وعرف العلماء كتاب أبي عبيدة (الدّيباج) وسار ذكره بينهم فى زمن مبكر من زمن تأليفه. ولكن هل هذه التّسمية من صنع المؤلّف نفسه؟
ذكر أبو عبيد الله المرزبانى عن ثعلب أنه قال (^١): «من أراد أخبار الجاهليّة فعليه بكتب أبى عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائنى وهو أول من رسم فى الجاهليين والإسلاميين من الجوداء والفرسان وغير ذلك كتاب سمّاه الناس ب (الدّيباج).
وهذا الخبر مفاده أنّ المؤلّف لم يضع لكتابه اسما، أو أنه لم يسمه ب (الدّيباج) وإنما هذه التّسمية محدثة بعد المؤلّف ونعتقد أنها شاعت فى حياته وارتضاها، لذا وجدنا تلميذه أبو عثمان بكر بن محمد ابن بقية المازنىّ (ت ٢٤٩ هـ) يؤلّف كتابا على خلاف كتاب شيخه ويسميه باسمه (الدّيباج) كذا قال ابن النّديم والقفطى (^٢)، كما أنّ تلميذه أيضا محمد بن صالح بن مهران أبو عبد الله بن النّطّاح (ت ٢٥٢ هـ) ردّ على كتاب (الدّيباج) كما جاء فى الفهرست (^٣).
_________________
(١) نور القبس: ١٠٩.
(٢) الفهرست: ٦٣، وإنباه الرواه.
(٣) الفهرست: ١٢٠. وذكر ابن النديم فى الفهرست: ٢٧٨ أن عيسى بن مهران ألّف كتبا منها كتاب (الدّيباج). - ورأيت فى الظاهرية الجزء الأول من كتاب اسمه (الدّيباج) فى الحديث لأبى القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختّلىّ (ت ٢٨٣ هـ) رقمه هناك ١٧١ ويراجع فهرس الحديث رقم: ٢٦٣. - وذكر ابن الديم فى الهفرست: ٢٠٩ (الديباج) فى أخبار الشعراء لهشام بن محمد بن السائب الكلبىّ (ت ٢٠٦ هـ).
[ ١٠ ]
ثم عرفه تلاميذ تلاميذ أبى عبيدة وعلى رأسهم أبو العبّاس المبرّد (ت ٢٨٤ هـ) شيخ نحاة البصرة وتلميذ المازنى المذكور، وأبو العباس ثعلب (ت ٢٩٢ هـ) شيخ نحاة الكوفة وسبق أن نقلنا نصّ ثعلب.
أما المبرّد فقال فى الكامل (^١) عند ذكر جمرات العرب: «وأبو عبيدة لم يعدد عبسا فى كتاب (الدّيباج)» ولكنّه قال (^٢): «فطفئت جمرتان، وهما ضبّة لأنّها صارت إلى الرّباب فحالفت، وبنو الحارث؛ لأنها صارت إلى مذحج، وبقيت بنو نمير إلى الساعة؛ لأنها لم تحالف.
- ونقل عنه الإمام المسعودى (ت ٣٤٦ هـ) فى كتابه التنبيه والإشراف. قال (^٣): «وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتابه المترجم ب «الدّيباج» (^٤) أوفياء العرب فعدّ منهم السّموأل بن عاديا الغسّانى، والحارث بن ظالم المرى، وعمير بن سلمى الحنفى، ولم يذكر هانئا وهو أعظم العرب وفاء وأعزهم جوارا وأمنعهم جارا؛ لأنّه عرّض
_________________
(١) الكامل: ٧٧٨، وعنه نقل الزّييدىّ فى تاج العروس (جمر).
(٢) الدّيباج: ٧٧.
(٣) التنبيه والإشراف: ٢٢٥ (ط) دار الهلال - بيروت - سنة ١٩٨١ م
(٤) الدّيباج: ٤٠.
[ ١١ ]
نفسه وقومه للحتوف، ونعمهم للزوال، وحرمهم للسّبى، ولم يخفر أمانته، ولا ضيّع وديعته».
- ونقل عنه أحمد بن محمد أبو حامد الخارزنجى البشتى اللّغوى (ت ٣٤٨ هـ) فى كتابه «التكملة» وهو معجم لغوىّ كمل به العين للخليل بن أحمد. قال ابن البيّع فى تاريخ نيسابور (^١): «إمام أهل الأدب بخراسان فى عصره بلا مدافعة، ولما حج بعد الثلاثين والثلاثمائة شهد له أبو عمر الزاهد ومشايخ العراق بالتّقدمة ».
وذكره أزهرى فى مقدمة كتابه «تهذيب اللّغة» (^٢) ولم يثن على كتابه فقال: «ونظرت فى أول كتاب البشتّى فرأيته أثبت فى صدره الكتب المؤلفة التى استخرج كتابه منها فعدّدها وقال: «… ومنها لأبى عبيدة كتاب (النوادر)، وكتاب (الخيل) وكتاب (الدّيباج) …».
- واطّلع عليه الإمام أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت ٣٧٠ هـ) وعلى نسختنا المحقّقة بعض تفسيرات من كلامه ﵀.
- ثم وجدنا الشيخ سليمان بن بنين بن خلف النّحوى الأنصارى المصرى (ت ٦١٤ هـ) ينقل عنه فى كتابه (لباب الألباب فى شرح أبيات الكتاب) نسخة مكتبة حسن حسنى عبد الوهاب بتونس رقم ٨١٤٧٥. قال (^٣): «وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتاب
_________________
(١) إنباه الرواه: ١/ ١٠٧.
(٢) تهذيب اللغة: ١/ ٣٢.
(٣) لباب الألباب: ورقة: ٣١.
[ ١٢ ]
(الدّيباج) (^١) باب عرفه أبو محمّد، وكان فى كتابه (باب) أجواد العرب فى الجاهليّة ثلاثة؛ حاتم بن عبد الله الطّائى وكعب بن مامة الإيادى، وكلاهما آثر على نفسه وضرب بهما الأمثال، والجواد هرم بن سنان الذى يقول فيه زهير: إنّ البخيل ملوم حيث كان … البيتان».
- وكذلك وجدنا الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) ينقل عنه فى (الإصابة) (^٢) قال فى ترجمة هرم بن قطبة بن سنان الفزارى ﵁: «وكان هرم بن قطبة يقضى بين العرب فى الجاهليّة، وقد تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمه بن علاثة فاستخفى منهما. ذكر ذلك أبو عبيدة في كتاب (الدّيباج) (^٣) وقال أسلم هرم بن قطبة …».
- ثم ذكره حاجى خليفة (كاتب جلبى) (ت ١٠٦٨ هـ) فى كتابه (كشف الظنون) ذكر العارف بن المطلع عليه، قال (^٤):
«الدّيباج لأبى عبيدة معمر بن المثنى اللّغوى المتوفى سنة ٢١٠ هـ مختصر ذكر فيه أنّ حكماء العرب فى الجاهليّة ثلاثة ودهاة العرب كذا … إلى غير ذلك».
ورحل كتاب أبى عبيدة (الدّيباج) إلى الأندلس واشتهر هناك فكان من أوائل الكتب الوافدة إليه. ورواه ابن خير فى فهرسته قال (^٥):
_________________
(١) الدّيباج: ٢٣.
(٢) الإصابة: ٦/ ٥٧٢.
(٣) الديباج: ٨٨.
(٤) كشف الظنون: ١/ ٧٦٢.
(٥) فهرس ما رواه عن شيوخه: ٣٦١
[ ١٣ ]
كتاب (الدّيباج) لأبى عبيدة معمر بن المثنى؛ حدثنى به الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن معمر ﵀ عن أبى بكر محمد بن هشام بن محمد المصحفى، عن أبيه، عن أبى بكر عبّاس بن أصبغ الحجارىّ، عن أبى عثمان سعيد بن جابر الإشبيلى، عن أبى الحسن على بن سليمان الأخفش، عن أبى العباس المبرد، عن أبى محمّد التّوزى عن أبى عبيدة معمر بن المثنى مؤلفه ﵀.
فدخوله الأندلس عن طريق سعيد بن جابر الإشبيلى ويظهر أنه هو أول من أدخله الأندلس لتقدّم وفاة سعيد.
وهو سعيد بن جابر بن موسى الكلاعىّ من أهل أشبيلية، يكنى أبا عثمان. قال ابن الفرضىّ (^١) ﵀: «رحل إلى المشرق فلقى أحمد بن شعيب السّبئى … وعلى بن سليمان الأخفش النحو … وتوفى سنة ٣٢٥ هـ».
ثم اشتهر الكتاب الأندلس بعد ذلك فيظهر أنه اطلع عليه ابن عبد ربه (ت ٣٢٨ هـ) وأبو عبيد البكرى (ت ٤٨٧ هـ)، ونقل عنه أبو الوليد الوقشىّ فى «غريب الموطا» من تأليفه. وطرره على الكامل للمبرد. قال فى طرر الكامل (القرط) (^٢): «العبلات هنا خطأ، إنما هى العبلاء، وكذا قال فيه أبو عبيدة فى هذا الخبر فى كتاب (الدّيباج) (^٣)
_________________
(١) تاريخ العلماء والرّواة: ١/ ١٩٧.
(٢) الطرر: (القرط على الكامل): ٦٥٩ لأبى الوليد الوقشى وابن السيد البطليوسى تحقيق ظهور أحمد أظهر - جامعة البنجاب - لاهور باكستان سنة ١٤٠١ هـ.
(٣) الديباج: ٣٦.
[ ١٤ ]
ومثله جاء فى الاقتضاب لابن السيّد البطليوسى
وقال أبو عبيد البكرىّ فى (فصل المقال) (^١):
«وذكر أبو عبيد بعد هذا الباب الذى يليه خبرا لبيهس الملقب ب (نعامة)، وقد مضى ذكره وأقوالهم فى تلقيبه نعامة، وقال أبو عبيدة فى كتاب (التاج) لقب بذلك لأنّه كان جسيما طويلا».
وما أظنّ كتاب (التاج) إلا (الدّيباج) (^٢) لا غير.
وخلط الأستاذ المرحوم عبد السّلام محمد هارون فى مقدمة (العققة والبررة) (^٣) بين كتاب (الدّيباج) و(الدّيباجة) وظنّ أن (الديباج) هو الّذى ذكره ابن السيد فى (الاقتضاب) (^٤).
والصّحيح أن كتاب (الدّيباجة) فى الخيل كتاب مختلف عن كتابنا هذا لا صلة له به، وعنه نقول تبيّن مضمونه وتكشف عن حقيقته.
قال ابن السيد فى (طرر الكامل) (^٥): «قال أبو عبيدة
_________________
(١) فصل المقال: ٣٨٤، ولأبى عبيدة كتاب اسمه (التاج) وهو غير كتابنا هذا، إلا أن هذا النصّ من كتابنا هذا فيما نظن والله أعلم.
(٢) الديباج: ١٠٩. البطليوسى فى طرر الكامل: ٣٦٥. «قال أبو عبيدة فى كتابه (الدّيباجة) فى صفة الفرس قال أبو خيرة: ومما لا يقال له بهيم ».
(٣) نوادر المخطوطات: ٧/ ٣٣٨.
(٤) الاقتضاب: ١٧٨، وعن الدّيباجة نقول كثيرة فى المصادر.
(٥) طرر الكامل (القرط): ٣٦٥.
[ ١٥ ]
فى كتابه (الدّيباجة فى صفة الفرس) قال أبو خيرة: ومما لا يقال له بهيم …».