هُوَ مَا نَحَلَهُ العُلَمَاءُ الشُّعَرَاءُ (وَهُوَ ضِدُّ السَّرَقَةِ): أخْبَرَ بنُ مَهْدِي الكَاتِبُ عَنِ إبْرَاهِيْمِ بن عَرَفَةَ. قَالَ: قَالَ المُبَرَّدُ: كَانَ خَلَفٌ الأَحْمَرُ عَجِيبَ الذِّهِنِ، حَسَنَ التَّصَرُّفِ فِي أسَالِيْبِ الشِّعْرِ. وَكَانَ مَعَ اقْتِدَارِهِ وَاتِّسَاعِهِ يُعَدُّ مُقِلًّا لِمَا كَانَ يَنْحَلُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ المُتَقَدِّمِيْنَ، كَأَبِي دُؤَادٍ، وَالشَّنْفَرَى، وَتَأَبَّطَ شَرًّا، وَمَنْ لَا شُهْرَةَ لَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَكَانَ أَتَى الكُوْفَةَ، فَأَقْرَأَ أهْلَهَا أشْعَارَ أَبِي دُؤَادٍ، وَنَحَلَهُ شَيْئًا كَثِيْرًا لَمْ يَقُلْهُ، وَأخَذَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ البِرَّ الجَزِيْلَ، ثُمَّ نَسَكَ، فَعَادَ إلَيِهِم، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي نَحْلِهِ لِهَؤُلَاءِ الشُّعَرَاءِ مِنَ الأَشْعَارِ، وَأَنَّ كَثِيْرًا مِمَّا نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دُؤَادٍ لَيْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا نَحَلَهُ إِيَّاهُ مِنْ قَوْلِهِ فلم يُعْرِجُوا عَلَى قَوْلِهِ، وَلَمْ يَلتفِتُوا إِلَى كَلَامِهِ.
قَالَ المُبَرَّدُ: وَكَانَ خَلَفٌ الأَحْمَرُ عَلَّامَةً بِقَوْلِ الشِّعْرِ عِلْمًا وَاقْتِدَارًا، وَكَانَ الأَصْمَعِيُّ أَيْضًا يَنْحَلُ الشُّعَرَاءِ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَّسِعُ اتِّسَاعَ خَلَفٍ (١).
_________________
(١) = وَابْنُ عَبَّاسٍ قَرِيْعُ عَبْسِ أَنْجَبُ غُرْسٍ جُبِلَا وَغِرْسِ نَجِيْبٍ لَمْ يَعِبْ بِوَكْسِ ضيَاءٌ بَيْنَ قَمَرٍ وَشَمْسِ قَالَ رُؤْبَةُ: فَاسْتَلْحَقَ مَا قُلْتُهُ وَذَهَبَتْ كُلُّهَا لِلعَجَّاجِ.
(٢) وَيُرْوَى أَنَّ خَلَفَا الأَحْمَرَ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ بَلْقِيْنَ تُنْشِدُ بَيْتًا ترثِي أَخَاهَا فِي حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ بَلْقِيْنَ وَكَلْبٍ وَهُمَا ابْنَا جَسْرٍ مِنْ قُضاعَةَ: رُمِّلْتُ لمَّةُ كِرْسٍ بِدَمٍ كُلُّمَا ذَلِكَ غِسْلٌ للفَتَى فَعَمِلَ خَلَفٌ قَصيْدَةً وَأَدْخَلَ فِيْهَا البَيتَ وَنَحَهَا إِيَّاهَا وَهِيَ: مَنْ لِعَيْنٍ أُرِّقَتْ بَعْدَ الكَرَى أَسُهَادٌ أَمْ دَهَا العَيْنَ قَذَى لَيْتَ شِعْرًا عَنْ قَبِيْلَيَّ إِذَا شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الحَرْبُ غَدَا =
[ ١ / ٤٠٥ ]
وَحَكَى ابْنُ سَلامٍ أَنَّ أبَا عُبَيْدَةَ كَانَ يَزْعَمُ أَنْ المُفَضلَ صنعً بَعْضَ القَصَائِدِ الَّتِي اخْتَارَ، وَنَسَبَ مَا صَنَعَ مِنْهَا إِلَى رِجَالٍ، هُوَ فِيْمَا صنَعَ لَهُمْ أَشْعَرُ مِنْهُمْ فِي صَحِيْح أَشْعَارِهِمْ.
قَالَ ابْنُ سَلامٍ: وَيَرْوِي النَّاسُ لأَبِي سُفْيَانَ بنِ الحَارَثِ يُخَاطِبُ حَسَّانَ بنَ ثَابِتٍ: [من الطويل]
أبُوْكَ أبٌ سَوْءٌ وَخَالُكَ مِثْلُهُ وَلَسْتَ بِخَيْرٍ مِنْ أَبِيْكَ وَخَالِكا
وَإنَّ أحَقَّ النَّاسِ ألَّا تَلُوْمَهُ عَلَى اللُّؤْمِ مَنْ أَلْفَى أبَاهُ كَذَلِكَا
_________________
(١) = أَيَّ حَيَّيْنَا إِذَا مَا الْتَقَيْنَا تَجْعَلُ الحَرْبَ طَحِيْنًا لِلرَّحَا أَعَلَى القَيْنِ ابن جِسْرٍ أَم عَلَى أَخَوَي كَلبٍ وَكُل لَا شَوَا أُسْدُ غِيْلٍ لَقِيَتْ أَقْرَانهَا خَفَّضُوا لِلْمَوْتِ أَطْرَاف القَنَا وَسَعَى الدَّهْرُ لَهُمْ حَتَّى إِذَا أُحْكِمَتْ مِرَّتُهُ نَقْضِ القُوَى رُمِّلْتُ لمَّةَ كِرْسٍ بِدَمٍ كُلُّمَا ذَلِكَ غِسْلٌ للفَتَى وَكَذَاكَ الدَّهْرُ لَا يُعْجزُهُ قَادِرٌ يَعْقِلُ فِي صعْبِ الذُّرَا شَاهِقٍ يَزْلَقُ عَنْ قَلَّتِهِ مِخْلَبُ اللَّقْوَةِ مَجْرُوْدَ القَرَا (١) وَيُرْوَى عَنِ الطَّاهِرِيّ عَنْ عَبْد اللَّهِ بنُ المُعْتَزِّ عَنْ أَبِي الحَسَنِ المِصرِيّ عَنِ الريَاشِيّ قَالَ قُلْتُ لِأبي عُبَيْدَةَ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ أَنْشَدَنَا عَنِ المُفَضَّلِ: شَالُوا عَلَيْهِنَّ فَشِل علَاهَا وَاشْدُدْ بِمَثْنَى حَقَبٍ حَقْوَاهَا نَاجِيَةً وَنَاجِيًا أَبَاهَا قَالَ: فَقَالَ لِي: اكْتُبْ عَلَيْهَا هَذِهِ صَنَعَهَا المُفَضَّلُ. وَقَالَ رَجُلٌ لِأبي عُبَيْدَةَ قَالَ المُفَضَّلُ أَنَّ ابنَ دَابِ يَنْسِجُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ وَاللَّهِ يَنْسِجُ إِلَّا أَنَّهُ أَغْمَض سِلْكًا.
(٢) حلية المحاضرة ٢/ ٣٧.
[ ١ / ٤٠٦ ]
قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: فَأَخْبَرَنِي أهْلُ المَدِيْنَةِ أَنَّ قُدَامَةَ بنَ مُوْسَى بنِ عُمَرَ بنِ قُدَامَةَ بنِ مَطْعُوْنٍ الجُمْحِيَّ قَالَهَا، وَنَحَلَهَا أبَا سُفْيَانَ. وَقُرَيْشٌ تَزِيْدُ فِي أَشْعَارِهِ، تُرِيْدُ بِذَلِكَ الأَنْصَارَ، وَالرَّدَّ عَلَى حَسَّانٍ.
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ عَنِ المُبَرَّدِ عَنِ المَازِنِيِّ عَنِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ يُوْنسُ بنِ حَبِيْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ مَا زِدْتُ فِي أَشْعَار العَرَبِ إِلَّا هَذَا البَيْتَ لِلأَعْشَى: [من البسيط]
وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا (١)
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَسَمِعْتُ بَشَّارًا يُنْكِرُهُ، وَيَقُوْلُ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ الأَعْشَى (٢).
_________________
(١) قَالَ أَبُو عَمْرو: وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي هَذَا البَيْتِ وَلَوْ سُئُلْتُ عَنْهُ لَصَدَقْتُ. فَقَالَ المُفَضَّلُ وَكَانَ حَاضرًا مَجْلِسهُ: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ بِهَذا البَيْتِ فِي هَذِهِ القَصيْدَةِ وَلَكِنَّكَ الصادِقُ البَرُّ أَكْثَرَ اللَّهُ فِي أَهْلِ العِلْمِ مِثْلَكَ.
(٢) قَالَ أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيْمُ بن هَلِيْلِ الصَّابِئُ: حَدّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيْد بن هَاشِمٍ الخَالِدِيُّ المُوْصلِّيُّ الشَّاعِرُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بن مُحَمَّدٍ الفَقِيْهِ المُوْصَلِّيُّ قَالَ: اجْتَمَعْتُ مَعَ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ البَسَّامِيِ الشَّاعِرِ بِبَغْدَادَ فِي دَارِ الوَزِيْرِ أَبِي الحَسَنِ بِعَقْبِ مَوْتِ القَاسَمِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ بن سُلَيْمَانَ وَلِيّ الدَّوْلَةِ قَالَ وَكُنْتُ قَدْ هَجَوْتُ القَاسِمَ بِثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ نَسَبْتُهَا إِلَى عَلِيِّ بن مُحَمَّدِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أبَا الحَسَنِ هَذِهِ الأَبْيَات لَكَ وَأَنْشَدْتُهُ إِيَّاهَا وَهِيَ: أَمَاتَ لِيَحْيَى فَمَا مِنْ حَيّ وَأَفْنَى لِيَبْقَى فَمَا إِنْ بَقِي وَمَا زَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَرى أَمَارَةَ حَتْفٍ وَشيْكٍ وَحَي وَيَسْلَخُ أَخْلَاطهُ إِلَى أنْ خَرِي النفسَ فِيْمَا خَرِي فَقَالَ: لَا لَيْسَتْ لِي وَلَكِنَّهَا لِبَعْضِ السِّفَلِ الَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ الأَشْعَارَ وَيَنْسِبُوْنَهَا إِذَا خَافُوا إلَيَّ وَيَسْتَرْجِعُوْنَهَا إِذَا زَالَ الخَوْفُ عَنْهُمْ وَقَدْ قُلْتُ فِيْهِمْ: لَا حَفِظَ اللَّهُ مَعْشرًا سِفَلًا لَيْسَ لَهُمْ فِطْنَةٌ وَلَا لَسَنُ يُنْحِلُوْني الأَشْعَارَ إِنْ فَزِعُوا وَيَسْتَرِدُّوْهَا إِذَا أَمِنُوا * * *
[ ١ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حَكَى أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الأَشْرَمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ يُوْنسُ بن حَبِيْبٍ قَالَ: قَدِمَ حَمَّاد الرَّاوِيَةُ البَصْرَةَ بِلَالِ بن أَبِي بُرْدَةَ فَقَالَ لَهُ: أَمَا أَطْرَفتنَا شَيْئًا؟ قَالَ: بَلَى. فَأَنْشَدَهُ القَصِيْدَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا (١): وَجَحْفَلٍ كَبَهِيْم اللَّيْلِ مُنتجِعٍ أَرْضَ العَدُوِّ بِبُؤْسي بَعْدَ إنْعَامِ مُسْتَخْفِيَاتٍ رَذَايَاهَا جَحَافِلُهَا يَسْمُو بِهَا أَشْعَرِيٌّ طَرْفهُ سَامِ وَذَكَرَ حَمَّاد أَنَّهَا لِلْحُطَيْئَةِ فَقَالَ لَهُ بِلَالٌ: وَيْحَكَ يَمْدَحُ الحُطَيْئَةُ أَبِي بِمِثْلِ هَذَا الشِّعْرِ فَلَا أَعْلَمُ بِهِ وَأَنَا أَرْوِي شِعْرَ الحُطَيْئَةِ كُلَّهُ وَلَكِنْ دَعْهَا تَذْهَبُ فِي النَّاسِ. وَكَانَ حَمَّادٌ غَيْرِ مَوْثُوْقٍ بِهِ فِيْمَا يَنْسُبُهُ مِنَ الشِّعْرِ إِلَى الشُّعَرَاءِ. وَحَكَى ابن أَبِي غَسَّانَ عَنِ الفَضلِ بن الحَبَابِ عَنْ مُحَمَّدٍ بن سَلَامٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عُمَرَ بن سَعِيْدٍ الثَّقْفِي قَالَ: كَانَ حَمَّادُ لِي صَدِيْقًا مُلْطفًا فَعَرَضَ عَلَيَّ مَا قَبِلَهُ يَوْمًا فَقُلْتُ: أمِلَّ عَلَيَّ قَصيْدَةً لأخْوَالِ سَعْدِ بن مَالِكٍ فَأَمَلَّ عَلَيَّ قَصِيْدَةً زَعَمَ أَنَّهَا لِطَرْفَةَ أوَّلُهَا: إِنَّ الخَلِيْطَ أجَدّ مُنْتَقِلُه وَلِذَاكَ زُمَّتِ غُدْوَةً إبِلُه وَلَيْسَتْ لَهُ بَلْ هِيَ لِلأَعْشَى أَعْشَى هَمَدانَ وَفِيْهَا: عَهْدِي بِهِمْ فِي النَّقْبِ قَدْ سَنَدُوا تَهْدِي صِعَابَ مَطِيِّهِمْ ذُلُلُه قَالَ الجَّاحِظُ: مَرَّ بِنَا فِي المُذَاكَرَةِ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: أَنْبَضُوا مَعْجِسىَ القِسِيّ وَأَبْرَقْنَا كَمَا تُوْعِدُ الفُحُوْلُ الفُحُوْلَا فَقُلْتُ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُوْلُ إنها مَصنُوْعَةٌ وَكَانَ إبْرَاهِيْمُ بن إِسْحَاقِ المُوْصلِّيُّ فَقَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُوْلُ ذَاكَ. أَخْبَرَ عَلِيّ بن هَارُوْنَ عَنْ أَبيْهِ قَالَ: كَانَ خَلَفُ بنُ حَيَّانَ الأَحْمَرُ وَهُوَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ المُحْسِنِيْنَ وَالرُّوَاةِ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ يَبْلغُ مِنْ حَذْقِهِ وَاقْتِدَارِهِ عَلَى الشِّعْرِ أنْ يُشَبِّهَ بِشعْرِ
(٢) للحطيئة في ديوانه ص ٢٢٧.
[ ١ / ٤٠٨ ]