فَالإِفْسَادُ فِي الأَخْذِ، وتَقْصِيْرُ المُتَّبِع عِنْ إِحْسَانِ المُبْتَدِعِ. وَذَلِكَ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّاعِرُ مَعْنًى لِغَيْرِهِ وَيَأْخُذَ لَفَظَاتٍ مِنَ البَيْتِ هِيَ مَرَاكِزُ ذَلِكَ المَعْنَى الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاؤُهُ فَيَأْتِيَ بِهَا، وَيَزِيْدُ فِيْهِ لَفْظًا مِنْ عِنْدِهٍ تَتِمَّةً لِوَزْنِ البَيْتِ، فَيُنْقِصَ مَا زَادَهُ فِيْهِ مِنَ اللَّفْظِ مِنْ أحْكَامِ المَعْنَى وَاللَّفْظِ الَّذِي أَخَذهُمَا، لَا سِيَّمَا إِذَا صَاغَهُ فِي لَفْظٍ مُتَكَلّفٍ كَدِرٍ، كَقَوْلِ مُسْلِم بن الوَليْدِ (١): [من البسيط]
قَدْ أَوْلَعتهُ بِطُوْلِ الهَجْرِ غِرَّتُهُ لَوْ كَانَ يَعْرِفُ طُوْلَ الهَجْرِ مَا هَجَرَا
أخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ، فَأفْحَشَ فِي أَخْذِهِ، وَأَتَى بِهِ فِي لَفْظٍ مُتَكَلِّفٍ فَقَالَ (٢): [من الكامل]
كُشِفَ الغِطَاءُ فَأَوْقِدِي أَو أخْمدِي لَمْ تُكْمَدِي فَظَنَنْتِ أَنْ لَنْ تُكْمِدِي
وَكَقَوْلِ الآخَرَ (٣): [من السريع]
وَرِيْحُهَا أَطْيَبُ مِنْ طِيْبِهَا وَالطِّيْبُ فِيْهِ المِسْكُ وَالعَنْبَرُ
أخَذَهُ بَشَّار فَجَيَّفَهُ حَيْثُ قَالَ (٤): [من الرمل]
وَإِذَا أَدْنَيْتَ مِنْهَا بَصَلًا غَلَبَ المِسْكُ عَلَى رِيْحِ البَصَل
وَحَقِيْقٌ بِبَيْتٍ يُذْكَرُ فِيْهِ البَصَلُ مَرَّتَيْنِ أَنْ يَجِيْفَ. وَكَقَوْلِ حَنَشٍ الفَزَارِيِّ (٥): [من الوافر]
وَكَمْ مِنْ مَوْقِفٍ حَسَنٍ أُحِيْلَتْ مَحَاسِنُهُ فَعُدَّ مِنَ الذُّنُوْبِ
_________________
(١) ديوانه ص ٢١٣.
(٢) لأبي تمام في ديوانه ٢/ ٤٣.
(٣) المنصف ص ٣٠، معاهد التنصيص ٤/ ٤٩.
(٤) لبشار في ديوانه ٤/ ١٥١.
(٥) أخبار أبي تمام ص ٥١.
[ ١ / ٤١٥ ]
أخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ، فَأَفْسَدَهُ، وَبَدَّلَ مَحَاسِنَهُ بِالمَسَاوِيء، فَقَالَ (١): [من الطويل]
فَإِنْ كَانَ ذَنْبِي أَنَّ أَحْسَنَ مَطْلَبِي أَسَاءَ فَفِي سُوْءِ القَضاءِ لِيَ العُذْرُ
وَكَقَوْلِ طَرَفةَ (٢): [من الطويل]
فَإنْ كُنْتَ مَأْكُوْلًا فَكُنْ أنْتَ آكِلِي فَبَعْضُ مَنَايَا القَوْمِ أَشْرَفُ مِنْ بَعْضِ
أخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنِ الحَجَّاجِ التَّغْلِبِيُّ فَأَفْسَدَهُ لَمَّا قَالَ (٣): [من الطويل]
فَإنْ كُنْتَ مَأْكُوْلًا فَكُنْ أنْتَ آكِلِي وَإِنْ كُنْتُ مَذْبُوْحًا فَكُنْ أنْتَ تَذْبَحُ
مَا لَهُ لَا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ، فَمَا أَشَدَّ مَا عَوَّضَنَاهُ مِنْ ذَلِكَ المَثَلِ السَّائِرِ المَطْبُوْعِ بِهَذَا الكَلَامِ الشَّنِيْءِ المَمْقُوْتِ. وَكَقَوْلِ الأَشْجَعِ السُّلْمِيِّ (٤): [من مجزوء الرمل]
بَالِغٌ مَا يَبْلِغُ الشَّيْخُ وَإِنْ كَانَ غُلَامَا
أخَذَهُ المُتَنَبِّيّ فَقَالَ (٥): [من الوافر]
وَشَيْخٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْسَ شَيْخًا يُسَمَّى كُلُّ مَنْ بَلَغَ المَشِيْبَا
فَالسُّلَمِيُّ أَتَى بِالمَعْنَى تَامًّا فِي لَفْظٍ مُخْتَصرٍ عَذبٍ، وَالمُتَنَبِّيّ جَاءَ بِهِ فِي كَلَامٍ طَوِيْلٍ كَرَّرَ فِيْهِ ذِكْرَ الشَّيْخِ مَرَّتَيْنِ، وَذَكَرَ المَشِيْبَ وَالشَّبَابَ، وَأَوْجَبَ، وَنَفَى، وَأَقَامَ القِيَامَةَ (٦).
_________________
(١) ديوانه ٢/ ٥٦.
(٢) لم يرد في شرح ديوان طرفة.
(٣) شعراء أمويون ص ٣٠٢.
(٤) لم يرد في مجموع شعره.
(٥) ديوانه ١/ ٤٢.
(٦) وَمِمَّنْ أَخَذَ فَأَسَاءَ فِي أَخْذِهِ كُلَّ الإِسَاءَةِ وَنَقَصَ أَحَدَ المَثْلَيْنِ ابْنُ هِرْمَةَ قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ بن حَجرِ الكِنْدِيّس (١):
(٧) ديوانه ص ٢٣٨.
[ ١ / ٤١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اللَّهُ أَنْجَحُ مَا طَلَبْتَ بِهِ وَالبِرُّ خَيْرُ حَقِيْبَةِ الرَّحْلِ أخَذَهُ ابْنُ هَرمَةَ فَأَفْسَدَهُ حَيْثُ قَالَ (١): اللَّهُ أَنْجَحُ مَا طَلَبْتَ بِطُوْلهِ وَالقَوْلُ يَعْرِفُهُ الرِّجَالُ ذَوُو النُّهَى وَكَقَوْلِ امْرِىِ القَيْسِ أَيْضًا (٢): كَأَنَّ قُلُوْبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا. البَيْتُ أخَذَهُ أَبُو صَخْرٍ الهَذَلِيُّ أَفَجَّ أَخْذٍ فَقَالَ (٣): كَأَنَّ قُلُوْبَ الطَّيْرِ عِنْدَ مَبِيْتهَا نَوَى القَسْبِ يُلْقَى عِنْدَ بَعْضِ المَآدِبِ فَقَصَّرَ فِي العِبَارَةِ وَأَخَذَ بِأَحَدِ المَعْنَيَيْنِ لأَنَّهُ شَبَّهَ اليَابِسَ دُوْنَ الرَّطْبِ. وَكَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ أَيْضًا (٤): وَلَوْ عَنْ غَيْرِهِ جَاءَنِي وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ اليَدِ وَهَذَا مِنَ التَّشْبِيْهَاتِ البَدِيْعَةِ أخَذَهُ طُرْفَةُ فَأَسَاءَ فِي العِبَارَةِ عَنْهُ وَأَبْهَمَهُ فَقَالَ (٥): بِحُسَامِ سَيْفِكَ أَوْ لِسَانِكَ وَالكَلمُ الأَصِيْلُ كَأَرْغَبِ الكَلِمِ فَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَبَايُنٌ شَدِيْدٌ. وَمِنْ تَقْصِيْرِ المُتَّبِعِ عَنْ إحْسَانِ المُبْتَدِعِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَقَدْ لَاحَ لِلسَّارِي سُهَيْلٌ كَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاء رَقِيْبُ
(٢) لم يرد في ديوانه، وهو في حلية المحاضرة ٢/ ٧٤.
(٣) ديوانه.
(٤) لم يرد في ديوانه وهو له في حلية المحاضرة ٢/ ٧٤.
(٥) ديوانه ص ١٨٥.
(٦) ديوانه ص ٢١٩.
[ ١ / ٤١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخَذَهُ ابْنُ الدُّمَيْنَةِ فَقَالَ (١): وَأنِّي لأَرَى النَّجْمَ حَتَّى كَأَنَّنِي عَلَى كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمِاءِ رَقِيْبُ فَمَا زَادَ فِي البَيْتِ سِوَى تَكْرِيْرِ لَفْظِ النَّجْمِ مَرَّتَيْنِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَذَا المَثَلِ (٢): فَشَكَكْتُ بِالرّمْحِ الطَّوِيْلِ ثيَابَهُ لَيْسَ الكَرِيْمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ فَقَالَ حَسَّانُ وَوَقَعَ دُوْنَهُ (٣): وَمَا السَّيِّدُ الجبَّارُ حِيْنَ يُرِيْدُنَا بِكَيْدٍ عَلَى أَرْمَاحِنَا بِمُحَرَّمِ فَلَمْ يُفِدْ أَكْثَرَ مِنْ تَكْرِيْرِ العِبَارَةِ بِعَيْنِهَا حَسْبُ. وَكَقَوْلِ طُرْفَةَ (٤): يَشُقُّ حُبَابَ المَاءِ حَيْزُوْمُهَا بِهَا كَمَا قَسَمَ التُّرْبُ المَفَايِلَ بِاليَدِ فَاهْتَدَمَهُ لَبِيْدٌ وَقَصَّرَ عَنْهُ فَقَالَ (٥): يِشُق خَمَايِلَ الدَّهْنَا يَدَاهَا كَمَا لَعِبَ المُفَايِلُ بِالفِيَالِ وَهَذَا بِبَابِ الاهْتِدَامِ أَلْيَقُ هانَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لأَنَّهُ قَصَّرَ عَنِ المَأْخُوْذِ مِنْهُ. * * * وَمِمَّا أَخَذَ البُحْتُرِيُّ عَنْ أَبِي تَمَّامٍ فَقَصَّرَ عَنْهُ وَكَانَ لَفْظُ أَبِي تَمَّامٍ فِيْهِ أَرْطَبُ وَأَعْذَبُ
(٢) ديوانه ص ١٠٨.
(٣) ديوانه ص ٢١٠.
(٤) ديوانه ص ١٨٣.
(٥) شرح ديوانه ص ٩٠.
(٦) ديوانه ص ١٥٦.
[ ١ / ٤١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَفِي القَلْبِ أَحْلَى وَإلَى الفَهْمِ أَقْرَبُ قَوْلهُ (١): لآلِ وَهْب أَيَادٍ كُلَّمَا اجْتُدِيَتْ فَعَلْنَ فِي المَحْلِ مَا لَا تَفْعَلُ اليَمُّ قَوْمٌ تَرَاهُمْ غَيَارَى دُوْنَ مَجْدِهِمُ حَتَّى كَأَنَّ المَعَالِي عِنْدَهُمْ حُرَمُ وَقَالَ البُحْتُرِيُّ (٢): الفَاعِلُوْنَ إِذَا لُذْنَا بِظِلّهمُ مَا يَفْعَلُ الغَيْثُ فِي شُؤْبُوْبِهِ الهَتِنِ فَاسْتَكْرَهَ العِبَارَةَ وَنَقَصَ عَنِ اسْتِفَاءِ المَعْنَى لأنَّ الغَيْثَ فِي شُؤْبُوْبِهِ الهَتِنِ رُبَّمَا عَفَى الآثَارَ وَهَدَمَ الدِّيَارَ وَأَسَالَ الأَوْدِيَةَ فَأَهْلَكَ مَنْ مَرَّ بِهَا سَالِكًا وَاقْتَلَعَ الشَّجَرَ وَهَشَمَ الثَّمَرَ وَأَبُو تَمَّامٍ جَعَلَ مَا يُجْدِي بِهِ هَؤُلاءِ المَمْدُؤحُوْنَ فَاعِلًا مَا تَفْعَلَهُ الأَنْوَاءُ فِي المُحُوْلِ مِنْ اهْتِزَازِ الثَّرَى وإِنْبَاتِ المَرعَى وإِحْيَاءِ مَيِّتِ الكَلِأ وَإِيْرَاقَ مَا ذَوَى مِنَ الشَّجَرِ وَهَذَا كُلَّهُ مِنْ فِعْلِ الوَبْلِ فِي المَحْلِ وَالقَطْرِ فِي البَلَدِ القَفْرِ كَمَا قَالَ الآخَرُ: لَهُ فِي ذَوِي المَعْرُوْفِ نُعْمَى كَأَنَّهَا مَوَاقعُ صوْب القَطْرِ فِي البَلَدِ القَفْرِ وَمِنْ لَفْظِ أَبِي تَمَّامٍ الرَّابِعِ وَتَشْبِيْهِهِ الوَاقِع قَوْلُهُ (٣): بِيْضٌ يُدِرْنَ عُيُوْنَهُنَّ إِلَى الصِّبَى فَكَأَنَّهُنَّ بها يُدِرْنَ كُؤُوْسَا فَأخَذَ هَذَا المَعْنَى مِنْهُ البُحْتُرِيُّ وَتَكَلَّفَ العِبَارَةَ عَنْهُ فَقَالَ (٤): قَدْ تُدِيْرُ العُيُوْنُ مِنْ عَدَمِ الأَلْبَابِ مَا لَا يَدُوْرُ فِي الأَقْدَاحِ وَأوَّلُ هَذَا قَوْلُ الأَعْرَابِيِّ: ظَللْنَا كَأَنَّا عِنْدَ أُمِّ مُحَلَّمٍ نَشَاوَى وَلَمْ نشرَبْ طِلَاءً وَلَا خَمْرَا
(٢) لأبي تمام في ديوانه ٤/ ٤٩٠.
(٣) ديوانه ٤/ ٢١٥٩.
(٤) ديوانه ٢/ ٢٦٤.
(٥) ديوانه ١/ ٤٥٨.
[ ١ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قَالَ أَبُو تَمَّامٍ (١): لَا تَدْعُوْنَ نُوْح بن عَمْرٍو دَعْوَةً لِلْخَطْبِ إِلَّا أنْ يَكُوْنَ خَلِيْلَا وَهَذَا مِنْ أَحِسَنِ الكَلَامَ وَأَشْرَفهِ مَعْنًى أخَذَهُ البُحْتُرِيُّ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ غَيْرُ مُرْضِيَةٍ فَقَالَ (٢): مَا أَبَا جَعْفَرٍ وَمَا أَنْتَ بِالمَدْعُوِّ إِلَّا لِكُلِّ خَطْبٍ جَلِيْلِ ومِنْ هَذَا قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ (٣): فَمَا أنْ نُبَالِي أنْ يُجَهِّزَ رَأْيَهُ إِلَى نَاكِثٍ أَلَّا يُجَهِّزَ جَحْفَلَا أخَذَهُ البُحْتُرِيُّ وَقَصَّرَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ (٤): يَعْنِي عَنَاءَ الجيُوْشِ فِي طَلَبِ الفَيْءِ إِذَا مَا تَنَاصَرَتْ كُتُبُه وَمِمَّا اخْتَصَرَهُ أَبُو تَمَّامٍ وَأَوْجَزَهُ قَوْلُهُ (٥): فَرَاخَ فِي ثَنَائِي وَرُحْتُ فِي ثيابه أخَذَهُ البُحْتُرِيُّ وَأَطَالَ العِبَارَةَ عَنْهُ فَقَالَ: وَلَوْلَا يَكْسِبُهُ غير فَتًى يَبْزَغُ فِيْهِ الخَطِيْئَةَ مَنْ سَلَبَه * * * وَمِنْ بَابِ تَقْصِيْرِ المُتَّبَعِ عِنْ إِحْسَانِ المُبْتَدِعِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ وَابْتَدَعَ المَعْنَى (٦): رَأَيْتُ رَجَائِي فِيْكَ وَحْدَكَ هِمَّةً وَلَكِنَّهُ فِي سَائِرِ النَّاسِ مَطْمَعُ
(٢) ديوانه ٢/ ٧٠.
(٣) لم يرد في ديوانه.
(٤) ديوانه ٢/ ١٠١.
(٥) ديوانه ١/ ٢٨٠.
(٦) ديوانه ١/ ١١٤.
(٧) ديوانه ٢/ ٣٣٣.
[ ١ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أَخَذَهُ البُحْتُرِيّ وَقَصَّرَ عَنْ لَفْظِ أَبِي تَمَّامٍ فَقَالَ (١): ثَنَى أَمَلِي وَاحْتَازَهُ عَنْ مَعَاشِرٍ يَبِيْتُوْنَ وَالآمَالُ فِيْهِمْ مَطَامِعُ وَمِمَّا هَذِهِ سَبِيْلهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ (٢): فَإِنِّي مَا جُوْزِفْتُ فِي طَلَبِ العُلَى وَلَكِنَّكمْ جُوْزِفْتُمُ فِي المَكَارِمِ وَهَذَا كَلَامٌ كَرِيْمُ المَغْرسِ سَلِيْمُ المَنْشَأِ فَمَاثَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلُ البُحْتُرِيّ مُحْتَذِيًا حَذْوَهُ (٣): إِذَا ابْتَدَا بُخَلَاءُ النَّاسِ عَارِفَةً يَتْبعُهَا المَنُّ فَالمَرْوُوْقُ مَنْ حُرِمَا تَجِدْ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ظَاهِرًا وَتَفَاوُتًا بَيِّنًا سَافِرًا وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ (٤): أَوَ يَخْتَلِفُ نَسَبٌ يُؤَلِّفُ بَيْنَنَا أَدَبٌ أَقَمْنَاهُ مَقَامَ الوَالِدِ فَقَالَ البُحْتُرِيّ فِي مَعْنَاهُ وَقَصَّرَ عَنْهُ (٥): فَلَمْ يَضِرْنَا تَنَائِي المُنْصبِيْنَ وَقَدْ رُحْنَا خَلِيْطَيْنِ فِي خُلُق وفي أدبِ وَتَأَمَّلْ قَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ وَهُوَ السَّابِقُ إِلَى المَعْنَى (٦): وَلَيْسَتْ فَرْحَةُ الأَوْبَاتِ إِلَّا لِمَوْقُوْفٍ عَلَى تَرْحِ الوَدَاعِ وَقَوْلُ البُحْتُرِيّ سَارِقًا مِنْهُ (٧): مَا لِشَيْءٍ بَشَاشَةٌ بَعْدَ شَيْءٍ كَتَلاقٍ مواتيكَ بعدَ بَيْنَ بَيْنِ
(٢) ديوانه ٢/ ١٣٠٣.
(٣) ديوانه ٣/ ٢٢٠.
(٤) ديوانه ٣/ ٢٠٤٨.
(٥) ديوانه ١/ ٤٠٢.
(٦) ديوانه ١/ ٢٥٤.
(٧) ديوانه ٢/ ٣٣٦.
(٨) ديوانه ٤/ ٢٢٦٠.
[ ١ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تَجِدِ التَّفَاوُتِ شَدِيْدًا وَالتَّبَايُنِ بَعِيْدًا. وَمِمَّا أَحْسَنَ قيه أَبُو تَمَّامٍ وَأَسَاءَ اتِّبَاعَهُ البُحْتُرِيّ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ (١): إِذَا نَزَلُوا رَوَّضُوْهُ بِآثَارٍ كَآثَارِ الغُيُوْمِ فَقَالَ البُحْتُرِيّ (٢): سُرَى الغَيْثِ يَرْوِي غُزْرُهُ وَهُوَ هَاطِلٌ وَيَتْبعُهُ أَكْلَاؤُهُ حِيْنَ يُقْلِعُ وَهَذَا مُتَكَلِّفٌ عَلَى مَا تَرَى قَلِيْلُ الحَظِّ مِنَ القُبُوْلِ وَإِنْ كَانَ فَصيْحَ اللَّفْظِ صَحِيْحَ المَعْنَى. وَمِمَّا أَجَادَ فِيْهِ أَبُو تَمَّايم مَعْنًى وَعِبَارَةً وَأَسَاءَ البُحْتُرِيّ فِيْهِ سَرْقًا وَغَارَةً وَجَفَاءً لَفْظٍ وَمَكْرُوْهَ اسْتِعَارَةٍ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ (٣): فَلَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وَغَرْبٌ لِقَاصِدٍ فِي كَفِّ امْرِئٍ والدّراهمُ فَقَالَ البُحْتُرِيّ (٤): لِيَفْرُو فرك المُوَقَّى وَإِنْ أَعْوَزَ أَنْ يُجْمَعَ النّدَى وَوُفُوْرُه وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ (٥): لَيْسَ الحِجَابُ بِمُقْصٍ عَنْكَ لِي أَمَلًا أَنَّ السَّمَاءَ تُرَجَّى حِيْنَ تحتجبُ فَأَحْسَنَ أَبُو تَمَّامٍ، كَمَا أَسَاءَ البُحْتُرِيّ فِي قَوْلِهِ (٦): فَإِنْ أَتَى دُوْنَهُ الحِجَا فَمَا تَسْتُرُ عَنَّا إِلَّا حُجُبُه
(٢) ديوان أبي تمام ٣/ ١٦٤.
(٣) ديوانه ٢/ ١٢٧١.
(٤) ديوانه ٣/ ١٧٨.
(٥) لم يرد في ديوانه.
(٦) ديوانه ٤/ ٤٤٦.
(٧) ديوانه ١/ ٢٨١.
[ ١ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَأَبُو تَمَّامٍ احْتَذَى فِي هَذَا المَعْنَى قَوْلُ مُسْلِمٍ (١): كَذَلِكَ الغَيْثُ يُرْجَى فِي تَحَجُّبهِ حَتَّى يُرَى مُسْفِرًا عَنْ وَابِلِ المطرِ وَمِنْ ذَلِكَ لَمَّا قَالَ أَبُو عِيْسَى بنُ الرَّشِيْدِ: دَهَانِي شَهْرُ الصوْمَ لَا كَانَ مِنْ شَهْرِ وَلَا صِمْتُ شَيْئًا بَعْدَهُ آخِرَ الدَّهْرِ وَلَوْ كَانَ يُعْدِيْنِي الإِمَامُ بِقُدْرَةٍ عَلَى الشَّهْرِ لاسْتَعْذَبْتُ جَهْدِي عَلَى الشَّهْرِ أَصَابَهُ عَقِيْبَ هَذَا القَوْلُ صرَعٌ فَكَانَ يُصْرَعُ فِي اليَوْمِ مَرَّاتٍ إِلَى أنْ مَاتَ وَلَمْ يَبْلغ شَهْرًا مِثْلَهُ. * * * هَذَانِ البَيْتَانِ مِنْ قَصِيْدَةٍ لِلشَّمَّاخِ يَمْدَحُ بِهَا عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ أوَّلُهَا (٢): كِلَا يَوْمَي طُوَالَةَ وَصْلُ أَرْوَى ظُنُوْنٌ آنَ مُطَّرِحَ الظُّنُوْنِ طُوَالهُ: اسْمُ سَيْرٍ انْتَجَعَتْ أَرْوَى عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ الشَّمَاخُ مِنْ أَجْلِهَا وَالظُّنُوْنُ كُلُّ أمَرٍ كُنْتَ مِنْهُ عَلَى تُهْمَةِ أَيْ آنَ أنْ أَطَّرِحَ عَنِّي الظُّنُوْنُ يَقُوْلُ (٣): ولست إِذَا الهُمُوْمُ تَحَضَّرَتْنِي بِأَخْضَعَ فِي الحَوَادِثِ مُسْتَكِيْنِ فَسَلِّ الهَمَّ عَنْكَ بِذَاتِ لوْثٍ مُضبّرَةٍ كَمِطْرَقَةِ القُيُوْنِ وَيُرْوَى مضبرّة عَذَافِرَةٍ أمُوْن. اللَّوْثُ: الشِّدَّةُ. وَمَضْبَرَةٌ مُجْتَمِعَةُ الخَلْقِ وَأمُوْنِ أَيْ يُؤْمِن عثارُهَا. إِذَا بَلغْتني وَحَمَلْتِ رِحْلِي. البَيْتَانِ يَقُوْلُ مِنْهَا:
(٢) لم ترد في ديوان مسلم بن الوليد.
(٣) ديوانه ص ٣١٩.
(٤) للشماخ بن ضرار الذبياني في ديوانه ص ٣١٩.
[ ١ / ٤٢٣ ]