سيف بن ذي يزن، وبيهس الفزاري، وقصير صاحب جذيمة.
فأما سيف بن ذي يزن فإنه لما غلب الأحبوش على اليمن وملكها فطال ذلك حتى توالدوا بها، أتى هرقل يستمده عليهم فوعده أن يفعل، فقال له نصحاؤه: تعين رجلًا ليس على أهل دينك يقتلهم لا تؤيسه ولا تطعمه فأريثه عنهم؟ فمكث عندهم تسع سنين حتى تركه ولحق
[ ١٠٣ ]
بكسرى من أكاسرة فارس فأتى عاملًا من العرب غريبًا فكان ذريعته إليه حتى دخل عليه فلما دخل طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا الأحمق يدخل من باب فوقه بكذا وكذا فيطأطئ رأسه ففسر له ذلك فقال: إنما طأطأت رأسي لهمي إنه يضيق عنه كل شئ وشكا إليه وقال: إنما يكفيني من المدد قدر السماع وإذا وقعت في بلادي أتيتهم من الرجال بما شاءوا، فوعده أن يمده فقال له نصحاؤه: أتعمد إلى قوم من رعيتك وبلادك فتطوح في فلاة، إنما تشرب الخيل والشفاه من أمثال عيون الديكة وبالحرى أن هي أدفنت أن يهلك جيشك، فقال: لا أخلفه ما وعدته وأبي إلا أن يتم له على الوفاء. قالوا: قلنا ها هنا حيلة ويصدق الملك في شجونك أقوام قد استحقوا القتل، وقوم قد أفسدوا في الأرض فتجمعهم وتمنعهم واستعمل عليهم شيخًا قد نفد أجله، ثم تجمعهم في البحر فهو أهون للمؤنة فإن هلكوا كنت قد كففت عن رعيتك شيئًا، وإن نجوا وظفروا كان ظفرهم لك، فذهب إلى شط دجلة فهيئت لهم السفن، وحمل فيها ما يصلحهم ويصلح دوابهم وبعث إلى أصحابه في البلدان فجمع نحوًا من ألف ومائتين، وقدموا وقد هيئت لهم المراكب واستعمل عليهم شيخًا كبيرًا قد سقط حاجباه عل عينيه ودفع إليه حلة ديباج منسوجة بالذهب والجوهر، ورايتين وقفازين وقلنسوة. وقال له: إذا ظفرت فارفع أهل البلد فاسألهم أهوابن ملكهم كما قال،
[ ١٠٤ ]
فإن كان كذلك فادفع إليه الحلة وجملة الخراج، وإن كان كاذبا فاقتله واجب الخراج حتى يأتيك أمري، فكرب حتى إذا كانت بسيف أرجان قال بعضهم: أنت غررتنا، وقالوا: احملوا سفنكم على هذا الجسر فاكسروها ففعلوا وبقي معه سبعمائة أو أكثر قليلا، فلما بلغوا القليس وهو بناء بنته الحبشة يحجونه، قال زهرز: أين أنصارك الذين زعمت للملك أنك تأتي بهم إذا وقعت في أرضك؟ قال: إن كل قوم منهم وثبوا على من فيهم من الحبشة فشغلوهم عنك فقتلوهم، وبلغ قائد الحبشة الذي بصنعاء سيرهم فوجه إليهم عددًا كثيرًا فتلقوهم بصنعاء فقاتلهم وهرز وأصحابه، وقال وهرز: أروني رئيسهم فاسمتوا لي سمته بنشابه فإن في بصرى ضعفًا، ورفع حاجبيه بحريرة ففعلوا فرماه ففلق جبهته وهو على بعير، فلما خر انهزموا، وأخذ كل واحد ممن بقي عودًا أو خشبة أو ما وجدوا ووضعوه في أفواههم يستأمنون بذلك، ودخل آلاف حائطا أو بناء فأخذهم فقتلهم جميعا وزعم أهل اليمن أن أنصار سيف قد كانت أتته، ولولا ذلك ما قامت سبعمائة لستين ألف أو نحوها، ووثب كل قوم على من فيهم من الحبشة فأبادوهم فلما دخل وهرز صنعاء دعاهم فقال: ما سيف فيكم؟.
[ ١٠٥ ]
قالوا: ابن أملاكنا وأشرفنا أدرك لنا بثأرنا. فدفع إليه الحلة وخلاه والخراج والعمل ثم لم بلبث وهرز أن مات.
فبلغ كسرى أن سيفًا يتناول النساء فكتب إليه يعزم عليه الإقدام عليه ففعل.
فقال: أيسرك أن تخلف بعقبك في حرمك؟.
ففطن فقال: لست بعائد. فقال: ارجع إلى عملك. فرجع فلم يزل اليمن في يدي فارس حتى بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وباذان عامل أبروان عليها وفيروز ودادويه قائدان معه.
وقال: أمية بن أبي الصلت في كلمة له لسيف:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن … لجج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته … فلم يجد عنده القلو الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة … من السنين لقد أبعدت إيغالا
[ ١٠٦ ]
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم … حملا لعمري لقد أسرعت إرقالا
ومثل كسرى وباذان الجنود له … ومثل وهرز يوم الجيش إضلالا
لله درهم من عصبة خرجوا … ما إن رأينا لهم في الناس أمثالا
غلبًا جحا جحة بيضًا مرازبة … أسدًا ترقص في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبط … في زمخر يعجل المرمى إعجالا
أرسلت أسدًا على سود الكلاب فقد … أمسي شريدهم في الأرض ضلالا
فاشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا … في رأس غمدان دارًا منك محلالا
قصر بناه أبوك القيل ذو يزن … ما إن رأينا له في الأرض أشكالا
منطعًا بالرخام المستزاد له … في كل ركن رأينا منه تمثالا
ثم أظلل الملء إذ شالت نعامتهم … وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لاقعبان من لبن … شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا
أما بيهس فإن أقواما أربعة غزوا فأتوا على إخواته وأهل بيته وأسروه،
[ ١٠٧ ]
فلما نزلوا بعض المنازل راجعين نحروا جزورًا فأكلوا وقالوا: ظللوا البقية فقال بيهس: لكن بثبًا لحم لا يلظلل وثبا: موضع، فذهب مثلا، يعني أجساد من قتل من إخوته وقومه، فلطمه بعضهم وجعل يدخل رجله في يدي سرباله فقال بعضهم: لا تلبس هذا اللبس وعلمه كيف يلبس؟ وكانوا يرون أن به طوفة فقال: ألبس لكل دهر لبوسه فلطمه بعضهم، فقال بيهس: لو نكلت عن الأولى لم تعد الثانية. فقال بعضهم: إن مجنون بني فزارة ليتعرض للقتل فخلو عنه فلما أتى أهله جعل نساؤه يتحفنه، فقال: يا حبذا التراث لولا الذلة فاجتمع عليه الغم مع ما به من قلة العقل، وجعلت أمه تعاتبه فيشد عليه ذلك منها، فقالت: لو كان فيك خير لقتلت مع أهل بيتك، قال: لو كان الخيار إليك لاخترت فجمع جمعا وغزا القوم ومعه خال له فوجدوهم
[ ١٠٨ ]
في حفرة من الأرض فرماه خاله عليهم، وكان جسيمًا طويلًا وإنما سمى نعامة لذلك، فقاتل القوم وهو يقول: مكره أخوك لا بطل فقتل القوم فأدرك بثأره. فقال المتلمس يضرب به المثل لقومه:
ومن حذر الأيام ماحز أنفه … قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
ويروي: ومن طلب الأوتار ورام الموت:
نعامة لما صرع القوم رهطه … تبين في أثوابه كيف يلبس
وأما قصير فإن جذيمة الأبرش طمع أن يتزوج زباء الرومية فتشاور فاتفقوا له على أني فعل ونهاه قصير، فخطبها فأجابته فلما أراد أن يهديها بعثت إليه أن ائتني فنهاه قصير قال: إن النساء يهدين إلى الأزواج فعصاه وأقبل، فلما كان ببقة عاوده المشاورة فقال له: قد دنوت فامض
[ ١٠٩ ]
إليها، ونهاه قصير فأبى، فلما دنا قال له: إنك عصيتني فإن تلقاك أهلها فرجعوا عنك فقد كذب ظني، وإن أقماموا ولم يرجعوا فإني معرض لك العصا، فرس كانت لجذيمة لا تجارى فجعلوا يتلقونه ولا يرجعون، فعرض له العصا فلم ينته فقال قصير: ببقة قضى الأمر فدخل عليها فأبرزت جهازها وقالت بكلامها، أذات عروس ترى؟ أما أنه ليس ساعون مواسى ولكنه شيمة ما أناس فقطعت راهشيه فنزفه الدم فمات.
ورجع فصير إلى عمرو بن جذيمة أو ابن أخته، فقال: حز أنفس وأظهر التهمة لي ففعل فلحق بزباء، فقال: لقد لقيت هذا فيك فوقعت له منها منزلة فزين لها تجارة عيرا فأعطته مالًا لذلك، فكر كرتين، يزيده عمرو في السر مالًا فإذا رجع قال: هذا رمحي لك ثم هيأ مسوحًا كالمسوح التي يحمل فيها الجص وهيأ الرجال وخرج بعمرو وقال: إن لها نفقًا إذا خافت خرجت منه ووصفه له فاقعد، فإذا مرت بك فاضربها، وكانت إذا دنت عيرها أشرفت فلما دنا وقد أقام الرجال في المسوح مستلئمين في أيديهم أوكية، أشرفت فقالت: إن العير لتحمل صخرًا
[ ١١٠ ]
أو تطأ في وحل يا قصير، فصنع لها رجزًا على هذا المعنى:
ما للجمال مشيها وئيدًا
أجندلًا يحملن أم حديدا
أم صرفانًا باردًا شديدا
أم الرجال قبضًا قعودا
فحلوا الأوكية فإذا هم قيام على أرجلهم فعرفت الشر فاستغاثت بالنفق، فضربها عمرو فقتلها وزعم قوم أنها مصت خاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو وكانت لا تكلم بالعربية إلا أن يكون فسر، ففي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي:
دعا بالبقة الأمراء يومًا … جذيمة عصر ينجوهم ثبينا
فلم ير غير ما ائتمروا سواه … فشد لرحله السفر الوضينا
فطاوع أمرهم وعصى قصيرًا … وكان يقول لو نفع اليقينا
لخطيبتي التي غدرت وخانت … وهن ذوات عائلة لحينا
فدست في صحيفتها إليه … ليملك بضعها ولأن تدينا
فأردته ورغب النفس يردى … ويبدي للفتى الحين المبينا
ففاجأها وقد جمعت تنوخًا … على أبواب حصن مصلتينا
[ ١١١ ]
وقدمت الأديم لراهشيه … وألفى قولها كذبًا ومينا
وحدثت العصا الأنباء فيه … ولم نر مثل فارسها هجينا
فبات نساؤه عجلا عليه … مع الويلات يعلن الرنينا
لهن إذا اقتبلن به نحيب … كما يتجاوب الخلج الحنينا
خوامش للوجوه متوجات … بدئن فماجع وبه دهينا
ومن حذر المعاير والمخازى … وهن المندبات لمن منينا
أطف لأنفه الموسى قصير … ليجدعه وكان به ضنينا
فأهواها لمارنه فأضحى … طلاب الوتر مجدوعا مشينا
فصادفت امرءًا لم تخش منه … مفارقة دما أمنت بأمينا
أتاها عركتين بما أرادت … فأصبح عند ربته مكينا
وأبلاها كما حسبت نصيحا … فملكت الخزائن والقطينا
فردته بضعفي ما أتاها … ولم يكبل على المال اليمينا
فلما ارتد عنها ارتد صلتا … يجر الموت والصدر الضغينا
أتتها العير تحمل ما دهاها … وقنع في المسوح الدار عينا
مخاتلة ابنة الرومي زبا … وظلل حملها الثبت الرصينا
فدس لها على الإنفاق عمرًا … بشكته وما خشيت كمينا
فجللها عتيق الأثر عضبًا … يصك به الحواجب والجبينا
فأضحت من مداينها كأن لم … تكن زبا لحاملة جنينا
[ ١١٢ ]