وَهَذَا النَّمَطُ كَثِيْرٌ في أشْعَارِ الفُصحَاءِ المُجَوِّدِيْنَ مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ وَالمُتَأخِّرِيْنَ، فَلْنَرْجِع الآنَ إلَى مَا كُنَّا اشْتَرَطْنَاهُ مِنَ الاختِصَارِ، وَاجْتِنَابِ الإسْهَابِ وَالإكْثَارِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِبْدَاعُ المَعْنَى، هُوَ أَنْ يَأْتِي الشَّاعِرُ بِمَعْنًى غَرِيْبٍ لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ، قَدِ اخْتَرَعَتْهُ فِطْنَتُهُ وَابْتَدَعَتْهُ قَرِيْحَتُهُ، يَدْهَشُ لإِنْشَادِهِ السَّامِعُ، وَتَطْرَبُ مِنْ اسْتِطْرَافِهِ المَسَامِعُ، فَيَشْتَرِكُ القَلْبُ وَالسَّمْعُ حِيْنَئِذٍ فِي الالْتِهَاجِ بِهِ. وَأكْثَرُ مَا يُوْجَدُ ذَلِكَ فِي أشْعَارِ المُوَلَّدِيْنَ وَالمُتَأخِّرِيْنَ، لأنَّ أشْعَارَ العَرَبِ المُتَقَدِّمِيْنَ تَعَلَّقَتْ بِالفَصاحَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَلَا تَصَنُّعٍ فِي أُسْلُوْبٍ - وَصْفِ المَنَازَلِ وَالرِّيَاحِ، وَالسَّحَابِ وَالنِّيْرَانِ، وَالخَيْلِ وَالافْتِخَارِ، وَمَا نَاسَبَ ذَلِكَ. فَقَلَّ أَنْ يُوْجَدَ فِيْهَا المَعْنَى البَدِيْعُ إلَّا فِي
_________________
(١) = رَمَيْنَ فَأَضْمَيْنَ القُلُوْبَ فَلَنْ تَرَى دَمًا مَائِرًا إِلَّا جَوًى فِي الحَيَازِمِ وكَقَوْلِ جَمِيْل بن مُعَمَّرٍ (١): بُثَيْنَةُ إِنْ أَهْجُر هَجَرْتُ وَلَا قِلَى لَكُمْ أَوْ أَزُرْكُمْ زُرْتُ غَيْرَ مُرِيْبِ وَلَكِنْ عَذَابِي عَنْ زِيارَتِكِ العِدَى وَخَوْفُ حَسُوْدٍ كَاشِحٍ وَرَقِيْبِ فَلا تَسْتَمْلِكُ العَاذِلَاتُ بُثَيْنَةٌ وَلَا تَسْمَعِي فِيْنَا مَقَالَ كَذُوبِ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنِّي تَدَاوَيْتُ بِالنَّوَى وَهَلْ مِنْ دَوَاءٍ غَيْرَهَا وَطَبِيْبِ وَكَيْفَ يُدَاوَى القَلْبُ مِنْهَا وَإِنَّهَا مِنَ الدَّهْرِ حَظِّي كُلّهُ وَنَصِيْبي سَأَرْعَى عَلَى بُعْدٍ لَهَا عَهْدَ مَجْلِسٍ نَعِمْنَاهُ فِي لَهْوٍ هُنَاكَ وَطِيبِ وَمَا الْتَذَّ لِي عَيْشٌ مُذِ النَّأْي بَعْدَهَا وَلا سَرَّنِي يَوْمًا وِصَالُ حَبِيْبِ وَكَقَوْلِ قَيْسُ بن ذَرِيْحٍ (٢): حَلفْتُ لَهَا بِالمَشْعَرَيْنِ وَزَمْزَمٍ وَذُو العَرْشِ فَوْقَ المقسمِيْنَ رَقِيْبُ لَئِنْ كَانَ بَرْدُ المَاءِ حَرَّانَ صَادِيًا إِلَيَّ حَبِيْبًا إِنَّهَا لحبِيْبُ
(٢) لم ترد في ديوانه (صادر).
(٣) مجموع شعره ص ٦١ - ٦٢.
[ ١ / ١٠٢ ]
النَّادِرِ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ (١): [من الطويل]
لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ مَا أخْطَأَ الفَتَى لَكالطِّوَلِ (٢) المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ (٣)
فَهَذَا مِنَ التَّشْبيْهِ البَدِيْعِ الوَاقِعِ، وَاللَّفْظِ الرَّائِقِ الرَّائِعِ الَّذِي لَا يُدْرِكُ شَأْوَهُ شَاعِرٌ، وَلَمْ يَتَقَدَّمَهُ مَثَلٌ سَائِرٌ.
وَطَرَفَةُ أوَّلُ مَنْ ابْتَكَرَهُ، وَتَبِعَهُ الرَّاعِي، فَقَصَّرَ عَنْهُ، حيثُ قال (٤): [من الطويل]
لَعَمْرُكِ إنَّ المَوْتَ يا أُمَّ سَالِمٍ قَرِيْنٌ مُحِيْطٌ حَبْلُهُ مِنْ وَرَائِيَا
وَالمُوَلَّدُوْنَ مِنَ الشُّعَرَاءِ غَاصُوا عَلَى المَعَانِي البَدِيْعَةِ الدَّقِيْقَةِ، فَزَيَّنُوْهَا أَلْفَاظهمُ السَّهْلَةَ الرَّقِيْقَةَ. فَمِنْهَا مَا قَامَ البَيْتُ الفَرْدُ بِمَعْنَاهُ البَدِيْع كَقَوْلِ سَعِيْدٍ بن هَاشِمٍ الخَالِدِيِّ يَمْدَحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ بن حمدان وَيَذْكُرُ كَثْرَةَ فَتْكِهِ بَأَعْدَائِهِ وَقَطْعَ رُؤُوْسِ --- الأَسِنَّةِ (٥): [من الطويل]
سَقَيْتَ القَنَا مَاءَ الكلَى سَقْيَ غَارِسٍ فقد أَثْمَرَتْ هَام العِدَا في العَوَامِلِ
وَكَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ أحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ المُتَنَبِّيّ (٦): [من الطويل]
_________________
(١) شرح ديوانه ص ١٠٩.
(٢) تَفْسِيْرٌ: يَقْوْلُ أنَّ الإِنْسَانَ فِي قَبْضَةِ المَوْتِ لَكَالفَرَسِ يَكُوْنُ فِي المطَوِّلِ وَهُوَ الحَبْلُ فَيَرْخِي لَهُ صَاحِبُهُ فَيَرْعَى فَإِذَا أَرَادَ جَدَبَهُ إِلَيْهِ. وَيُرْوَى الطِيْلُ وَهُوَ الأَصَحُّ.
(٣) قَرِيْبٌ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ مَأْخُوْذًا مِنْهُ قَوْلُ السَّيِّدُ الرَّضِيّ ﵀ (١): يَغرُّ الفَتَى مَا طَالَ مِنْ حَبلِ عُمْرِهِ وَتُرْخَى المَنَايَا بُرْهَةً ثُمَّ تَجْذِبُ
(٤) للراعي النميري في مجموع شعره ص ١١٥.
(٥) لم يرد في ديوان الخالديين.
(٦) ديوانه ١/ ١٥٩.
(٧) ديوانه ١/ ٨١.
[ ١ / ١٠٣ ]
أَزَالَتْ بِكَ الأَيَّامُ عَتْبِي كَأنَّمَا بَنُوْهَا لَهَا ذَنْبٌ وَأنتَ لَهَا عُذْرُ
وَمِنهُ مَا جَاءَ بِالمَعْنَى البَدِيْعِ البَيْتُ وَأخُوْهُ كَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (١): [من الكامل]
وَإذَا أرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضيْلَةٍ طُوِيَتْ أتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُوْدِ
لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيْمَا جَاوَرَتْ مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيْبُ عَرْفِ العُوْدِ (٢)
_________________
(١) ديوانه ١/ ٣٩٧.
(٢) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبُو العَتَاهِيَةِ (١): يَبْقَى الثَّرَاءُ لَوْ أُرْثِيْكَ وَمَا خَلَّفْت مِنْ أُكْرُوْمَةِ فَلَكَا وَكَقَوْلِ ابنُ الرُّوْمِيّ (٢): يَا دَهْرُ صَاحَبْتَ اللِّئَامَ مُصَافِيًا لَهُمُ وَجَانَبْتَ الكِرَامَ مُعَانِدَا فَغَدَوْتَ كَالمِيْزَانِ تَرْفَعُ نَاقِصًا أبَدًا وَتَخْفِضُ لَا مَحَالَةَ زَائِدَا وَمِثْلهُ قَوْلُ الآخَرِ: دَهْرٌ عَلَا قَدرُ الوَضِيْعِ بِهِ وَغَدَا الشَّرِيْفُ يُحِطُّهُ شَرَفُه كَالبَحْرِ يَرْسُبُ فِيْهِ لُؤْلُؤُهُ سُفْلًا وَيَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفُه وَمِنْ بَدِيْعِ المَعْنَى قَوْلُ أَبِي الفَضْلِ المِيْكَالِيِّ (٣): [من الخفيف] وَغَزَالٍ مَنَحْتُهُ خَالِصَ الوُدِّ فَجَازَني بِالصَّدِّ وَالاجتِنَابِ لَمْ أَلُمْهُ إِذَا اتَّقَى بِحِجَابٍ وُدّ وَالِهَ الفُؤَادِ لِمَا بِي هُوَ رُوْحِي وَلَيْسَ يُنْكَرُ لِلرُّوْحِ تَوَارٍ عَنِ الوَرَى بِحِجَابِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ مَنْقُولٌ مِنْ خَطِّهِ ﵀: هِيَ شِدَّةٌ يَأتِي الرَّخَاءُ عَقِيْبَهَا يُبَشِّرُ بِالسُّرُوْرِ العَاجِلِ
(٣) لم يرد في ديوانه.
(٤) لم يرد في ديوانه.
(٥) ديوانه (العطية) ٤٠.
[ ١ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فَإذَا نَظَرْتَ فَإنَّ بُؤْسَاَ زَائِلًا لِلْمَرْءِ خَيْرٌ بَلْ نَعِيْمٌ زَائِلِ هَذَا المَعْنَى مَأْخُوْذٌ مِنْ قَوْلِ فِيْثَاغُوُرْسِ الحَكِيْمِ وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَى فَصِّ خَاتَمَهِ وَهُوَ شَرٌّ لَا يَدُوْمُ خَيْرٌ مِنْ خَيْرٍ لَا يَدُوْمُ. وَقَرِيْب مِنْ هَذَا المَعْنَى قَوْلُ الآخَرِ: فَإنَّ المَرَّ حِيْنَ يَسُرُّ حُلْوٌ وَإنَّ الحُلْوَ حِيْنَ يَضُرُّ مُرُّ فَخُذْ مُرًّا تُعَوِّضُ عَنْهُ حُلْوًا وَلَا تَعْدِل إِلَى حُلْوٍ يَضُرُّ قَالَ الأُوْزَاعِيُّ: مَكْحُوْلًا فَقَالَ لنَا اللُّحُوْقِ بِمَنْ يُرْجَا خَيْرُهُ خيرٌ مِنَ البَقَاءِ مَعْ مَنْ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ. * * * هَذَا البَيْتُ مِنْ قَصِيْدَةٍ يَمْدَحُ بِهَا عَلِيّ بن أَحْمَدَ بن عَامِرٍ أَوَّلُهَا (١): أُطَاعِنُ خَيْلًا مِنْ فَوَارِسِهَا الدَّهْرُ وَحِيْدًا وَمَا قَوْلِي كَذَا وَمَعِي الصَّبْرُ وَأَشْجَعُ مِنِّي كُلَّ يَوْمٍ سَلَامَتِي وَمَا ثَبَتُّ إلَّا وَفِي نَفْسِهَا أَمْرُ تَمَرَّسْتُ بِالآفَاقِ حَتَّى تَرَكْتُهَا تقول أَمَاتَ المَوْتُ أَم ذُعِرَ الذُّعْرُ وَأَقْدَمْتُ إِقْدَامَ الآتِيَّ كَأَنَّ لِي سِوَى مُهْجَتِي أَوْ كَان لِي عِنْدَهَا وتْرُ ذَرِ النَّفْسَ تَأْخذُ وُسْعَهَا قَبْلَ بَيْنِهَا فَمُفْتَرِقٌ جَارَانِي دَارُهُمَا عُمْرُ وَلَا تَحْسِبَنَّ المَجْدَ زِقًّا وَقِيْنَةً فَمَا المَجْدُ إلَّا السَّيْفُ وَالفتْكَةُ البِكْرُ إِذَا الفَضْلُ لَمْ يَرْفَعْكَ عَنْ شُكْرِ نَاقِصٍ عَلَى هِبَةٍ فَالفَضْلُ فِيْمَنْ لَهُ الشُّكْرُ وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْرُ وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أَنَّنِي الجَّبَانُ وَبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّنِي البَحْرُ يَقُوْلُ مِنْهَا فِي المَدْحِ: وَمَا زِلْتُ حَتَّى قَادَنِي الشَّوْقُ نَحْوَهُ يُسَايِرُني فِي كُلِّ رَكْبٍ لَهُ ذِكْرُ
(٢) للمتنبي في ديوانه ١/ ١٤٨.
[ ١ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَأَسْتَكْبِرُ الأَخْبَارَ قَبْلَ لِقَائِهِ فَلَمَّا الْتقَيْنَا صَغَّرَ الخَبَرُ الخُبْرُ دَعَانِي إِلَيْكَ الحِلْمُ وَالعِلْمُ وَالحِجَى وَهَذَا الكَلَامُ النَّظْمُ وَالنَّائِلُ الدَّثْرُ وَمَا قُلْتُ مِنْ شِعْرٍ تَكَادُ بُيُوْتهُ إِذَا كُتِبَتْ بِبِيْضٍ مِنْ نُوْرِهَا الحبرُ كَذَا المَعَانِي فِي فَصَاحَةِ لَفْظهَا نُجُوْمُ الثُّرَيَّا أَوْ خَلَائِقَكَ الزُّهْرُ أَزَالَتْ بِكَ الأيَّامُ عَتْبِي. البَيْتُ. إِذَا عَبَسَ الزَّمَانُ فَمِلْ إِلَيْهِ تَجِدْهُ. * * * وَكَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (١): وَأَحِسَنُ مِنْ رَوْضٍ تُفتِّحُهُ الصّبَا بَيَاضُ العَطَايَا فِي سَوَادِ المَطَالِبِ وَكَقَوْلهِ أَيْضًا مِنْ مَرْثِيَةٍ (٢): بَنِي مَالِكٍ قَدْ نَبَّهَتْ خَامِلَ الثَّرَى قُبُوْرٌ لَكُمْ مُسْتَشْرِقَاتُ المَعَالِمِ غَوَامِضُ قَيْدَ الكَفِّ مِنْ مُتَنَاوِلٍ وَفِيْهَا عُلَالًا لَا يُرْتَقَى بِالسَّلَالِمِ وَكَقَوْلهِ أَيْضًا يَمْدَحُ أَبَا المُغِيْثِ (٣): لَمْ أُبْقِ حَلْبَةَ مَنْطِقٍ إِلَّا وَقَدْ سَبَقَتْ سَوَابِقَهَا إِلَيْكَ جِيَادِي أَبْقَيْنَ فِي أَعْمَاقِ جُوْدكَ جَوْهَرًا أَبْقَى مِنَ الأَطْوَاقِ فِي الأَجْيَادِ وَمِنَ العَجَائِبِ شَاعِرٌ قَعَدَتْ بِهِ هِمَّاتُهُ أوضَاعَ عِنْدَ جَوَادِ وَكَقَوْلهِ أَبِي نَصْر بن نُبَاتَةَ السَّعْدِيّ (٤): وَإِذَا عَجِزْتَ عَنِ العَدُوِّ فَدَارِهِ وَامْزَحْ لَهُ إنَّ المِزَاحَ وِفَاقُ
(٢) ديوانه ١/ ٢١٢.
(٣) ديوانه ٤/ ١٣٤.
(٤) ديوانه ٢/ ١٣١.
(٥) ديوانه ص ٢٧٢.
[ ١ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فَالنَّارُ بِالمَاءِ الَّذِى هُوَ ضِدُّهَا تُعْطِي النَّضَاجَ وَطَبْعُهَا احْرَاقُ وَكَقَوْلِ بَشَّارُ بن بُرْدٍ يَصِفُ الرِّمَاحَ (١): إِذَا اعْتَقَلُوْهَا لِلطِّعَانِ وَأَرْقَلُوا وَمَالَتْ عَلَيْهِمْ كَالقُدُوْدِ المَوَائِسِ جَرَى مِنْ أَعَالِيْهَا دَمًا ضِعْفَ مَا جَرَى مِنَ المَاءِ فِي أَعْقَابِهَا بِالمَغَارِسِ وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيّ فِي المَدْحِ (٢): تَوَاضَعَ فِي مَجْدٍ فَإِنْ هُوَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الكِبْرُ فِي أَكْفَائِهِ فَلَهُ الكُبْرُ الكِبْرُ: بِالكَسْرِ التَّعْظِيْمُ فِي المَحَلِّ والكُبْرُ بِالضَّمِّ العِظَمُ فِي المَجْدِ. وَكَقَوْلِ ابن أَبِي زَرْعَةَ: وَأَرَانِي فِي خَلْوَتِى لَا أُسَمِّيْكَ كَأَنِّي مِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَا وَكَقَوْلِ الأَدِيْبِ الغَزِيّ فِي الهِجَاءِ: تَحَلَّى بِأَسْمَاءِ الشُّهُوْرِ فَكَفُّهُ جُمَادَى وَمَا ضمَّتْ عَلَيْهِ المُحَرَّمُ وَكَقَوْلِ الحِصْنِيّ فِي الغَزَلِ: تُحْيِي النُّفُوْسَ بِرِيْحِهَا فَكَأَنَّهَا قَبْلَ الوِصالِ يَنَالُهَا المَهْجُوْرُ وَكَقَوْلِ بَشَّارُ بن بُرْدٍ فِي الغَزَلِ أَيْضًا (٣): تَلْقَى بِتَسْبِيْحَةٍ مِنْ حُسْنِ مَا خُلِقَتْ وَتَسْتَفِزُّ حَشَى الرَّائِي بِإِرْعَادِ كَأَنَّمَا أُفْرِغَتْ مِنْ قشرِ لُؤْلُؤَةٍ فَكُلّ أَكْنَافِهَا وَجْهٌ بِمِرْصَادِ وَكَقَوْلِ ابنُ الرُّوْمِيّ فِي الذَّمِّ (٤):
(٢) لم يرد في ديوانه.
(٣) ديوانه ٢/ ٨٤٥.
(٤) ديوانه ٢/ ٢٢٣.
(٥) لم يردا في ديوانه.
[ ١ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أَعْتَقَنِي سُوْءُ مَا صَنَعْتَ مِنَ الرِّ قِّ فَيَا بَرْدَهَا عَلَى كَبِدِي فَصِرْتُ حُرًّا لِلسُّوْءِ مِنْكَ وَمَا أَحْسَنَ سُوْءُ قَبْلِي إِلَىَ أَحَدِ وَيُرْوَيَانِ لِلْخَارِكيّ وَهُوَ الأَصَحُّ. * * * وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَر: لَا تَصْحَبِ النَّاسَ لَا كرْهًا وَلَا مَلَقًا وَابْسِمْ لَهُمْ بَيْنَ أَحْلَاءٍ وَإِمْرَارِ وَاجْمَعْ فَفِي جَمْعِكَ الضِّدَّيْنِ فَائِدَةٌ فَالنُّضْجُ يُوْجَدُ بَيْنَ المَاءِ وَالنَّارِ مِنْ هَاهُنَا أَخَذَ البُحْتُرِيُّ قَوْلَهُ (١): إِذَا كَشَفْنَ شُفُوْفَ الرَّيْطِ آوِنَةً كَشَطْنَ عَنْ لُؤْلُؤِ البَحْرَيْنِ أَصْدَافَا وَكَأَنَّ قَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ مَأْخُوْذٌ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ بَشَّارٍ حيث قال: ظَبْيٌ كَأَنَّ اللَّهَ أَلْبَسَهُ قشُوْرَ الدُّرِّ جِلْدَا ----- جَنَاتِهِ فِي أَيِّ حِيْنٍ شِئْتَ --- وَأَخَذَ هَذَا المَعْنَى وَاللَّفْظَ ابنُ الرُّوْمِيّ وَزَادَ نَادِرَةً لَطيْفَةً تَوَاضَعَ الدّرّ إِذْ لَبِسْنَ فَاخِرهُ فَكُنَّ دُرًّا وَكَانَ الدُّرُّ أَصْدَافَا * * * هَذَا البَيْتَانِ يُنْظَرَانِ إِلَى قَوْلِ ابن حَازِمٍ يَصِفُ شِعْرهُ وَهُمَا (٢): فَأَبْعَثُهُنَّ أَرْبَعَةً وَخَمْسًا بِأَلْفَاظٍ مُثَقَّفَةٍ عِذَابِ وَكُنَّ إِذَا وَسَمْتَ بِهِنَّ قَوْمًا كَأَطْوَاقِ الحَمَائِمِ فِي الرِّقَابِ * * *
(٢) ديوانه ٣/ ١٣٧٦.
(٣) انظر: الرسالة الموضحة ص ١٢٥، والأشباه والنظائر ص ٢٢٧.
[ ١ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ أبي تَمَّامٍ هَذَا قَوْلُ بَعْضَهَمُ: رَوَّى جَنَابي نَدًى وَالأَرْضُ مُجْدِبَةٌ وَجَادَ لِي حِيْنَ لَا جُود لِمَوْجُوْدِ وَاسْتَأْنَفَ الدَّهْرُ لِي عَزًّا بِخِدْمَتِهِ فلا أَقُوْلُ لأيّامٍ مَضَتْ عُوْدِي وَلا أَنْسَى الَّذِي فَعَلَتْ أَيَّامُهُ البِيْضُ فِي أَيَامِيَ السُّوْدِ * * * وَمِثْلُهُ قَوْلُ أَبِي الفَتْح البُسْتِيّ: لَمَّا أتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ مُبْتَسِمٌ عَنْ كُلِّ حُسْنٍ وَفَضْلٍ غَيْرُ مَحْدُوْدِ حَكَتْ مَعَانِيْهِ فِي أَثناءِ أسْطُرِهِ آثَارَكَ البِيْضَ فِي أَحْوَالِيَ السُّوْدِ * * * قَدْ أَجْمَعَ الفُضَلَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ هَذَا المَعْنَى وَقَالُوا إِنَّهُ مِنَ المَعَانِي العقمِ الَّتِي لَمْ تَفْتَرِعَ قَبْلَهُ وَلَا تَوَلَّدَت لأَحَدٍ بَعْدَهُ. وَمِنْ هَذَا أَخَذَ البُحْتُرِيُّ حَيْثُ قَالَ (١): وَلَمْ يَسْتَبِيْنَ الدَّهْرُ مَوْضِعَ نِعْمَةٍ إِذَا أَنْتَ لَمْ تَدْلُلْ عَلَيْنَا بِحَاسِدِ عَلَى أنَّ بَشَّارٌ بن بُرْدٍ قَدْ قَالَ (٢): كَحَاوِي المِسْكِ دَلَّ عَلَيْهِ نَفْحُ وَقَرِيْبٌ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي الفَتْحِ البُسْتِي (٣): ذُو الفَضْلِ فِي دُنْيَاهُ مَحْسُوْدُ وَكُلُّ مَنْ يُحْسدُ مَقْصُوْدُ وَالعُوْدُ لَا يَعْبَقُ مِنْ طِيْبِهِ إِلَّا إِذَا مَا أُحْرِقَ العُوْدُ
(٢) ديوانه ١/ ٦٢٥.
(٣) لم يرد في ديوانه.
(٤) ديوانه ص ٢٤٣.
[ ١ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَقَوْلُ أَبِي القَاسَمِ الفَضْلِ بن مُحَمَّدِ بن عَلِيِّ بن الفَضْلِ القَصَبَانِيّ النَّحَوِيّ البَصْرِيّ: فِي النَّاسِ مَنْ لَا يُرْتَجَى نَفْعُهُ إِلَّا إِذَا مُسَّ بِضْرَارِ كَالعُوْدُ لَا يُطْمَعُ فِي رِيْحِهِ إِلَّا إِذَا أُحْرِقَ بِالنَّارِ وَقَوْلُ السّرِيّ الرَّفَاء فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ (١): فَضْلُ الفَتَى يُغْرِي الحَسُوْدَ بِسَبِّهِ وَالعُوْدُ لَوْلَا طِيْبُهِ مَا أُحْرِقَا * * * أَسْمَاءُ العُوْدِ هُوَ: العُوْدُ وَالقَطرُ وَالمَنْدَلِيُّ وَالشَّذَا وَالأَلُوَّةُ وَالألَنْجُوْجُ وَاليَلَنْجُوْجُ وَالكِبَاءُ وَالمجْمَرُ وَالبخُوْرُ وَالغَارُ وَالهَضْمِيَّةُ وَالوَقْصُ. قَالَ حَسَّانُ بن ثَابِتٍ ﵀ (٢): هَلَّا دَفَنْتُمْ رَسُوْلَ اللَّهِ فِي سَفَطٍ مِنَ الأَلُوَّةِ وَالكَافُوْرِ منضودِ المَنْدَلِيُّ مَنْسُوْبٌ إِلَى مَنْدَلِ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الهِنْدِ. وَيُرْوَى أنَّ أَعْرَابِيًّا مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُدْفَنُ فَقَالَ: أَلَا دَفَنتُمْ رَسُوْلَ اللَّهِ فِي سَفَطٍ مِنَ الأَلُوَّةِ أحوى ملبسًا ذَهَبا خَيرُ البَرِيَةِ أَتْقَاهَا وَأَفْضَلُهَا عِنْدَ الإِلهِ إِذَا مَا يَنْسِبُوْنَ. . . فَيُقَالُ أَنَّهُ رُؤِيَ فِي المَنَامِ أنَّ اللَّهَ ﷿ غَفَرَ لِلأَعْرَابِيِّ بشِعْرهِ هَذَا. الأَلُوَّةُ العُوْدُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ فَارِسِيٌّ مُعْرَبٌ
(٢) ديوانه ٢/ ٤٦٥.
(٣) ديوانه ص ٣٨٠.
[ ١ / ١١٠ ]