أما بعد حمد الله الذي استوجب الحمد بكرمه وجوده، وأوجب المزيد لمن شكره من عبيده؛ فإن الأدب لما صار بضاعة، في أهل هذا الوقت مضاعة؛ قد رميت بالكساد، لما شمل أهل الدهر من الفساد؛ وصار العلم عارًا على حامليه، والفضل شينًا لأهليه؛ ولم يبق من أهل المروءات من يومأ إليه، ولا من أهل النخوات من يعتمد عليه؛ وأصبح ملوك العصر بين تاجر ينسب إلى الرياسة، وخمار يملك أمر السياسة؛ ولكل واحد منهما ندامى وأتباع، قد جمعت بينهم الطباع؛ وشرف الله السلطان الفاضل عن جلساء هذه الأجناس الدنية، بالأفعال الحميدة والهمة السنيه؛ فأصبح غرة لبهيم زمانه، وذروة يعتصم بها الخائف لأمانه؛ وأضحى نسيج وحده، وسقط ما قدح الدهر من زنده؛ رجوت أن يكون عنده لبضاعة الأدب سوق، ولأغصان دوحته بسوق؛ فبعثت إليه بهذه الرساله، محذوفة عن الأسباب والإطالة؛ وسميتها رسالة الحور العين، وتنبيه السامعين.
[ ١ ]
وكنيت بالحور العين عن كتب العلم الشرائف، دون حسان النساء العفائف؛ وجعلتها لرياضة الناشئ الصغير، وزيادة العالم النحرير؛ ولم أر وجهًا لإنفاذها بغير تفسير، فرنتها من ذلك بشيء يسير؛ على اشتغال من القلب؛ وتقسيم من اللب؛ بأسباب في الرسالة مذكورة، وأخرى مطوية مستورة؛ تنسى الفطن الذكي اسمه، وتلبس ثوب النحول جسمه. وإني في هذا المقام، لمتمثل بقول أبي تمام:
وليس امرؤٌ في الناس كنت سلاحه عشية يلقى الحادثات بأعزلا
فإن قصرت فيما اختصرت، أو عثرت فيما أكثرت؛ فله المنة بالتغمد، في الخطأ والتعمد؛ وما أبرئ نفسي من الزلل، ولا أبرئ السقيم بالعلل. ومن هو من الزلل معصوم؟ مدعى ذلك محجوج مصخوم، وعند العقلاء موصوم.
وهذا أول التفسير، والله ولى التوفيق والتيسير.
[ ٢ ]