جنّبك الله الشّبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين الصدق سببا، وحبّب إليك التثبّت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحقّ، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذلّة، وما في الجهل من القلّة.
ولعمري لقد كان غير هذا الدعاء أصوب في أمرك، وأدلّ على مقدار وزنك، وعلى الحال التي وضعت نفسك فيها، ووسمت عرضك بها، ورضيتها لدينك حظّا، ولمروءتك شكلا، فقد انتهى إليّ ميلك على أبي إسحاق، وحملك عليه، وطعنك على معبد، وتنقّصك له في الذي كان جرى بينهما في مساوي الديك ومحاسنه، وفي ذكر منافع الكلب ومضارّه، والذي خرجا إليه من استقصاء ذلك وجمعه، ومن تتبّعه ونظمه، ومن الموازنة بينهما، والحكم فيهما. ثم عبتني بكتاب حيل اللصوص «١»، وكتاب غشّ الصناعات، وعبتني بكتاب الملح والطّرف «٢»، وما حرّ من النوادر وبرد، وما عاد بارده حارّا لفرط برده حتى أمتع بأكثر من إمتاع الحارّ، وعبتني بكتاب احتجاجات البخلاء، ومناقضتهم للسّمحاء، والقول في الفرق بين الصدق إذا كان ضارّا في العاجل، والكذب إذا كان نافعا في الآجل، ولم جعل الصدق أبدا محمودا، والكذب أبدا مذموما، والفرق بين الغيرة وإضاعة الحرمة، وبين الإفراط في الحميّة والأنفة، وبين التقصير في حفظ حقّ الحرمة، وقلّة الاكتراث لسوء القالة، وهل الغيرة اكتساب وعادة، أم بعض ما يعرض من جهة الديانة، ولبعض التزيّد فيه
[ ١ / ٧ ]
والتحسن به، أو يكون ذلك في طباع الحريّة، وحقيقة الجوهريّة، ما كانت العقول سليمة، والآفات منفيّة والأخلاط معتدلة.
وعبتني بكتاب الصّرحاء والهجناء «١»، ومفاخرة السّودان والحمران «٢»، وموازنة ما بين حقّ الخؤولة والعمومة «٣»، وعبتني بكتاب الزرع والنخل والزيتون والأعناب «٤»، وأقسام فضول الصناعات، ومراتب التجارات «٥»؛ وبكتاب فضل ما بين الرجال والنساء «٦»، وفرق ما بين الذكور والإناث، وفي أيّ موضع يغلبن ويفضلن، وفي أي موضع يكنّ المغلوبات والمفضولات، ونصيب أيّهما في الولد أوفر، وفي أيّ موضع يكون حقّهنّ أوجب، وأيّ عمل هو بهنّ أليق، وأيّ صناعة هنّ فيها أبلغ.
وعبتني بكتاب القحطانيّة وكتاب العدنانيّة في الردّ على القحطانية «٧»، وزعمت أنّي تجاوزت الحميّة إلى حدّ العصبيّة، وأنّي لم أصل إلى تفضيل العدنانيّة إلا بتنقّص القحطانيّة، وعبتني بكتاب العرب والموالي «٨»، وزعمت أنّي بخست الموالي حقوقهم، كما أنّي أعطيت العرب ما ليس لهم. وعبتني بكتاب العرب والعجم، وزعمت أنّ القول في فرق ما بين العرب والعجم «٩»، هو القول في فرق ما بين الموالي والعرب، ونسبتني إلى التكرار والترداد، وإلى التكثير، والجهل بما في المعاد من الخطل، وحمل الناس المؤن.
وعبتني بكتاب الأصنام «١٠»، وبذكر اعتلالات الهند لها، وسبب عبادة العرب إيّاها، وكيف اختلفا في جهة العلّة مع اتّفاقهما على جملة الديانة، وكيف صار عبّاد البددة «١١» والمتمسكون بعبادة الأوثان المنحوتة، والأصنام المنجورة، أشدّ الديّانين
[ ١ / ٨ ]
إلفا لما دانوا به، وشغفا بما تعبّدوا له، وأظهرهم جدّا، وأشدّهم على من خالفهم ضغنا، وبما دانو ضنّا، وما الفرق بين البدّ والوثن، وما الفرق بين الوثن والصنم، وما الفرق بين الدّمية والجثّة، ولم صوّروا في محاريبهم وبيوت عباداتهم، صور عظمائهم ورجال دعوتهم، ولم تأنّقوا في التصوير، وتجوّدوا «١» في إقامة التركيب، وبالغوا في التحسين والتفخيم، وكيف كانت أوّليّة تلك العبادات، وكيف اقترفت تلك النّحل، ومن أيّ شكل كانت خدع تلك السدنة «٢»، وكيف لم يزالوا أكثر الأصناف عددا، وكيف شمل ذلك المذهب الأجناس المختلفة.
وعبتني بكتاب المعادن «٣»، والقول في جواهر الأرض، وفي اختلاف أجناس الفلزّ والإخبار عن ذائبها وجامدها، ومخلوقها ومصنوعها، وكيف يسرع الانقلاب إلى بعضها، ويبطئ عن بعضها، وكيف صار بعض الألوان يصبغ ولا ينصبغ، وبعضها ينصبغ ولا يصبغ، وبعضها يصبغ وينصبغ، وما القول في الإكسير والتلطيف.
وعبتني بكتاب فرق ما بين هاشم وعبد شمس «٤»، وكتاب فرق ما بين الجنّ والإنس «٥»، وفرق ما بين الملائكة والجنّ «٦»، وكيف القول في معرفة الهدهد واستطاعة العفريت «٧»، وفي الذي كان عنده علم من الكتاب «٨»، وما ذلك العلم، وما تأويل قولهم: كان عنده اسم الله الأعظم «٩» .
وعبتني بكتاب الأوفاق والرياضات «١٠»، وما القول في الأرزاق والإنفاقات
[ ١ / ٩ ]
وكيف أسباب التثمير والترقيح، وكيف يجتلب التجار الحرفاء، وكيف الاحتيال للودائع، وكيف التسبّب إلى الوصايا، وما الذي يوجب لهم حسن التعديل، ويصرف إليهم باب حسن الظن، وكيف ذكرنا غشّ الصناعات والتجارات «١»، وكيف التسبّب إلى تعرف ما قد ستروا وكشف ما موّهوا؛ وكيف الاحتراس منه والسلامة من أهله.
وعبتني برسائلي «٢»، وبكلّ ما كتبت به إلى إخواني وخلطائي، من مزح وجدّ، ومن إفصاح وتعريض، ومن تغافل وتوقيف، ومن هجاء لا يزال ميسمه باقيا، ومديح لا يزال أثره ناميا ومن ملح تضحك، ومواعظ تبكي.
وعبتني برسائلي الهاشميّات «٣»، واحتجاجي فيها، واستقصائي معانيها، وتصويري لها في أحسن صورة، وإظهاري لها في أتمّ حلية، وزعمت أنّي قد خرجت بذلك من حدّ المعتزلة إلى حد الزيديّة، ومن حدّ الاعتدال في التشيّع والاقتصاد فيه، إلى حدّ السرف والإفراط فيه. وزعمت أنّ مقالة الزيدية خطبة مقالة الرافضة، وأنّ مقالة الرافضة خطبة مقالة الغالية «٤» . وزعمت أنّ في أصل القضيّة والذي جرت عليه العادة. أن كلّ كبير فأوّله صغير، وأنّ كلّ كثير فإنما هو قليل جمع من قليل، وأنشدت قول الراجز: [من الرجز]
قد يلحق الصغير بالجليل وإنّما القرم من الأفيل
وسحق النخل من الفسيل «٥»
وأنشدت قول الشاعر: [من الرجز]
ربّ كبير هاجه صغير وفي البحور تغرق البحور «٦»
وقلت: وقال يزيد بن الحكم: [من م. الكامل]
فاعلم بنيّ فإنّه بالعلم ينتفع العليم «٧»
[ ١ / ١٠ ]
إنّ الأمور دقيقها مما يهيج له العظيم
وقلت: وقال الآخر: [من المديد]
صار جدّا ما مزحت به ربّ جدّ ساقه اللعب «١»
وأنشدت قول الآخر: [من الكامل]
ما تنظرون بحقّ وردة فيكم تقضى الأمور ورهط وردة غيّب «٢»
قد يبعث الأمر الكبير صغيرة حتّى تظلّ له الدماء تصبّب
وقالت كبشة بنت معد يكرب: [من الطويل]
جدعتم بعبد الله آنف قومه بني مازن أن سبّ راعي المحزّم «٣»
وقال الآخر: [من السريع]
أيّة نار قدح القادح وأيّ جدّ بلغ المازح «٤»
وتقول العرب: «العصا من العصيّة، ولا تلد الحيّة إلا حيّة» «٥» .
وعبت كتابي في خلق القرآن «٦»، كما عبت كتابي في الردّ على المشبّهة «٧»؛ وعبت كتابي في القول في أصول الفتيا والأحكام «٨»، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه «٩» . وعبت معارضتي للزيديّة وتفضيلي الاعتزال على كلّ نحلة «١٠»، كما عبت كتابي في الوعد والوعيد «١١»، وكتابي على
[ ١ / ١١ ]
النصارى واليهود «١» ثمّ عبت جملة كتبي في المعرفة والتمست تهجينها بكلّ حيلة، وصغّرت من شأنها، وحططت من قدرها، واعترضت على ناسخيها والمنتفعين بها، فعبت كتاب الجوابات «٢»، وكتاب المسائل «٣»، وكتاب أصحاب الإلهام «٤»، وكتاب الحجّة في تثبيت النبوّة «٥»، وكتاب الأخبار، ثمّ عبت إنكاري بصيرة غنام المرتدّ «٦»، وبصيرة كلّ جاحد وملحد، وتفريقي بين اعتراض الغمر «٧»، وبين استبصار المحقّ، وعبت كتاب الردّ على الجهميّة في الإدراك «٨» . وفي قولهم في الجهالات. وكتاب الفرق ما بين النبيّ والمتنبي «٩» . والفرق ما بين الحيل والمخاريق «١٠» . وبين الحقائق الظاهرة والأعلام الباهرة. ثمّ قصدت إلى كتابي هذا بالتصغير لقدره والتهجين لنظمه، والاعتراض على لفظه، والتحقير لمعانيه، فزريت على نحته وسبكه، كما زريت على معناه ولفظه، ثمّ طعنت في الغرض الذي إليه نزعنا، والغاية التي إليها قصدنا. على أنّه كتاب معناه أنبه من اسمه، وحقيقته آنق من لفظه، وهو كتاب يحتاج إليه المتوسط العامي، أما الرّيض فللتعلّم والدربة، وللترتيب والرياضة، وللتمرين وتمكين العادة، إذ كان جليله يتقدم دقيقه، وإذا كانت مقدّماته مرتبة وطبقات معانيه منزّلة. وأما الحاذق فلكفاية المؤنة، لأن كلّ من التقط كتابا جامعا، وبابا من أمّهات العلم مجموعا، كان له غنمه، وعلى مؤلّفه غرمه، وكان له نفعه، وعلى صاحبه كدّه، مع تعرّضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه عقله المكدود على العقول الفارغة، ومعانيه على الجهابذة، وتحكيمه فيه المتأوّلين والحسدة.
ومتى ظفر بمثله صاحب علم، أو هجم عليه طالب فقه، وهو وادع رافه، ونشيط جامّ، ومؤلّفه متعب مكدود، فقد كفي مؤونة جمعه وخزنه، وطلبه وتتبّعه، وأغناه
[ ١ / ١٢ ]
ذلك عن طول التفكير، واستفاد العمر وفلّ الحدّ، وأدرك أقصى حاجته وهو مجتمع القوّة. وعلى أنّ له عند ذلك أن يجعل هجومه عليه من التوفيق، وظفره به بابا من التسديد.
وهذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، لأنه وإن كان عربيّا أعرابيا، وإسلاميّا جماعيّا، فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع بين معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة، وبين وجدان الحاسّة، وإحساس الغريزة. ويشتهيه الفتيان كما تشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو اللهو كما يشتهيه المجدّ ذو الحزم، ويشتهيه الغفل كما يشتهيه الأريب، ويشتهيه الغبيّ كما يشتهيه الفطن.
وعبتني بحكاية قول العثمانيّة والضّرارية «١»، وأنت تسمعني أقول في أوّل كتابي: وقالت العثمانية والضراريّة، كما سمعتني أقول: قالت الرافضة والزيدية «٢»، فحكمت عليّ بالنصب لحكايتي قول العثمانية، فهلّا حكمت عليّ بالتشيّع لحكايتي قول الرافضة!! وهلا كنت عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية، كما كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة!! وقد حكينا في كتابنا قول الإباضيّة والصّفرية، كما حكينا قول الأزارقة والزيدية. وعلى هذه الأركان الأربعة بنيت الخارجية، وكلّ اسم سواها فإنما هو فرع ونتيجة، واشتقاق منها، ومحمول عليها.
وإلّا كنّا عندك من الخارجية، كما صرنا عندك من الضّراريّة والناصبة. فكيف رضيت بأن تكون أسرع من الشيعة، أسرع إلى إعراض الناس من الخارجية، اللهم إلّا أن تكون وجدت حكايتي عن العثمانيّة والضّراريّة أشبع وأجمع، وأتمّ وأحكم، وأجود صنعة، وأبعد غاية. ورأيتني قد وهّنت حقّ أوليائك، بقدر ما قوّيت باطل أعدائك! ولو كان ذلك كذلك، لكان شاهدك من الكتاب حاضرا، وبرهانك على ما ادعيت واضحا.
وعبتني بكتاب العباسية «٣»، فهلّا عبتني بحكاية مقالة من أبى وجوب الإمامة، ومن يرى الامتناع من طاعة الأئمة الذين زعموا أنّ ترك النّاس سدى بلا قيّم أردّ عليهم، وهملا بلا راع أربح لهم، وأجدر أن يجمع لهم ذلك بين سلامة العاجل، وغنيمة الآجل، وأنّ تركهم نشرا لا نظام لهم، أبعد من المفاسد، وأجمع لهم على المراشد!! بل ليس ذلك بك، ولكنّه بهرك ما سمعت، وملأ صدرك الذي قرأت، وأبعلك
[ ١ / ١٣ ]
وأبطرك، فلم تتّجه للحجّة وهي لك معرضة، ولم تعرف المقاتل وهي لك بادية، ولم تعرف باب المخرج إذ جهلت باب المدخل، ولم تعرف المصادر إذ جهلت الموارد.
رأيت أنّ سبّ الأولياء أشفى لدائك، وأبلغ في شفاء سقمك، ورأيت أن إرسال اللسان أحضر لذّة، وأبعد من النّصب، ومن إطالة الفكرة ومن الاختلاف إلى أرباب هذه الصناعة.
ولو كنت فطنت لعجزك، ووصلت نقصك بتمام غيرك، واستكفيت من هو موقوف على كفاية مثلك، وحبيس على تقويم أشباهك كان ذلك أزين في العاجل.
وأحقّ بالمثوبة في الآجل، وكنت إن أخطأتك الغنيمة لم تخطك السلامة، وقد سلم عليك المخالف بقدر ما ابتلي به منك الموافق. وعلى أنّه لم يبتل منك إلا بقدر ما ألزمته من مؤنة تثقيفك، والتشاغل بتقويمك. وهل كنت في ذلك إلّا كما قال العربي:
«هل يضرّ السّحاب نباح الكلاب» «١»، وإلّا كما قال الشاعر: [من الرمل]
هل يضرّ البحر أمسى زاخرا أن رمى فيه غلام بحجر «٢»
وهل حالنا في ذلك إلّا كما قال الشاعر: [من الكامل]
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها أم بلت حيث تناطح البحران «٣»
وكما قال حسّان بن ثابت: [من الخفيف]
ما أبالي أنبّ بالحزن تيس أم لحاني بظهر غيب لئيم «٤»
وما أشكّ أنّك قد جعلت طول إعراضنا عنك مطيّة لك، ووجّهت حلمنا عنك إلى الخوف منك، وقد قال زفر بن الحارث لبعض من لم ير حقّ الصفح، فجعل العفو سببا إلى سوء القول: [من الطويل]
فإن عدت والله الذي فوق عرشه منحتك مسنون الغرارين أزرقا «٥»
فإنّ دواء الجهل أن تضرب الطّلى وأن يغمس العرّيض حتى يغرّقا
[ ١ / ١٤ ]
وقال الأوّل: [من الكامل]
وضغائن داويتها بضغائن حتّى شفيت وبالحقود حقودا
وقال الآخر: [من البسيط]
وما نفى عنك قوما أنت خائفهم كمثل وقمك جهّالا بجهّال «١»
فاقعس إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا ووازن الشّرّ مثقالا بمثقال
فإنّا وإن لم يكن عندنا سنان زفر بن الحارث، ولا معارضة هؤلاء الشرّ بالشرّ، والجهل بالجهل، والحقد بالحقد، فإن عندي ما قال المسعوديّ: [من الطويل]
فمسّا تراب الأرض منه خلقتما وفيه المعاد والمصير إلى الحشر «٢»
ولا تأنفا أن ترجعا فتسلّما فما كسى الأفواه شرّا من الكبر
فلو شئت أدلى فيكما غير واحد علانية أو قال عندي في السّرّ
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ضحكت له كيما يلجّ ويستشري
وقال النّمر بن تولب: [من الطويل]
جزى الله عنّي جمرة ابنة نوفل جزاء مغلّ بالأمانة كاذب «٣»
بما خبّرت عنّي الوشاة ليكذبوا عليّ وقد أوليتها في النوائب
يقول: أخرجت خبرها، فخرج إلى من أحبّ أن يعاب عندها.
ولو شئت أن نعارضك لعارضناك في القول بما هو أقبح أثرا وأبقى وسما، وأصدق قيلا، وأعدل شاهدا. وليس كلّ من ترك المعارضة فقد صفح، كما أنّه ليس من عارض فقد انتصر، وقد قال الشاعر قولا، إن فهمته فقد كفيتنا مؤونة المعارضة، وكفيت نفسك لزوم العار، وهو قوله: [من السريع]
إن كنت لا ترهب ذمّي لما تعرف من صفحي عن الجاهل «٤»
[ ١ / ١٥ ]
فاخش سكوتي إذ أنا منصت فيك لمسموع خنا القائل
فالسامع الذمّ شريك له ومطعم المأكول كالآكل
مقالة السّوء إلى أهلها أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ذمّوه بالحقّ وبالباطل
فلا تهج إن كنت ذا إربة حرب أخي التجربة العاقل
فإنّ ذا العقل إذا هجته هجت به ذا خيل خابل
تبصر في عاجل شدّاته عليك غبّ الضرر الآجل
وقد يقال: إنّ العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم، وقد قال الشاعر: [من البسيط]
والعفو عند لبيب القوم موعظة وبعضه لسفيه القوم تدريب