وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ مخرجًا: مَخلصًا من مضايق الدهر، وقوله سبحانه: من حيث لا يحتسب، أي من وجه لا يخطر بباله ولا يقع في حسابه، وبالغ أمره: يبلغ ما يريد ولا يفوته مرادٌ ولا يعجزه مطلوب، وجعل لكل شيء قدرًا: أي تقديرًا وتوقيتًا، وهذا بيانٌ لوجوب التوكّل على الله وتفويضِ الأمر إليه، لأنه إذا عُلم أنَّ كلَّ شيءٍ من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبقَ إلا التسليمُ للقدر والتوكّل، ولا معنى للسخط وعدم الرضا وعنه ﷺ: إني لأعلم
[ ١ / ١٧٣ ]
آيةً لو أخذَ الناسُ بها لكفتهم: ومن يتق الله. . . الآية. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. حقّ تقاته أي حقّ تقواه، وهو استفراغُ الوُسْعِ في القيام بما أمر الله به واجتنابِ ما نهى الله عنه، ومثله: فاتقوا الله ما استطعتم، يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع شيئًا، وعن عبد الله بن مسعود: هو أن يطاعَ فلا يُعصى ويُشكر فلا يُكفر ويُذكر فلا يُنسى، وقيل: هو أن تُنزَّه الطاعاتُ عن الالتفاتِ إليها، وعن توقّع المجازاة عليها، وقيل: هو أن لا تأخذَه في اللهِ لومةُ لائمٍ وأن يقومَ بالقِسْط - العدل - ولو على نفسِه أو ابنِه أو أبيه وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ محسنون: أي في أعمالِهم، من أحسنَ الشيء: أتقنَه. . . وقال بُزَرْجُمُهْر: مَنْ قَوِيَ فلْيَقْوَ على طاعةِ الله، ومن ضعف فليضعف عن معصيةِ الله. . . قال ابن المقفّع: ليَحْرِصِ البلغاءُ أن يزيدوا على هذه الكلمة - كلمة بزرجمهر - حرفًا، يريد: أنّها كلمةٌ جامعة وقال عبد الملك بن مروان لبنيه في مرضه: أوصيكم بتقوى الله، فإنّها أزينُ حُلَّةٍ
وأحْصَنُ كَهْفٍ، فقال مسلمة بن عبد الملك - وكان حاضرًا - وأقربُ إلى الصواب، وأنفع في المآب: فقال عبد الملك: هاتان لا الأُوْليان. . . الحُلّة: كل ثوب جديد، ولا يقال له حلةٌ إلا إذا اجتمع معه ثوب آخر وعمامة، والكهف: الملجأ، وأصله كالبيت المنقور في الجبل وقال الحطيئة:
ولَسْتُ أرَى السَّعادةَ جَمْعَ مالٍ ولكن التَّقِيَّ هو السعيدُ
وتقوى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا وعندَ اللهِ للأتقَى مَزيدُ
وما لا بُدَّ أن يأتي: قريبٌ ولكنَّ الذي يَمضي بَعيدُ
[ ١ / ١٧٤ ]
وقال الأعشى في أبياته التي مدح بها سيّدَنا رسولَ الله:
أَجِدَّكَ لم تَسمَعْ وَصاةَ مُحَمَّدٍ نبيِّ الإلهِ حيثُ أوْصَى وأشْهدَا
إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقى ولاقَيْتَ بعدَ الموتِ مَنْ قد تَزَوَّدا
نَدِمْتَ على أنْ لا تكونَ مكانَه فَتُرْصِدَ للموتِ الذي كانَ أرْصَدا
قوله: أجِدَّك قال سيبويه: هو مصدرٌ كأنّه قال. أجِدًّا منك، ولكنّه لا يُستعمل إلا مضافًا، وقال الأصمعي: أجِدّك، معناه: أبجدٍّ هذا منك ونصبها بطرح الباء، وقال الليث: من قال: أجِدَّك بكسر الجيم فإنّه يستحلفه بجِدِّه وحقيقته، وإذا فتح الجيم استحلفه بجَدِّه، وهو بختُه تقول: أجِدَّك لا تفعل كذا، وأجَدَّك لا نفعل كذا. وأرصد: أعدّ وقال لبيد:
إنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيرُ نفَلْ وبإذْنِ اللهِ رَيْثي وعَجَلْ
أحْمَدُ اللهَ فلا نِدَّ له بيدَيْهِ الخيرُ ما شَاَء فعَلْ
مَن هَداهُ سُبُلَ الخيرِ اهتدى ناعِمَ البالِ ومَن شاَء أضَلْ
النفل: الغنيمة والجمع أنفال، ثم قال لبيد: وبإذن الله وتسهيله ريثي، أي بُطئي، وعجل: أي سرعتي، فحذف ياء الإضافة للوزن: يقول، إنّ الحركة والسكون بيد الله، ولا ندَّ له: لا مثل له، وبيده الخير: أي بقدرته التي هي كالآلة في أفعالِه تعالى، كاليدين في أفعالنا، وتثنية اليدِ للمبالغة في التشبيه، وما شاء فعل: أي ما أراده فعله وبيّن ذلك بالبيت الثالث. . . وقال أبو نواس:
أخِي ما بالُ قلبِكَ ليسَ يَنْقَى كأنّكَ لا تَظُنُّ المَوتَ حَقَّا
ألا يا ابْنَ الذين فَنوا وبادُوا أمَا واللهِ ما ذَهبوا لتَبْقى
وما أحدٌ بزادِك منك أحْظى وما أحدٌ بزادِك منك أشْقى
ولا لك غيرَ تَقْوى اللهِ زادٌ إذا جعلَتْ إلى اللهَواتِ تَرْقى
[ ١ / ١٧٥ ]
جعلت: يريد النفسَ أو الروحَ وإن لم يتقدم لذلك ذكر، واللهوات جمع لَهاة وهي: لحمة حمراء في الحنك معلَّقة على عَكدَة اللسان، وقال أبو العتاهية:
أطِعِ اللهَ بجُهْدِكْ عامِدًا أو دُونَ جُهْدِكْ
أعْطِ مَولاكَ كما تَطْ لبُ مِنْ طاعَةِ عَبْدِكْ
وقال بعض المتصوّفة: من كان مع اللهِ فقَدْ هلك، وإنّما نَجا من كان اللهُ مَعَه، وقال رجلٌ للشّبلي: متى يقرُبُ العبدُ من ربّه؟ فزعق ثم أنشد:
مَنْ لم يكُنْ للوصالِ أهْلًا فكلُّ إحسانِه ذنوبُ
وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى ابنه عبد الله في غيبةٍ غابها: أما بعد، فإنّه من اتقى اللهَ وقاه، ومن توكَّل عليه كفاه، ومن شكَرَه زادَه، ومن أقرضَه جزاه، فاجعلِ التقوى جلاءَ بصرك، وعمادَ ظهرك، فإنّه لا عملَ لمن لا نِيّةَ له، ولا أجرَ لمن لا حسنة له، ولا جديدَ لمن لا خَلَقَ له. . .
قوله: ومن شكره زاده: فسيمرّ عليك قريبًا معنى الشكر، وقوله: ومن أقرضه جزاه، فالقرض في الأصل: ما يعطيه الرجلُ أو يفعله ليُجازى عليه، ولما كان الله سبحانه لا يستقرض مِنْ عوزٍ فقد قالوا في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، و: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: إنّ القرض معناه الفعلُ الحسن من إتباع أمر الله وطاعته، والعرب تقول لكل من فعل إليه خيرًا: قد أحسنت قرضي وقد أقرضتني قرضًا حسنًا، وفي الحديث: (أقرِضْ من عِرضِك ليوم فقرك). . . يقول صلوات الله عليه: (إذا نال عرضَك رجلٌ فلا تُجازِه، ولكن استَبْقِ أجرَه مُوفَّرًا لك قرضًا في ذمّته لتأخذَه منه يومَ حاجتك إليه). . . وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل ولا صيامَ النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى تركُ
[ ١ / ١٧٦ ]
ما حرّم اللهُ وأداءُ ما افترض اللهُ، فمن رزق خيرًا بعد ذلك فهو خيرٌ. . . وقال رجل لحكيم: أوصِني. فقال: إن استطعت أن لا تُسيءَ إلى من تحبُّ فافعل، فقال: وهل يسيءُ المرءُ إلى من يحبُّ؟ قال: نعم، نفسُك إنْ عصيتَ الله.