قال تعالى: في صفة المؤمنين: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، وقال حكيم: ارْجُ إذا خِفت وخَفْ إذا رجوت، وكُنْ كالمرأة الحامل ليس رجاؤُها أن تلدَ ولدًا ذكرًا بأكثرَ مِنْ خوفِها أن تلدَ أنثى. وقريب من هذا قولُ رجلٍ لابنه: خَفِ اللهَ خوفًا لا يمنعك من الرجاء، وارْجُه رجاءً لا يمنعك من الخوف، فالمؤمن له قلبان: يرجوه أحدُهما ويخافُه الآخرُ وقال:
أنا بينَ الرجاءِ والخوفِ منه واقِفٌ بين وَعْدِه والوَعيدِ
وقال أبو نواس:
لا تَحْظُرِ العَفْوَ إنْ كنتَ امْرَءًا حَرِجًا فإنَّ حَظْرَكَهُ بالدِّينِ إزْراءُ
وقال أيضًا:
يا كثيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ مِنْ ذَنْبِكَ أكْثَرْ
وقال:
[ ١ / ١٨٣ ]
تَبَسَّطْنا على الآثامِ لمَّا رأيْنا العفوَ من ثَمَرِ الذُّنوبِ
وقال:
تَكثَّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا فإنَّك بالِغٌ رَبًَّا غَفورا
سَتُبْصِرُ إنْ وَرَدْتَ عليهِ عَفْوًا وتَلْقَى سيِّدًا مَلِكًا كَبيرا
تَعَضُّ نَدامةً كفّيْك ممّا تركتَ مخافةَ النّارِ السُّرُورا
وفي الأثر: ما أُحِبُّ أنَّ ليَ الدُّنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. . . وقال ابن عباس لعبد الله بن عمر ﵄: أيُّ آيةٍ أرجى؟ قال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فقال: إنَّ هذه لمَرْجوّةٌ، وأرجى منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. . وقال أعرابي لابن عباس: من يحاسب الخلقَ يوم القيامة؟ قال: يحاسبهم الله تعالى قال: نجونا وربِّ الكعبة، فقال: كيف! قال: إنَّ الكريمَ إذا قدر غَفَر. . . وسمع أعرابي عبد الله بن عباس يقرأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾، فقال: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها! فقال ابن عباس: خُذوه من غَيْرِ فقيهٍ. . .