وهاك وصيّةَ بخيلٍ لابنه أراد بها أن ينصحَ ابنه بالتقليلِ من الطعام، شُحًّا وكزازةً، ولكنه أودعها على الرغم منه نصائحَ قيِّمةً يجمل أن تتخذ دُستورًا في الطعام لمن أراد أن يَصِحَّ ويُعافى، فهي حق أريد بها باطلٌ، ومن ثم اخترناها، وهي وصيّة جاحظيّة أوردها الجاحظ في كتابه البخلاء ونسبها إلى رجلٍ يسمّى أبا عبد الرحمن الثوري كان يحب الرؤوس - رؤوس الضأن وغير الضأن - قال الثوري لابنه -:
إيّاك ونَهَمَ الصّبيان، وشَرَهَ الزُّرّاع، وأخلاقَ النّوائح، ودَعْ عنك خَبْطَ المَلاحين والفَعلة ونَهْشَ الأعراب والمَهَنة. وكل ما بينَ يديك؛ فإنّما هو حقّك الذي وقع لك، وصار أقربَ إليك؛ واعلم أنّه إذا كان في الطعام شيءٌ ظريفٌ، ولقمة كريمة، ومُضغةٌ شهيّة، فإنّما ذلك للشيخ المُعظّم، والصّبيِّ المدلّل. ولست واحدًا منهما. فأنت قد تأتي الدعواتِ
[ ١ / ١٢٤ ]
والولائمَ، وتدخلُ منازلَ الإخوان، وعهدُك باللحم قريب. وإخوانك أشدُّ قَرَمًا إليه منك، وإنّما هو رأس واحد، فلا عليك أن تتجافى عن بعضٍ وتصيبَ بعضًا. وأنا - بعدُ - أكره لك الموالاةَ بينَ اللحم، فإن الله يبغض أهلَ البيت اللّحِمين، وكان يقول: إيّاكم وهذه المجازرَ فإنّ لها ضراوةً كضراوة الخَمْر، وكان يقول: مدمن اللّحم كمُدمن الخمر. وقال الشيخ - ورأى رجلًا يأكل اللحم، فقال: لحم يأكل لحمًا. . . أفٍّ لهذا عملًا!
وقال الأول: أهلك الرجالَ الأحمران: اللحم والخمر، وأهلك النِّساء الأحمران! الذهب والزّعفران. . . أي بُنيَّ، عوِّد نفسَك الأثرةَ، ومجاهدةَ الهوى والشَّهوة. ولا تَنْهَشْ نهشَ الأفاعي، ولا تَخْضَم خَضْمَ البَراذين، ولا تُدِمِ الأكلَ إدامةَ النِّعاج، ولا تَلْقَمْ لَقْمَ الجِمال، إنّ
[ ١ / ١٢٥ ]
الله قد فضّلك، فجعلك إنسانًا، فلا تجعل نفسك بهيمةً ولا سبعًا، واحْذَرْ سُرْعةَ الكِظَّة، وسَرَفَ البِطْنة، وقد قال بعضُ الحكماء: إذا كنت بَطينًا فَعَُّد نفسَك في الزَّمْنَى. وقال
الأعشى:
والبِطنةُ ممَّا تُسَفِّهُ الأحلامَا
واعلم أن الشِّبَعَ داعيةُ البَشم، وأنَّ البَشمَ داعيةُ السّقم، وأنَّ السَّقمَ داعيةُ الموت. ومن مات هذه الميتةَ فقد مات ميتةً لئيمةً. وهو قاتل نفسِه، وقاتل نفسِه ألومُ من قاتلِ غيرِه أي بُنيّ، إنّ القاتل والمقتولَ في النار ولو سألت حُذّاقَ الأطبّاء لأخبروك أنّ عامّةَ أهلِ القبور إنّما ماتوا بالتُّخم واعرف خطأ من قال: أُكْلَةٌ ومَوْتةٌ! وخُذْ بقول من قال: رُبَّ أُكْلةٍ تمنعُ أكْلات. وقد قال الحسن - البَصري -: يا ابن آدم كُلْ في ثلثِ بطنِك، واشْرَبْ في ثلثِ بطنِك، ودَعِ الثلثَ للتفكُّر والتنفُّس. وقال بكر بن عبد الله المُزَنيّ: ما وجدتُ طعمَ العيشِ حتّى استبدلت الخُمْصَ بالكِظّة، وحتّى لم ألبس من
[ ١ / ١٢٦ ]
ثيابي ما يستخدِمني، وحتّى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه! يا بنيَّ، والله ما أدّى حقَّ الركوع، ولا وظيفةَ السّجود، ذو كِظّة، ولا خَشَعَ للهِ ذو بِطْنة، والصَّوْمُ مَصَحّة، والوَجباتُ عيشُ الصّالحين، ثم قال: لأمرٍ ما طالت أعمارُ الهند، وصحّت أبدانُ الأعراب. لله درّ الحارث بن كَلَدَة، حين زعم أنّ الدواءَ هو الأزمُّ، وأنّ الداءَ هو إدخالُ الطعامِ في أثرِ الطّعام!
أي بُنيَّ لِمَ صفت أذهانُ العَربِ؟ ولِمَ صدقت أحساسُ الأعراب ولِمَ صحّت أبدانُ الرُّهبان، مع طول الإقامة في الصّوامع؟ وحتَى لم تَعرف النِّقْرسَ، ولا وجعَ المفاصلِ، ولا الأورام؛ إلا لقلّة الرُّزْء من الطعام، وخِفّة الزّاد، والتبلُّغ باليسير.
أي بنيَّ، إن نسيمَ الدّنيا ورَوْحَ الحياةِ أفضلُ من أن تبيت كظيظًا،
[ ١ / ١٢٧ ]
وأن تكونَ لقصر العمر حليفًا. وكيف لا ترغب في تدبيرٍ يَجْمع لك صحّة البدن، وذكاءَ الذهن، وصلاحَ المِعَى، وكثرة المال، والقربَ من عيش الملائكة؟ أي بُنيَّ، لِمَ صار الضّبُّ أطولَ شيءٍ عُمرًا؛ إلا لأنه إنّما يعيش بالنسيم، ولِمَ قال الرسول ﷺ إنّ الصوم وِجاءٌ، إلا ليجعل الجوعَ حِجازًا دون الشهوات. أي بُنيّ. قدْ بَلغت تسعين عامًا ما نَغَضَ لي سنٌّ، ولا تحرّك لي عظمٌ، ولا انتشر بي عصبٌ، ولا عَرفت ذنينَ أنْفٍ، ولا سيلانَ عينٍ، ولا سلسَ بولٍ، ما لذلك عِلّةٌ إلا التخفيف من الزاد، فإن كُنْتُ تحبُّ الحياةَ! فهذه سبيلُ الحياة، وإنْ كنتَ تُحِبُّ الموتَ، فلا يُبعدُ اللهُ إلا من ظلم.