قال عمر بن الخطاب لابنةِ هَرمِ بنِ سنان ممدوح زهير بن أبي سُلمى:
[ ١ / ٢٠٨ ]
ما وهب أبوك لزُهير؟ فقالت: أموالًا فَنِيَت وأثوابًا بَلِيَت وأشياءَ انْتُسِيَت، فقال الفاروق: لكن ما أعطاكموه زهيرٌ لا يفنى ولا يُنسى. . . وكتب أرسطو إلى الإسكندر المقدوني: إنّ كلّ عقيلةٍ يأتي عليها الدَّهرُ، فيُخلق أثرَها ويُميت ذكرَها، إلا ما رسخ في القلوب، من الذكرِ الحسنِ يتوارثه الأعقابُ. وقالوا: في الثناء الباقي على الدهر، خَلَفٌ من نفاد العمر.
قال الشاعر:
وإني أُحبُّ الخُلْدَ لوْ أَسْتطيعُه وكالخُلْدِ عندي أن أَبِيتَ ولم أُلَمْ
وقيل لبُزَرْجُمُهْر حين كان يقتل: تكلّم بكلامٍ نذكرُه، فقال: الكلامُ كثيرٌ، ولكن إن أمكنك أن تكونَ حديثًا حسنًا فافعل.
ولما وُضع الوزيرُ محمدُ بن عبد الملك الزيات في التَّنّور قال له خادمُه: يا سيّدي، قد صرت إلى ما صِرْتَ وليس لك حامدٌ! قال: وما نفعُ البرامكةِ مِنْ صنيعهم، قال: ذكرُك لهم السّاعة، فقال: صدقت. . . وقال شاعر:
لَئِنْ طِبْتَ نفْسًا عن ثَنائي فإنَّني لأطيَبُ نفْسًا عن نَداكَ على عُسْري
فلَسْتُ إلى جَدْوَاكَ أعظمَ حاجةً على شِدَّةِ الإعسارِ مِنكَ إلى شُكْرِي
وقال أبو تمام:
ومُحَجَّبٍ حاولتُه فوجدتُه نَجْمًا عنِ الرَّكْبِ العُفاةِ شَسوعا
أعدمْتُه - لمَّا عَدِمتُ نَوالَه - شُكْرِي فرُحْنا مُعْدِمَيْنِ جَميعا
وقال عوفُ بن محلم الشيباني:
فتًى يَتَّقي أنْ يَخْدِشَ الذَّمُّ عِرضَه ولا يتّقي حَدَّ السُّيوفِ البَواتِرِ
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقال حكيم: من أحبَّ الثناء، فليَصْبرْ على بذلِ العطاء، وليوطِّن نفسَه على الحقوق المُرّة، وعلى احتمالِ المؤنة. . . وقال الشاعر في هذا المعنى:
ما أعْلمَ الناسَ أنَّ الجودَ مَكْسَبةٌ للحَمْدِ لَكِنَّه يأتي على النَّشَبِ