وحدّثني موسى بن يحيى قال: ما كان في خزانة كتب يحيى، وفي بيت مدارسه كتاب إلّا وله ثلاث نسخ.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قطّ ولا مررت ببابه، فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ اليد، إلّا اعتقدت أنّه أفضل منه وأعقل.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل لنا يوما: إنّ في دار فلان ناسا قد اجتمعوا على سوءة، وهم جلوس على خميرة لهم، وعندهم طنبور. فتسوّرنا عليهم في جماعة من رجال الحيّ، فإذا فتى جالس في وسط الدار، وأصحابه حوله، وإذا هم بيض اللّحى، وإذا هو يقرأ عليهم دفترا فيه شعر. فقال الذي سعى بهم: السّوءة في ذلك البيت، وإن دخلتموه عثرتم عليها! فقلت: والله لا أكشف فتى أصحابه شيوخ، وفي يده دفتر علم، ولو كان في ثوبه دم يحيى بن زكريّاء!! وأنشد رجل يونس النحويّ: [من البسيط]
استودع العلم قرطاسا فضيّعه فبئس مستودع العلم القراطيس «١»
قال، فقال يونس: قاتله الله، ما أشدّ ضنانته بالعلم، وأحسن صيانته له، إنّ علمك من روحك، ومالك من بدنك، فضعه منك بمكان الرّوح، وضع مالك بمكان البدن!! وقيل لابن داحة- وأخرج كتاب أبي الشمقمق، وإذا هو في جلود كوفيّة،
[ ١ / ٤٤ ]
ودفّتين طائفيّتين، بخطّ عجيب- فقيل له: لقد أضيع من تجوّد بشعر أبي الشمقمق! فقال: لا جرم والله!! إنّ العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه، ولو استطعت أن أودعه سويداء قلبي، أو أجعله محفوظا على ناظري، لفعلت.
ولقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته، فرأيت السّماطين والرجال مثولا كأنّ على رؤوسهم الطير، ورأيت فرشته وبزّته؛ ثم دخلت عليه وهو معزول، وإذا هو في بيت كتبه، وحواليه الأسفاط والرّقوق، والقماطر والدفاتر والمساطر والمحابر، فما رأيته قطّ أفخم ولا أنبل، ولا أهيب ولا أجزل منه في ذلك اليوم؛ لأنّه جمع مع المهابة المحبّة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السّؤدد الحكمة.
وقال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، لا يجالس الناس، وينزل مقبرة من المقابر، وكان لا يكاد يرى إلّا وفي يده كتاب يقرؤه. فسئل عن ذلك، وعن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر، ولا أمنع من كتاب، ولا أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء! فقال: ما أفسدها للجاهل وأصلحها للعاقل!.