والأصلُ في هذا المعنى قولُه ﷺ لرجلٍ جدَّ في العبادة حتّى غارت عيناه: (إن هذا الدينَ متينٌ، فأوْغل فيه برِفق، ولا تُبغِّض إلى نفسك عبادةَ ربّك، فإنّ المُنْبَتَّ لا أرضًا قطعَ ولا ظهرًا أبقى، ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلا غلبه). . . متين: أي شديد، من متن متانة: اشتد وقوي، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وقوله: فأوغل فيه برفق: أي ادخل، وأصل الإيغال: الإمعان في السير والإبعاد فيه يقول: سرْ في الدين برفق ولا تحْمِل
[ ١ / ١٧٧ ]
ْ على نفسك فتكلّفها ما لا تطيق فتعجِزَ وتتركَ العمل، والمنبتُّ: الذي أتعب دابَّتَه حتى عَطِبَ ظهرُه فبقي منقطعًا به، من الانبتات وهو الانقطاع. . .
ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا مطأطئًا رأسَه، فقال له: ارْفَعْ رأسَك، فإن الإسلام ليس بمريض. . . ونظر يومًا إلى رجل مُظهرِ النسكِ متماوتٍ فخَفقَه بالدرَّة وقال: لا تُمِتْ علينا دينَنا أماتك الله. . ونظرت السيدة عائشة ﵂ إلى رجلٍ كاد يموتُ تَخافُتًا فقالت: ما لهذا؟ فقالوا: أحدُ القرّاء، فقالت: قد كان عمرُ بن الخطاب سيِّدَ القرّاء، فكان إذا قال أسمعَ، وإذا مشى أسرعَ، وإذا ضربَ أوْجعَ. . . وقال ﷺ: (إنّ الله بعثني بالحنيفية السَّمحة ولم يبعثني بالرَّهبانية، فمن رغب عن سنَّتي فليس مني). . .