المال
وأما كليم المهود: فهو عيسى ﵇، وأمه هي مريم بنت عمران ابن ماثان بن يعاقيم من ولد داود ﵇ من سبط يهودا ابن يعقوب. وكان زكريا أيضًا من ولد داود. وكان هو وعمران في زمن واحد. وكانت تحت زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم، وكان يحيى وعيسى ﵉ ابنى خالة، وكان زكريا نجارًا، وأشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة. وقتلوا زكريا في جوف شجرة قطعوها وقطعوه معها.
قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: ويذكر في الأنجيل أن يوسف بن داود النجار خطب مريم وتزوجها، فلما صارت عنده وجدها حبلى قبل أن يباشرها، وكان رجلًا صالحًا، فكره أن يفشي عليها، وعزم على أن يسرحها خفة، فتراءى له ملك في النوم فقال: يا يوسف بن داود:؛ إن امرأتك مريم ستلد غلامًا يسمى عيسى، وهو ينجي أمته من خطاياهم.
ونشأ عيسى في حجر يوسف بن داود، وذهب به وبأمه إلى أرض الخليل، فسكن بها قرية تسمى: نصران، من أرض الشام، وقيل: ناصره، فلذلك قيل: نصارى.
[ ١١٤ ]
وقد قص الله تعالى في كتابه من خبره وخبر أمه وكلامه في المهد، وإحيائه الموتى أبين القصص.
قوله: (وسخاء أبي عدي، ووقارسيد أهل الوبر في الندى) .
الندى والنادي: المجلس، ومنه قوله تعالى: (وتأتون في ناديكم المنكر) .
وأبو عدي: حاتم بن عبد الله بن سعيد الحشرج الطائي، الجواد، أكرم الناس جميعًا، وأسخاهم، لماضيهم وغابرهم، وكرمه مشهور، يمثل به العالم والجاهل، يزداد جدة على مر الليالي والأيام.
وأتى رسول الله ﷺ بساياطي، وفيهم جارية ظاهرة الجمال. قال علي بن أبي طالب ﵁: فقلت: لأستوهبنها من رسول الله ﷺ. فقالت: يا رسول الله: إني بنت من يشبع الجائع، ويكسو العاري، ويفك العاتي، ويؤثر الجار على نفسه، وما رد طالب حاجة قط، إني بنت حاتم طي. فقال رسول الله ﵌: (إن الله يحب مكارم الأخلاق، ولو كان أبو ك مسلمًا لترحمنا عليه)، وخلى سبيلها.
وابنه عدي بن حاتم، كان يكنى أبا طريف، وكان طوالًا، إذا ركب الفرس كادت رجلاه تخطان الأرض.
وقدم على عمر بن الخطاب، فكأنه رأى منه جفاء، فقال: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ فقال: بلى والله أعرفك، أكرمك الله بأحسن المعرفة: أسلمت إذ كفروا، وعرفت إذ نكروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، فقال: حسبي يا أمير المؤمنين، حسبي.
وشهد مع علي ﵁ يوم الجمل، ففقئت عينه في ذلك اليوم، وقتل ابنه
[ ١١٥ ]
محمد، وقتل ابنه الآخر في قتال الخوارج.
وشهد عدي مع علي ﵇ صفين، ومات في زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وأوصي ألا يصلي عليه المختار.
ولا عقب لعدي بن حاتم من الذكور، وإنما عقب حاتم بن عبد الله الطائي من ولد عبد الله بن حاتم، وهم ينزلون بنهر كربلا.
ودخل رجل على المأمون، فكلمه بكلام أعجبه، فقال: ممن الرجل؟ فقال: من طي. فقال: من أي طي؟ فقال: من ولد عدي بن حاتم. فقال المأمون: ألصلبه؟ قال الرجل: نعم. فقال المأمون: هيهات أضللت؟! إن أبا طريف لم يعقب.
وأما سيد الوبر: فهو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر التميمي، وفد على رسول الله ﷺ في وفد تميم بعد الفتح فأسلم، وكان شريفًا، وسماه ﵌: سيد أهل الوبر، وهو الذي رثاه عبدة بن الطيب فقال:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من غادرته غرض الردي إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
وكان لقيس من الولد ثلاثة وثلاثون ابنًا، وكان قيس موقورًا حليمًا.
وكان الأحنف بن قيس، واسمه: صخر بن قيس، وقيل: الضحاك بن قيس التميمي أحلم العرب جميعًا.
وقيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من عمي قيس بن عاصم، والله لقد كان ذات يوم يحدثنا بحديث، إذا أقبل جماعة معهم قتيل يحملونه وأسير موثق يقودونه،
[ ١١٦ ]
فقالوا لقيس: هذا ابنك قتله ابن أخيك، فوالله ما حل حبوته ولا قطع حديثه حتى فرغ منه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يا بني، والله ما ضررت إلا نفسك، ولا قطعت إلا يدك، ولا قصصت إلا جناحك، ولا أهنت إلا عضدك. ثم قال لبنيه: حلوا الرباط عن أخيكم، واذهبوا جميعًا فواروا أخاكم، وادفعوا إلى أمه مائة من إبلي، فإنها امرأة فينا غريبة.
قوله: وبيان شيخ إياد، وقصيد الضليل وزياد.
يعني بشيخ إياد: قس بن ساعدة الأيادي، وهو حكيم العرب وفصيحها، وأول: من قال: أما بعد، وكان على دين المسيح، قبل مبعث النبي ﷺ يخطب الناس بعكاظ على جمل أحمر وله حديث.
والضليل: كثير الضلال، كما يقال: رجل شريب: كثير الشراب.
وعني بالضليل: امرؤ القيس بن حجر الملك الكندي، وسئل علي رضي عنه: من اشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل. وذكر امرؤ القيس عند النبي ﵌، فقال: ذلك سيد الشعراء وحامل لوائهم يوم القيامة بيده يقودهم حتى يدهدى في النار.
وحكى هذا الخبر الأعشى، فقال: ليت هذا القول قيل لي، وأنا المدهدي في النار.
قال أبو عبيدة: مر لبيد بن ربيعة، بمجلس لنهد بالكوفة، وكان يتوكأ على عصا، فلما جاوزه أمروا فتى منهم أن يلحقه فيسأله: من أشعر الناس؟ ففعل. فقال له لبيد: الملك الضليل، يعني: امرء القيس، فرجع، فقالوا: ألا سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: صاحب المحجن، يعني نفسه.
[ ١١٧ ]
وأما زياد: فهو زياد بن عمرو، وهو النابغة الذبياني، وهو من فحول الشعراء. قوله: ووفاء رب الأبلق الفرد، في الترك المتروك عنده والسرد.
الترك: جمع تركة: وهي البيضة، وبيضة الحديد. قال لبيد يصف درعًا:
فخمة ذفراء ترني بالعرى قرد مانيًا وتركا كالبصل
وفخمة: أي ضخمة. وذفراء: منتنة الريح. وترني: أي تشدد. والقردماني: حصن كان له بتيماء.
والسموءل بن عاديا وفي العرب، يضرب بوفائه المثل، وكان من خبره: أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما سار إلى ملك الروم قيصر مستنصرًا على بني أسد، حين قتلوا أباه، مر في طريقه بالسموءل بن عادياء، من السلاح والمتاع، فوجه إلى السموءل رجلًا من أهل بيته، يقال له: الحارث بن مالك في جيش عظيم. فلما دنوا من الحصن، حصن السموءل، أغلق باب الحصن وامتنع فيه. فقال له الحارث: أعطني سلاح امرئ القيس. فقال: لا سبيل إلى ذلك. وكان للسموءل ابن خارج الحصن يتصيد، فظفر به الحارث، فقال للسموءل: إختر: إما تسليم سلاح امرئ القيس، وإما قتل ابنك؟ فقال: لا أسلم وديعتي أبدًا، فاصنع ما أنت صانع. فقتل ابنه، فضربت العرب المثل بوفاء السموءل، فقال
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به في جحفل كسواد الليل جرار
[ ١١٨ ]
بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير غدار
إذا سامه خطتي خسف فقال له قل ما تشاء فأني سامع حار
فقال: ثكل وغدر، أنت بينهما فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له اقتل أسيرك إني مانع جاري
وقال آخر:
فاعتبر بابن عاديًا أخي الحصن بتيماء من سراة اليهود
إذ أتاه الهمام فابتاع منه خفرة الجار بابنه المودود
فابتنى بالوفاء مكرمة الدهر ولم يرض باللقا الزهيد
قوله: ويجعلون الخاظئ من الهزلي، والشاكي من العزلي، ويحسبون أن السراب ما تروى به الظما، أين السراب، من السراب، من الشراب، والآل، من ضحضاح اللآل؟ كم غر خايله جهام، وسر خامله كهام، أذهل من سوائم الأنعام، إلا في كفاية العام، من الشراب والطعام، ومذاهب ضاقت فيها المذاهب، وتضاهى اللص والراهب، أطل منها الفهم، على وهم، وظفر القلب، بخلب، يسندون إلى الأحبار الأخبار، ويولون عن ألبابهم الأدبار، ويفندون العقول، بخبر منقول، وهنت منه القوى، وهن الأقوى، وضعف الأسناد، ضعيف السناد، بين طب، داع إلى عطب، يفيد جليسه، تدليسه، ويمنح إخوانه، زوانه، قد فتن بمين راقه، ضمنه أوراقه، يتعلق برواية، من الغواية، وعلة، من التعلة، وخلاف، عن الأسلاف، ويحتج بحائف، من الصحائف، وفاتر، من الدفاتر، يتلومنها سطورًا،
[ ١١٩ ]
أصبح عمودها عن الرشد ماطورًا فهي حبالة المنمس، وصحيفة المتلمس.
الخاظئ: السمين، قال امرؤ القيس:
لها متنتان خطاتا كما أكب على ساعديه النمر
أراد خظاتان، فحذف النون استخفافا، ويقال: أراد خظتا، فرد الألف التي كانت سقطت لاجتماع الساكنين في الواحد لما تحركت التاء. وقال آخر:
خاظي البضع لحمه خظا بظا
والهزلى: جمع مهزول. قال المرار:
ترى فصلانه في الورد هزلي وتسمن في المقالي والحبال
والشاكي: ذو الشوكة وهو الحد في سلاحه. ومنه قوله تعالى: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) . وهو قلب الشائك.
والعزلي: جمع أعزل وهو الذي لاسلاح معه.
والسراب: الذي يكون نصف النهار لاطئًا بالأرض، ومنه قوله تعالى: (كسراب بقيعة) .
والآل: الذي يرفع الشخوص بالغداة في هذا الموضع. والآل: آل الرجل، وهم أشياعه، وأتباعه وأهل ملته. ومنه قوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) .
ومنه قول القائل في الصلاة وغيرها: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. قال عبد المطلب ابن هاشم:
[ ١٢٠ ]
نحن آل الله في بلدته لم يزل ذاك على عهد ابرهم
يريد: إبراهيم الخليل ﵇. ويقال: آل الأمير: رعيته إذا ساسها، ومنه قول عمر: قد ألنا وأيل علينا. وآل الرجل أيضًا: أهله، وهو من الأول.
والضحضاح: الماء القريب القعر.
وخايله: أي راجيه.
والجهام: السحاب الذي لا ماء فيه. والكهام: السيف الذي لا يقطع، والرجل الكهام: الذي لا جداء عنده، هو من الأول.
والذهول: الغفلة والنسيان. ومنه قوله تعالى: (يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت) .
والسوائم: جمع سائمة، وهي التي ترعى، ومنه قوله تعالى: (فيه تسيمون) والمذاهب: الأولى: جمع مذهب، وهو الدين، والمذاهب الأخرى: جمع مذهب: وهو السيرة والقصد.
والمضاهاة، والمقاناة، والمشابهة: بمعنى واحد، ومنه قول الله تعالى: (يضاهون قول الذين كفروا) .
واللص: الخارب، والخارب: الذي يسرق البعران خاصة.
والراهب: واحد الرهبان، وهم العباد.
وأطل: أي أشرف.
والقلب: الرجل المنقلب في الأمور من عمله بها، يقال: رجل حول قلب، أي متقلب متحول من الحيلة. يقال: تحول وتحيل، وبالواو أفصح.
والخلب: البرق الكاذب.
[ ١٢١ ]
والأسناد: النص والرواية.
والأحبار: جمع حبر، وهو العالم - بكسر الحاء - مشتق من الحبر وهو المداد، لأنه يحفظ العلم، كما يحفظه المداد، وقد تفتح الحاء، والكسر أفصح، لأنه يجمع على أحبار.
والتفنيد: التكذيب ومنه قوله تعالى: (لولا أن تفندون) والقوى: جمع قوة.
والوهن: الضعف، منه قوله تعالى (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) والأقواء والسناد: من عيوب الشعر، وقد تقدم ذكر ذلك.
والطب: العالم. والعطب: الهلاك.
والتدليس: خلط الباطل بالحق. ومنه تدليس البائع السلعة على المشتري، إذا كتم عيبها.
والزوان: الاخلاط الغثة في الطعام من الحنذره وغيرها.
والمين: الكذب.
ويقال: راقه الشيء: إذا أعجبه، يروقه، فهو له رائق.
والتعلة: ما يتعلل به، مثل التحلة: ما يتحلل به. ومنه قوله تعالى (تحلة أيمانكم) .
والأسلاف: الآباء والكبراء.
والحائف: المائل.
والفاتر: الضعيف، ومنه فتور العين.
والمأطور: المعطوف. يقال: أطر العود يأطره أطرًا: إذ عطفه، وفي
[ ١٢٢ ]
الحديث: (يأطروه على الحق أطرًا)، أي يعطفوه، وتأطر الرمح: تثنيه وانعطافه. قال الشاعر:
ونتم أناس تشمصون عن القنا إذا صاد في أكنافكم وتأطرا
الشمص: الطرد، قال الشاعر:
وحث بعيرهم حاد شموص
والمنمس: الذي يتخذ الناموس، والناموس: قترة الصائد.
والمتلمس: لقب جرير بن عبد المسيح بن عبد الله الشاعر منم بني دوقن من ضبيعة بن ربيعة من نزار، ويسمى: المتلمس، لقوله:
قهذا أوان العرض جن ذبابه زنابيره والأزرق المتلمس
وكان المتلمس ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، الشاعر، من قيس بن ثعلبة بن عكابة، من بكر بن وائل، فهجوا عمرًا، فمن هجائهما قول طرفة:
إن شرار الملوك قد علموا طرًا وأدناهم من الدنس
عمرو وقابوس وابن أمهما من يأتهم للخنا بمحتبس
يأتي الذي لا تخاف سبته عمرو وقابوس قينتا عرس
يصبح عمرو على الأمور وقد خضخض ما للرجال كالفرس
[ ١٢٣ ]
فلما علم عمرو بهجائهما إياه: كتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين يأمره أن يقتلهما أقبح قتله، وقال لهما: قد كتبت بحائزتكما إليه، فانصرفا، حتى إذا صارا في النجف، قال المتلمس لطرفة: يا طرفة أنت حدث غر، وكلنا قد هجا الملك ولا آمن مكره بنا في كتابيه، فهل لك أن تقرأ كتابيه؟ فقال طرفة: همة الملك أرفع من هذا، ولو هم بذلك لكان على بابه أعظم لهيبته.
وغدا المتلمس إلى غلام من أهل الحيرة ليقرئه الصحيفة. ومضى طرفة ولم يلو عليه. فلما قص الغلام الصحيفة إذا فيها: أما بعد، فإذا أتاك الملتمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًا. فقال الغلام: ثكلت المتلمس أمه، وهو لا يعرفه. فأخذ المتلمس الصحيفة وخرج لأن يحدث طرفة ويرده فلم يلحقه. فألقى المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وقال:
وألقيتها بالثني من جنب كافر كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيت لها لما رأيت مدادها يجول به التيار في كل جدول
والثني: ما انثنى من الوادي والنهر، والكافر هاهنا: النهر العظيم، واقنو: أجزى، والقط: الصحيفة والصك، والبيت الأول مجزوم.
وهرب المتلمس نحو الشام، وأتى طرفة إلى عامل البحرين، فقتله، فقال المتلمس:
من مبلغ الشعراء عن أخويهم خبرًا فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهما ونجا حذار حياته المتلمس
[ ١٢٤ ]
ألقى صحيفته ونجت كوره عنس مداخلة الفقارة عرمس
فضربت العرب المثل بصحيفة المتلمس.
وقد ذكرها الفرزدق في شعره إلى مروان بن الحكم، وذلك أن الفرزدق مدح سعيد بن العاص بشعر يقول فيه:
ترى الغر الجحاجح من قريش إذا ما الأمر بالحدثان عالًا
قيامًا ينظرون إلى سعيد كأنهم يرون به الهلالا
فقال مروان: ألا جعلتهم جلوسًا؟ فقال: لا والله إلا قيامًا، وأنت من بينهم صافن، فحقد ذلك عليه مروان، وكتب له كتابًا مختومًا إلى بعض عماله يأمره فيه يجلد الفرزدق، فأبى الفرزدق أن يغدو إلى العامل، فكتب إليه مروان:
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
أي: الحق بنجد، يقال: جلس: إذا أتى نجدًا، فرد عليه الفرزدق:
يا مرو إن عطيتي محبوسة ترجو الحباء وربها لم ييأس
[ ١٢٥ ]
وأمرت لي بصحيفة مختومة يخشى علي بها حباء النقرس
ألق الصحيفة يا فرزدق إنها نكراء مثل صحيفة المتلمس
قوله وأب، أفرى وما رأب، يلقن وليده، تقليده، يلهم ابنه، افنه، فحفظ الآخر عن الأول، ما ليس عليه بمعول، وبعض على بعض زار، وهو مثقل من الأوزار، يرى ضده جاهلًا غبيًا، ولو كان صديقًا أو نبيًا، ويجعل مخالفه مخطيًا، وعن اللحاق بالسوابق مبطيًا، ويعد سكيته سابقًا مجليًا، لا لاحقًا مصليًا، ومجلى غيره فشكلًا، وجليه الواضح مشكلا، كل يداوي سقيمًا من مقالته، فمن لنا بصحيح ما به سقم؟ غلبت على الفطن الأهواء، فكل جؤجؤ هواء، واستحسنت الأسواء، فالحسن وضده سواء، كل يؤسس على هار، ويصل الليل بلا نهار، قد صك بالعمى، صكة عمى، وشغف بالغي، شغف غيلان بمي، بذ الداء كل أس، وأعجز رد العضد من الآس، صمي لقد أغرب هاتف الحمام، وأتى لوي الكمد بإمام، أغتى من طرب، أم هتف لغير أرب، لعله فقد غلفًا، فرضع من مر الفراق خلفًا، فهو عروة الحمائم، ومرقشهن الهائم، أو فجع بهديل، موف على البديل، هلك بزعمهم في عصر نوح، وكل حمامة تؤبنه وتنوح، تأبين متمم لمالك، ومراثيه لأخيه الهالك، وعلم ربك ما في الصدور، وحم على الرضا والسخط كل مقدور.
أفرى، يقال: أفرى الرجل الشيء: إذا أفسده، وفراه: إذا أصلحه.
والرأب: الإصلاح، يقال: رأب الشيء يرأبه: إذا أصلحه.
والأفن: قلة العقل، والأفن: إحصاء ما في الضرع من اللبن، قال المخبل التميمي، ثم أحد بني قريع، واسمه الربيع بن ربيعة:
[ ١٢٦ ]
إذا أفنت أروى عيالك أفنها وإن حينت أربى على الوطب حينها
والغبي: ذو الغباوة، وهي قلة الفطنة، يقال: غبي عن الأمر يغبو غباوة، وقال أبو عبيد: غبيت الشيء أغباه، وغبي علي مثله.
والصديق: كثير التصديق، مثل الشريب: كثير الشراب، وما شاكله، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق: لكثرة تصديقه للنبي ﵌، ومن ذلك قوله تعالى: والصديقين والشهداء والصالحين) .
وأما النبي: ففيه وجهان، إذا همزته فهو من الأنباء، وهو الأخبار عن الله ﷿، وإذا شددته ولم تهمزه، فهو من النبوة، والنباوة: وهو الارتفاع، والنبي: الطريق، النبى: المكان المرتفع، قال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي:
على السيد الصعب لو أنه يقوم على ذروة الصاقب
لأصبح رتمًا دقاق الحصى مكان النبي من الكاثب
الكاثب هنا: اسم جبل فيه رمل، وحوله رواب يقال لها النبي، الواحد: ناب، مثل غار وغرى، يقول: لو قام فضالة على الصاقب، وهو جبل، يذلله لسهل له حتى يصير كالرمل الذي في الكاثب، ونصب مكان على الظرف، ويقوم: بمعنى يقام. والرتم: الكسر والدق.
والسكيت والمجلي والمصلي: من خيل الحلبة، وقد تقدم ذكر ذلك، والفشكل: هو السكيت.
[ ١٢٧ ]
والجؤجؤ: الصدر، والهواء: الذي لا عقل له؛ قال زهير:
كأن الرحل منها فوق صعل من الظلمان جؤجؤه هواء
والتأسيس: البناء. والهار: المنهدم، وهو الهائر أيضًا، يقال هار البناء يهور، وتهور، وانهار: إذا انهدم، ومنه قوله تعالى: (فانهار به في نار جهنم) .
وصكة عمي: نصف النهار، يقال إن رجلًا من العرب يقال له عمي أغار على قوم نصف النهار فأخذهم، فسمي ذلك الوقت صكة عمي. والشغف: أشد الحب، ومنه قوله تعالى (قد شغفها حبًا) أي بلغ الحب شغفها، والشغاف: غلاف القلب.
وأما غيلان: فهو غيلان بن عقبة، وهو ذو الرمة الشاعر. ومي: المرأة التي يشبب بها، وهي من ولد طلبة بن قيس بن عاصم المنقري.
[ ١٢٨ ]
وبذ الداء: أي غلب الداء. والآسي: المداوي، يقال: أسا يأسو، فهو آس، أي داوى، فهو مداو.
والعضد: الشجر المقطوع، قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
فالطعن شغشغة والضرب هيقعة ضرب المعول تحت الديمة العضدا
الشغشغة: حكاية صوت الطعن. والهيقعة: حكاية صوت الضرب بالسيف. والمعول: الذي يبني عالة، وهي شجرة يقطعه الراعي فيستظل به. وقال: تحت الديمة: لأنه أسمع لصوته إذا ابتل. والمعول: الذي يتخذ العالة. والعالة: شبه الظلة يستظل بها عن المطر.
والآس: الرماد في هذا الموضع. والآس أيضا: الهدس.
ويقال للداهية: صمي صماء، مثل جذام وقطام، مبنى على الكسر، أي: زيدي.
ويقال: أغرب الرجل، إذا أتى بالغريب، وكذلك غيره. والكمد: الحزن. والطرب: خفة تصيب الإنسان من شدة الفرح أو شدة الغمر. والأرب: الحاجة في هذا الموضع، وكذلك الأربة والمأربة، بفتح الراء وضمها. والأرب أيضًا: العلم والعقل، قال أبو العيال الهذلي في عبد بن زهرة:
يلف طوائف الفرسا ن وهو بلفهم أرب
والإلف: الصاحب، وكذلك الأليف. قال الشاعر:
وكل أليف فاقد لأليفه ومعترف بالبين حتى البهائم
[ ١٢٩ ]
والخلف والطبي: الضرع، وجمعه أخلاف وأطباء.
وعروة ومرقش: رجلان من الشعراء. والهائم: المشتاق في هذا الموضع. والهائم: العطشان، والهيام: العطش، والهيم: الإبل التي أخذها الهيام، وهو داء.
والهديل: الذكر من الحمام، ويسمى أيضًا: ساق حر. قال حميد بن ثور الهلالي:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامه دعت ساق حر ترحه وترنما
وحم: أي قدر. وأحم: أي دنا. قال:
حييا ذلك الغزال الأحما إن يكن الفراق أجما
والعرب تزعم أن هديلًا كان في عصر نوح صاده خارج من جوارح الطير، فكل حمامة تبكي عليه من ذلك الوقت إلى آخر الدنيا.
والموفى: الزائد في هذا الموضع، والموفى: المشرف. والبديل: البدل. والتأبين: مدح الميت. والتقريظ (بالظاء والضاد المعجمتين): مدح الحي.
وأما متمم: فهو متمم بن نويرة اليربوعي الشاعر، وله مرات كثيرة في أخيه مالك بن نويرة، منها قوله:
وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
[ ١٣٠ ]
قلما تفرقنا كأني ومالكًا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ومنها قوله:
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى دعوني فهذا كله قبر مالك
الأسى الأول: جمع أسوة وهي التعزية، ومنه قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
والأسى الثاني: الحزن، وهو مصدر أسى يأسى: إذا حزن، ومنه قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) .
وكان مالك بن نويرة ممن قتل في الردة، قتله خالد بن الوليد، وتزوج امرأته، وقتل من قومه مقتلة عظيمة، وبهذا السبب سخط عمر بن الخطاب على خالد بن الوليد.
ودخل متمم بن نويرة على أبي بكر، وهو يصلي بالناس، وكان متمم رجلًا ذميمًا أعور، فاتكأ على سية قوسه ثم قال يرثي أخاه مالكًا:
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت خلف الستور قتلت يا ابن الأزور
فقال أبو بكر: زد، فبكى متمم وانحط على سية قوسه حتى دمعت عينه العوراء، ثم قال:
لا يمسك العوراء تحت ثيابه حلو شمائله عفيف المئزر
ولنعم حشو الدرع كنت وخاسرًا ولنعم مأوى الطارق المتنور
[ ١٣١ ]
فقام إليه عمر بن الخطاب، وقال: لوددت أني رثيت أخي بما رثيت به أخاك.
فقال له متمم: رفه عنك أبا حفص، فلو صار أخي حيث صار أخوك ما رثيته.
فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي يمثل تعزيتك.
وكان زيد بن الخطاب استشهد يوم مسيلمة.
قوله: إلا أنه سلم من كفر واسلام، وتحصن عن الملام بأحصن لام، وتحلى بأطواق، لم تبع في الأسواق، واستشار جذلًا بمذل، ناء عن العذل، وترنم بأوزان، مسلية عن الأحزان، لا يضفر من العروض إلى ميزان، وصدح بقريض، عزب عن الغريض، ورجع بألحان حسان، كررها بإحسان، وعري من خطل الإنسان.
اللام: جمع لأمة، وهي الدرع الحصينة، مهموز، ويجوز تخفيفه والجذل: الفرح.
والمذل: اذاعة السر. والعذل: وهو اللوم. والترنم: الصوت.
والأوزان: جمع وزن، وهو استواء حروف أبيات الشعر بغير زيادة ولا نقصان.
والقريض: الشعر، يقال منه: قرض يقرض: إذا قال الشعر، وقرضه يقرضه: إذا حاذاه، ومنه قوله تعالى: (وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال)، قال ذو الرمة:
إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف شمالًا وعن أيمانهن الفوارس
المشرف والفوارس: موضعان، يقول: نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين، مشرف: اسم رمل.
ويقال: صدح الطائر: إذا صوت.
وعزب: أي غاب، ومنه قوله تعالى: (لا يعزب عنه مثقال ذرة) .
[ ١٣٢ ]
والغريض ومعبد: رجلان كانا يحسنان الغناء.
والترجيع: ترديد الصوت في الحلق.
والألحان: جمع لحن، وهو الصوت في هذا الموضع.
والألحان: المعاني، واحدهن: لحن، ومنه قوله تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) أي في معناه، واللحن بالتحريك: الفطنة، ومنه قوله ﷺ: (لعل أحدكم ألحن بحجته من بعض): أي أفطن، قال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري:
وحديث ألذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق رائع ويلحن أحيا نًا وخير الحديث ما كان لحنا
يريد: إنها تتكلم بشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها، كما قال الله ﷿: (ولتعرفنهم في لحن القول)، أي فحواه ومعناه.
واللحن: الخطأ في الكلام، وهو إزلة الإعراب عن معناه.
والخطل: المنطق الفاسد، والفحش، ومنه سمى الأخطل الشاعر.
قوله: ما فعلت قدما العرب في عبادة الأوثان، وليس مع الله في الإلهية شريك ثان، وما سنت جهالهم في الجاهلية، على قبر الميت من صبر البلية، وارتباط الفرس أو المطية، وعد ترك ذلك من الخطية، كيلا يصبح ذلك الميت بين الركبان ماشيًا، إذا هب إلى الجمع يوم يبعث الناس عاشيًا.
الأوثان: جمع وثن، وهي حجارة كانت تعبد من دون الله، وكانوا يتقربون
[ ١٣٣ ]
بعبادتها إلى الله ﷿، وقد ذكر الله ذلك في كتابه ﷿، حيث يقول: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) .
وأول من دعا العرب إلى عبادة الأوثان، وغير دين إسماعيل: خزاعة، واسمه عمرو بن لحلي، واسم لحي ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أول من بحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وقد ذكر الله ذلك في كتابه بقوله: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) .
وكان لبني حنيفه في الجاهلية صنم من حيس فعبدوه دهرًا طويلات، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فعيرتهم العرب بذلكن قال الشاعر:
أكلت حنيفة ربها زمن التقحم والمجاعه
لم يحذروا من ربهم سوء العواقب والتباعه
أحنيف هلا إذ جهلت م صنعت ما صنعت خزاعه
نصبوه من حجر أصم م وكلفوا العرب اتباعه
وقال رجل من بني تميم:
أكلت ربها حنيفة من جوع قديمًا بها ومن أعواز
واطلع رجل من العرب يومًا على صنم لهم فرأى عليه ثعلبًا يبول، فقال:
أربٌّ يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
وصبر البلية: حبسها، ومنه قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) .
[ ١٣٤ ]
والمصبورة - التي نهى عنها في الحديث - هي المحبوسة على الموت، ومنه قولهم: قتل صبرًا، إذا حبس على القتل حتى يقتل.
والبلية: الفرس أو الناقة تحبس عند قبر صاحبها ولا تعلف ولا تسقى حتى تموت، وهي من سنن الجاهلية على موتاهم، ليركبها صاحبها يوم البعث، وكانوا يرون ذلك دينًا. قال جريبة ابن أشيم الفقعسبي يوصي ابنه:
يا سعد إما أهلكن فأنني أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب
لا تتركن أباك يعثر خلفهم تعبًا يخر على اليدين وينكب
ولقل لي مما جعلت مطية في الهام أركبها إذا ما ركبوا
ويقال: هب النائم، إذا استيقظ من نومه هبًا؛ وهبت الريح هبوبًا، وهب التيس: إذا هاج وصاح، هبيبًا، وهبت الناقة في سيرها: إذا تساقطت فيه وتهافتت هبابًا، قال لبيد:
فلها هباب في الزمام كأنها صهباء راح مع الجنوب جمامها
ويقال: عشوت إليه: أي استدللت إليه ببصر ضعيف، قال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
ويقال أيضًا: عشوت إليه: أي قصدته، وعشوت عنه: أي صددت عنه، ومنه قوله تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن) .
[ ١٣٥ ]
وكان لقوم من العرب أيضًا في الجاهلية أديان غير عباده الأوثان.
فكانت اليهودية في حمير، وبني كنانة، وبلحرث بن كعب، وكندة.
وكانت النصرانية في ربيعة وغسان، وبعض قضاعة.
وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة بن عدس التميمي، وابنه حاجب بن زرارة، وكان تزوج بنته، ومنهم الأقرع بن حابس، وكان مجوسيًا، والأسود جد وكيع بن حسان، كان مجوسيًا.
وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة.