والذي يدلّ على ما قلنا، أنّه ليس في كتبهم مثل سائر، ولا خبر طريف، ولا صنعة أدب، ولا حكمة غريبة، ولا فلسفة، ولا مسألة كلاميّة، ولا تعريف صناعة، ولا استخراج آلة، ولا تعليم فلاحة، ولا تدبير حرب، ولا مقارعة عن دين، ولا مناضلة عن نحلة، وجلّ ما فيها ذكر النور والظلمة، وتناكح الشياطين، وتسافد العفاريت، وذكر الصنديد، والتهويل بعمود السنخ، والإخبار عن شقلون، وعن الهامة والهمامة. وكلّه هذر وعيّ وخرافة، وسخرية وتكذّب، لا ترى فيه موعظة حسنة، ولا حديثا مونقا،
[ ١ / ٤٢ ]
ولا تدبير معاش، ولا سياسة عامة، ولا ترتيب خاصّة. فأيّ كتاب أجهل، وأيّ تدبير أفسد من كتاب يوجب على الناس الإطاعة، والبخوع «١» بالديانة، لا على جهة الاستبصار والمحبّة، وليس فيه صلاح معاش ولا تصحيح دين!؟ والناس لا يحبّون إلا دينا أو دنيا: فأمّا الدّنيا فإقامة سوقها وإحضار نفعها. وأما الدّين فأقلّ ما يطمع في استجابة العامة، واستمالة الخاصّة، أن يصوّر في صورة مغلّطة، ويموّه تمويه الدّينار البهرج، والدرهم الزائف الذي لا يغلط فيه الكثير، ويعرف حقيقته القليل. فليس إنفاقهم عليها من حيث ظننت. وكلّ دين يكون أظهر اختلافا وأكثر فسادا، يحتاج من الترقيع والتمويه، ومن الاحتشاد له والتغليظ فيه إلى أكثر. وقد علمنا أنّ النصرانيّة أشدّ انتشارا من اليهوديّة تعبدا، فعلى حسب ذلك يكون تزيّدهم في توكيده، واحتفالهم في إظهار تعليمه.