وَمَتَى أَعْوَزَهُ شَيْء مِنْهَا، نَقَصَ شِعْرُهُ، وَانْحَطَّ قَدْرُهُ، وَكَانَ بَيْنَ الشُّعَرَاءِ كَمُبَارِزِ الأَبْطَالِ بِغَيْرِ سِلَاحِ، وَالغَادِي عَلَى الحَرْبِ بِلَا رِجَالٍ، وَلَا رِمَاحٍ.
قَالَ البَدِيْهِيُّ (٢): [من الكامل]
وَأَرَى القَوَافِي لَا تُقَادُ مُطِيْعَةً إِلَّا إِلَى المُثْرِيْنَ مِنْ أدَوَاتِهَا
وَالطَّبْعُ لَيْسَ بِمُقْنِعٍ إِلَّا إِذَا حَصَلَتْ إضَافَتُهُ إِلَى آلَاتِهَا
وَطَبَقَاتُ الشُّعَرَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ مَرَاتِبهِم مِنَ الأدَوَاتِ وَالآلَاتِ. قَالَ الجَّاحِظُ: يُقَالُ لِلمُجيْدِ مِنَ الشُّعَرَاءِ: فَحْلٌ، وَلِمَن دُوْنَهُ مُفْلِقٌ، ثُمَّ شَاعِرٌ، ثُمَّ شُوَيْعِرٌ، ثُمَّ شُعْرُوْرٌ (٣).
_________________
(١) انظر: البديع لابن أفلح العبسي ص ١١٨ وما بعدها.
(٢) محاضرات الأدباء ١/ ٨٧.
(٣) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الشُّعَرَاءِ أَرْبَعَة: شَاعِرٌ، وَشُوَيْعِرٌ، وَشَعْرُوْرٌ، وابن شعْرَه، وَأنْشَدَ (١): الشُّعَرَاءُ فَاعْلَمَنَّ أَرْبَعَةٌ فَشَاعِرٌ يَجْرِي وَلَا يُجْرَى مَعَه وَشَاعِرٌ يُشْعِرُ وَسْط المَجْمَعَه وَشَاعِرٌ يَقُوْلُ خَمِّرْ فِي دَعَه وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تَصْفَعَه صَفْعًا حَثِيْثًا أَوْ تعُطُّ أَخْدَعَه وَيُرْوَى: وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تَسْمَعَه. وَيُقَالُ هُوَ رَابع الشُّعَرَاءِ. قَالَ (٢): يَا رَابِعَ الشُّعَرَاءِ فِيْمَ هَجَوْتَنِي أَحَسِبْتَ أنِّي مُفْحَمٌ لَا أَنْطِقُ
(٤) الموشح ص ٥٥٠، العمدة ١/ ١١٤، المزهر ٢/ ٤٩٠.
(٥) الموشح ص ٥٥١، العمدة ١/ ١١٥، المزهر ٢/ ٤٩٠.
[ ١ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قِيْلَ: جَاءَ شَعْرُوْرٌ إِلَى زُبَيْدَةَ فَمَدَحَهَا فَقَالَ (١): أَزُبَيْدَةُ ابْنَةَ جَعْفَرٍ طُوْبَى لِزَائِرِكِ المُثَابِ تَعْطِيْنَ مِنْ رِجْلَيْكِ مَا تعْطِي الأَكُفَّ مِنَ الرَّعَابِ فَوَثَبَ إِلَيْهِ الخَدَمُ وَهَمُّوا بِضَرْبِهِ فَمَنَعَتْهُمُ وَقَالَتْ: إنَّهُ قَصَدَ مَدْحًا وَأَرَادَ مَا يَقُوْلُ النَّاسُ شَمَالِكِ أَجْوَدُ مِنْ يَمِيْنهِ وَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الرَّجُلَ كَانَ أَبْلَغُ وَقَدْ حَمِدْنَا مَا نَوَاهُ وَإِنْ كَانَ أَسَاءَ فِيمَا أتاهُ. وَمَدَحَ آخَرُ أَمِيْرًا فَقَالَ: أَنْتَ الهُمَامُ الأَرْيَحِيُّ الوَاسِعُ بنُ الوَاسِعَة فَقَالَ لَهُ الأَمِيْرُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتُهَا؟ فَقَالَ: قَدْ جَرَّبْتُهَا. فَقَالَ: أَسْوَأُ مِنْ شِعْرَكَ مَا أتيْتَ بِهِ مِنْ عِذْرِكَ (٢). وَوَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى أَمِيْرٍ يَمْدَحَهُ فَقَالَ: لِمَنِ الدِّيَارُ كَأَنَّهَا قَفْرُ قَدْ لَاحَ فِي حِيْطَانِهَا البَعْرُ إِنَّ الأَمِيْرَ يَكَادُ مِنْ كَرَمٍ أَنْ لَا يَكُوْنَ لأُمِّهِ بَضْرُ فَقَالَ الأَمِيْرُ: يُعْطَى أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَقِيْلَ: إنَّهُ لَمْ يَجِدِ الشِّعْرَ. قَالَ: هَذَا مَدْحُهُ فَكَيْفَ هِجَاؤُهُ وإنَّ عِرضًا يُشْتَرَى مِنْهُ هَذَا المِقْدَارُ فَلَيْس بغَالٍ (٣). وَمِنَ المَدْحِ الَّذِي هُوَ بِالذَّمِّ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالمَدْحِ قَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ (٤): جَادَ بِالأَمْوَالِ حَتَّى حَسَبُوْهُ النَّاسُ حَمَقَا
(٢) الموشح ص ٥٣٨، ٥٦٧، المزهر ٢/ ٤٩٠.
(٣) محاضرات الأدباء ١/ ٩٢.
(٤) الموشح ص ٥٦٤.
(٥) ديوانه ص ٤٩٢.
[ ١ / ٢٩٩ ]
فَأَوَّلُ مَا يَضْطَرُّ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ: الطَّبع وَالأدَبُ. فَالطَّبع: هُوَ رَأْسُ البضَاعَةِ، وَأَسَاسُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَهُوَ فِي الأَدِيْبِ كَالنَّجْدَةِ لِذِي السِّلَاحِ، فَفِقْدَانَ الأَدِيْبِ الطَّبع كَفِقْدَانِ ذِي السِّلَاحِ الشَّجَاعَةَ وَالنَّجْدَةَ، وَفِقْدَانُ صَاحِبِ الطَّبع الأَدَبَ كَفِقْدَانِ ذِي النَّجْدَةِ السِّلَاحَ وَالعُدَّةَ. وَلَا مَحْصُوْلَ لأَحَدِهِمَا دُوْنَ الآخَرِ، وَمَتَى أَحَاطَ الأَدِيْبُ بِطَرَفٍ مِنَ الأدَبِ، وَقَعَدَ بِهِ الطَّبع عَنْ إظْهَارِهِ، كَانَ وَالعَارِي مِنَ الأَدَبِ وَالعُطْلَ مِنَ المَعْرِفَةِ فِي نَظْمِ القَوَافِي سَوَاءً (١).
_________________
(١) = وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (١): جَادَ بِالأَمْوَالِ حَتَّى قِيْلَ مَا هَذَا صحِيْحُ فَذَكَرَ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فِي حَالٍ وَأَحْمَقُ فِي حَالٍ أُخْرَى. وَتَبعَهُ أَبُو تَمَّام عَلَى حِذْقِهِ وَتَقَدُّمِهِ فَقَالَ (٢): مَا زَالَ يَهْذِي بِالمَكَارِمِ وَالعُلَى حَتَّى ظَننَّا أَنَّهُ مَحْمُوْمُ فَهَذَا جَعَلَهُ مَحْموْمًا يَهْذِي وَكُلّ هَذَا مُسْتَقْبَح مُسْتَهْجَن قَرِيْبٌ مِنَ الذَّمِّ بِعِيْدٌ مِنَ المَدْحِ لَا يَحْسُنَ مِنْ مِثْلِ أَبُو نُوَّاسٍ وَأبِي تَمَّامٍ الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ.
(٢) وَقالَ البَدِيْهِيُّ أَيْضًا فِي هَذَا المَعْنَى: وَلِلنَّظْمِ آلَات مَتَى مَا تَجَمَّعَتْ لِمَنْ رَامَ قَوْلَ الشِّعْرِ كَانَ مُجِيْدَا وَيُنْظَرُ إِلَيْهِ نَظَرًا خَفِيًّا قَوْلُ ابن حَاجِبٍ: وَمَا الشِّعْرُ إِلَّا مُرَكَّب جَدُّ جَامِحٍ إِذَا لَمْ يَرُوْضهُ بِالتَّفَكُّرِ رَاكِبُهُ البَدِيْهِيُّ أَيْضًا: وَمُدَّعٍ رُتْبَةً فِي الشِّعْرِ قُلْتُ لَهُ عِنْدَ المِرَاسِ وَقَدْ زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ حَاوَلْتَ نَزْحَ المَعَانِي مِنْ مَنَابِعِهَا وَمَا وَجَدْتُكَ بِالآلآتِ تَعْتَصِمُ
(٣) ديوانه ص ٤٣٤.
(٤) ديوانه ٣/ ٢٩١.
[ ١ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تَخْشَى الطِّعَانَ بِلَا رمْحٍ تَصوْلُ بِهِ فَكَيْفَ يَطعنُ مَنْ أَزْرَى بِهِ الجمَمُ وَتَدَّعِي أَسْهُمًا بِالقَمْرِ فَائِزَةً وَأَنْتَ وَإِنْ كَانَ يَوْمًا مَيْسِرٌ بَرَمُ شَانَ القَرِيْضَ أُنَاسٌ مَا يُسَاعِدُهُمْ فِي مَوْقِفٍ أَدَوَاتُ النَّظْمِ إِنْ نَظَمُوا * * * أَنْشَدَنِي السَّيِّدُ النَّقِيْبُ الطَّاهِرُ جَلَالَ الدِّيْنِ أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد المُصْطَفَى بن النَّقِيْبِ الطَّاهِرِ السَّعِيْدِ رَضِيّ الدِّيْنِ أَبِي القَسَمِ عَلِيّ بن مُوْسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد الطَّاوُوْسِ ﵄ لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الحمال الظَفْرِي مَنْسُوْبٌ إِلَى مَحَلّةِ الظّفْرِيَّةِ مِنْ بَغْدَادَ وَكَانَ أَمْيَالًا يعرفُ مِنَ الأَدَبِ شَيْئًا وَلَكِنْ كَانَتْ لَهُ قَرِيْحَةٌ جِيِّدَ وَطَبع حَسَنٌ فِي نَظمِ الشِّعْرِ وَسَبْكِهِ هُوَ مِنْ مَحَاسِنِ مَا سَمِعْتهُ فِي مَعْنَاهُ حَيْثُ يَقُوْلُ: وَلَسْتُ بِعَارِفٍ خَطًّا وَنَحْوًا وَلَا لِي فِي العُرُوْضِ يَدٌ تُفِيْدُ وَلَكِنِّي إِذَا مَا قُلْتُ شِعْرًا تَعَجَّبَ مِنْ فَصاحَتِهِ لَبِيْدُ وَمِنْ مَحَاسِنِ تَشْبِيْهَاتِهِ قَوْلهُ يَصِفُ كَرَزَتهُ وَهُوَ مَا يُوْطِئُهُ الجَّمَّالُوْنَ عَلَى قَفْيِهِمْ لِلْحَمْلِ: ولي كَرَزْنٌ مِنْ خَفِيْفِ المتَاعِ أَعْدَدْتهُ مِنْ أَذَى الجمَلِ جُنَّهْ لَطِيْفٌ حَكَى الغَانِيَاتِ إِذَا مَا المَوَاشِطِ زَيّنهنَه الحَدِيْثُ ذِي شُجُوْنٍ ذكرت بِقَوْلِ هَذَا الشَّيْخِ أَحْمَدَ أَبْيَاتًا لِلأَمِيْرِ تَمِيْمُ بن مَعْدُّ بن المَعَزّ لِدِيْنِ اللَّهِ يَمْدَحُ العَزِيْز عَلَى هَذِهِ القَافِيَةِ وَهَذَا العُرُوْضِ وَالرّوْيِ وَهِيَ قَصِيْدَةٌ حَسَنَةٌ أَوَّلُهَا (١): أسرب مَهًا عَنَّ أُمْ سِرْبُ جَنَّةٍ حَكَمِتِنَّهُنَّ وَلَستنَّ هُنَّه أَأَنْتُنَّ نَجْمُ ذَا الجوَ أمُ بُرُوْجِ النُّجُوْمُ جَلَا بَيْنَكنَّه إِذَا رُمْنَ وَصْلًا فَسُلْطَانُهُنَّ عَلَيْنَا مُلَاحِظ أَجْفَانَهُنَّه =
(٢) ديوانه ص ٤٤١.
[ ١ / ٣٠١ ]
وَيَتْلُوهُمَا.
_________________
(١) = قَيَا مَا أُعَيْذَبُ ألْفَاظَهُنَّ ويا أُمَيْلَحُ أَلْحَاظَهُنَّه بَرَزَتْ لنَا عَطِرَاتِ الجيُوْبِ بِسَفحِ العِرَاقِ وَوَادِي يونَّه فَعَطَّرْنَ مِنْ رِيْحَهِنَّ وَأَبْدَيْنَ منْ لَوْعَتِي المُسْتَكِنَّه نَوَاعِمُ لَا يَسْتَطِعْنَ النُهُوْضَ إِذَا قُمْنَ مِنُ ثَقْلِ أَرْدَافِهِنَّه حَسُنَّ كَحُسْنِ لَيَالِي العَزِيْزِ وَجِئْنَ بِبَهْجَةِ أَيَامِهِنَّه إِمَامٌ يَصنَّ عَلَى عِرضِهِ وَلَا يَعْتَرِيْهِ عَلَى المَالِ ضِنَّه فَسَل - قَطّ أَرْمَاحهُ بِدَمِ العِدَى غَيْرُ حِمْرِ الأَسِنَّه وَسَلْ هَلْ ثَوَتْ قَطُّ أَمْوَالهُ وَأَمْسَيْنَ فِي جُوْدِهِ مُطْمَئِنَّه كِلَى رَاحَتَيْهِ نَدًى أَوْ رَدًى كَأَنَّكَ لِلنَّاسِ نَارٌ وَجَنَّه حَمَيْتَ الخِلَافَةَ مَنْعَ الأُسُوْدِ إِذَا مَا غَضبْنَ لأَشْبَالِهِنَّه وَأَمْضَيْتَ عَزْمكَ حَتَّى أَخَذْتَ بِهِ فِي بُطُوْنِ النِّسَاءِ الأَجِنَّه وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ تجل المُعِزّ لِعَبْدِكَ بِالحَقِّ لَا بِالمَظِنَّه رَأَى الخَيْرَ مَنْ أَضْمَرَ الخَيْرَ فِيْكَ وَعُوْقِبَ بِالشَّرِّ مَنْ قَدْ أكنَّه * * * أَنْشَدَ أَبُو علي للرستمي (١): قَوَافٍ إِذَا مَا قَرَاهَا المَشُوْقُ فَهَزَّتْ لَهَا الغَانِيَاتُ القُدُوْدَا كَسَوْنَ عَبِيْدًا لِبَاسَ العَبِيْدِ وَأَضحَى لَبِيْدُ لَدَيْهَا بَلِيْدَا وَلأَبِي العَبَّاسِ أَحْمَد بن مُحَمَّد التامي يَصِفُ شِعْرهُ (٢): وَشِعْرٍ لَوْ عَبِيْدُ الشِّعْرِ أَصْغَى إِلَيْهِ لَظَلَّ عَبْد أَبِي عَبِيْدُ كَأَنَّ لِفِكْرِهِ نشرَ ابن حَجْرٍ وَنودي مِنْ حَفِيْرَتِهِ لَبِيْدُ
(٢) يتيمة الدهر ٣/ ٣١٩.
(٣) ديوانه ص ٥٦.
[ ١ / ٣٠٢ ]