فَهُوَ أَنَّ المَدْحَ وَصْفُ الخِلَالِ.
وَالشُّكْرِ وَصْفُ الفَعَالِ.
وَهَذَا أَبْلَغُ مَا مُيِّزَ بِهِ بَيْنَهُمَا بِالإِيْجَازِ.
فَالمَدْحُ كَقَوْلِ الحُطَيْئَةِ (٢): [من الطويل]
_________________
(١) = قَدْ رَأَيْنَاكَ لَيْسَ تُفَرِّقُ فِي الأَشْـ ـعَارِ بَيْنَ الأَرْوَاحِ وَالأَجْسَامِ وَقَالَ مَرْوَانُ بن سُلَيْمَان بن يَحْيَى بن أَبِي حَفْصةَ يَهْجُو قَوْمًا مِنْ رُوَاةِ الشِّعْرِ بأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ مَا هُوَ عَلَى كِثْرَةِ رِوَايَتِهِمْ لَهُ: زَوَامِلُ الأَشْعَار لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِجَيِّدِهَا إِلَّا كَعِلْمِ الأَبَاعِرِ لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي البَعِيْرُ إِذَا غَدَا بَأَوْسَامِهِ أَوْ راحَ مَا فِي الغَرَائِرِ وَهَذَا المَعْنَى مُجْتَذَبٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ كَمِثْلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطَالَ العِبَارَةَ عَنْ هَذَا المَعْنَى وَأَتَى بِهِ فِي بَيْتَيْنِ وَجَعَلَ البَعِيْرَ مَكَانَ الحِمَارِ. * * * قِيْلَ لِلْخَلِيْلِ بن أَحْمَد: لِمَ لَا تَقُوْلُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ: يَأْبَانِي جَيِّدُهُ وَآبِي رَدِيْئَهُ. وَقِيْلَ لِلْمُفَضلِ بن سَلمةَ: لِمَ لَا تَقُوْلُ الشِّعْرَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ؟ قَالَ: عِلْمِي بهِ يَمْنَعُنِي مِنْهُ. وَوَجَاهَةُ الحُطَيْئَةِ فِي الشِّعْرِ تمَكنّهُ مِنْهُ وَطُوْلُ بَاعِهِ فِيْهِ أَشْهَرُ أَنْ يُخْفَى وَقَدْ قَالَ: الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيْلٌ سُلَّمُه إِذَا ارْتَقَى فِيْهِ مَنْ لَا يَعْلَمُه زلَّتْ بِهِ إِلَى الحَضيِضِ قَدَمُه يُرِيْدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيعجِمُه
(٢) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص ١٥٢ وما بعدها.
(٣) ديوانه ص ١٤٠.
[ ١ / ٣٢٠ ]
يَسُوْسُوْنَ أحْلَامًا بَعِيْدًا أنَاتُهَا وَإِنْ غَضِبُوا جَاءَ الحَفِيْظَةُ وَالحِقْدُ
أُوْلَئِكَ قَوْمٌ إِنْ بَنُوا أَحْسَنُوا البِنَا وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا
وَإِنْ كَانَتِ النّعْمَاءُ فِيْهِمْ جَزَوا بِهَا وَإِنْ أنْعَمُوا لا كَدَّرُوْهَا وَلَا كَدُّوا
وَإِنْ مَالَ مَوْلَاهُمْ عَلَى جُلِّ حَادِثٍ مِنَ الأمْرِ رُدُّوا فَضْلَ أحْلَامِكُمْ رَدُّوا
مَطَاعِيْمُ فِي الجُلَّى مَطَاعِيْنَ فِي الوَغَى بَنَى لَهُمُ آبَاؤُهُمْ وَبَنَى الجَدُّ (١)
_________________
(١) وَمِنْ جَيِّدِ المَدْحِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ (١): تزُوْرُ امْرَأ يُعْطِي عَلَى الحَمْدِ مَالَهُ وَمَنَ يُعْطِ أَثْمَانَ المَكَارِمِ يُحْمَدِ يَرَى البخْلَ لَا يُبْقِي عَلَى المَرْءِ مَالَهُ وَيَعْلَمُ أَنَّ المَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ كَسُوْبٌ وَمِتْلَافٌ إِذَا مَا سَأَلتهُ تَهَلَّلَ وَاهْتَزَّ اهْتِزَازَ المُهَنَّدِ مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرَ مَوْقِدِ وَسَمِعَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ ﵁ هَذَا البَيْتَ فَقَالَ: ذَلِكَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ. وَمِنَ المَدْحِ المُوَجَّهِ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ (٢): نَهَبْتَ مِنَ الأَعْمَارِ مَا لَوْ حَوَيْتَهُ لَهَنِئَتِ الدُّنْيَا بِأَنَّكَ خَالِدُ قَالَ ابْنُ جَنِيُّ: لَوْ لَمْ يَمْدَح أَبُو الطَّيِّبِ سَيْفَ الدَّوْلَةِ إِلَّا بِهَذَا البَيْتِ وَحْدَهُ لَكَانَ قَدْ بَقَّى فِيْهِ مَا لَا يُخْلِقُهُ الزَّمَانُ وَهَذَا هُوَ المَدْحُ المُوَجَّهُ لأَنَّهُ بَنَى البَيْتَ عَلَى ذِكْرِ كِثْرَةِ مَا اسْتَبَاحَهُ مِنْ أَعْمَارِ أَعْدَائِهِ ثُمَّ تَلَقَّاهُ مِنْ اَخِرِ البَيْتِ بِذِكْرِ سُرُوْرِ الدُّنْيَا بِبَقَائِهِ وَاتِّصَالِ أَيَّامِهِ (٣). وَمِنْ إِبْدَاعِ المُتَنَبِّيّ غي سَائِرِ المَدْحِ قَوْلُهُ (٤):
(٢) ديوانه ص ١٦١.
(٣) ديوانه ١/ ٢٧٧.
(٤) يتيمة الدهر ١/ ٢٢٩.
(٥) ديوانه ٤/ ٦٤.
[ ١ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قَوْمٌ بُلُوْغُ الغُلَامَ عِنْدَهُمْ طَعْنُ نُحُوْرُ الكُمَاةِ لَا الحُلُمُ كَأَنَّمَا يُوْلَدُ النَّدَى مَعَهُمُ لَا صِغَرٌ عَاذِرٌ وَلَا هَرَمُ إِذَا تَوَلُّوا عَدَاةً كَشَفُوا وَإِنْ تَوَلُّوا صنِيْعَةً كَتَمُوا تَظِنُّ مِنْ فَقْدِكَ أَعْدَادَهُم أَنَّهُمْ أَنْعَمُوا وَمَا عَلِمُوا وَإِنْ بَرَقُوا فَالحُتُوْفُ حَاضِرَةٌ أَوْ نَطَقُوا فَالصَّوَابُ وَالحِكَمُ أَوْ شَهِدُوا الحَرْبَ لَافِحًا أَخَذُوا مِنْ مُهَجَ الدَّارِ عَيْنَ مَا احْتَكَمُوا أَوْ رَكِبُوا الخَيْلَ غَيْرُ مُسْرَجَةٍ فَإنَّ أَفْخَاذَهُمْ لَهَا حُزُمُ تُشْرِقُ أَعْرَاضُهُمْ وَأَوْجُهَهُمْ كَأَنَّهَا فِي نُفُوْسِهِمْ شِيَمُ أُعِيْذُكُمُ مِنْ صُرُوْفِ دَهْرِكُمُ فَإِنَّهُ فِي الكِرَامِ مُتَّهَمُ وِمِنْ مُسْتَحْسَنُ المَدْحِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بن أَيُّوْبَ التَّيْمِيّ فِي المَأْمُوْنِ (١): تَرَى ظَاهِرَ المَأْمُوْن أَحْسَنَ ظَاهِرٍ وَأَحْسَنَ مِنْهُ مَا أَسَرَّ وَأَضْمَرَا يُنَاجِي لَهُ نَفْسًا تَزِيْغُ بِهِمَّهٍ إِلَى كُلِّ مَعْرُوْفٍ وَقَلْبًا مُطَهَّرَا وَيَخْشَعُ إِكْبَارًا لَهُ كُلُّ نَاظِرٍ وَيَأْبَى لِخَوْفِ اللَّهِ أَنْ يَتَكَبَّرَا طَوِيْلُ نَجَادِ السَّيْفِ مُضْطَمِرَ الحَشَا طَوَاهُ اطِّرَادُ الخَيْلِ حَتَّى تَحَسَّرَا ترفَّل إِذَا مَا السِّلْمُ رَفَّلَ ذَيْلَهُ وَإِنْ ثَمَّرَتْ يَوْمًا * * * وَمِنْ بَابِ المَدْحِ قَوْلُ زُهَيْر بن أَبِي سُلْمَى فِي هَرِمٍ (٢): أَغَرُّ أَبْيَضُ فَيَّاضٌ يُفَكّكُ عَنْ أَيْدِي العُتَاةِ وَعَنْ أَعْنَاقِهَا الرَّبَقَا قَدْ جَعَلَ المُبْتَغُوْنَ الخَيْرَ فِي هَرَمٍ وَالسَّائِلُوْنَ إِلَى أَبْوَابِهِ طُرُقَا إِنْ تَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا تَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا
(٢) ديوان المعاني ١/ ٦٠ - ٦١.
(٣) ديوانه ص ٦٤.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَالشُّكْرُ كَقَوْلِ نَهْشَلٍ (١): [من الطويل]
جَزَى اللَّهَ خَيْرًا وَالجَزَاءُ بِكَفِّهِ بَنِي السّمْطِ إخْوَانَ السَّمَاحَةِ وَالمَجْدِ
هُمْ ذَكَرُوْنِي وَالمَهَامِهُ بَيْنَنَا كَمَا ارْفَضَّ غَيْثٌ مِنْ تِهَامَةَ فِي نَجْدِ
فَمَا يَتَغَيَّر مِنْ زَمَانٍ وَأَهْلِهِ فَمَا غَيَّرَ الأَيَّامُ مَجْدَهُمُ بَعْدِي (٢)
_________________
(١) = لَيْثٌ بِعَثَّر يَصْطَادُ اللّيُوْثَ إِذَا مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الجُّوَيْرِيَّةِ (١): يَمُدُّ نِجَادَ السَّيْفِ حَتَّى كَأَنَّهُ بِأَعْلَا سَنَامَي فَالِجٍ يَتَطَوَّحُ وَيُدْلِجُ فِي حَاجَاتِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ وَيُوْرِي كَرِيْمَاتِ العُلَى حِيْنَ يَقْدَحُ إِذَا اعْتَمَّ بِالعَصَبِ اليَمَانِيّ خِلْتَهُ هِلَالًا بَدَا مِنْ جَانِبِ الأُفْقِ يَلْمَحُ يَزِيدُ عَلَى فَضلِ الرِّجَالِ بِفَضْلِهِ وَيَقْصُرُ عَنْهُ مَدْحُ مَنْ يَتَمَدَّحُ وَكَمَا قَالَ المُتَنَبِّيّ (٢): هُمَامٌ إِذَا مَا فَارَقَ الغِمْدَ سَيْفُهُ وَعَايَنْتَهُ لَمْ تَدْرِ أَيُهُمَا النَّصْلُ رَأَيْتَ ابنَ أُمِّ المَوْتَ لَوْ أَنَّ بَأْسَهُ فَشَى بَيْنَ أَهْلِ الأَرْضِ لَا يَقْطَعُ النَّسْلُ وَكَمْ عين قِرْنٍ حَدَّقَتْ لِنِزَالِهِ فَلَمْ يُغْضِ إِلَّا وَالسِّنَانُ لَهَا كحْلُ إِذَا قِيْلَ رِفْقًا قَالَ لِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ وَحِلْم الفَتَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ
(٢) لنهشل بن حري في مجموع شعره ص ٩٣
(٣) وَمِنَ الشُّكْرِ قَوْلُ زِيَادٍ الأَعْجَمَ فِي عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر بن أَبِي طَالِبٍ (٣): مِرَارًا ما دَنَوْتُ إِلَيْهِ إِلَّا تَبَسَّمَ ضاحِكًا وَثَنَى الوِسَادَا سَأَلْنَاهُ الجزِيْلَ فَمَا تَأَنَّى وَأَعْطَى فَوْقَ مُنْيَتِنَا وَزَادَا وَأَحْسَنَ ثُمَّ أَحْسَنَ ثُمَّ عُدْنَا فَأَحْسَنَ ثُمَّ عُدْتُ لَهُ فَعَادَا
(٤) الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٥.
(٥) ديوانه ٣/ ١٨٦.
(٦) ديوانه ص ٦٦.
[ ١ / ٣٢٣ ]