قال علي بن أبي طالب: العجبُ لِمَنْ يَقْنَطُ ومعه النجاة: الاستغفار. . . وقالوا لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار. وقال حكيم: أيّها السلاطين، لا بدَّ لكم من المعاصي الكبار فافعلوا بإزائِها طاعاتٍ عظيمةً، أيّها الأوساطُ، يمكنكم الطاعات العظيمة، كالمصالح التي لا يقدر عليها إلا السلطان، فلا تركبوا المعاصي الكبيرة. . . وقال بعضهم: سمعني راهبٌ أقول: أستغفر اللهَ، فقال: يا فتى، سرعةُ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذّابين. . ويدلُّ على ما قاله قوله ﷺ: (المستغفرُ باللسانِ المصرُّ على الذنبِ كالمُسْتهزئ
بربّه). وقال الربيع بن خثيم: لا يقولنَّ أحدكم: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه فيكون ذَنْبًا جديدًا إذا لم يفعل، ولكن ليقل: اللَّهُمّ، تُبْ عليّ واغفر لي، فقيل: ولِمَ؟ فقال: انْتِه عمّا ينهاك عنه فإنه يُغْفرُ لك. . . وقال عمر ﵁: لم أرَ أشدَّ طلبًا وأسرعَ دَرَكًا من حسنةٍ حديثةٍ لذنبٍ قديم. دَرْكًا بسكون الراء وفتحها: لحاقًا وإدراكًا. . . وسئل بعضُ المجّان: كيف أنتَ في دينك؟ قال: أُخْرِّقه بالمعاصي وأرقِّعه بالاستغفار. . .
وأما بعد فلو يؤاخذ اللهُ الناسَ بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى فإذا جاء أجلهم فإنّ الله كان بعباده بصيرًا.
[ ١ / ١٩٢ ]
يا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَناحَها في ظُلْمةِ الليلِ البهيمِ الألْيلِ
ويَرى عُروقَ نِياطِها في نَحْرِها والمُخَّ في تِلْكَ العِظامِ النُّحَّلِ
اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ من فَرَطاتِه ما كان مِنهُ في الزَّمانِ الأوَّلِ