قال الله جلّ شأنه في مدح قوم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. . . وقال سيدنا رسول الله: (أيُّما رجلٍ ضافَ قومًا فأصبح الضيفُ مَحْرومًا، فإنَّ نصرَه حقٌّ على كل مسلم حتّى يأخذَ بقِرى ليلته من زَرْعِه ومالِه). . .
[ ١ / ١٢٩ ]
وفي الحديث أيضًا: (الخيرُ أسرعُ إلى مُطعِم الطّعامِ مِنَ الشَّفْرةِ في سَنامِ البعير) الشفرة: السكين العظيمة العريضة وقال صلوات الله عليه: (ليس منّا من باتَ شبعانَ وضيفُه بطنُه طاوٍ). وقال تعالى في مدح القائم بخدمة ضيفه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾؟ قيل وصفهم بذلك لأنه قام بخدمتهم بنفسه. . . ونزل ضيفٌ على جعفر بن أبي طالب، فتَخفَّفَ هو وغِلمانه عند نزولِه وعاوَنوه في حلوله، فلما أراد الارتحالَ عنهم لم يُعِنْه غِلمانُه، فشكاهم فقال: إن غِلمانَنا لا يعينون على الارتحال. . . وقالوا: أمدحُ بيتٍ قالته العرب قولُ حسان بن ثابت:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ لا يَسألونَ عن السَّوَادِ المُقْبلِ
يقول: قد أنِسَتْ كلابُهم بالزّوار فهي لا تَنْبَحُهم، وهم من شجاعتهم لا يسألون عن جيش يقبل نحوهم لقلّة اكتراثهم ولثقتهم ببسالةِ أنفسِهم وشدَّتهم على أعدائهم، ومثل هذا قول أبي تمام:
إذا اسْتُنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دَعاهُمُ لأيّةِ حربٍ أوْ لأيِّ مكانِ
أو تقول: لا يسألون عن السوادِ المقبل، أي أنّهم في سَعةٍ لا يَهولهم الجَمْعُ الكثير، لسَعَتِهم وسخائهم.
وقال إبراهيم بن هَرْمة من أبياتٍ في ابتهاجِ الكلبِ بالضّيف:
يَكادُ إذا ما أبْصَرَ الضّيفَ مُقْبِلًا يُكلِّمهُ مِنْ حُبِّه وهو أعجمُ
وقال حاتم الطائي وهو سيّد الأجواد بالطعام:
أُضاحِكُ ضَيْفي قبلَ إنْزالِ رَحْلِه ويُخْصِبُ عندي والمَحَلُّ جَديبُ
وما الخِصْبُ لِلأضيافِ أنْ يَكْثُرَ القِرَى ولكنّما وَجْهُ الكريمِ خَصِيبُ
[ ١ / ١٣٠ ]
ومن قولهم في الحثِّ على ترك التكلّف وتعجيل الحاضر: سُئل أقْرى أهلِ اليمامة للضيف: كيف ضبطتم القِرى؟ قال: بأن لا نتكلّفَ ما ليس عندنا. . . وقال بعضهم: الضيفُ إلى القليل العاجل أحوجُ منه إلى الكثير الآجل، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. وقال تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. . . أي غير منتظرين نُضْجَه وإدراكَه وبلوغه، يقال: أني يأنى: إذا نضج.
ومن قولهم فيمن آثر على نفسه: قولُ صوفيٍّ لآخرَ: كيف يعمل فقراؤكم؟ قال: إذا وجدوا أكلوا، وإذا عَدِموا صبروا، فقال: هذا فِعْلُ الكلاب، إنّ الفقير منّا إذا عَدِمَ صبر، وإذا وجَد طعامًا آثر به غيره. . .
وقالوا في وصف الرجل الكريم يَسوء خلقه مع أهله خوف التقصير: والقائل زينب بنت الطّثَرِيَّة ترثي أخاها يزيد:
إذا نزَلَ الأضيافُ كان عَذَوَّرًا على الأهلِ حتّى تسْتَقِلَّ مراجلُهْ
يُعِينُكَ مَظْلومًا ويُنجِيكَ ظالِمًا وكُلُّ الذي حُمِّلْتَهُ فهو حامِلُهْ
العذوَّر: السيّئ الخُلق القليل الصبر فيما يريده ويهمُّ به، وإنما جعلته عذوَّرًا لشدّة تهمُّمه بأمرِ الأضياف وحِرْصِه على تعجيل قِراهم حتى تستقل المراجل على الأثافيّ، والمراجل:
القدور واحدها مِرْجل، وقوله: وينجيك ظالمًا، أي إنْ ظَلَمْت فطُولبت بظُلْمك حَماك ومَنع منك.
[ ١ / ١٣١ ]
هذا؛ ومن السُّنة - كما ورد في الحديث - أنْ يمشيَ الرجلُ مع ضيفه إلى بابِ الدار.
وقد كان الأضيافُ يُعطون النُّدُلَ ويَرضخون لهم بالمال فقد رَوى بعضهم قال: رأيت ابنَ عباس في وليمةٍ فأكلَ وألْقى للخَبّازِ درهمًا.