حاتم بن عبد الله الطائي، وكعب بن مامة الإيادى، ثم الحذاقى، وكلاهما آثر على نفسه.
والجواد: هرم بن سنان بن أبي حارثة الذي يقول له زهير:
إن البخيل ملوم حيث كان ول … كن الجواد على علاته هرم
[ ٢٣ ]
هو الجواد الذي يعطيك نائله … عفوًا ويظلم أحيانًا فيظلم
قال ابن خالويه: فيتظلم ويطلم غير معجمة.
وكان مما آثر حاتم على نفسه: أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة فلما كان بأرض عنزة ناداه رجل أسير فيهم: يا أبا سفانة: أكلنى الإسار والقمل، قال: ويلك - والله ما أنا في بلاد قومي، ولا معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك فساوم العنزيين به فاشتراه منهم، وقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدى فداءه ففعلوا. وقال لرفيقه: عجل علي إذا أتيت أهلي فأتنى بفدائه.
[ ٢٤ ]
قال: وأتته امرأة بناب ومفصد ليفصدها فلبت في سبلتها أي: منحرها فهتفت وقالت: إنما أردت لتفصدها.
وفي رواية أنها لطمته فقال: لو غير ذات سوار لطمتنى فذهبت مثلا وقال في ذلك:
لا أفصد الناقة من أنفها … لكننى أفصدها العاليه
ولحاتم يقول أوس بن حجر:
إني إلى حاتم رحلت ولم … يدع إلى العرب مثله أحد
الهين اللين المخالطه … في حيث أمسى وأصبح السعد
أمك حرمية مهذبة … طابت له الأمهات والولد
وقال الفرزدق حين صافن عاصمًا العنبري وضلا:
[ ٢٥ ]
فلما تصافنا الإداوة أجهشت … إلي غضون العنبري الجراضم
وجاء بجلمود له مثل رأسه … ليشرب ماء القوم بين الصرائم
على ساعة لو إن في القوم حاتمًا … على جوده ضنت به نفس حاتم
الإداوة: المطهرة. الرواية: لضن بالماء حاتم بجعله بدلًا من الهاء.
قال: وكان مما آثر به كعب بن مامة على نفسه أنه أصحب رجلًا من النمر بن قاسط في سفر في شهر ناجر - وهو أشد الأشهر حرًا
[ ٢٦ ]
وإنما سمى ناجر لأن الإبل تنجر فيه، وهو أن تشرب فتمتلئ بطونها من الماء وأفواها يابسة، قال: فضلا فتصافنا ماءهما فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبًا قال كعب: آسق أخاك النمري فيؤثره ويسقيه حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر أن يموت حتى رفع له أعلام الماء فجعل يقول: رد كعب إنك وراد فغلبه العطش فمات. وقال رجل من إياد يبكيه:
ما كان من سوقة أسقى على ظمإ … خمرًا بماء إذا ناجورها بردا
من ابن مامة كعب ثم عي به … زو المنية إلا حرة وقدا
وافى على الماء كعب ثم قيل له … رد كعب إنك وراد فما وردا
[ ٢٧ ]
وذكر الفرزدق في كلمته فقال:
إذا قال كعب هل رويت ابن قاسط … يقول له زدنى بلال الحلاقم
وكنت ككعب غير أن منيتى … تأخر عني يومها بالأصارم
قال: وكان كعب إذا جاوره جار فمات بعض أهله ولم يكن لحمته وداه. وإن هلك بعير له أو شاة أخلف عليه. ولم يكن أحد من الجيران هكذا. قال: فجاوره أبو دؤاد الإيادي الشاعر، وكان يفعل به ذلك.
قال أبو عبيدة: فإذا حمد جار لحسن جوار ضرب به المثل فقيل: جار كجار أبي دؤاد، وقال طرفة بن العبد:
إنى كفانى من جار هممت به … جار كجار الحذاقي الذي اتصفا
وقال قيس بن زهير يمدح ربيعة بن فرط، أحد بني بكر
[ ٢٨ ]
ابن كلاب وكان جاوره أيام كانت بنو عبس في بني عامر:
أحاول ما أحاول ثم آوى … إلى جار كجار أبي دؤاد
منيع وسط عكرمة بن قيس … وهوب للطريف وللتلاد
وقال شاعر في الإسلام:
ما زلت عن حاتم وكعب وعن … طلحة تلغى بذاك ما فعلوا
وتعتلى بالفعال شأوهم … حتى بك اليوم يضرب المثل
وقال الكميت بن زيد لخالد بن عبد الله القسري:
ما أنت في الجود إن عدت فضائله … ولا ابن مامة إلا البحر والوشل
أنسيتنا في الندى أسلاف أولنا … فأنت في الجود فيمن بعدنا مثل
[ ٢٩ ]