توثيق نسبته إلى أبى عبيدة:
يقول الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن سليمان العثيمين:
كتابنا هذا لا يحمل عنونا ولا اسم مؤلّف سوى أنّه كتب فى سجل معهد المخطوطات العربيّة بالقاهرة: كتاب فى الأدب لأبى عبيدة.
ولفت نظرى هذا العنوان، وطلبت الاطلاع عليه ولم يسعفنى الوقت آنذاك، ثم طلبت تصويره ضمن مجموعة تفضّل القائمون على المعهد بتصويرها، وانتفعت بالكتب المصوّرة فى المجموع ما عدا هذا؛ لأنّها كتب فى النحو واللّغة لها لدىّ عناية أكبر من كتاب كتب عليه أنه لأبى عبيدة، وكثيرا ما نجد كتبا يعبث بها العابثون فينسبونها إلى كبار علمائنا فإذا تحققت منها وجدت بينها وبين من نسبت إليه بونا بعيدا، وشاء الله تعالى أن أعود إليه بعد ما يزيد على خمسة أعوام فقرأت فيه فإذا هو حقّا على أسلوب القدماء، وأخباره ومعلوماته تدلّ فعلا على إمكان صحة نسبته إلى أبى عبيدة أو من هو فى درجته من العلم.
عرضت الأمر على صديقنا الفاضل وزميلنا الكريم الدكتور عبد الله بن سليمان الجربوع، لما له من سابق معرفة بكتب الأدب فقرأ الكتاب أياما وليالى، ثم أعاده علىّ فأمضيت فى قراءته وقتا، فيبدوا أنّ متعة القراءة فيه ألهتنا عن النظر فى نسبته - وإن كنا عنها غير غافلين - وأصبحت حالتنا معه كحالة غيلان مع ربعة:
وقفت على ربع لميتى ناقتى … فما زلت أبكى حوله وأخاطبه
وأسقيه حتّى كاد مما أبثّه … تكلّمنى أحجاره وملاعبه
[ ٧ ]
وبعد أن أنهى الدكتور عبد الله القراءة خلص بنتيجة تثبت أنه - حقّا - لأبى عبيدة دون ما سواه؛ قال الدكتور: لقد رأيت تشابها، بل تطابقا بين ما ورد فى هذا الكتاب وما نسب إلى أبى عبيدة من الأخبار فى كتاب «النقائض» (^١).
ثم ما ورد من نقول عن أبى عبيدة من الأخبار، والبيان والتبيين، ونهاية الأرب … وغيرها تدلّ على وجوه من التّقارب بينها وبين ما ورد فى هذا الكتاب. واطمأنت نفسى إلى ما ذكر.
غير أنه ورد فى الكتاب عبارة هى: «قال أبو عبد الله بن خالويه» أحدثت فى أنفسنا شيئا من الشك والارتياب لا سيما ونحن نمضى فى محاولة تصحيح النّسبة على حذر.
وبدأت بوارق الأمل تلوح وسحب الشك تزول فكثير من فقرات الكتاب مصدّرة ب (أبو عبيدة) ثم يسوق الخبر مسندا بعض ذلك إلى شيوخه فإذا عارضنا هذه بعبارة: (قال أبو عبد الله بن خالويه) ظهر لنا أن ابن خالويه لا يعدو أن يكون راويا للكتاب أو متملكا له، والعبارات التى يوردها ابن خالويه تفسيرات لغوية لبعض ما أبهم من عبارات النّصّ.
_________________
(١) نقول أنّ فى أخبار هذا الكتاب تطابقا مع الأخبار المسندة إلى أبى عبيدة فى (النقائض)؛ لأنّ فى نسبة (النقائض) إلى أبى عبيدة شكّ، ولا شك فى الأخبار المسندة إليه فيه.
[ ٨ ]
يبقى أن نجزم بأنّه كتاب (الدّيباج) لا غيره من مؤلفات أبى عبيدة، إذ استقرّ فى الذّهن أنه كتاب لأبى عبيدة لا مدافع، صدّر المؤلّف كتابه بقوله: «كان العرب العكاظيّون لا يعدّون من الشئ إلا ثلاثة ثم يكفون ولا يزيدون عليها شيئا، فإن لحق بعد شئ مثل الثلاثة التى عدّوا قبل ذلك لم يعدّوه معه». ثم صدر أكثر فقرات الكتاب ب (ثلاثة) فيقول مثلا: «أشعر الشّعراء فى الجاهليّة ثلاثة،
المقلّون من الشّعراء ثلاثة، … أشعر الشّعراء واحدة ثلاثة، … أشعر شعراء الإسلام ثلاثة …» وهكذا.
فقلنا: إذا هو كتاب (الثلاثة) لا سيما أنا وجدنا الإمام اللّغوى أحمد بن فارس الرازى (ت ٣٩٥ هـ) له كتاب اسمه (الثلاثة) نشره الدكتور رمضان عبد التواب، لكننا لم نجد فى عداد مؤلفات أبى عبيدة كتاب اسمه (الثلاثة) فاستبعدنا هذا الاحتمال وإن كان ممكنا.
وما زلنا نعرض كتاب أبى عبيدة هذا على أسماء مؤلفاته التى ذكرها العلماء لعلّه يكون أحدها، وخاصة تلك المؤلفات التى احتفظت المصادر بنصوص منها لكى نتمكن من المقارنة فكان من بينها كتاب (الدّيباج).
ورأينا أنه هو أقرب مؤلفات أبى عبيدة احتمالا، وأجدرها أن يكون هذا الكتاب.
فالقت عصاها واستقرّ بها النّوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وكتاب «الدّيباج» لأبى عبيدة معروف صحيح النسبة إليه، ذكره ابن النّديم فى الفهرست: ٥٩، وابن خير فيما رواه عن شيوخه،
[ ٩ ]
والقفطىّ فى إنباه الرّواه: ٣/ ٣٨٥، وياقوت فى معجم الأدباء:
١٩/ - ١٦١، والقاضى ابن خلكان فى وفيات الأعيان: ٥/ ٢٣٩، والسّيوطى فى تحفة الأديب فى نحاة مغنى اللبيب.