وبعد فلنعطف على كلامهم في الجود وذمِّ البخل: أورد الجاحظ في كتابه البخلاء رسالةً جميلةً جدًا نسبها إلى أبي العاصي بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - أرسلها إلى رجلٍ من عشيرته، وقد سمع بأنه يجلس إلى قوم من البخلاء، أمثال سهل بن هارون والأصمعي، وقد تأثّر بمذهبهم في البُخل وامتداحهم إيّاه، فكتب إليه هذه الرسالةَ ينعى فيها على البخلاء مذهبَهم، ويذمُّ البخل وينوِّه بالجود - ونحن فإنّا نقتطف من هذه الرسالة نُتفًا ونترك سائرها لمن يحبّ أن يراجعها في كتاب البخلاء - قال:
[ ١ / ٩٥ ]
وهل تزيد حالُ من أنفق جميعَ ماله، ورأى المكروهَ في عيالِه، وظهر فقرُه، وشَمَِت به عدوُّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بُغض عيالِه، وعلى خُشونة الملبس، وجُشوبة المأكل؟ وهذا كلُّه، مجتمع في مَسك البخيل، ومصبوبٌ على هامةِ الشّحيح، ومعجَّلٌ للئيم وملازمٌ للممنوع؛ ألا إن المنفقَ قد ربح المحمدة، وتمتّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة ووفّى كلَّ خصلة من هذه حقّها، ووفَّر عليها نصيبَها، والممسكُ معذَّب، بحصر نفسه، وبالكدِّ لغيره؛ مع لزوم الحجة، وسقوط الهمّة والتعرُّض للذمِّ والإهانة، ومع تحكيم المِرّة السوداء في نفسه وتسليطها على عرضِه، وتمكينها من عيشِه، وسرورِ قلبه.
إن الله جوادٌ لا يبخل، وصدوقٌ لا يكذب، ووفيٌ لا يغدر، وحكيمٌ لا يعجل، وعدلٌ لا يظلم. وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق، ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم، ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء، ونهانا عن الغدر.
[ ١ / ٩٦ ]
فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسِه، ولم يزجُرْنا إلا عمّا لم يرضَه لنفسه: وقد قالوا بأجمعهم: إنَّ الله أجودُ الأجودين، وأمجد الأمجدين؛ كما قالوا: أرحم الراحمين، وأحسن الخالقين. وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليمِ لأجوادِهم: لا تُجاوِدوا اللهَ فإنَّ الله - جلَّ ذكرُه - أجودُ وأمجدُ. وذكر نفسه ﷻ، وتقدّست أسماؤه - فقال: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ و﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقال: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
وذكروا النبيَّ ﷺ، فقالوا: لم يضع درهمًا على درهمٍ، ولا لبنةً على لبنةٍ. وملك جزيرةَ العرب، فقبضَ الصدقاتِ، وجُبيت له الأموال، ما بين غُدرانِ العراق إلى
شَحْرِ عُمان إلى أقصى مَخاليفِ اليمن ثم تُوفّيَ وعليه دينٌ، ودِرْعُه مرهونةٌ. ولم يُسأل حاجةً قطّ فقال: لا. وكان إذا سُئل أعطى، وإذا وَعد أو أطمع، كان وعدُه كالعِيان، وإطماعُه كالإنجاز. ومدحته الشعراء بالجود. وذكرته الخطباءُ بالسَّماح. ولقد كان يهب للرجل الواحد الضَّاجعةَ من الشاءِ والعَرْجَ من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملِكُ من العرب مائةَ بعير، فيقال: وَهب هُنيدةً. وإنما
[ ١ / ٩٧ ]
يقال ذلك، إذا أريد بالقول غايةُ المدح، ولقد وهب لرجلٍ ألفَ بعير. فلمّا رآها تزدحم في الهوادي قال: أشهد أنّك نبيٌّ. وما هذا مما تجودُ به الأنفُسُ.
وأجْمعتِ الأممُ كلُّها بخيلُها وسخيُّها وممزوجُها على ذمِّ البخل، وحَمْدِ الجود، كما أجمعوا على ذمِّ الكذب وحَمْدِ الصدق.
فمن أراد أن يخالف ما وصف الله - جلَّ ذكرُه - به نفسَه، وما منح من ذلك نبيَّه ﷺ، وما فَطرَ على تفضيله العربَ قاطبةً، والأممَ كافةً، لم يكن عندنا فيه إلا إكفارُهُ واستسقاطُه.
ولَمْ نرَ الأمةَ أبغضت جوادًا قطّ ولا حقَرَتْه، بل أحبّته وأعظمته، بل أحبّت عَقِبَه وأعظمت من أجله رَهْطَه. ولا وجدناهم أبغضوا جوادًا، لمجاوزته حدَّ الجود إلى السَّرف، ولا حقَرَتْه، بل وجدناهم يتعلمون مناقبَه، ويتدارسون محاسنَه، وحتى أضافوا إليه من نوادِرِ الجميل ما لم يفعله ونَحَلوه من غرائب الكرم ما لم يكن ليبلغَه، ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يُضاعف كما تُضاعف الحسنات في الآخرة. نعم، وحتى أضافوا إليه
[ ١ / ٩٨ ]
كلَّ مديح شارد، وكلَّ معروفٍ مجهولِ الصاحب. ثمَّ وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدِّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب: وجدناهم يُبغضونه مرَّة، ويُحقِّرونه مرَّة، ويُبغضون بفضل بغضه ولدَه، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رَهْطَه، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلُغْه، ومن غرائب البُخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنَّا لا نجد الجوائحَ إلى أموال الأسخياء، أسرعَ منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عددَ من افتقر من البخلاء أقلَّ.
والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحقّ عندهم اسمَ البخيل ويستوجب الذمَّ، من لا يدع لنفسه هَوىً إلا ركبَه، ولا حاجةً إلا قَضاها، ولا شهوةً إلا ركبها
وبلغ فيها غايتَه. وإنّما يقع عليه اسمُ البخيل، إذا كان زاهدًا في كل ما أوجب الشكرَ، ونوّه بالذكر، وادّخر الأجر.
وقد يُعَلِّق البخيلُ على نفسِه من المُؤن، ويُلْزِمها من الكُلَف، ويتخذ من الجواري والخدم، ومن الدوابِّ والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البِزَّة الفاخرة. والشّارة الحسنة، ما يُربي على نفقة السخيِّ المثري ويَضْعف على جودِ الجوادِ الكريمِ فيذهب مالُه وهو مذمومٌ، ويتغيَّر
[ ١ / ٩٩ ]
حالُه وهو ملومٌ. وربّما غلب عليه حبُّ القِيان واستُهْتِرَ بالخصيان. وربما أفرط في حبِّ الصيد، واستولى عليه حبُّ المراكب، وربّما كان إتلافُه في العُرْس والخُرْس والوليمة، وإسرافُه في الإعذار وفي العقيقةِ والوكيرة، وربّما ذهبت أموالُه في الوَضائع والوَدائع. وربَّما كان شديدَ البخل، شديدَ الحبِّ للذِّكر ويكون بخلُه أوشجَ ولؤمُه أقبحَ، فينفق أمواله ويتلفُ خزائنَه، ولم يخرج كَفافًا ولم ينجُ سَليمًا.
كأنك لم ترَ بخيلًا مخدوعًا، وبَخيلًا مضعوفًا، وبَخيلًا مِضياعًا، وبَخيلًا
[ ١ / ١٠٠ ]
نفّاجًا، وبخيلًا ذهب مالُه في البناء، وبخيلًا ذهب مالُه في الكيمياء، وبخيلًا أنفق مالَه في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات، والدُّخول في القبالات، وكانت فتنته بما يؤمل من الإمْرة، فوق فتنتِه بما قد حواه من الذهب والفضة، وقد رأيناه ينفق على مائدتِه وفاكهتِه ألفَ درهم في كل يوم، وعنده في كل يوم عُرْس، ولأنْ يطعنَ طاعنٌ في الإسلام، أهونُ عليه من أن يطعن طاعنٌ في الرغيف الثاني، ولشقُّ عصا الدين، أهون عليه من شقِّ رغيف، لا يعد الثُّلْمَةَ في عِرْضِه ثلمة، ويعدّها في ثريدتِه من أعظم الثُّلم.
وإنّما صارت الآفاتُ إلى أموالِ البخلاء أسرعَ والجوائحُ عليهم أكلبَ،
[ ١ / ١٠١ ]
لأنّهم أقلُّ توكّلًا، وأسوأ بالله ظنًّا. والجوادُ إمّا أن يكونَ متوكّلًا، وإما أن يكون أحْسنَ بالله ظنًّا، وهو على كل حال بالمتوكّل أشبهُ، وإلى ما أشبهه أنزعُ، وكيفما دار أمرُه، فليس ممن يتّكل على حزمِه، ويلجأ إلى كَيْسِه ويرجع إلى جودة احتياطه وشدّة احتراسه.
واعتلال البخيل بالحدثانِ، وسوء الظنّ بتقلّبِ الزمانِ، إنّما هو كنايةٌ عن سوء الظنّ بخالق الحَدثانِ، وبالذي يحدث الأزمانَ وأهلَ الزمانِ. ولا تجري الأحداثُ إلا على تقديرِ المُحْدِث لها؟ وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريفِ من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابَها فقد أيقنّا بأنها تجري إلى غاياتها؟
والدليلُ على أنّه ليس بهم خوفُ الفقر، وأنّ الجمع والمنعَ إمّا أن يكون عادةً منهم، أو طبيعةً فيهم، أنك قد تجد المَلِكَ بخيلًا، ومملكتُه أوسع، وخرجُه أدرُّ، وعدوُّه أسكنُ وقد علمنا أن الزنج أقصرُ الناس مِرّةً ورويّةً وأذهلُهم عن معرفة العاقبة: فلو كان سخاؤهم إنّما هو لكَلالِ حدّهم،
[ ١ / ١٠٢ ]
ونقصِ عقولهم، وقلّةِ معرفتهم، لكان ينبغي لفارسَ أن تكونَ أبخلَ من الرّوم وتكونَ الرومُ أبخلَ من الصّقالبة، وكان ينبغي في الرجال، في الجملة، أن يكونوا أبخلَ من النساء، في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكونَ أقلُّ البخلاء عقلًا، أعقلَ من أشدِّ الأجوادِ عقلًا؛ وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - أن يكونَ أعرفَ بالأمور من الديك، المضروب به المثلُ في الجود.
ونحن لا نجد الجوادَ يَفِرُّ من اسم السّرفِ إلى الجودِ، كما نجد البخيلَ يَفِرُّ من اسم البخلِ إلى الاقتصاد. وتجد الشجاعَ يَفرّ من اسم المنهزم، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجَنان: وقاحٌ لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضيلة - إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدرَه، ويظهر فضلَه.
ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدّون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيرًا ممّا يطلبون، ولتركوا محاسبتَهم في كثيرٍ ممّا يشتهون.
[ ١ / ١٠٣ ]
وهذا بعض ما بغَّض بعضَ المورثين إلى الوراثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف. . .
ولو كانوا لأولادهم يُمهِّدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخِصيانُ الأموال، ولَما كنزَ الرهبانُ الكنوزَ، ولاستراح العاقِرُ من ذلِّ الرغبة ولسلِمَ العقيمُ من كدِّ الحرص. وكيف؟ ونحن نجده بعد أن يموتَ ابنُه الذي كان يعتلُّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصِّر في الطلب والحُكْرة، والبخلاء لم يَحدّوا شيئًا من جهدهم ولا أعفوا بعدُ قدرتَهم، ولا قصّروا في شيء من الحرص والحَصْر، لأنهم في دار قُلْعَةٍ، بعرض نُقلَةٍ. حتى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول.
[ ١ / ١٠٤ ]
فالبخيل مجتهدٌ، والعاميُّ غير مقصِّرٍ. فمن لم يستعِنْ على ما وصفنا بطبيعةٍ قوية، وبشهوةٍ شديدة، وبنظرٍ شافٍ، كان إما عاميًّا، وإما بَخيلًا شقيًّا - ففيمَ اعتلالُهم بأولادهم، واحتجاجُهم
بخوف التلوُّن من أزمنتهم؟
قال رسول الله ﷺ لوافدٍ كذب عنده كَذْبةً، وكان جوادًا: (لولا خَصْلةٌ وَمِقك اللهُ عليها، لشرَّدْتُ بك مِنْ وافدِ قومٍ). . . وقيل للنبي ﷺ: هل لك في بيضِ النساء وأُدْمِ الإبل؟ قال: ومن هم؟ قال: بنو مُدْلج. قال: يمنعني من ذاك قِراهم الضيفَ، وصلتهم الرّحمَ. وقال لهم أيضًا: إذا نَحروا ثجّوا، وإذا لبَّوا عجّوا.
وقال للأنصار: من سيّدكم؟ قالوا: الحُرُّ بن قيس، على أنه يُزَنُّ فينا ببخل، فقال: وأيُّ داء أدْوأ من البخل؟ جعلَه من أدوإ الداء.
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال للأنصار: (أنا والله، ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع)، وقال: (كفى بالمرء حرصًا ركوبه البحر) -. وقال: (لو أنّ لابن آدمَ واديين من مال لابتغى ثالثًا، ولا يُشبع ابنَ آدمَ إلا الترابُ ويتوب الله على من تاب). وقال: (السّخاءُ من الحياء، والحياءُ من الإيمان) وقال: (إن الله جوادٌ يحبُّ الجود). وقال: (أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا).
هذا ما رأينا اختياره من هذه الرسالة الجاحظيّة البارعة الجامعة. ونعود إلى سائر عبقرياتهم في الجود والإحسان.