وَهُوَ لَبَاقَةٌ مِنَ الشَّاعِرِ فِيْمَا يَنْظِمُهُ وَيُؤَلِّفُهُ. وَكَأنِّي بِالقَائِلِ الجَّاهِلِ لِذَلِكَ يَقُوْلُ: أَيُّ كَبِيْرٍ مِنَ الصَّنْعَةِ فِي هَذَا حَتَّى يُجْعَلَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ صَنْعَةِ الشِّعْرِ.
وَمَا يَعْلَمُ أَنَّ كَثِيْرًا مِنْ فُرْسَانِ الشُّعَرَاءِ قَصَّرُوا عَنْهُ، وَجَاءوا بِالبَيْتِ وَابْنِ عَمِّهِ، بلْ بِالبَيْتِ وَنَزِيْلِهِ حَتَّى انْتَقِدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَعِيْبوا به.
وَإِنَّمَا يَرُوْقُ النَّظْمُ إِذَا حَسُنَ سَبْكُهُ، وَالْتَحَمَتْ أَلْفَاظُهُ، وَأَضَاءتْ مَعَانِيْهِ، وَتَوَالَت أَبْيَاتهُ، كَقَوْلِ المَجْنُونِ (٣): [من الطويل]
وَلَمْ يُنْسِنِي لَيْلَى وَلَا حُسْنَ دَلِّهَا نِسَاءٌ عَلَيْهَا حَلْيُهَا وَبُرُوْدُهَا
فَأَحْسَنُ مِنْ حَلْيٍ لَهُنَّ وَلُؤْلُؤٍ تَرَائِبُ لَيْلَى الوَاضِحَاتَ وَجِيْدُهَا
عَشِيَّةَ قَامَتْ وَاتَّقَتْنَا بِكَفِّهَا فَيَا حُسْنَهَا مِنْ نَظْرَةٍ لَوْ تُعِيْدُهَا
_________________
(١) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِ المُتَنَبِّيّ (١): وإذَا خَفِيْتُ عَنِ العَدُوِّ فَعَاذِرٌ ألَّا تَرَانِي مُقْلَةٌ عَميَاءُ كَقَوْلِ الآخَرِ: يَبِيْعُ وَيَشْتَرِي لَهُمُ سِوَاهُم وَلَكِنْ بِالسِّيُوْفِ هُمُ التِّجَارُ وَكَقَوْلِ أَبِي صَخْرٍ الهَذَلِيّ وَقَدْ وَرَدَ هَذَا البَيْتُ فِي بَابِ المُبَالَغَةِ فِي الغُلُو، وَهُوَ هَاهُنَا مِنْ هَذَا البَابِ (٢): تَكَادُ يَدِي تبْدِي إِذَا مَا لَمَسْتُهَا وَيَنْبُتُ فِي أَطْرَافِهَا الوَرَقُ الخُضْرُ
(٢) انظر: البديع لابن أفلح العبسي ص ١٣٢ وما بعدها.
(٣) لم ترد في ديوانه.
(٤) ديوانه ١/ ١٥.
(٥) شعراء أمويون ٤/ ٩٥.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وَكَقَوْلِ الآخَرِ (١): [من الطويل]
وَإنِّي رَأَيْتُ الدَّهْرَ يَلْعَبُ بِالفَتَى تُقَلِّبُهُ حَالَانِ مُخْتَلِفَانِ
فَأَمَّا الَّذِي يَمْضِي فَأَحْلَامُ نَائِمٍ وَأَمَّا الَّذِي يَبْقَى لَهُ فَأَمَانِي (٢)
_________________
(١) لديك الجن الحمصي في ديوانه ١٣٠.
(٢) وَقَرِيْبٌ مِنْهُ هَذَا قَوْلُ الآخَر: إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ غُرُوْرٌ فَالسَّقِيُّ الغَبيُّ مَنْ يَصْطَفِيْهَا مَا مَضَى فَاتَ وَالمُؤَمَّلُ غَيْبٌ وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيْهَا قَدْ قِيْلَ دُنْيَاكَ كُلّهَا الوَقْتُ الَّذِي أَنْتَ فِيْهِ فَإِنَّمَا عُمْرُكَ أَنْفَاسُكَ وَعَلَيْهَا رَقِيْبٌ يُحْصِيْهَا. وَمِمَّا قِيْلَ فِي المَثَلِ: مَضَى أَمْسَكَ وَعَسَى غَدٌ لِغَيْرِكَ ربَّ عَجْزٍ يَوْمٍ مُبَايِنٍ لِصدْرِهِ وَرُبَّ هَالِكٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ يَوْمِهِ وَآمِن ليْلٍ غَادِرٍ بِأَهْلِهِ. * * * وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ يَمْدَحُ وَفِيْهِ جنَاسٌ وَطِبَاق: جَوَادٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الدَّهْرِ خَالِدٌ بِهِ أجمل الفَضْلِ بن يَحْيَى بن خَالِدِ أَخُو كَرَمٍ مَا زَالَ يَقْتَنِصُ العُلَى بِمَا يَحْتَوِيْهِ مِنْ طَرِيْفٍ وَتَالِدِ جَمِيْلُ المُحَيَّا بَاسِمُ الثَّغْرِ بَاسِلٌ شَدِيْدُ القِوَى نَدْبٌ شَدِيْدُ المَقَاصدِ لَهُ مَنْزِلٌ لَمْ يَرْتَحِل عَنْهُ وَافِدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا حَلَّهُ أَلْفُ وَافِدِ فَكَمْ خَارِجٍ مِنْ بَابِهِ دَلَّ دَاخِلًا وَكَمْ صَادرٍ عَنْهُ أَتَاهَ بِوَارِدِ * * * وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرُ: وَلَمَّا أُثِيْرَتْ لِلرَّحِيْلِ جِمَالهُمْ وَغَرَّدَ بِالمَطِيِّ المُخَرَّمِ وَقَفْنَا وَرَاءَ الحَيِّ سِرًّا وَبَيْنَنَا حَدِيْث كَنَشْرِ المِسْكِ غَيْرِ مُجَمْجَمِ تَرَشَّفْتُ مِنْ فِيْهَا رُضابًا كَأَنَّهُ سُلَافَةُ خَمْرٍ فِي إِنَاءٍ مُفَدَّمِ مُبَرْقَعَةً كَالشَّمْسِ تَحْتَ سَحَابَةٍ أَوْ البَدْرِ فِي جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمِ =
[ ١ / ٢٩١ ]