عامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة الجعفريان، وتنازعا في الرئاسة حين أهتر عامر بن مالك ملاعب الأسنة، فقال علقمة: أنا أحق بها منك؛ لأن الأحوص بن جعفر كانت له ولم تكن لأبيك، فقال عامر: أنا أحق بها منك، لأني أفضل منك فتحاكما إلى هرم بن قطبة
[ ٨٨ ]
ابن سنان الفزاري. فقال عامر بن الطفيل لعمه عامر بن مالك: أعني، فقال له: سبني يا ابن أخي فأبى، فقال: أبو براء وأنا لا أسب عمي وقال:
أمر أن أسب أبا شريح … ولا والله أفعل ما حييت
ولا أهدي إلى هرم لقاحا … فيحيا بعد ذلك أو يميت
فشخص بنو مالك بن جعفر مع عامر ومعه لبيد بن ربيعة. وشخص بنو الأحوص بن جعفر مع علقمة بن علاثة ومعه الحطيئة، ومع كل واحد منهما ثلاثمائة بعير يعطي الحاكم منها مائة، ويعقر مائة ويأكل هو أصحابه في الطريق مائة، فلما بلغ هرمًا دنوهما استخفى فجعلا يتهاتران.
[ ٨٩ ]
فقال علقمة: أنا عفيف وأنت عاهر، وأنا ولود وأنت عاقر وأنا أقرب إلى ربيعة، وكانت أمه منهم.
فقال عامر:
فاخترتني بيشكر بن بكر
والنجيين أهل سيف البحر
وجمع عبد القيس أهل النمر
هذا أوان أخذت للنصر
وقال لبيد:
يا هرم بن الأكرمين منصبا
إن الذي يعلو عليها ترتبا
لخيرنا خالًا وعمًا وأبا
فطبق المفصل واغنم طيبا
وقال لبيد:
[ ٩٠ ]
يا هرمًا وأنت خير عدل
هل توهنن حسبي وفضلى
وإن ولد الأحوص يومًا قبلي
ثم لحقت بانطلاق رسلي
قد علموا أنا خيار الطبل
فعن له السندري بن عيساء فقال:
إني لمن يسأل عني السندري
أنا الغلام الأحوصي الجعفري
[ ٩١ ]
وقال:
وهل فيكم يوم كيوم جبلة
يوم أتتنا أسد وحنظلة
والملكان والجموع أزفلة
كأنهم مهنوة مدجلة
نعلوهم بقضب منتخلة
لم تعد أن أفرش عنها الصقلة
وكان الأحوص رئيس هوازن وعبس وغنى وباهلة يوم جبلة، فقال عامر: يا لبيد أما ترى إلى العبد؟ فقال: والله لا أجعل عرضي إلى ابن السوداء، وقال:
ولما دعاني عامر لأسبهم … أبيت وإن كان ابن عيساء ظالما
لكيلا يكون السندري نديدنا … واجعل أعمامًا عمومًا عماعما
وجعل الحطيئة يقول ولا يحقق:
وما ينظر الحكام في الفضل بعدما … بدا واضح ذو غرة وحجول
فلما رأوا هرما لا يظهر توجهوا إلى عكاظ فلقي أعشى بني قيس
[ ٩٢ ]
عامرًا، فقال: ما الخطب يا أبا علي؟ فأخبره، وقال: إني قائل أبياتًا أتقول عليه وأزعم أنكما حكمتماني ثم، وأنا واقف في سوق عكاظ أنشدها فينشدها قواعد أصحابك أن يعقروا الإبل ويحفظ الشعر، ففعل وغدا الأعشى فقال ورفع عقيرته، أي صوته بالغناء:
علقم لا لست من عامر … الناقض الأوتار والواتر
سدت بني الأحوص لم تعدهم … وعامر ساد بني عامر
ساد وألفى رهطه سادة … وكابرًا سادوك عن كابر
من يجعل الجد الظنون الذي … جنب صوب اللجب الماطر
مثل الفرات إذا ما طما … يقذف بالبوصى والماهر
حكمتوه فقضى بينكم … أبلج مثل القمر الزاهر
ولم يزد على هذه الأبيات، وشد أصحاب عامر فعقروا الإبل ونادوا: أعامر ثم تفرقوا، وكان في سرعان أصحاب عامر فتي تقدم قبل القوم فأورد فريقًا على الماء وهو رافع عقيرته يقول:
علقم لا لست إلى عامر … الناقض الأوتار والواتر
فسمعته مليكة بنت الحطيئة فوضعت البوغاء على رأسها وهتفت:
[ ٩٣ ]
واحرباه؟ هذا والله شعر أبي بصير، فلما توعد علقمة الأعشى وزاد فيها:
شاقتك من قتلة أطلالها. . . . إلى آخر القصيدة
وقال في كلمته التي فيها:
وما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم … وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
كلا أبويكم كان فرعا دعامة … ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا
وأسلم هرم بن قطبة الفزاري فقال له عمر ﵀ حين وفد عليه: لمن كنت حاكمًا؟ فقال: أعفني يا أمير المؤمنين فو الله لو أظهرت اليوم شيئًا لعادت الحكومة جذعة. قال: صدقت بهذا العقل حكمت بدر. قال: والله لناس يرون أنه قال لعلقمة: والله لبيان عامر أشهر منكم في العرب. وقال لعامر: أتنافر علقمة وأنت أعور عاقر، لا والله ما رآهما ولا رأياه، ولئن شئت لتسمعن قائلًا يقول: أنتما كركبتي الجمل الأدرم. ولو قال هذا لادعي كل واحد منهما أنه المعني ولتفانا جذماهما ولكنهما قد تهاترا ببابه فحكاه من لا يعلم عن من لا يعلم عن هرم. يقول: تنافر فنفر فلان فلانًا، والحاكم ينفر أفضلهما.
[ ٩٤ ]
والقعقاع بن معبد بن زرارة. وكان خالد بن مالك النهشلي أراد حاجبًا حين دعا إلى المنافرة، وكان حاجب أحلم قومه فأبي فبلغ ذلك القعقاع بن معبد فأتاه فقال: هلم إلي أنا أنافرك ودع الشيخ فقال: أنافرك عن ندينا، فقال القعقاع: لا بل عن الآباء والأبدان. فقال: خالد بن مالك: قم فتنافرا إلى ربيعة بن حذار الأسدي. فقال حاجب للقعقاع: يا ابن أخي قد كرهت ما صنعت ولكن هذه ثلاثمائة بعير فاركبها فأطعم واعقر واعبط للنفور مائة. وكانوا كذلك يفعلوا في الجاهلية. فخرج القعقاع وتبعه أبو زرارة، وخرج خالد بن مالك: وتبعه سلمى بن جندل بن نهشل، فتحاكما إلى ربيعة بن حذار فجهد أن يتكافآ فأبيا. وكان عدلًا عاقلًا.
فقال النهشلي: أطعمت في جدب من أكل، وأعطيت يومًا من سأل، وطعنت فارسًا فشككت فخذيه.
[ ٩٥ ]
فقال القعقاع: جدى زرارة وعمى حاجب وأبي معبد.
فقال ربيعة بن حذار:
إن السماح والندى والباع
فإن بهن جمع القعقاع
وقال: إني نفرت من كان جده زرارة وعمه حاجبًا وأبوه معبدًا.
فانطلق خالد بن مالك فأغار على إبل نفورة ربيعة فذهب بها، وجاء بها إلى إبله وكانا وضعا إبلهما في رحل امرأة ليرضيها بما حكم عليهما فأخذها من عندها.
وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر نافر زبان بن منظور بن سيار
[ ٩٦ ]
الفزاري إلى العز الكاهنة، كاهنة نجران فرحلا إليها.
فقال زبان: أنا ابن منظور.
فقال عيينة: أنا ابن حصن.
فقال زبان: أنا ابن سيار.
فقال عيينة: أنا ابن حذيفة.
فقال زبان: أنا ابن عمرو.
فقال عيينة: أنا ابن بدر.
فقال زبان: أنا ابن جابر.
فقال عيينة: أنا ابن الجون.
فقال زبان: أنا أم عمرو.
فقال عيينة: عليه. فلم يرض، وكان يقال: إن بدر بن عمرو ابن الجون الكندي، وإن عيينة لما اعتزى إلى الجون وكان معتليا لزبان، فلما ترك نسبه في بني فزارة وفخر بفخر غيره قالت: افتخرت بفخر ليس لك وتركت ما في يديك، فكأنما نفرت زبان، فطلب زبان المائة النفورة فقال عيينة: أنا أفضل منك نفساص وأباص ولكنها جارت، فقال زبان:
أتثلب حرة بقيت يداها … عيينة تمنع اللخواء تفرى
شربت المجد من غطفان حتى … تفاخرني بزينة أم عمرو
ألما تعلمي أني كريم … أغر لصلب سيار بن عمرو
فقال عيينة:
إنا لنعلم ما أبوك بجابر … فالحق بأهلك من بني دودان
حالت بكم أمة لنضلة وابنه … فسقت بزينتها أبا زبان
[ ٩٧ ]
واعتزل جرول بن أوس الحطيئة فنفر عيينة فقال:
أبي لك آباء أبي لك مجدهم … سوى المجد فانظر صاغرًا من تنافره
قبور أصابتها السيوف ثلاثة … نجوم هوت في كل نجم مزابره
فقبر بأجبال وقبر بحاجر … وقبر القليب أسعر الحرب ساعره
وشر المنايا هالك بين أهله … كهلك الفتاة أيقظ الحي حاضره
بأجيال قبر بدر بن عمرو قتيل بني أسد.
وبحاجر قبر حصن قتيل بني عقيل.
وبقليب قبر حذيفة بن بدر، وهي بالهباءة قتيل بني عبس.
[ ٩٨ ]