ويعرض له أنّ أخوين صقلبيّين من أمّ وأب، لو كان أحدهما توءم أخيه، أنّه متى خصي أحدهما خرج الخصيّ منهما أجود خدمة، وأفطن لأبواب المعاطاة والمناولة، وهو لها أتقن وبها أليق، وتجده أيضا أذكى عقلا عند المخاطبة، فيخصّ بذلك كلّه، ويبقى أخوه على غثارة «٢» فطرته، وعلى غباوة غريزته، وعلى بلاهة الصّقلبيّة، وعلى سوء فهم العجميّة.
ويد الإنسان لا تكون أبدا إلا خرقاء، ولا تصير صناعا ما لم تكن المعرفة ثقافا لها. واللسان لا يكون أبرأ، ذاهبا في طريق البيان، متصرفا في الألفاظ، إلّا بعد أن تكون المعرفة متخلّلة به، منقّلة له، واضعة له في مواضع حقوقه، وعلى أماكن حظوظه، وهو علّة له في الأماكن العميقة، ومصرّفة له في المواضع المختلفة.
فأوّل ما صنع الخصاء بالصّقلبيّ تزكية عقله، وإرهاف حدّه، وشحذ طبعه، وتحريك نفسه. فلما عرف كانت حركته تابعة لمعرفته، وقوّته على قدر ما هيّجه.
فأمّا نساء الصقالبة وصبيانهم، فليس إلى تحويل طبائعهم، ونقل خلقهم إلى الفطنة الثاقبة، وإلى الحركة الموزونة، وإلى الخدمة الثابتة الواقعة بالموافقة، سبيل.
[ ١ / ٧٨ ]
وعلى حسب الجهل يكون الخرق، وعلى حسب المعرفة يكون الحذق. وهذا جملة القول في نسائهم، وعلى أنّهنّ لا حظوظ لهنّ عند الخلوة، ولا نفاذ لهنّ في صناعة؛ إذ كنّ قد منعن فهم المعاطاة ومعرفة المناولة.
والخصيان مع جودة آلاتهم ووفارة طبائعهم في معرفة أبواب الخدمة. وفي استواء حالهم في باب المعاطاة، لم تر أحدا منهم قطّ نفذ في صناعة تنسب إلى بعض المشقّة، وتضاف إلى شيء من الحكمة، ممّا يعرف ببعد الرّويّة، والغوص بإدامة الفكرة، إلا ما ذكروا من نفاذ ثقف في التحريك للأوتار، فإنّه كان في ذلك مقدّما، وبه مذكورا. إلّا أنّ الخصيّ من صباه، يحسن صنعة الدّابوق «١» . ويجيد دعاء الحمام الطوّريّ «٢» . وما شئت من صغار الصناعات.
وقد زعم البصريّون أن حديجا الخصيّ، خادم المثنّى بن زهير، كان يجاري المثنّى في البصر بالحمام. وفي صحّة الفراسة، وإتقان المعرفة، وجودة الرياضة.
وسنذكر حاله في باب القول في الحمام إن شاء الله تعالى.
هذا قولهم فيمن خصي من الصقالبة. وملوكنا لعقول خصيان خراسان أحمد، وهم قليل، ولذلك لم نأت من أمرهم بشيء مشهور، وأمر مذكور.