وضروب من الخطوط بعد ذلك، تدلّ على قدر منفعة الخطّ. قال الله ﵎ كِرامًا كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ
«١» وقال الله ﷿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
«٢» وقال فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
«٣» وقال وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ
«٤» وقال اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
«٥» .
ولو لم تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان، ولكنّه تعالى وعزّ، علم أنّ كتاب المحفوظ ونسخه، أوكد وأبلغ في الإنذار والتحذير، وأهيب في الصدور.
[ ١ / ٤٥ ]
وخط آخر، وهو خطّ الحازي والعرّاف «١» والزّاجر. وكان فيهم حليس الخطّاط الأسديّ، ولذلك قال شاعرهم في هجائهم: [من الطويل]
فأنتم عضاريط الخميس إذا غزوا غناؤكم تلك الأخاطيط في التّرب «٢»
وخطوط أخر، تكون مستراحا للأسير والمهموم والمفكّر، كما يعتري المفكر من قرع السنّ، والغضبان من تصفيق اليد وتجحيظ العين. وقال تأبّط شرّا:
[من البسيط]
لتقرعنّ عليّ السنّ من ندم إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي «٣»
وفي خطّ الحزين في الأرض يقول ذو الرّمّة: [من الطويل]
عشيّة مالى حيلة غير أنّني بلقط الحصى والخطّ في الدار مولع «٤»
أخطّ وأمحو الخطّ ثم أعيده بكفّي والغربان في الدار وقّع
وذكر النابغة صنيع النساء، وفزعهنّ إلى ذلك، إذا سبين واغتربن وفكّرن، فقال:
[من الطويل]
ويخططن بالعيدان في كلّ منزل ويخبأن رمّان الثّديّ النواهد «٥»
وقد يفزع إلى ذلك الخجل والمتعلّل، كما يفزع إليه المهموم وهو قول القاسم ابن أمية بن أبي الصّلت: [من الكامل]
لا ينقرون الأرض عند سؤالهم لتلمّس العلّات بالعيدان «٦»
بل يبسطون وجوههم فترى لها عند اللقاء كأحسن الألوان
وقال الحارث بن الكنديّ، وذكر رجلا سأله حاجة فاعتراه العبث بأسنانه، فقال: [من الوافر]
وآض بكفّه يحتكّ ضرسا يرينا أنّه وجع بضرس
[ ١ / ٤٦ ]
وربما اعترى هؤلاء عدّ الحصى، إذا كانوا في موضع حصى، ولم يكونوا في موضع تراب، وهو قول امرئ القيس: [من الطويل]
ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا أعدّ الحصى ما تنقضي حسراتي «١»
وقال أميّة بن أبي الصّلت: [من الخفيف]
نهرا جاريا وبيتا عليّا يعتري المعتفين فضل نداكا «٢»
في تراخ من المكارم جزل لم تعلّلهم بلقط حصاكا
وقال الآخر، وهو يصف امرأة قتل زوجها، فهي محزونة تلقط الحصى: [من الطويل]
وبيضاء مكسال كأنّ وشاحها على أمّ أحوى المقلتين خذول
عقلت لها من زوجها عدد الحصى مع الصّبح، أو في جنح كلّ أصيل
يقول: لم أعطها عقلا عن زوجها، ولم أورثها إلّا الهمّ الذي دعاها إلى لقط الحصى. يخبر أنّه لمنعته، لا يوصل منه إلى عقل ولا قود.