ولهم في السؤال وآدابه واستنجاح الحوائج ودستوره، مَحاسنُ رأينا أن نُلِمَّ بها، إتمامًا لهذا الباب، فمن ذلك حثُّهم على سُؤال الشبان دونَ الشيوخ، والصِّباح دون القِباح، والكريمِ
الفقير دون الغنيِّ اللئيم. وهذا لَعْمري من حِذق الأوائل وتفطنهم إلى طبائع النفوس. . .
قال حكيم: طلبُ الحوائج عند الشبان أسهلُ منها عند الشّيوخ، ألا ترى أن يعقوبَ ﵇ لمّا سأله بَنوه أن يستغفرَ لهم قال: سوف أستغفر لكم ربّي، وقال يوسف ﵇: لا تثريبَ عليكم اليوم. . . وفي الأثر: اطلبوا الحوائجَ إلى حِسان الوجوه. . . وسُئل ابنُ عائشة عن هذا الحديث فقال: معناه: اطلبوها من الوجوهِ التي يَحسُن بالمرء أن يطلبها منها. . .
وقال البحتري:
مَنْ حَسّنَ اللهُ وَجْهَهُ وسَجَا يَاهُ وأَعْطاهُ كُلِّفَ الكُلَفَا
وقال السريّ الرفّاء:
صَرَفْتُ عن الكثيرِ الوفْرِ طَرْفي وها أنا للقليلِ الوفْرِ راجِ
وكم من نُطْفَةٍ عَذُبَتْ وكانَتْ أَحَبَّ إليَّ مِنْ بحرٍ أُجَاجِ
وقالت امرأةٌ من ولد حسان بن ثابت:
[ ١ / ١٣٩ ]
سَلِ الخَيْرَ أهْلَ الخَيْرِ قِدْمًا ولا تَسَلْ فتًى ذَاقَ طَعْمَ العَيْشِ مُنْذُ قريبِ
وقال مسلم بن قتيبة: لا تطلبن حاجتك إلى كذّاب، فإنه يقرّبها وهي بعيدٌ، ويبعدها وهي قريبٌ، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعَك فيضرَّك، ولا إلى رجلٍ له عند من تسأله الحاجةَ حاجةٌ، فإنه لا يؤثرك على نفسه وقال شاعر:
لا تَطْلُبَنّ إلى لَئيمٍ حاجَةً واقْعُدْ فإنَّكَ قائِمًا كالقاعِدِ
يا خادعَ البُخلاءِ عَنْ أَمْوَالِهمْ هَيْهَاتَ تَضْرِبُ في حَديدٍ باردِ
وقال بعض الأدباء: عليك بذي الحصَرِ البَكيِّ، وبذي الخِيمِ الرضِيِّ، فإنّ مثقالًا من شدّة الحياء والعِيِّ، أنفعُ في الحاجةِ من قنطارٍ من لسانٍ سليمٍ وعقلٍ ذكيٍّ، وعليك بالشهم النَّدْبِ الذي إن عَجِزَ أيأسَك، وإن قدرَ أطعمَك. . وقال الفاروق ﵁: لا تستعن على حاجتك إلا بمن يحبُّ نجاحَها لك. . وقال ابن عبّاس: لا تسألنْ حاجةً بالليل، ولا تسألنْ أعمى، فإنّ الحياء في العينين.
ومن آداب السؤال عندهم أن لا يُتجاوزَ الحدُّ فيه: قالوا: من سأل
[ ١ / ١٤٠ ]
فوق قدره، فقد استَوْجبَ الرّدّ، ومن لم يَرْجُ إلا ما هو مُسْتحِقٌّ له، فإلى الرّفْد. . . وقال الشاعر:
إنّكَ إنْ كلَّفْتَني ما لم أُطِقْ ساءكَ ما سَرَّكَ مِنِّي من خُلُق
وكانوا لا يرون بأسًا بسؤال الملوك وسؤال الابن أباه: فقالوا: مسألةُ الرجلِ السلطانَ، ومسألةُ الابنِ أباه، لا تَنْقُصه ولا تَشينُه:
وإذا ابْتُليتَ ببَذْلِ وَجْهِكَ سائلًا فابْذُلْه لِلمُتَكَرِّمِ المِفْضالِ
وقال أبو جعفر المنصور لرجل أحْمَدَ منه أمرًا: سَلْ حاجتك فقال: يُبقيك الله يا أمير المؤمنين، قال: سل، فليس يمكنك ذلك في كل وقتٍ، فقال: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ فوالله، لا أستقصر عمرَك ولا أرهَبُ بخلَك ولا أغتنم مالك، وإن سؤالك لَزَيْن وإن عطاءَكَ لشرفٌ، وما على أحد بَذَلَ وجهَه إليك نقصٌ ولا شينٌ، فأمر حتى مُلِئَ فوه دُرًّا. . . وقال العتّابيُّ: إن طلبت حاجةً إلى ذي سلطانٍ، فأجْمِل في الطلب إليه، وإيّاك والإلحاحَ عليه، فإن إلحاحَك يَكْلُمُ عرضَك، ويريق ماءَ وجهِك، فلا تأخُذْ منه عِوَضًا لما يأخذ منك، ولَعلَّ الإلحاحَ يجمع عليك إخلاقَ ماءِ الوجه وحرمانَ النجاحِ فإنه ربّما ملَّ المطلوبُ إليه حتى يَسْتَخفَّ بالطالب.
ومن قولهم في الحثِّ على الحِذق واللّطافة في المسألة: قال رجل لآخر: لو أنا متُّ ما كنتَ تفعل؟ قال: كنت أكفِّنك وأدْفِنك، قال: فاكسُني الساعةَ بما تكفِّنني به، وإذا متُّ فادفِنّي عُريانًا. . . وقال شاعر:
أحْلُبْ لَبونَكَ إبْساسًا وتَمْرِيَةً لا يَقطَعُ الدَّرَّ إلا عُنْفُ مُحْتَلِبِهْ
اللبون: الناقة أو الشاة ذات اللبن، والإبساس: أن يَمسحَ ضَرع الناقةِ ويسكِّنَها لتَدِرَّ، ومثله التّمرية، والدرُّ: اللبن،. . . وسأل أعرابيٌّ عبد الملك بن مروان -
[ ١ / ١٤١ ]
وكان بخيلًا وكانوا يطلقون عليه: رَشح الحجر - فقال له: سلِ الله، فقال: سألْتُه فأحالَني عليك، فضَحِك منه وأعطاه. . وأتى رجلٌ بعضَ الولاة، وكان صديقَه، فتشاغل عنه، فتراءى له يومًا، فقال: اعذرني فإنّي مشغول، فقال لولا الشغلُ ما أتيتُك، لا بلّغني اللهُ يومَ فَراغِك. وفي هذا المعنى يقول أبو عليّ البصير:
لا تُصَيّرْ شُغْلَكَ اليو مَ اعْتِذارًا لِمِطالِكْ
إنّما يُحْمَدُ أن تَفْ رُغَ في وقْتِ اشتغالِكْ
لو تَفَرَّغْتَ مِن الشُّغ ل اسْتَوَيْنا في المَسالِكْ
وقال بعض الأدباءِ للصّاحب بنِ عباد: إنَّ جِرذانَ داري يَمشين بالعصا هِزالًا: فقال:
بَشِّرهنَّ بمَجيء الحِنْطة. . . وقسَم بعضُهم مالًا بين بنيه فقال له عبدٌ صغير: فأعْطِني أوّلًا، فقال له: ولِمَهْ؟ قال: لأنّ الله تعالى يقول: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فبدأ بالمال، وأنا مالك، فأعطاه وقدَّمه. . . ودخل محمد بن واسع على قتيبةَ بنِ مسلم، فقال له: إنّي أتيتك في حاجة، فإن شئتَ قضيتَها وكنّا جميعًا كريمين، وإن شئتَ منعتَها وكنا جميعًا لئيمين. قال ابن عبدِ ربّه صاحب العقد: أراد: إن قضيتَها كنتَ أنت كريمًا بقضائِها، وكنتُ أنا كريمًا بسؤالك إيّاها لأني وضعتُ طِلبتي في موضعها، فإن لم تقضِها كنتَ أنت لئيمًا بمنعِك، وكنت أنا لئيمًا بسوءِ اختياري لك، وسرق حبيب - أبو تمام - هذا المعنى فقال:
عيَّاشُ إنك لَلَّئيمُ وإنّني مُذْ صِرتَ مَوْضِعَ مَطْلَبي لَلَئيمُ
ومن مُلَحِ المُكْدين ووصاياهم: قيل لرجل مُكْدٍ: متى تعلمت الكُدْية والسّؤال؟ قال: يوم وُلدتُ، منعتُ الثَّدْيَ فصحْتُ، وبكيتُ فأعطيتُ
[ ١ / ١٤٢ ]
الثديَ، فسكتُّ. . . وقال رجل لآخر: قد وضع منك سؤالُك؟ فقال: لقد سأل موسى والخَضِرُ ﵉ أهلَ قرية، فأبوا أن يضيفوهما، فواللهِ ما وضعَ هذا من نبيِّ الله وعالِمه، فكيف يَضعُ مني! وقال بعض المُكْدين: مكتوبٌ على باب الجنة: من صَبَرَ عَبر. . . وقال آخر: كلبٌ طائِفٌ، خيرٌ من أسدٍ رابضٍ، وقالوا: الهيبةُ خيبةٌ، وقال سَلْمٌ الخاسر:
من راقَبَ الناسَ مات غَمًّا وفازَ باللَّذَّةِ الجَسورُ
وقال أشجع السُّلَمي:
ليسَ للحاجاتِ إلا مَنْ لهُ وَجْهٌ وَقَاحُ
وقال أبو تمام:
وَخُذْهُمْ بالرُّقى إنَّ المَهَارَى يُهَيِّجُها على السَّيْرِ الحُدَاءُ
وقال ابنُ الرومي:
وإنَّ الأُمَّ لَمْ تُرْضِعْ صَبيًّا مَعَ الإشْفاقِ لَوْ سَكَتَ الغُلامُ
ومن قولهم في الحثِّ على مُعاودةِ السُّؤال: قول عمر ﵁: إذا سألتمونا حاجةً فعاوِدونا فيها، فإنّما سُمِّيت القلوبُ قلوبًا لتقلُّبِها. . . وقال عبد الملك بن مروان في خطبة له: لا يَمْنَعَنْ رجلًا سأل اليوم شيئًا فمَنَعْتُه، أن يسألَ غدًا؛ فإنّ الأمورَ بيدِ الله لا بيدي. وقال شاعر:
لا يُؤْيِسَنّكَ مِنْ كَرِيمٍ نَبْوَةٌ ينْبُو الفَتَى وهْوَ الجَوَادُ الخِضْرِمُ
فإذا نَبَا فاسْتَبْقِهِ وتأَنَّهُ حتَّى يَجِيَء بهَا الطِّبَاعُ الأكْرَم
[ ١ / ١٤٣ ]
ُ
وقالوا: إذا سألت كريمًا حاجةً فدَعْه وسَوْمَ نفسِه فإنّه لا يفكّر إلا في خير، وإذا سألتَ لئيمًا حاجةً فعاقِصْه ولا تدَعْه يتفكّر فيتغيَّر، وقال بعضهم في ضدِّ ذلك: إذا سألت لئيمًا حاجةً فأجِّله حتى يروِّضَ نفسه. . . أي يعالج نفسَه الكزَّة اللئيمة.
ولهم في الاعتذار عن سؤالِ اللئيم وأخذهم منه: قال أبو تمام:
خُذْ ما أتاك من اللِّئا مِ إذا نأَى أهْلُ الكرَمْ
فالأُسْدُ تَفْتَرِسُ الكِلا بَ إذا تَعَذَّرَتِ الغَنَمْ
وقال المتنبي:
غَيرَ اختيارٍ قَبِلْتُ بِرَّك بي والجوعُ يُرْضِي الأُسُودَ بالجِيَفِ
وقال المهلّبي الوزير:
ما كنْتَ إلا كَلَحْمِ مَيْتٍ دعا إلى أَكْلِهِ اضْطِرارُ
ولأبي عليٍّ البصير:
لعَمْرُ أبيكَ ما نُسِبَ المُعَلَّى إلى كرَمٍ وفي الدُّنيا كريمُ
ولكنَّ البلادَ إذا اقْشَعَرَّتْ وصَوّحَ نبتُها رُعِيَ الهشيمُ
اقشعرت: قال الأزهري: يقال: اقشعرّت الأرض من المحل - الجدب - وفي الحديث: (إن الأرض إذا لم ينزل عليها المطرُ ارْبَدَّت واقشعرّت): أي تقبّضت وتجمّعت، وصوّح نبتُها: يبس.
ومن قولهم في التعريض بالسؤال: قال أميّةُ بن أبي الصلت:
أأذْكرُ حاجَتي أمْ قدْ كَفاني حَياؤُكَ إنّ شِيمَتَك الحَياءُ
[ ١ / ١٤٤ ]
إذا أثنى عليكَ المرءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعرُّضِه الثّناءُ
وقال ابن الرومي:
يا مَن إذا التعريضُ صَافَحَ نَفْسَهُ أغْنَى العُفَاةَ بهِ عَنِ التَّصريحِ
وقال المتنبّي:
أُقِلّ سلامِي حُبَّ ما خَفَّ عنكُمُ وأَسْكُتُ كيما لا يكونَ جوابُ
وفي النَّفسِ حاجاتٌ وفيكَ فَطانةٌ سُكوتي بيانٌ عندها وخِطابُ
وقال أبو بكر الخوارزمي:
وإذا طلبتَ إلى كريمٍ حاجةً فلِقاؤُهُ يَكْفيكَ والتّسليمُ
فإذا رآكَ مُسَلِّمًا عَرَف الذي حَمَّلْتَهُ فكأنَّه مَلزومُ