وممّا قالوا في الخطّ، ما أنشدنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: قال المقنّع الكنديّ «٣» في قصيدة له مدح فيها الوليد بن يزيد: [من الكامل]
كالخطّ في كتب الغلام أجاده بمداده، وأسدّ من أقلامه
قلم كخرطوم الحمامة مائل مستحفظ للعلم من علّامه
يسم الحروف إذا يشاء بناءها لبيانها بالنّقط من أرسامه
من صوفة نفث المداد سخامه حتى تغيّر لونها بسخامه
يحفى فيقصم من شعيرة أنفه كقلامة الأظفور من قلّامه
وبأنفه شقّ تلاءم فاستوى سقي المداد، فزاد في تلآمه
مستعجم وهو الفصيح بكلّ ما نطق اللسان به على استعجامه
[ ١ / ٤٧ ]
وله تراجمة بألسنة لهم تبيان ما يتلون من ترجامه
ما خطّ من شيء به كتّابه ما إن يبوح به على استكتامه
وهجاؤه قاف ولام بعدها ميم معلّقة بأسفل لامه
ثم قال:
قالت لجارتها الغزيّل إذ رأت وجه المقنّع من وراء لثامه
قد كان أبيض فاعتراه أدمة فالعين تنكره من ادهيمامه
كم من بويزل عامها مهرّية سرح اليدين ومن بويزل عامه
وهب الوليد برحلها وزمامها وكذاك ذاك برحله، وزمامه
وقويرح عتد أعدّ لنيّه لبن اللّقوح فعاد ملء حزامه
وهب الوليد بسرجها ولجامها وكذاك ذاك بسرجه، ولجامه
أهدى المقنّع للوليد قصيدة كالسيف أرهف حدّه بحسامه
وله المآثر في قريش كلّها وله الخلافة بعد موت هشامه
وقال الحسن بن جماعة الجذاميّ في الخطّ: [من الطويل]
إليك بسرّي بات يرقل عالم أصمّ الصدى محرورف السّنّ طائع «١»
بصير بما يوحى إليه وما له لسان ولا أذن بها هو سامع
كأنّ ضمير القلب باح بسرّه لديه، إذا ما حثحثته الأصابع
له ريقة من غير فرث تمدّه ولا من ضلوع صفّقتها الأضالع
وقال الطائيّ، يمدح محمّد بن عبد الملك الزّيات: [من الطويل]
وما برحت صورا إليك نوازعا أعنّتها مذ راسلتك الرسائل
لك القلم الأعلى الذي بشباته يصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لك الخلوات اللاء لولا نجيّها لما احتفلت للملك تلك المحافل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها بآثارها في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوّضت لنجواه تقويض الخيام الجحافل
[ ١ / ٤٨ ]
إذا استغزر الذهن الجليّ وأقبلت أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسدّدت ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل
أرى ابن أبي مروان أمّا لقاؤه فدان وأمّا الحكم فيه فعادل
وقد ذكر البحتريّ في كلمة له، بعض كهول العسكر، ومن أنبل أبناء كتّابهم الجلّة فقال: [من الكامل]
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت برقت مصابيح الدّجى في كتبه