كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّعْدِيينَ: [من الطويل]
سَأمْنَعُهَا أَوْ سَوْفَ أَجْعَلُ أَمْرَهَا إِلَى مَلِكٍ أظْلَافُهُ لَمْ تَشَقَّقِ
فَاسْتِعَارَةُ الأظْلَافِ لِلرَّجُلِ -وَلَا ظِلْفَ لَهُ- إِنَّمَا أَرَادَ قَدَمَيْهِ اسْتِعَارَةٌ مُسْتَكْرَهَةٌ، وَكقَوْلِ الحُطَيْئَةِ: [من الطويل]
_________________
(١) = إِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالسَّمَاحَةَ ضُمِّنَا قَبْرًا بِمَرْو عَلَى الطَّرِيْقِ الوَاضحِ يُرِيْدُ ضَمَنَتَا، وَقَالَت أَعْرَابِيَّةٌ (١): قَالَتْ تَبْكِيْهِ عَلَى قَبْرِهِ مَنْ لِي مِنْ بِعْدِكَ يَا عَامِرُ تَرَكْتَنِي فِي الدَّارِ ذَا وَحْشَةٍ قَدْ ذُلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ نَاصِرُ تُرِيْدُ ذَاتَ وَحِشَةٍ. فَإِمَّا تَذْكِيْرُ المُؤَنَّثِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرْجٌ حَقِيْقِيٌّ فَمُسْتَعْمَل جائزٌ كَثِيْرٌ. يُلْحِقُوا عَلَى السَّاكِنِ الَّذِي يُسَكَّنُ مَا بَعْدَهُ لِتَتَقَبَّلَ حَرَكَةِ اعْرَابِ كَمَا قَالَ إِذَا حَدَّ النَّقْرْ: يُرِيْدُ النَّقْرَ. - النَّقْرُ بِالخَيْلِ فَلَمَّا أَسْكَنَ الرَّاءَ أَلقى حَرَكَتهَا عَلَى السَّاكِنِ الَّذِي قَبْلهَا وَمَثَلُ قَوْلُ الآخَرِ: عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيْرٌ عَجْبُهُ مِنْ عَنزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضرِبُهْ أَرَادَ أنْ أَضْرِبُهُ فَلَمَّا أَسْكَنَ الهَاءَ أَلقَى حَرَكَتَهَا عَلَى البَاءِ فَكَانَ أَحْسَنَ لِخَفَاءِ الهَاءِ. كَانَ وَإِنَّمَا نَصَبَهُ لِضُرُوْرَةِ الشِّعْرِ وَكَرَاهِيَةِ السَّوَاكِنِ وَقِيْلَ أَرَادَ النُّوْنَ الخَفِيْفَةَ وَنَصَبَ طَارِقُهَا عَلَى إِضمَارِ اضرب فَكَأَنَّهُ قَالَ اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُوْمَ أَضْرِبْ طَارِقَهَا. وَمِنْ تَحْرِيْكِ السَّاكِنِ قَوْلُ عَبْدُ مَنَافٍ بن رَبْعِيٍّ الهذْلِيّ: إِذَا تَجَاوَبَ نَوْحٌ قَامَتَا مَعَهُ ضَرْبًا أَلِيْمًا بِسِبْتٍ يَلْفَحُ الجَّلْدَا يُرِيْدُ الجَّلْدَ فَهَذَا مُطَّرِدٌ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَيْضًا المُطَّرِدَةِ فِي الشِّعْرِ.
(٢) العقد الفريد ٥/ ٣٩٠، ٣/ ٣٥٩.
[ ١ / ٤٣١ ]
سَقُوا جَارَكَ العَيْمَانَ لَمَّا أَتَاهُمُ وَقَلَّصَ عَنْ بَرْدِ الشَّرَابِ مَشَافِرُه
فَاسْتَعَارَ لِلرَّجُلِ مَشَافِرَ، وَإِنَّمَا لَهُ شَفَتَانِ، وَالمَشَافِرُ لِلإِبلِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرَ (١): [من الطويل]
فلو كُنْتَ ضَبِيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي وَلَكِنَّ زَنْجِيًّا غَلِيْظَ المَشَافِر
وَلَا يَكَادُوْنَ يَسْتَعْمِلُوْنَ أَمْثَالَ هَذَا فِي بَنِي آدَمَ إِلَّا فِي الذَّمِّ (٢)، وَمَا حَرَّفُوا
_________________
(١) للفرزدق في ديوانه من ٤٨١.
(٢) قَالَ الأَصْمَعِيُّ: إِنَّمَا اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ هَذِهِ الاسْتِعَارَات وَغَيْرهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا أَنْ تَضْرُبَ مَثَلًا لِشَيْءٍ لَيْسَ فِي مَوْضِعِهِ لأنَّ مَنْ يَسْمَعَهُ يَعْرِفُهُ فَمِنَ الاسْتِعَارَاتِ المُسْتَكْرَهَةِ كَمَا قَالَ الهَذلِيُّ (١): وَذَكَرْتُ أَهْلِي الصَّالِحِيْنَ وَحَاجَةَ الشُّعْثِ القَوَالِبِ اسْتِعَارَةً لأَوْلَادِهِ أَسْمَاءَ أَولَادِ الُمُرِ وَقَالَ الجَّعْدِيُّ (٢): كَأَنَّ تَوَالِبَهَا بِالضُّحَى نَوَاعِمُ جَعْلٍ مِنَ الأَثْابِ الجعْلُ: مِنَ النَّخِيْلِ قَصِيْرُهُ وَالأَثَابُ شَجَرٌ فَجَعَلَ صغَارَهُ جَعْلًا على سَبيْلِ الاسْتِعَارَةِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا أنْشَدَ الفَرَّاءُ (٣): أَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ وَالأَدَاهِمِ رِجْلِي وَرِجْلِي شَثْنَةُ المَنَاسِمِ وَالمَنْسَمُ إِنَّمَا يَكُوْنُ لِلإبْلِ فَجَعَلَهُ للناسِ وَقَالَ حَمِيْدُ بنِ ثَوْرٍ (٤): عَجِبْتُ لَهَا أنَّى يَكُونُ غِنَاؤهَا فَصِيْحًا وَلَمْ تَغْفِرْ بِمَنِطِقِهَا فَمَا وَلَا فَمض لَهَا وَإِنَّمَا لَهَا مِنْقَارٌ وَالفَمُ لنْسَانِ. وَقَالَ جُبَيْهَاءُ الأشْجَعِيُّ يَصِفُ ضَيْفًا
(٣) للأعلم حبيب بن عبد اللَّه الهذلي في أشعار الهذليين ١/ ٣١٥.
(٤) للنابغة الجعدي في ديوانه ص ٢٣.
(٥) للعديل بن الفرخ في خزانة الأدب ٢/ ٢٦٦.
(٦) ديوانه ص ٢٧.
[ ١ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أَضافَهُ فَلَمَّا رَقَدَ الوِلْدَانُ عَمَدَ إلى بَكْرٍ فَأَخَذَه وَعَرَبَ بِهِ يَمْرِيْهِ بِسَاقِهِ وَقَدَمِهِ أي يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَهُ مِنَ العَدْوِ (١): فما رقَدَ الوِلْدَاُنُ حَتَّى رَأَيْتهُ عَلَى البَكْرِ يمرِيْهِ بِسَاقٍ وَحَافِرِ فَجَعَل للرَّجُلِ حَافِرًا وَلَا حَافِرٌ لَهُ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيْقِ الذَّمِّ لَهُ. وَقَالَ أَبُو دُؤَادٍ (٢): فَبَيْنَا عُرَاةً لَدَى مُهْرِنَا شَرْعُ مِنْ شَفَتَيْهِ الصِّغَارَا فَجَعَلَ لَهُ شَفَتَيْنِ وَإِنَّمَا لَهُ جَحْفَلَتَانِ وَالصغَارُ نَبْتُ البُهْمَى وَالبُهْمَى نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ يَصِفُ إِبْلًا (٣): تَسْمَعُ لِلْمَاءِ كَصَوْتِ المِسْحَلِ بَيْنَ وَرِيْدَيْهَا وَبَيْنَ الجَحْفَلِ فَجَعَلَ لَهَا جَحَافِلَ وَإِنَّمَا الجَّحَافِلُ لِلْخَيْلِ وَالشَفاهُ لِبَنِي آدَمَ وَالمُسَافِرُ لَلإِبْلِ ثُمَّ قَالَ: وَالحَشْوُ مِنْ حُفَّانِهَا كَالحَنْظَلِ. يَعْنِي صِغَارَ ابْلِ وَالحُفّانُ أوْلَادُ النَعَامِ فَجَعَلَهَا أَوْلَادَ الإِبْلِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلٌ أَوْسُ بن حَجَرٍ (٤): وَذَاتِ هَدْمٍ عَارٍ نَوَاشِرَهَا تَصْمِتُ بِالمَاءِ تَولَبًا جَدَعَا قَوْلهُ تَصْمِتُ بِالمَاءِ يَقُوْلُ: إِذَا طَلَبَ اللبَنَ أَسْكَتَتْهُ بِالمَاءِ أَيْ سقيه وَالتَّولَبُ وَلد الحِمَارِ وَالجَّدِعُ السَّيّئ الغَذَاءِ فَسَمَّي وَلَدُهَا تَوْلَبًا عَلَى سَبِيْلِ الاسْتِعَارَةِ وَهِيَ اسْتِعَارَ مُسْتَكْرَهَةٌ. * * *
(٢) مجموع شعر جبيهاء ص ١٧.
(٣) ديوانه ص ٣٥٢.
(٤) ديوانه ص ١٩٦.
(٥) ديوانه ص ١٩٦.
[ ١ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ يَعْنِي صَقْرًا (١): أهْوَى لَهَا أسْفَعُ الخَدَّيْنِ مُنْصَلِتًا خَرْطُوْمَهُ مِنْ دمَاءِ الصَّيْدِ مُخْتَضِبُ فَجَعَلَ لَهَا خَرْطُوْمًا. وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ بَنِي أَسَدٍ يَذْكرُ صقرًا أَيْضًا: وَحَتَّ بِمَخلبِه قَارِتًا عَلَى خَطْمِهِ مِنْ دمَاءِ القَطَا فَجَعَلَ لَهُ خَطْمًا. القَارِتُ مِنَ الدمِ الجَّامِدِ يُقَالُ: -- إِذَا - وَإِذَا أَصابَ الإِنْسَانُ شَيْءٌ فَبَاتَ دمهُ فِي بَعْضِ جَسَدِهِ فَرَأَى سَواد الدمِ وَلَمْ - فَبَقَى جَامِدًا بِذَلِكَ القُرُوْتِ. * * * وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضهُمْ (٢): صَبَّحْنَ مِنْ كَاظِمَةَ الخُصَّ الجرِبْ يَحْمِلْنَ عَبَّاسَ بن عَبْدِ المُطَّلِبْ أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ ﵁. وَمِثْلهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ (٣): فِيْهِ الرِّمَاحُ وَفِيْهِ كُلّ سَابِغَةٍ جَذْلَاءَ مُحْكَمَةٍ مِنْ نَسْجِ سَلَّامِ أَرَادَ مِنْ نَسْجِ سُلَيْمَانَ ﵇. وَمِثْلهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ (٤): وَكُلُّ صَمُوْتٍ نَثْلَةِ تُبَّعِيَّةٍ وَنَسْجِ سُليْمٍ كُلِّ قَضَّاءَ ذَائِلِ وَيُرْوَى: فَضْفَاضَ يُرِيْدُ سُلَيْمَانَ.
(٢) ديوان النابغة الذبياني ص ١٧٧.
(٣) حلية المحاضرة ٢/ ٧.
(٤) ديوانه ص ٢٢٧.
(٥) ديوانه ص ٧١.
[ ١ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَقَالَ الأَسْوَدُ بن يَعفرُ (١): مِنْ نَسْجِ دَاوُودَ أَبِي سَلَامٍ يُرِيْدُ دَاوُودَ أَبِي سُلَيْمَانَ ﵉. وَقَالَ أَوْسُ حَجرٍ (٢): فَهَلْ لَكُمْ فِيْهَا إلَيَّ فَإِنَّنِي طَبِيْبٌ بِمَا أَعْيَا النِّطَاسِيَّ حِذيْمَا أَرَادَ ابنَ حَذِيْمٍ وَهُوَ طَبِيْبٌ فِي الجَّاهِلِيَّةِ. وَالنِّطَاسِيُّ الحَذِقُ بِالأَمْرِ المَهِرِ فِيْهِ. وَقَالَ القطَامِيُّ (٣): وَقَوْلُ المَرْءِ يَنْفَذُ بَعْدَ حِيْنٍ مَوَاضِعَ لَيْسَ يَنْفِذُهَا الإِبَارُ * * * وَمِنَ المَقْلُوْبِ وَهُوَ يَقْربُ مِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ العُجَيْرِ (٤): إذا مَا مَشَتْ نَادَى بِهَا فِي ثيَابِهَا ذَكِيُّ الشَّذَا وَالمَنْدَلِيُّ المُطَيَّرُ * * * وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّمَّاخُ (٥): وَشُعْبَتَا مَيْسٍ بَرَاهَا إِسْكَاف فَجَعَلَ النّجَارَ إِسْكَافًا. وَمِثْلهُ (٦): وَمِحْوَرٍ أُخْلِصَ مِنْ مَاءِ اليَلبَب
(٢) لسان العرب (سلم).
(٣) ديوانه ص ١١١.
(٤) ديوانه ص ٨٨.
(٥) ديوانه.
(٦) ديوانه ص ٣٦٧.
(٧) لسان العرب (يلب).
[ ١ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَاليَلَبُ: سُيُوْرٌ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعِضٍ وَيُجْعَلُ تَحْتَ البِيْضِ فَتَوَهَّمَ أَنَّ اليَلَبَ أَجْوَدُ الحَدِيْدِ. وَمِثْلهُ قَوْلُ ابن أَحْمَرَ (١): لَمْ تَدْرِ مَا نَسْجُ اليَرَنْدَجِ قَبْلَهَا وَاليَرَنْدَجُ: جُلُوْدٌ سُوْدٌ فَتَخَيَّلَ أَنَّهَا مِمَّا تُنْسَجُ. وَقَالَ حُمَيْدُ بن ثَوْرٍ (٢): لَمَّا تَخَيَّلَتِ الحُمُوْلَ حَسِبْتُهَا دَوْمًا بِائِلَةَ نَاعِمًا مَكْمُوْمَا الدَّوْمُ: شَجَرُ المُقِل وَإِنَّمَا يُكَمَّمُ النَّخْلُ فَظَنَّ أَنَّ الدَّوْمَ يُكَمَّمُ. وَقَالَ رُؤْبَةُ (٣): كَمَا أَتَّقِي مُحْرِمُ حَجٍّ أَيْدَعَا وَالأَيْدَعُ: دَمُ الأَخَوَيْنِ فَتَوَهَّمَهُ الزَّعْفَرَانَ أَوْ الخَلُوْقَ. وَقَالَ الآخَرُ (٤): يَطُوْفُ العُفَاة لَدَى بَيْتِهِ كَطَوْفِ النَّصَارَى بِبَيْتِ الوَثَنِ وَلَا وَثَنَ لِلنَّصَارَى إِلَّا أنْ يَكُوْنَ ذَهَبَ بِذَلِكَ إِلَى الصلِيْبِ. * * * وَمِنْهُ قَوْلُ هَارُوْنُ الرَّازِيِّ: كَأَنَّ مَوَاكِبَ الأبْطَالِ أُكْمٌ طَلَالهَا بِالحَدِيْدِ بَنَانُ طَالِي وَالحَدِيْدُ لَا يُطْلَى بِالبَنَانِ.
(٢) ديوانه.
(٣) ديوانه ص ١٥٩.
(٤) ديوانه ص ٨٨ ط وليم.
(٥) للأعشى في ديوانه ص ٣٦٤.
[ ١ / ٤٣٦ ]
فيْهِ الاسْمُ عَنْ جِهَتِهِ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُم: [من الطويل]
إِنْ ينْسِنَا الأَيَّامُ وَالدَّهْرُ تَعْلَمُوا بَنِي قَارِبٍ أنَّا غِضَابٌ بِمَعْبَدِ
أَرَادَ بِعَبْدِ اللَّهِ. وَهُوَ أخُو دُرَيْدٍ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ: [من الطويل]
تَنَادَوَا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِسًا فَقُلْتُ أَعَبْدُ اللَّهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي؟
وَقَالَ المُفَضلُ اليَشْكُرِيُّ (١): [من الوافر]
وَسَائِلَةٍ بِثَعْلَبَةَ بنِ شَيْرٍ وَقَدْ عَلِقَتْ بِثَعْلَبَةَ العَلُوْقُ
يُرِيْدُ بِقَوْلِهِ: ابنِ شَيْرٍ ابنَ سَيَّارٍ.
وَمَا غَلِطُوا فِيْهِ، كَقَوْلِ بَعْضِهِم: [من الرجز]
مِثْلَ النَّصَارَى قَتَلُوا المَسِيْحَا
فَتَوهَّمَ أَنَّ النَصَارَى قَتَلُوْهُ.
وَقَالَ أَبُو نُخَيْلَةَ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ الفُسْتُقَ مِنَ البُقُوْلِ (٢):
بَرِّيَّة لَمْ تَأْكُلِ المُرَقَّقَا وَلَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقَا
وَالكِنَايَةُ بِالشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَرِيْدَ الشَّيْءَ، فَيُكِني بِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى سَبِيْلِ الاتِّسَاعِ.
وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: إِذَا ذَكَرَتِ العَرَبُ الثَّوْبَ، فَإنَّمَا يُرِيْدُوْنَ بِهِ البَدَنَ. قَالَتْ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ (٣): [من الطويل]
رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ فَلَا تَرَى لَهَا شَبْهًا إِلَّا النَّعَامَ المُنَفِّرَا
تَقُوْلُ: رَمُوْهَا بِأَجْسَامٍ خِفَافٍ، أَيْ صَارُوا عَلَيْهَا خِفَافًا.
_________________
(١) للمفضل اليشكري في نهاية الأرب ٧/ ١٨٧، الأصمعيات ٢٣٥.
(٢) جمهرة اللغة ٣/ ٥٥٤، ضرائر الشعر ٢٤٧.
(٣) ديوانها ص ٧٠.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وَيُقَالُ: فُلَانٌ أوْسَعُ بَنِي أَبيْهِ ثَوْبًا، أي أَكْثَرَهُمْ عِنْدَهُمْ مَعْرُوْفًا. وَفُلَانٌ غَمْرُ الرّدَاءِ: إِذَا كَانَ وَاسِعَ الخُلُقِ. وَأَنْشَدَ هُوَ قَوْلُ كُثَيِّرٍ فِي عَبْدِ العَزِيْزِ بن مَرْوَانَ (١): [من الكامل]
غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضاحِكًا غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ
وَقَالَ رُؤْبَةُ (٢): [من السريع]
فَقَدْ أَرَى وَاسِعَ جَيْبِ الكُمِّ
يُرِيْدُ: وَاسِعَ الصَّدْرِ كَثيْرَ العَطَاءِ؛ لأنَّ العَرَبَ تَكْنِي عَنِ القَلْب بالجيْب.
وَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ (٣): [من الطويل]
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ وَأَوْجهُهُمْ عِنْدَ المَشَاهِدِ غُرَّانُ
أَرَادَ أنَّهُمْ بَرِؤونَ مِنَ الأَدْنَاسِ وَالعُيُوْبِ.
وَيَقُوْلُوْنَ: فِدًى لَكَ ثَوْبَايَ، وَفِدَاءً لَكَ رِجْلَاىَ. مَعْنَاهُ: أَنَا أَفْدِلْكَ.
وَيُقَالُ فُلَانٌ دَنِسُ الثَّوْبِ: إِذَا كَانَ غَادِرًا فَاجِرًا.
وَيَقُوْلُوْنَ: فِدًى لَكَ إِزَارِي، أيْ نَفْسِي. قَالَ الشَّاعِرُ (٤): [من الوافر]
ألَا أَبْلِغْ أبَا حَفْصٍ رَسُوْلًا فِدًى لَكَ مِنْ أَخِي ثِقَةٍ إزَارِي (٥)
_________________
(١) ديوانه ص ١٨٧.
(٢) ديوانه ص ١٤٣.
(٣) ديوانه ص ٨٣.
(٤) لنفيلة الأكبر الأشجعي في لسان العرب (أزر)، العقد الفريد ٢/ ٤٦٣.
(٥) وَالعَرَبُ يَكنُونَ عَنْ الغَادِرِ بِدَنسِ الثَّوْبِ قَالَ اليَشْكُرِيُّ (١): وَلَكِنَّنِي أُنْفِي عَنِ الذَّمِ وَالِدِي وَبَعْضُهُمْ لِلغَدْرِ فِي ثَوْبِهِ دَسَمُ
(٦) حلية المحاضرة ٢/ ١١.
[ ١ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَيُقَالُ: دَمُ فُلَانٍ فِي إِزَارِ فُلَانٍ وفي ثَوْبِهِ، أيْ هُوَ صَاحِبُهُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ (١): تَبَرَّأَ مِنْ دَمِ القَتِيْلِ وَبَزِّهِ وَقَدْ عَلِقَتْ دَمَ القَتيْلِ إزَارهَا وَقَالَ أَوْسٌ (٢): نبّئت أَنَّ دَمًا حَرَامًا نِلْتَهُ هُرَيْقَ فِي بَرْدٍ عَلَيْكَ مُحَيّرُ أيْ آتَتْ صَاحِبُهُ. وَقَالَ الآخَرُ: كَأَنِّي نَضوت حَايِضًا مِنْ ثِيَابهَا. أَيْ لبِسَتْ عَارًا أَوْ خِزْيًا. وَيُقَالُ: فُلَان عَفِيْفُ الأَرْكَانِ، طَيِّبُ الحجْرَةِ، إِذَا كَانَ عَفِيْفَ الفَرْجِ. قَالَ النَّابِغَةُ (٣): رِقَاقُ النِّعَالِ طَيِّبٌ حُجُرَاتهم يحيّونَ بِالرَّيْحَانِ يومَ السَّبَاسِبِ وَقَالَتْ الخَرِنِقُ بنتُ بَدْرٍ (٤): النَّازِلُوْنَ بِكُلِّ مُعْتركٍ وَالطَّيِّبُوْنَ مَعَاقِدَ الأزْرِ وَيُقَالُ: هُوَ طيّب العَذِرَةِ وَالعَذِرَةُ الفِنَاءُ يَقُوْلُ لَا يَحْضُرُ فَنَاءَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الرِّيْبَةِ قَالَ الشَّاعِرُ (٥): كَانَ لَا يَحْرِمُ الصَّدِيْقُ وَلَا يَعْلَمُ مَا الفُحْشِ طَيّبَ العَذِرَاتِ وَيُقَالُ: هُوَ خَفِيْفُ الشفةِ، أَيْ قَلِيْلُ المَسْأَلَةِ، وَشَدِيْدُ الجَّفْنِ، أَيْ: صَبُوْرٌ عَلَى السَّهَرِ.
(٢) أشعار الهذليين ١/ ٧٧.
(٣) ديوان أوس بن حجر ص ٤٧.
(٤) ديوانه ص ٤٧.
(٥) الكامل للمبرد ٢/ ٤٦.
(٦) حلية المحاضرة ٢/ ١٢.
[ ١ / ٤٣٩ ]
وَمَا يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَجِيْئُوا بِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ، فَيَأتُوْنَ بِشَيْءٍ مِنْ سَبَبِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ (١): [من الرجز]
كَالنَّحْلِ فِي مَاءِ الرُّضَابِ العَذبِ
أَيْ كَالعَسَلِ.
وَقَالَ لَبِيْدٌ (٢): [من الكامل]
بِجُلَالَةٍ تُوْفِي الجدِيْلَ سَرِيْحَةٍ مِثْل الفَتِيْقِ هَنَّأتَهُ بِعَصِيْمِ
وَالعَصِيْمُ: أَثَرُ الهِنَاءِ، وَأَثَرُ الخِضَاب. فَأَرَادَ: هَنِّأتَهُ بِهِنَاءِ. فَقَالَ بعَصِيْمٍ؛ لأَنَّهُ مِنْ سَبَبِ الهِنَاءِ.
وَقَالَ الجَعْدِيُّ (٣): [من المنسرح]
كَأَنَّ فَاهَا إذَا تُوُسِّنَ فِي طِيْبِ مَشَمٍّ وَحُسْنِ مُبْتَسَمِ
رُكِّبَ فِي السَّامِ وَالزَّبِيْبِ أَقَاحِيَّ كَثِيْبٍ تَنْدَى مِنَ الرِّهْمِ
أَرَادَ أَنْ يَقُوْلَ: رُكِّبَ فِي السَّامِ وَالخَمْرِ، فلم يُمْكِنُهُ، فَسَمَّى الخَمْرُ بِالزَّبِيْبِ؛ إِذْ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ (٤).
_________________
(١) ديوانه ص ١٥.
(٢) ديوانه ص ٢٤٨.
(٣) مجموع شعره ص ١٥١ - ١٥٢.
(٤) إِنَّمَا ذَهَبَ النَّابِغَةُ الجَّعْدِيُّ فِي قَوْلِهِ هَذَا لبى طِيْب رَائِحَةِ فَمِ هَذِهِ المَوْصوْفَةِ وَالسَّامُ المَغدنُ الَّذِي يَكُوْنُ فيه الذَّهَبُ وَمِثْلَهُ قَوْلُ الآخَر (١): كَثَوْرِ الغرَابِ الفَردِ يَضِربُهُ النَّدَى تَعَلَّى النَّدَى فِي مَتْنِهِ وَتَحَدَّرَا يُرِيْدُ بِالنَّدَى الأوَّلُ المَطَرُ وَبِالنَّدَى الثَّانِي الشَّحْمُ فَسَمَّاهُ بِاسْمِ النَّدَى لَمَّا كَانَ عَنْهُ
(٥) لعمرو بن أحمر في لسان العرب (ندى).
[ ١ / ٤٤٠ ]
وَمَا اتَّسَعُوا فِيْهِ، فَجَعلُوا الفَاعِلَ مَفْعُوْلًا، وَالمَفْعُولَ فَاعِلًا. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهُ تَعالَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيْمٌ﴾ [البقرة: ١٠] أَيْ مُؤْلِمٌ.
وَقَالَ العَبَّاسُ بن مِرْدَاسٍ (١): [من الوافر]
فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِي وَلَا آلُوْكَ إِلَّا مَا أُطِيْقُ
أَرَادَ فَدَيْتُ نَفْسَهُ بِنَفْسِي.
وَقَالَ الأَخْطَلُ (٢): [من البسيط]
مِثْلُ القَنَافِذِ هَدَّاجُوْنَ قَدْ بَلَغَتْ نَجْرَانَ أَوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجَرُ
يُرِيْدُ أَوْ بَلَغَتْ سَوْآتُهُمْ هَجَرَ.
وَأنْشَدَ أَبُو عَمْرو بنِ العَلَاءِ (٣): [من الوافر]
إِنَّ بَنِي شرَحْبِيْلَ بنِ عَمْرٍو تَمَادَوا والفُجُوْرُ مِنَ التَّمَادِي
أَرَادَ: أَنَّ التَّمادي مِنَ الفُجُورِ (٤).
_________________
(١) = يَكُوْنُ وَذَلِكَ كَمَا قَالَ أَبُو دُؤَادٍ (١): إِبْلِي الإِبْلُ لَا يُجَوِّزُهَا الرَّاعِي وَمَجَّ النَّدَى عَلَيْهَا المُدَامُ يُرِيْدُ بِالنَّدَى الشَّحْمُ، وَبِالمَدَامِ الغَيْثَ الدَّائِمَ فِي سُكُوْنٍ.
(٢) ديوانه ص ١١٩.
(٣) ديوانه ٢٥٩.
(٤) ضرائر الشعر ص ٢٧٥، حلية المحاضرة ٢/ ١٤.
(٥) أَخْبَرَ مُحَمَّد بن يَحْيَى عَنْ مُوْسَى بن مُحَمَّدٍ اليَزِيْدِيّ عَنْ أَحْمَد بن سُلَيْمَانَ بن وَهَبٍ إِنَّ مُحَمَّدَ بن عَلِيّ لِمَا أَنْشَدَهُ لِلْوَزِيْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ يَحْيَى بن خَافَانَ قَصِيْدَتَهُ فِيْهِ فَقَالَ: إِلَى الوَزِيْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَقْصَدُهَا أَعْنِي ابن يَحْيَى حَيَاةُ الدِّيْنِ وَالكَرَمِ إِذَا رَمِيْتَ بِرجْلِي فِي ذُرَاهُ فَلَا نِلْتُ المنَى مِنْهُ إِنْ لَمْ تشرقي بِدَمِ
(٦) ديوانه ص ٣٣٩.
[ ١ / ٤٤١ ]
وَاسْمَانِ يَغْلُبُ أحَدُهُمَا، فَيُنْسَبُ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ. قَالَ الأَصمَعِيُّ: إِذَا كَانَ أَخَوَانِ أَوْ صاحِبَانِ أحَدُهُمَا أشْهَرُ مِنَ الآخَرِ، سُمِّيَا جَمِيْعًا باسْمِ الأَشْهَر. قَالَ الشَّاعِرُ: [من الوافر]
ألَا مَنْ مُبْلِغُ الحُرَّيْنِ عَنِّي مُغَلْغَلَةً وَخُصَّ بِهَا أُبَيَّا
فَقَالَ: الحُرَّيْنِ، وَهُمَا أَخَوَانِ: الحُرُّ وَأُبَيُّ.
_________________
(١) = وَلَيْسَ ذَاكَ لِجُرْمٍ مِنْكَ أَعْلَمُهُ وَلَا لِجَهْلٍ بِمَا أَسْدَيْتَ مِنْ نِعَمِ لِكْنَّهُ فِعْلُ شَمَاخٍ بِنَاقَتِهِ لِدَى عَرَابَةَ إِذْ أَدَّتْهُ لِلأطُمِ فَلَمَّا سَمِعَ عُبَيْدُ اللَّهِ ذَلِكَ قَالَ مَا مَعْنَى هَذَا وَلَمْ يَكُنْ لِعُبَيْدِ اللَّهِ أَدَبٌ بَارِعٌ وَلَا رِوَايَةٌ؟ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ أَبِي أَعَزَّ اللَّهُ الوَزِيْرَ إِنَّ الشَّمَاخَ مَدَحَ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ بِقَصِيْدَة فَقَالَ فِيْهَا يُخَاطِبُ نَاقَتَهُ: إِذَا بَلَغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحِلِي. وَذَكَرَ البَيْتَيْنِ فَعَابَ عَلَيْهِ أَبُو نُواسٍ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَبُو نُواسٍ عَلَى الصوَاب وَالشَّمَّاخُ عَلَى خَطَأٍ فَقَالَ لَهُ أَبِي قُدَاتِيَّ الوَزِيْرُ بالحَقِّ وَهَكَذَى قَالَ عَرَابَةُ المَمْدُوْحُ لِلشَّمَّاخِ لَمَّا سَمِعَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ. وَيُرْوَى عَنْ أَبُو نُواسٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ قَوْلُ الشَّمَّاخُ إِذَا بَلَغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحِلِي البَيْتَانِ عِنْدِ عَيْبًا حَتَّى سَمِعْتُ قَوْلُ الفَرَزْدَقُ عَلَام تَلِفِّيْنَ وَأَنْتَ تَحْتِي البَيْتَانِ قَالَ أَبُو نُواسٍ فَقُلْتُ: وَإِذَا المَطِيُّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّدًا فَظُهُوْرُهُنَّ عَلَى الرِّجَالِ حَرَامُ قَرَّبْنَنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئ الحَصَا فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وِذِمَامُ وَمِنَ المُسْتَحْسَنِ فِي مُخَاطَبَةِ النَّاقَةِ عِنْدَ حَثّهَا عَلَى ابْلَاغ إِلَى المَمْدُوْحِ قَوْلُ دَاؤُدُ بن سَلْمٍ فِي قُثَمَ بن العَبَّاسِ: نَجَوْتُ مِنْ حَلٍّ وَمِنْ رِحْلَةٍ يَا نَاقَ إِنْ إِذْ نِيَّتِي مِن قُثَم إِنَّكِ إِنْ بَلَغْتِنِيْهِ غَدًا عَاشَ لَكِ اليُسْرُ وَمَاتَ العَدَمْ فِي بَاعِهِ طُوْلٌ وَفِي وَجْهِهِ نُوْر وَفِي العِرْنجيْنَ مِنْهُ شَمَم لَمْ يَدْرِ مَا لَا وَبَلَى قَدْ دَرَى فَعَافَهَا وَاعْتَاضَ مِنْهَا نَعَم
[ ١ / ٤٤٢ ]
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَر: [من الكامل]
فَقُرَى العِرَاقِ مَسِيْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَالبَصْرَتَانِ وَوَاسِطٌ تَكْمِيْلُهُ
أَرَادَ الكُوْفَةَ وَالبَصْرَةَ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَر: [من الوافر]
جَزَانِي الزّهْدَمَانِ جَزَاءَ سَوْءٍ وَكُنْتُ المَرْءَ يُجْزَى بِالكَرَامَهْ
وَالزّهْدَمَانِ مِنْ بَنِي عَبْسٍ. يُقَالُ لأَحَدِهُمَا: زَهْدَمٌ، وَلِلآخَرِ قَيْسٌ.
وَمِثْلهُ أَيْضًا: [من الطويل]
أَخَذْنَا بِآفاَقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ لنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُوْمُ الطَّوَالِعُ
أَرَادَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: العُمَرَانِ. يُرِيْدُوْنَ: أبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ (١).
_________________
(١) أَخْبَرَ الحَكِيْمِيّ عَنْ أَحْمَد بن عَنْ مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ الأَعْرَابِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا المُفَضَّلُ قَالَ دَعَانِي الرَّشِيْدُ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ خِمِيْسٍ وَعِنْدَهُ عَليُّ بن حَمْزَةَ الكَسَّائِيُّ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مُحَمَّدٌ وَالمَأْمُوْنُ فَقَالَ لِي: يَا مُفَضَّل كَمْ اسْمًا فِي قَوْلِهِ ﷿ (فَسَيَكْفِيْكَهُمُ؟) فَقُلْتُ: ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ أَحَدُهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي الكَافُ وَهُوَ اسْمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَالهَاءُ وَالمِيْمُ لِلْكفَّارِ. قَالَ: هَكَذَا أَخْبَرَنَا هَذَا الشَّيْخُ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الكَسَّائِيّ ثُمَّ قَالَ: يَا مفَضَّل هَلْ عِنْدَكَ مَسْأَلَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَم. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ (١): أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ لَنَا قَمرَاهَا وَالنُّجُوْمُ الطَّوَالِعُ فَقَالَ: أَرَادَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ فَقَلَبَ القَمَرَ لأنَّ العَرَبَ إِذَا اجْتَمَعَ لَهَا اسْمَانِ غَلَّبَتِ أَحَدُهُمَا فَغَلَّبُوا القَمَرَ لِكُثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لَهُ إِذْ كَانَ يَعْمَلُ فِي الشُّهُوْرِ وَيَطلَعُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَكَذَلِكُ فَعَلُوا فِي سِيْرَةِ العُمَرَيْنِ لَمَّا كَانَ عُمَرٌ أَكْثَرُ فُتُوْحًا وَأَطْوَلُ مُدَّةً غَلَبَ اسْمُهُ.
(٢) للفرزدق في ديوانه ١/ ٤١٩.
[ ١ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا أَرَادَ قَائِلُهُ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ. فَقَالَ: هَكَذَا أَفَادَنَا هَذَا الشَّيْخُ وَأَوْمَأَ إِلَى الكَسَائِيّ ثُمَّ قَالَ لَهُ: هَلْ فِيْهِ زِيَادَةٌ؟ فَقَالَ: قَدْ وَفَيْتُهُ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مَا تَقُوْلُ العَرَبُ. فَقَالَ لِي الرَّشِيْدُ: مَا عِنْدَكَ يَا مُفَضَّلُ؟ فَقُلْتُ: أَرَادَ بِالشَّمْسِ خَلِيْلُ اللَّهِ إبْرَاهِيْم وَبِالقَمَر النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَبِالنُّجُوْمِ الطَّوَالِعِ أَنْتَ وَأَبَاكَ. فَقَالَ: أَحْسَنْتَ يَا مُفَضَّل وَأَمَرَ لِي بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدَعَا بِكُرْسِيٍّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَبِكُرْسِيٍّ آخَرَ فَأَجْلَسَ الكَسَّائِيّ عَلَيْهِ ثُمَّ أَذِنَ لِلشُّعَرَاءِ فَدَخَلَ الفَضْلُ بن الرَّبِيْع وَخَلْفَهُ العُمَانِيّ وَالنُّمَيْرِيّ فَاسْتَنْشَدَ العُمَانِيّ فَأَنْشَدَهُ قَصِيْدَةً يَمْدَحُهُ فِيْهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: قُلْ لِلإِمَامِ المُقْتَدِي بِأمِّهِ مَا قَاسِمٌ دُوْنَ مَدَى ابن أمِّهِ وَقَدْ رَضِيْنَاهُ فَقُمْ فَسَمِّهِ فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا رَضِيْتَ أنْ أُسَمِّيْهِ وَأَنَا قَاعِدٌ حَتَّى أَقُوْمَ عَلَى رِجْلِي؟ فَقَالَ: يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مَا أَرَدْتُ قِيَامَ جِسْمٍ بَلْ قِيَامَ عَزْمٍ ثُمَّ أَمَرَ بِإِحْضَارِ القِاسْمِ وَمَرَّ العُمَانِيُّ فِي أُرْجُوْزتِهِ يَهْدِرُ حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا وَطَلعَ القِاسْمُ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِالجُّلُوْسِ فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا هَذَا الشَّيْخُ فَجَائِزَتُهُ عَلَيْكَ وَقَدْ سَأَلَنَا أنْ نُوْليْكَ العَهْدَ وَقَدْ فَعَلْنَا. فَقَالَ: حُكْمُكَ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ. فَقَالَ: وَمَا أَنَا وَهَذَا بَلْ حُكْمُكَ. ثُمَّ أنْشَدَهُ النُّمَيْرِيّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ (١): مَا كُنْتُ أُوْفِي شَبَابِي كُنْهَ غرّتهِ حَتَّى انْقَضى فَإِذَا الدُّنْيَا لَهُ تَبَعُ فَتَحَرَّكَ الرَّشِيْدُ وَقَالَ: صَدَقَ وَاللَّهِ مَا يَتَهَنَّأُ أَحَدٌ بعَيْشٍ حَتَّى يَخْطُرَ فِيْهِ بِرِدَاءِ الشَّبَابِ. ثُمَّ اسْتُؤْذِنَ لِسَعِيْدِ بن سَلِيْمٍ فَدَخَل عَلَيْهِ فَسلَّمَ وَقَالَ: يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ بِالبَابِ شَابٌّ قَدِمَ عَلَيَّ مِنَ البَادِيَةِ مَا سَمِعْتُ أَشْعَرَ مِنْهُ. فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ اسْتَنْبَحْتَ هَذَيْنِ فَهَيِّئ لَهُمَا أَحْجَارَكَ. فَقَالَ: أَوْ يَهِبَانَنِي لَكَ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ شَابٌّ عَلَيْهِ حِبْرَةٌ قَدْ شَدَّ بِهَا وَسَطَهُ وَعَلَى رَأْسِهِ حَدْرِيَّةٌ مُدَلَّاتٍ عَلَيْهَا عِمَامَةً طَوِيْلَةً
(٢) لمنصور النمري في ديوانه ص ٩٦.
[ ١ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فَتَبَسَّمَ الرَّشِيْدُ لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ أَنْشَدَهُ شِعْرًا حَسَنًا جَيِّدًا فَلَمَّا فَرِغَ مِنْهُ قَالَ الرَّشِيْدُ: أَعْجَبُ بِكَ مُسْتَحْصِنًا وَأتَّهِمُكَ مُنْكِرًا فَإنَّ كُنْتَ صَادِقًا فِي أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لَكَ فَقُلْ فِي هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ شَيْئًا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مُحَمَّد وَالمَأمُوْن فَقَالَ: يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ رَوْعَةُ الخِلَاقَةِ وَبُهْرُ البَدِيْهَةِ فَإنَّ رَأَى أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ أنْ يُمْهِلُنِي فَعَل. فقل: افْعَل. فَقَالَ: لَقَدْ وَسَّعْتَ الخِنَاقَ وَسَهَّلْتَ مِيْدَانِ السِّبَاقِ ثُمَّ فَكَّرَ مَلِيًّا وَقَالَ: بَنَيْتَ لِعَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ذُرَى قُبَّةِ الإِسْلَامِ فَاخْضَرَّ عُوْدُهَا هُمَا طنْبَاهَا بَارَكَ اللَّهُ فِيْهُمَا وَأَنْتَ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَمُوْهَا فَقَالَ: أَحْسَنْتَ فَلتكُنْ مَسْأَلَتُكَ عَلَى قَدَرِ إِحْسَانِكَ. فَقَالَ: الِهُنَيْدَةُ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمِ فَأَخَذَ المَالُ وَانْصَرَفَ (١). * * * وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مُتَوَكِّلِ بنِ أَبِي الحُسَيْنِ الأَنْدَلُسِيِّ مِنْ قَصِيْدَةٍ طَوِيْلَةٍ: تُعَيِّرُنِي إِلَّا أُقِيْمُ بِبَلْدَةٍ وفي مِثْلِ حَالِي هَذِهِ القَمَرَانِ رَأَتْ رَجُلًا لَا يَشْرَبُ المَاءَ صَافِيًا وَيَحْلُو لَدَيْهِ وَهُوَ أَحْمَرُ قَانِي لَهُ هِمَمٌ سَافَرْنَ فِي طَلَبِ العُلَى نُجُوْمُ الثُّرَيَّا عِنْدَهُنَّ دَوَانِي تَغَرَّبَ لَمَّا أَنْ تَغَرَّبَ ذِكْرُهُ عُلوًّا كِلَا هَذَيْنِ مُغْتَرِبَانِ وَمِنْ قَوْلهِمْ مَنْ يَغِل فِي الصَّيْفِ رَأْسُهُ فَمِرْجَلهُ فِي القِرِّ ذُو عَيْنَانِ وَقَالَ المُبَرَّدُ أَنْشَدَنِي التوزي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ لِجَرِيْرٍ (٢): وَمَا لِتَغْلِبَ إِنْ عَدُّوا مَسَاعِيْهِمْ نَجْمٌ يُضيْءُ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرُ مَا كَانَ يَرْضى رَسُوْلُ اللَّهِ وَالعُمَرَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
(٢) طبقات ابن المعتز ص ١٤٩.
(٣) ديوانه ص ١٥٧، ١٥٩.
[ ١ / ٤٤٥ ]