وشرّ الطبائع ما تجاذبته الأعراق المتضادّة. والأخلاق المتفاوتة، والعناصر المتباعدة، كالراعبيّ من الحمام، الذي ذهبت عنه هداية الحمام «٢»، وشكل هديره وسرعة طيرانه، وبطل عنه عمر الورشان، وقوّة جناحه وشدة عصبه، وحسن صوته، وشحو «٣» حلقه، وشكل لحونه، وشدّة إطرابه، واحتماله لوقع البنادق وجرح المخالب، وفي الراعبي أنّه مسرول مثقل، وحدث له عظم بدن، وثقل وزن لم يكن لأبيه ولا لأمّه.
وكذلك البغل، خرج من بين حيوانين يلدان حيوانا مثلهما، ويعيش نتاجهما ويبقى بقاءهما، وهو لا يعيش له ولد وليس بعقيم، ولا يبقى للبغلة ولد وليست
[ ١ / ٦٩ ]
بعاقر، فلو كان البغل عقيما، والبغلة عاقرا، لكان ذلك أزيد في قوتهما، وأتمّ لشدتهما، فمع البغل من الشّبق والنّعظ ما ليس مع أبيه، ومع البغلة من السّوس «١»، وطلب السفاد، ما ليس مع أمّها. وذلك كلّه قدح في القوّة، ونقص في البنية. وخرج غرموله أعظم من غراميل أعمامه وأخواله، فترك شبههما، ونزع إلى شيء ليس له في الأرض أصل، وخرج أطول عمرا من أبويه، وأصبر على الأثقال من أبويه.
أو كابن المذكّرة من النساء، والمؤنث من الرجال، فإنه يكون أخبث نتاجا من البغل، وأفسد أعراقا من السّمع، وأكثر عيوبا من العسبار «٢»، ومن كلّ خلق خلق إذا تركب من ضدّ، ومن كل شجرة مطعّمة بخلاف «٣» .
وليس يعتري مثل ذلك الخلاسيّ من الدجاج، ولا الورداني «٤» من الحمام.
وكلّ ضعف دخل على الخلقة، وكل رقّة عرضت للحيوان، فعلى قدر جنسه.
وعلى وزن مقداره وتمكنه، يظهر العجز والعيب.
وزعم الأصمعيّ، أنّه لم يسبق الحلبة فرس أهضم قط.
وقال محمد بن سلام: لم يسبق الحلبة أبلق قط ولا بلقاء.
والهداية في الحمام، والقوّة على بعد الغاية «٥» . إنما هي للمصمتة «٦» من الخضر.
وزعموا أنّ الشّيات كلّها ضعف ونقص- والشّية: كلّ لون دخل على لون- وقال الله جلّ وعزّ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها
«٧» .
وزعم عثمان بن الحكم أنّ ابن المذكرة من المؤنث، يأخذ أسوأ خصال أبيه، وأردأ خصال أمه، فتجتمع فيه عظام الدواهي، وأعيان المساوي «٨»، وأنّه إذا خرج
[ ١ / ٧٠ ]
كذلك، لم ينجع فيه أدب، ولا يطمع في علاجه طبيب، وأنّه رأى في دور ثقيف، فتى اجتمعت فيه هذه الخصال، فما كان في الأرض يوم، إلّا وهم يتحدثون عنه بشيء، يصغر في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه! وزعمت أنّ الكلب في ذلك كالخنثى، والذي هو لا ذكر ولا أنثى، أو كالخصي الذي لمّا قطع منه ما صار به الذّكر فحلا، خرج من حدّ كمال الذكر بفقدان الذكر، ولم يكمل لأن يصير أنثى، للغريزة الأصلية، وبقيّة الجوهريّة.
وزعمت أنّه يصير كالنبيذ الذي يفسده إفراط الحرّ، فيخرجه من حدّ الخل، ولا يدخله في حدّ النبيذ.
وقال مرداس بن خذام: [من الطويل]
سقينا عقالا بالثّويّة شربة فمالت بلبّ الكاهليّ عقال «١»
فقلت اصطبحها يا عقال فإنّما هي الخمر خيّلنا لها بخيال
رميت بأمّ الخلّ حبّة قلبه فلم ينتعش منها ثلاث ليال
فجعل الخمر أمّ الخلّ قد يتولد عنها. وقد يتولّد عن الخل- إذ كان خمرا مرة- الخمر.
وقال سعيد بن وهب: [من الكامل]
هلّا وأنت بماء وجهك تشتهى رود الشّباب قليل شعر العارض!
فالآن حين بدت بخدّك لحية ذهبت بملحك مثل كفّ القابض
مثل السلافة عاد خمر عصيرها بعد اللّذاذة خلّ خمر حامض
ويصير أيضا كالشعر الوسط، والغناء الوسط، والنادرة الفاترة، التي لم تخرج من الحرّ إلى البرد فتضحك السّن، ولم تخرج من البرد إلى الحر فتضحك السّن.
[ ١ / ٧١ ]