ثم رجع بنا القول إلى الترغيب في اصطناع الكتاب، والاحتجاج على من زرى على واضع الكتب، فأقول «٣»: إنّ من شكر النعمة في معرفة مغاوي الناس ومراشدهم، ومضارّهم ومنافعهم، أن يحتمل ثقل مؤونتهم في تقويمهم، وأن يتوخّى إرشادهم وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم، فلن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره، على أنّ قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم؛ إذ كان مع التّلاقي يشتدّ التصنّع، ويكثر التظالم، وتفرط العصبيّة، وتقوى الحميّة، وعند المواجهة والمقابلة، يشتدّ حبّ الغلبة، وشهوة المباهاة والرياسة، مع الاستحياء من
[ ١ / ٥٨ ]
الرجوع، والأنفة من الخضوع؛ وعن جميع ذلك تحدث الضغائن، ويظهر التباين. وإذا كانت القلوب على هذه الصّفة وعلى هذه الهيئة، امتنعت من التعرّف، وعميت عن مواضع الدلالة، وليست في الكتب علّة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجّة، لأنّ المتوحّد بدرسها، والمنفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه ولا يغالب عقله، وقد عدم من له يباهي ومن أجله يغالب «١» .