السموأل بن عاديا، والحارث بن ظالم المرى، وعمير بن سلمى
[ ٤٦ ]
الحنفي.
ضرب بالسموأل المثل في الجاهلية والإسلام. ضرب بالحارث بن ظالم في الإسلام. وكان الذي شهر وفاء السموأل أنه أجار قطين امرؤ القيس بن حجر وأدرعه وكراعه حين توجه إلى الروم فلما مات امرؤ القيس بأنقرة بعث ملك من ملوك غسان وهو عمرو بن هند، وهو ابن المنذر إلى السموأل فيما استودعه امرؤ القيس فأبى أن يسلمه وبعث إليه جيشًا عليهم رجل من أهل بيته يقال له الحارث، وكان السموأل ينزل حصنًا يقال له: الأبلق الفرد من أرض تيماء فلما أحس بهم أغلق حصنه، وكان له ابن إما في سفر، وإما في صيد، فجاء وهو لا يعلم أنه قد أطيق بأبيه فأخذه الحارث فقال: إن سلمت إلى الوديعة خليت عن ابنك وإلا قتلته فأبى أن يسلمها فأخذ الحارث ابنه وصرعه ثم ناداه أشرف فانظر فو الله لأقتله أو لتدفعن إلى الوديعة، فقال: الغدر طوق
[ ٤٧ ]
لا يبلى ولابني هذا إخوة وأنا أرجو أن يعقبنيه الله،
فقتله، فقال السموأل:
وفيت بأدرع الكندي إني … إذا عاقدت أقوامًا وفيت
بنى لي عاديًا حصنًا حصينًا … وماء كلما شئت استقيت
رفيعًا تزلق العقبان عنه … إذا ما نابنى ضيم أبيت
وأوصى عاديًا قدمًا بأن لا … تهدم يا سموأل ما بنيت
وكم من مخبر لي ليس يدرى … أورد لون جلدي أم كميت
والتقط رجل من كلب الأعشى فكتمه نفسه فحبسه واجتمع شرب عند الكلبي فيهم شريح بن عمرو، فعرف الأعشى، فقال: من هذا؟ قال: خشاش من الأرض التقطته فقال: ما ترجو بهذا؟ ما لهذا فداء خل عنه فخلى عنه، فأطعمه شريح وسقاه فلما أخذت فيه الكأس همهم فسمعه الكلبي يتزمزم بهجائه.
والتزمزم: تحريك الشفتين بالكلام.
[ ٤٨ ]
فأعاده في القيد، فقال الأعشى يهجوه:
بنو الشهر الحرام فلست منهم … ولست من الكرام بني عبيد
ولا من رهط جبار بن قرط … ولا من رهط حارثة بن زيد
وقال لشريح يرغبه في الوفاء واقتص عليه حديث السموأل ووفائه وادعى جوار شريح:
شريح لا تتركني بعد ما علقت … حبالك اليوم بعد القد أظفارى
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به … في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله … حصن حصين وجار غير غدار
فسامه خطتى خسف فقال له … اعرضهما هكذا أسمعهما حار
فقال ثكل وغدر أنت بينهما … فاختر فما فيهما حظ لمختارى
فشك غير طويل ثم قال له … اقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به … رب كريم وبيض ذات أطهار
[ ٤٩ ]
فقام معتمدًا إذا قام يقتله … أشرف سموأل فانظر للدم الجاري
فاختار أدراعه كي لا يسب بها … ولم يكن عهده فيها بختارى
وضربه الكميت بن زيد مثلا، فقال:
وفاء السموأل لا بل يزيد … كما يفضلن الخميس الزعيما
وضربه أيضًا مثلًا، فقال:
وعقد السموأل للخائفين … لجارك إن أنت أمنت جارا
وقال الفرزدق وضربه مثلًا لسليمان بن عبد الملك حين وفى ليزيد بن المهلب:
وفاء أخي تيماء إذ هو مشرف … يناديه مغلولًا فتى غير جانب
أبوه الذي قال اقتلوه فإنني … سأمنع جاري أن يسب به أبي
وإنا وجدنا الغدر أعظم سبة … وأفضح من قتل امرئ غير مذنب
فأدى إلى آل امرؤ القيس بزه … وأدراعه معروفة لم تغيب
وكان الذي شهر وفاء الحارث بن ظالم أنه لما قتل خالد بن جعفر
[ ٥٠ ]
في جوار الأسود بن المنذر اللخمي طلبه فهرب فدل الأسود على جارات الحارث من بلي، وقيل له: إنك لا تصيبه بشيء هو أشد عليه منهن إذ فاتك، فاستاقهن وأموالهن، فبلغ ذلك الحارث فكر من وجهه حتى سأل عنهن ومرعى إبلهن فدل عليهن فأتى الحارث موضعهن فإذا ناقة لهن يقال لها: اللفاع كانت غزيرة يحلبها حالبان فلما رآها قال:
إذا سمعت حنة اللفاع … فادعى أبا ليلى ولن تراعى
ذلك راعيك فنعم الراعي … يجبك رحب الباع والذراع
منصلتًا بصارم قطاع وقال:
[ ٥١ ]
أنا أبو ليلى وسيفى المعلوب … هل يمنعن ذودك ضرب تشذيب
فعرف البائن كلامه فحبق يعنى ضرط، فقال: است البائن أعلم والبائن: الذي يقوم من الشق الأيمن - فذهبت مثلًا: خليا عنها، فخليا عنها، فجمع أموال جاراته فردها عليهن واستنقذهن وأموالهن، ثم انطلق فأخذ شيئًا من جهاز رحل سنان بن حارثة المري فأتى به أخته سلمى بنت ظالم ويقال سلمى امرأة من بني أسد وكانت عند سنان، وقد تبنت ابن الأسود فقال: هذا علامة بعلك فصنعى ابنك حتى آتيه ففعلت فأخذه فقتله لما فعل بجاراته. ففي ذلك يقول الحارث بن ظالم:
قفا فاسمعا أخبركما إذ سألتما … محارب مولاه وثكلان نادم
أخصيي حمار بات يكدم نجمة … أتوكل جاراتى وجارك سالم
فإن تك أذواد أصبن وصبية … فإن ابن سلمى رأسه متفاقم
علوت بذي الحيات مفرق رأسه … وكان سلامى تحتويه الجماجم
[ ٥٢ ]
فتكت به كما فتكت بخالد … وهل يركب المكروه إلا الأكارم
وكان الذي شهر وفاء عمير أن رجلًا من السواقط، - وكان السواقط من قبائل شتى - وسموا سواقط: لأنهم كانوا يأتون اليمامة في الأشهر الحرم للتمر والزرع، فإذا أدرك قضوا منه حاجتهم ثم رجعوا إلى بلدانهم، وإن لم يكن أدرك أقاموا حتى يدرك، أو حتى تدخل الحرم وكان مرارة بن سلمى يجيرهم وكان الرجل منهم يأتى الرجل من أهل اليمامة فيقول له: أجرني إلى أن أشخص فيجيره ويكتب له على سهم: فلان جار فلان، ويدفعه إليه، فينصرف حيث شاء من اليمامة لا يعرض له أحد منهم، وكانوا يدعون
السواقط فأراد النعمان بن المنذر أن يجليهم عنها، وبعث في ذلك فمنعهم مرارة بن سلمى بن زيد بن عبيد بن ثعلبة ابن يربوع من بني الدؤل بن حنيفة بن مجاعة بن مرارة فقال: أوس بن حجر يحض النعمان عليه:
زعم ابن سلمى مرارة أنه … مولى السواقط دون آل المنذر
[ ٥٣ ]
منع اليمامة حزنها وسهولها … من كان ذا تاج رفيع المنخر
فكان رجل من السواقط من بني نفيل بن عمرو أتى قائد الجرباء: وهي الكتيبة عمير بن سلمى بن عمرو بن مجمع بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة فقال: أجرني فأجاره، وكتب له على سهم: فلان جار عمير، وكان مع الكلابي أخ له جميل فقال: قرين بن سلمى له وهو أخو عمير لا تقربن أبيات نسائنا، فوجده ذات يوم يتحدث إلى امرأته فرماه بسهم فأصماه.
وأما بنو حنيفة فزعموا أن الكلابي كانت امرأته أجمل النساء وكان قرين يتحدث إليها فوجد زوجها عندها فخاف قرين على المرأة فقتله فانطلق أخو الكلابي وهو رجل من بني عمرو بن كلاب فضرب بيته على قبر سلمى أبي عمير جاره وقرين القاتل، وعمير يومئذ ليس بشاهد فانطلق قرين إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة فأخبره الخبر فأتى الكلابي فأعطاه ما سأل من المال
[ ٥٤ ]
فأبى فخرج قرين من المحرقة وهي لبنى يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة وهي البادية فلحق بجده أبي أمه السمين بن عمرو بن سيار بن عبيد بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة واتبعه عمير فحالوا بينه وبين أخيه فجاء السمين، فقال: أحمقاء أنتم؟ ادفعوا إليه أخاه فدفع قرين إليه فخرج به يقوده من الوتر حتى أتى به إلى المحرقة فأعطى الكلابي ما كان لقرين من مال وما سأله فأتى وجوه اليمامة فعرضوا عليه من المال ما سأل، فأبى الكلابي فربط عمير قرينًا إلى نخلة فقال: شأنك وكلمت حسينة عميرًا ابنها أن لا يقتل أخاه فأبى فولى عنه، فقال عمير: أما إذ قتلته فاظعن عنا فليس لك في جوارنا خير فظعن من اليمامة وقالت حسينة حين لامت عميرًا في قتل أخيه فاعتذر إليها:
[ ٥٥ ]
تعد معاذرًا لا عذر فيها … ومن يقتل أخاه فقد ألاما
وقال رجل منهم:
قتلنا أخانا للوفاء بجارنا … وكان أبونا قد تجير مقابره
وقال الكلابي في وفاء عمير:
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر … زيد بن يربوع وآل مجمع
وأتيت سلميًا فعذت بقبره … وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
وعلمت أنى حين عذت بقبره … نهشت يداى إلى صدى لم يسمع
وإلى صدى من يستجره عائذا … ينصر وجاء إلى أشم ممنع
وأخذت بالحجر التي أنسأتها … كانت إذا طبع امرئ لم يطبع
وبآل سلمى ومن يعدمهم … تناش يداه إلى أعز الأرفع؟
وعلمت أني إن أخذت بحلبهم … بهشت يداك إلى وحًا لم يصفع
أقرين إنك لو رأيت فوارسي … بعمايتين إلى جوانب ضلفع
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن … للغدر خائنة مغل الإصبع
فلو ان ما قدرت على رماحهم … في يوم معركة إذا لم أجزع
[ ٥٦ ]
أخشى بواد من قرين سورتى … فاخشى بواد من شقى مولع
السموأل أسلم ابنه للقتل واختار الوفاء، وعمير أسلم أخاه للقتل واختار الوفاء، فلم نسمع بمثلهما.
جاور بنو سلامة - وهم أهل بيت من بني الهجيم بن عمرو - في بني جذيمة بن رواحة ولهم فيهم خؤولة فنزلوا بشرج فقتل رجل من بني عبس رجلا منهم فتحمل الهجيميون متوجهين إلى قومهم وأخذ مساور ابن هند القاتل العبسي ثم اتبعهم حتى لحقهم بإراب فدفعه إلى رجل منهم يقال له: عتاب فقتله بصاحبه فقال:
أبلغ سراة بني تميم إنني … أعددت مكرمة ليوم سباب
[ ٥٧ ]
وأخذت ثأر بني سلامة عنوة … فدفعت ربقته إلى عتاب
وجنبته من أهل شرج عانيا … حتى تحكم فيه أهل إراب
غدرت جذيمة غير أني لم أكن … يومًا لألبس غدرة أثواب
أمرت جذيمة هفوة من رأيها … وسفاهها ليغللوا أنيابى
قتلوا ابن أخيهم وجار بيوتهم … من خينهم وسفاهة الألباب
وإذا فعلتم ذلكم لم تتركوا … أحدًا يذود لكم عن الأحساب
فكانوا يهددونه ثم إنه أدركه ذمام من قومه فأخرج لهم مائة بعير دية لصاحبهم. فقال رجل منهم في ذلك - وإنه أخرجها رهبة -:
لا تجزع أبا الصمعاء وأدلج … لسيفي بعد جارك بالمئينا
فبعث بها المساور إلى بني الهجيم لجاجة وضرارًا لما قال هذا فأقاد ووفى. فلم يسمع بجار مثله قال المساور:
ولما أربدت أعناق كوم … على أثباجها مثل الأروم
وقال ابن المغيرة لابن زيد … أعينونا بأغفلة وكوم
لواها جدهم عنهم فخابوا … وأحرزها جدود من تميم
جاور رجل من بني وبرة عبيد بن غاضرة العنبري بفلج فأغار عليه
[ ٥٨ ]
جميل أبو خشرم السلمى فأخذ إبله فركب عبيد حتى أتى جميلا فقرنه إلى بعير ثم حزمه على بكر فسلح على ظهره فآلى لا ينقلب حتى تأتى بجميع ما أخذت بأعيانه وأرهق نفسك، فردها عليه بعينها ففي ذلك يقول عبيد:
تقول ابنة الكلبي إذ حل أهلها … جميعا بأعلى ذي أبان فلعلعا
لعمري لقد أوفى عبيدًا لجاره … وزاد على كفل الوفاء فأترعا
فلا تحمداني بالوفاء فإنما … تخيرتماني أهل فلج لأمنعا
قرنت أخا عون جميلا كأنما … قرنت به بكرًا من الشول أفرعا
[ ٥٩ ]