وإليك شدوًا من عبقرياتهم في لون من ألوان البِرّ لقد نراه باديَ الرأي قليل الخطر، وهو عند الله الحق، ولدى إلقاء البال إليه، وإنعام النظر فيه، عظيمٌ كلّ العظم، خطيرٌ كل الخطر، ذلك هو صلةُ الرحم بعامة، وبِرُّ الوالدين بخاصة، ولقد قرن الله بر الوالدين بالتوحيد، وأكثر في كتابه المنزل من الحض على هذا البرِّ بأسلوب يخيل إلى السامع إليه أن برَّ الوالدين ركن من أركان الدين، وأساس من أسس الأخلاق لا يؤبه لسائرها بدونه، وإنه لكذلك، وفي الحق إن هذه الإشادةَ البالغةَ من الإسلام ببرِّ الوالدين وصلة الرحم لممّا يعدُّ من فضائل هذا الدين الحنيف وخصائصه التي يماز بها. فليلقِ أبناء اليوم بالَهم إلى ذلك، وليجعلوه دائمًا نصب أعينهم، إن كانوا يريدون الخيرَ لأنفسهم، وإلا فلا يبعد الله إلا من ظلم. . . هذا وستسمع بادئ ذي بدءٍ خيرَ
[ ١ / ١٤ ]
ما قالوا في هذا اللون من البر، ثم نعقبه بخيرِ ما قالوا في الآباء والأبناء والأقارب، مما يتأشّب إلى هذا المعنى، وينشعب به القول، ولا يخلو بعضه من طرافة، حتى نستوعب المنتقى من كلامهم في كل باب، وحتى يكون فيما يستطرف منه استراحةٌ للقارئ وانتقالٌ ينفي ملل الجِدِّ عنه. . . فمن ذلك ما يقول الله ﷿ - ونتجزأ بهذه الآية الكريمة الجامعة عن سائر الآيات التي يزخَرُ بها كتاب الله في باب البِرّ بالوالدين -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا، وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. . . الآيات.
قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾: أي أمر أمرًا مقطوعًا به. . . وإنها لكلمة مروِّعة ترجّ النفس رجًا وتزلزل أرجاءها زلزالًا شديدًا. ولا جرم أنه كتاب الله الذي أحكمت آياته. أما قوله سبحانه: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: أي قضى ربك بأن لا تعبدوا إلا إياه؛ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام. وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا، وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾، فإما: هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدًا لها، فكأنه قال: إن يبلغن، وأحدهما فاعل يبلغن، و﴿أُفٍّ﴾: صوت يدل على التضجر، وعندك: قال الزمخشري: معناه: أن يكبرا ويعجزا ويصيرا كَلًاّ على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالًا وصبرًا، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب
[ ١ / ١٥ ]
والاحتمال، حتى لا يقول لهما - إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما -: أُفٍّ، فضلًا عما يزيد على أفٍّ. . . قال: ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما كما ترى، حيث افتتح الآية بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما - التوحيد والإحسان إلى الوالدين - في سلك القضاء - الأمر - بهما معًا، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة. . . وقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾: أي لا تنههما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك، ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: أي جميلًا، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقوله سبحانه: ﴿، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، قال الإمام الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فأضافه إلى الذُّلِّ أو الذِّلِّ كما أضيف حاتم إلى الجود، على معنى واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول، والثاني: أن تجعل لذُلِّه أو لِذِلِّه لهما جناحًا خفيضًا كما جعل لبيد - الشاعر المخضرم - للشمال يدًا وللقرة زمامًا مبالغة في التذلل والتواضع لهما، وقوله سبحانه: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: أي من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما
وافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس،
[ ١ / ١٦ ]
وعن رسول الله ﷺ: (رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما)، ورُوِيَ: يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة: وقال رجل لرسول الله صلوات الله عليه: إن أبويَّ بلغا من الكبر أن ألِيَ منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقَّهما؟ قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما: وعن حذيفة: أنه استأذن النبي ﷺ في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: دعه يليه غيرك. وسئل الفضيل بن عياض عن برّ الوالدين، فقال: أن لا تقوم إلى خدمتيهما عن كسل، وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزرًا إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودائهما من بعدهما، فعن النبي ﷺ: (إن من أبرّ البرّ أن يصل الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه). . . أما قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾، فهذا توصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، يقول سبحانه: آتوهم حقهم، وحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة إن كانوا مياسير، وتعهدهم بالمال إن كانوا عاجزين عن الكسب انظر التفصيلات في كتب الفقه وجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: إني أريد الغزو، فقال ﵊: أحيٌّ أبواك؟ قال: نعم، قال: فَفيهما فَجاهِدْ. وسئل الحسنُ البَصْرِيُّ ﵁ عن برِّ الوالدين، فقال: أنْ تَبْذُلَ لهما ما ملكت، وتطيعَهما فيما أمَراك، ما لم يكن معصيةً، وآية ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
[ ١ / ١٧ ]
لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. . .
ومما يؤثر من أخبار البَرَرة: ما يقول المأمون بن الرشيد: لم أرَ أحدًا أبرَّ من الفضل بن يحيى - البرمكي - بأبيه، بلغ من برِّه به أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء مُسخّن وهما في السجن، فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل - حين أخذ يحيى مضجعه - إلى قمقمٍ كان يسخن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من المصباح، فلم يزل قائمًا وهو في يده حتى أصبح. . . وقيل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: إنك من أبرّ الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفة، قال: إني أخاف أن تسبقها
يدي إلى شيء سبقت عينها إليه فأكونَ قد عققتها. وقيل لعمر بن ذرٍّ - وقد مات ابنه -: كيف كان برُّ ابنك بك؟ قال: ما ماشيته قط نهارًا إلا مشى خلفي، ولا ليلًا إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحًا وأنا تحته.
ومما يروى في باب العقوق وأحوال العققة: والعقوق ضد البِرِّ،
[ ١ / ١٨ ]
وأصله من العقِّ وهو الشقّ والقطع، يقال عقَّ الولد والده يَعُقُّه عَقًا وعُقوقًا ومَعَقّةً: إذا شقّ عصا طاعته، وعقَّ والديه: قطعهما ولم يصل رحمَه منهما وقد يُعَمُّ بلفظ العقوق جميعُ الرحم، والولد عاق، والجمع عَققةٌ، مثل كفرة.
فمن قولهم في العقوق: العقوق ثُكلُ من لا يَثْكَلُ. . . . . . . . . الثكل الموت والهلاك، وأكثر ما يستعمل في فقدان الرجل والمرأة ولدهما، يعنون أن من ابتلي بولدٍ عاقٍّ فكأنه ثكله وقال بعضهم لابن له عاقٍّ: أنت كالإصبع الزائدة، إن تُركت شانت وإن قُطعت آذت. . . وقيل لأعرابي كيف ابنك؟ - وكان عاقًا - فقال: عذابٌ رَعِفَ به الدهرُ، فليتني قد أودعته القبر، فإنه بلاءٌ لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر قوله رَعِفَ به الدهرُ: يريد تقدم به الدهر وعجل.
وأورد أبو العباس المبرّد في الكامل هذه الأبيات لامرأة يقال لها أمُّ ثواب الهزّانية، في ابنها - وكان لها عاقًا - وقد اختارها أبو تمام في حماسته:
رَبَّيْتُهُ وهُوَ مِثْلُ الفَرْخِ أَعْظَمُهُ أُمُّ الطَّعَامِ تَرَى في ريشِه زَغَبَا
حَتَّى إذا آضَ كالفُحّالِ شَذَّبَهُ أبَّارُهُ ونَفَى عَنْ مَتْنِهِ الكَرَبا
أَنْشَا يُخَرِّقُ أثْوابي ويَضْربُني أبَعْدَ سِتِّينَ عِنْدِي يَبْتغي الأدبا
إنِّي لأُبْصِرُ في تَرْجِيلِ لِمَّتِهِ وخَطِّ لِحْيَتِهِ في وَجْهِهِ عَجَبَا
قالَتْ لهُ عِرْسُهُ يَوْمًا لِتُسْمِعَني رِفْقًا فإنَّ لنا في أُمِّنا أرَبا
ولوْ رَأتْنيَ في نارٍ مُسَعَّرَةٍ مِنَ الجحِيم لزَادَتْ فَوْقَهَا حَطَبَا
هذه أبيات من شعر الفطرة، تصف في دِقّةٍ حالَ الابن العاقّ يكون ضَلْعُه وهَواه مع زَوْجه على أمِّه، وكذلك تصف ذلك العداء القديمَ بين الكَنَّةِ
[ ١ / ١٩ ]
وحَماتِها، وقولها: أعْظَمُه أمُّ الطَّعام، وصف للفرخ، ومعناه: أكبرُ أعضائه أمُّ الطعام: أي معدته، وكذلك قولها: ترى في ريشه زغبا: وصف آخر للفرخ، والزَّغب: أول ما يبدو من ريش الفرخ، تصف ضعف نشأة
ابنها، وآض: صارَ، والفُحّال: فحال النخل، أي الذَكرُ منه، وأبّارُه: الذي يصلحه يقال: أبَّرْت النخل: إذا لقَّحتَه، وشذَّبَه: قطع ما عليه من الكرانيف وهي أصول السّعَف الغلاظ التي إذا يَبِسَت صارت أمثال الأكتافِ، ومتنُه: فمتن كل شيء ما ظهر منه، والكرب: ما يبقى من أصول السّعف في النخل تريد: حتى إذا بلغ أشده واستوى طوله، وأنشا: أصله أنشأ، تريد: ابتدأ وأقبل، وقولها: أبعد ستين عندي يبتغي الأدبا، تريد: أن ضربه إياها يريد تأديبها بعد أن بلغت الستين حمقٌ منه وعبث، إذ من العناءِ رياضة الهَرِم، وقولها: إني لأبصر. . . البيت، فاللمة: الشعر الذي يلم بالمنكب، والترجيل: تسريح الشعر تصفه بالحسن والجمال، وعرسه: زوجُه، وأمنا. . . أضافتها إلى نفسها خديعة، وأربا: حاجة، تريد: لا ينبغي لك أن تهينها. . .
وقيل لرجل أبطأ في التزوج: لِمَ أبطأت؟ فقال: أريد أن أسبق أولادي في اليُتْم قبل أن يسبقوني في العقوق. . .
وأورد المبرِّد أيضًا عن رجل يسمى أبا المِخَشّ حديثًا طريفًا قال: قال أبو المِخَشّ: كانت لِيَ ابنة تجلس معي على المائدة فتُبرز كفًَّا كأنها طَلْعَة، في ذراعٍ كأنَّها جُمّارة، فلا تقعُ عينُها على أُكْلَةٍ نفيسةٍ إلا خصّتني بها
[ ١ / ٢٠ ]
فزوَّجْتُها. . . وصار يجلسُ معي على المائدة ابنٌ لي، فيُبرز كفًَّا كأنها كِرْنافة، في ذِراعٍ كأنه كَرَبة، فواللهِ إن تَسْبَق عيني إلى لُقْمةٍ طيِّبةٍ إلا سبقت يدُه إليها. . . الطلعة في كلام أبي المخشّ هذا جمعها طَلْع، وهو نَورُ النخلة ما دام في الكافور، وهو وعاؤه الذي ينشقّ عنه، والجُمارة: شحمة النخلة التي إذا قطعت قمةُ رأسها ظهرت كأنها قطعة سنام، والكرنافة: طرف الكَرْبَة العريض الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف، وقوله: إن تسبق عيني فإن نافية بمعنى ما.
وأورد أبو تمام في باب الهجاء من حماسته لأحد الشعراء أبياتًا لها قصة فيها اعتبار لمن أراد أن يعتبر من عَققةِ الأبناء، وإليك هذه القصة والأبيات:
كان في زمن عبد الملك بن مروان رجل يسمى مُنازلَ بنَ فرعان، وكان لمُنازلٍ هذا ابنٌ يقال له خليجٌ - وهو من رهط الأحنف بن قيس - فعقَّ خليجٌ أباه مُنازلًا، فقدّمه إلى إبراهيم بن عربيٍّ، والي اليمامة، مستعديًا عليه - وقال:
تَظلَّمني حَقِّي خَليجٌ وعَقَّني على حِينَِ كانت كالحَنيِّ عِظامي
لَعَمْري لقد رَبَّيْتُه فرِحًا به فلا يفْرحَنْ بَعْدي امْرُؤٌ بغُلامِ
وكيْفَ أُرَجِّي النفعَ منْهُ وأمُّهُ حَرَامِيَّةٌ؟ ما غَرَّني بحَرامِ
ورَجَّيْتُ منهُ الخيْرَ حينَ استَزَدْتُه وما بعضُ ما يزْدادُ غيْرَ غَرامِ
[ ١ / ٢١ ]
فأراد إبراهيم بن عربيّ ضربه، فقال: أصلح الله الأمير، لا تعجل عليَّ أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا مُنازل بن فُرعان، الذي عقَّ أباه، وفيه يقول أبوه:
جَزَتْ رَحِمٌ بَيْني وبَيْنَ مُنازلٍ جَزاءً كما يَسْتَنْزِلُ الدَّيْنَ طالِبُهْ
لَرَبَّيْتُهُ حتّى إذا آضَ شَيْظَمًا يَكادُ يُساوي غارِبَ الفَحْلِ غارِبُهْ
فلمَّا رَآني أُبْصِرُ الشَّخْصَ أَشْخُصًا قَريبًا وذا الشَّخْصِ البَعيدِ أُقارِبُهْ
تَغَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوَى يَدِي لَوَى يَدَهُ اللهُ الذي هُو غالِبُهْ
وكانَ له عِنْدي إذا جاعَ أوْ بَكى مِنَ الزَّادِ أحْلَى زادِنا وأطايبُهْ
ورَبَّيْتُه حتى إذا ما ترَكْتُه أخا القَوْمِ واسْتَغْنَى عن المَسْحِ شارِبُهْ
وجَمَّعْتُها دُهْمًا جِلادًا كأنها أَشَاءُ نخيلٍ لمْ تُقَطَّعْ جَوانِبُهْ
[ ١ / ٢٢ ]
فأخْرَجني منها سَليبًا كأنَّني حُسَامُ يَمانٍ فارَقَتْهُ مَضارِبُهْ
أَإنْ أُرْعِشَتْ كَفَّا أبيكَ وأصْبَحَتْ يَدَاكَ يَدَيْ لَيْثٍ فإنَّكَ ضارِبُهْ
فقال الوالي: يا هذا، عققت فعُققت، فما لك مثلًا إلا قول خالد لأبي ذؤيب:
فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرْتَها فأوَّلُ رَاضِي سِيرَةٍ مَنْ يَسِيرُها
قال الإمام التبريزي: وذلك أن أبا ذؤيب هذا كان غلامًا، وكان لرجل صديقةٌ، فكان الرجل يبعث أبا ذؤيب إلى صديقته بالرسائل، فلما ترعرع أبو ذؤيب كسرها على الصديق - يريد أفسدها وأمالها عنه إليه -، ولما ترجل أبو ذؤيب - يريد صار رجلًا - مُنع منها وحجبت عنه وحجب عنها، فكان يبعث خالدًا إليها بالرسائل، وخالد يومئذ غلام، فلما ترعرع خالد كسرها على أبي ذؤيب، فقال أبو ذؤيب يعنف المرأة:
تُريِدينَ كيْما تجْمَعيني وخالدًا وهل يُجمَعُ السَّيْفانِ وَيْحَكِ في غِمْدِ
وجعل يؤنب خالدًا، فقال خالد:
[ ١ / ٢٣ ]
فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرتها
. . . البيت
ولأمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي أبياتٌ حسانٌ يشكو فيها هو الآخر ابنه الذي عقّه وأساء إليه: وقد اختارها أبو تمام في حماسته قال:
غَذَوْتُكَ مَوْلودًا وعُلْتُكَ يافعًا تُعَلُّ بمَا أُدْنِي إليْكَ وتُنْهَلُ
إذا ليْلةٌ نابَتْكَ بالشَّكوِ لمْ أَبِتْ لِشَكْواكَ إلاَّ ساهِرًا أتَمَلْمَلُ
كأني أنا المَطروقُ دونَكَ بالذي طُرقْتَ به دُوني وعَيْنِيَ تَهْمُلُ
فلمَّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ الَّتي إليْها مَدَى ما كنتُ فِيكَ أؤمِّلُ
جَعَلْتَ جزائي مِنْكَ جَبْهًا وغِلْظةً كأنكَ أنْتَ المُنعِمُ المُتفَضِّلُ
[ ١ / ٢٤ ]
فليْتَكَ إذْ لمْ تَرْعَ حَقَّ أبُوَّتي فعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يَفْعَلُ
وسَمَّيْتَني باسْمِ المُفَنَّدِ رَأُيُهُ وفي رَأْيِكَ التَّفْنيدُ لو كُنتَ تَعْقِلُ
تَراهُ مُعِدًَّا للخلافِ كأنَّهُ برَدٍّ على أهْل الصوابِ مُوَكَّلُ
ومن المستطرف من أقوالهم في الأولاد المتخلفين: ما يروى أن رجلًا بعث ابنه ليشتري حبلًا، فقال له: اجعله عشرين ذراعًا، فقال الولد: في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك. . . وكان لأبي العباس المبرّد صاحب الكامل ابنٌ متخلف، فقيل له يومًا: غطِّ سوءَتك، فوضع يده على رأس ابنه. . . وقيل لصبي: لم لا تتعلم الأدب؟ فقال: إني أخاف أن أُكذِّبَ والدي، لأنه قال لي: إنك لا تفلح أبدًا. . .
هذا وكما أن لوالدك عليك حقًا كذلك لولدك عليك حقٌّ: ومما ورد في ذلك ما جاء في الحديث: (من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه، وأن يُعِفَّه إذا بلغ). أن يحسن أدبه: أن يعنى بتربيته وتهذيبه وتعليمه، وأن يعفه: أي يعمل على أن يكون عفًا عن الحرام فيزوجه. . . وقال حكيم من أدَّب ولده صغيرًا، سُرّ به كبيرًا، وقالوا: من أدَّب ولده، أرغم حاسده.
ومن آداب الإسلام: إذا بلغ أولادكم سبع سنين فمُروهم بالطهارة والصلاة وإذا بلغوا عشرًا فاضربوهم عليها، وإذا بلغوا ثلاثة عشر ففرقوا بينهم في المضاجع، ومن كلامهم: لاعِب ابنك سبعًا وعلِّمه سبعًا وجالس به إخوانك
[ ١ / ٢٥ ]
سبعًا يتبين لك أخَلَفٌ هو بعدك أم خَلْفٌ الخَلَف - بفتح اللام: الولد الصالح، والخلْف - بسكونها: الطالح، تقول: أعطاك الله خلَفًا مما ذهب لك ولا تقل خَلْفًا، وتقول أنت خَلْفُ سوء من أبيك، هذا هو الأعرف عند أهل اللغة وقال رجل لأبيه: يا أبتِ، إن عظيم حَقّك عليّ لا يُذهب صغيرَ حقّي عليك، وإن الذي تمُتُّ به
إليّ أمُتُّ بمثله إليك، ولست أزعم أنَّا على سواء، ولكن لا يحلُّ الاعتداء. . .
وقالوا: إنّ الولدَ البارَّ أبرُّ من الوالد، لأنَّ بِرَّ الوالدين طبيعة، وبِرَّ الولدِ واجبٌ، والواجب أبدًا ثقيل، ولعل المتنبي ينظر إلى هذا المعنى إذ يقول:
إنَّما أنتَ والِدٌ والأبُ القا طعُ أحْنَى من واصِلِ الأولادِ
ومما يُستطرف في هذا الباب ما يُروى من احتجاج بعض العَققةِ لعقوقهم: فقد قيل لبعض الفلاسفة: لمَ تعقُّ والديك؟ قال: لأنّهما أخرجاني إلى الكونِ والفساد. . . وضرب رجل أباه، فقيل له: أما عرفت حقَّه؟ قال: لا، لأنّه لم يعرف حقّي، قيل: فما حق الولد على الوالد؟ قال: أن يتخيَّر أمَّه، ويحسن اسمَه، ويختنَه، ويعلمَه القرآنَ، ثم كشف عن عورته فإذا هو أقلف - لم يُختن - وقال: اسمي برغوث. . . ولا أعلم حرفًا من القرآن، وقد استولدني من زنجية. . . فقيل للوالد: احتمله، فإنك تستأهل. . .
[ ١ / ٢٦ ]
وعيَّر رجلٌ ابنَه بأمِّه، فقال الابن: هي والله خيرٌ لي منك، لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حرٍّ، وأنتَ أسأت الاختيارَ فولدتني من أمةٍ. . .
وقال رجل لابنه: ما أطيب الثُّكْلَ يا بنيَّ! فقال الابن: اليُتمُ أطيب منه يا أبت! وقيل لبعضهم: أيُّ ولدك أحبُّ إليك؟ قال: صغيرُهم حتى يَكبرَ، ومريضُهم حتى يبرأ، وغائبُهم حتّى يقدَم. . .
أقولُ: وإنّما قال صغيرهم حتى يكبر، لأنّ كبيرَ الأولادِ في العادة قلّما يَظفرُ من حبّ أبيه بمثل ما يظفر به الصغير، وقد قالوا في ذلك ما يُبين عن السبب، وهو ما روي أن رجلًا من العرب رأى بنيه يَثِبون على الخيل وقد تنادَوا بالغارةِ، فذهب يرومُ ذلك مرةً وثانية فلَمْ يَقْدِرْ، فقال: من سرَّه بنوه ساءته نفسُه. . . وفي ضِدِّ هذا المعنى يقول أكثمُ بنُ صَيفيٍّ حكيمُ العرب:
إنَّ بَنِيَّ صِبْيةٌ صَيْفِيُّونْ أفْلَحَ مَن كان له رِبْعِيُّونْ
يقال أصافَ الرجلُ يُصيف إصافةً: إذا لم يُولَدْ له حتّى يُسِنَّ ويَكبر وأولادُه صَيْفيّون، والواحدُ صَيْفيٌّ، والرِّبعِيّون: الذين وُلِدوا في حَداثتِه وأوَّل شبابه، ولمّا حَضرتْ سليمانَ بنَ عبد الملك الوفاةُ تمثّل بهذا البيت لأنّه لم يكنْ في أبنائِه مَنْ يقلِّده العَهْدَ بعده، ومعنى ذلك عندهم: أنّ الأولاد الكبار أفضلُ من الصغارِ لدى الوالدِ، ولاسيّما إذا كَبِر. . . وهذا على
نقيض قولِ القائل: من سرَّه بَنوهُ ساءته نفسُه، وإن كان لكلٍّ وِجهةٌ هو مولّيها.
وناول عمر بن الخطاب رجلًا شيئًا فقال له: خَدمَك بنوك، فقال عمر: بل أغنانا اللهُ عنهم.
[ ١ / ٢٧ ]
وكان يقال: ابنُك ريحانُك سبعًا، وخادمُك سبعًا ثم عدوٌّ أو صديق. . . وفي الأثرِ: ريحُ الولدِ من ريحِ الجنَّة. . .
وكان رسول الله يُقبِّل الحسنَ بن علي ﵁ - وهو حفيد المصطفى - يومًا، فقال الأقرعُ بن حابس: إن لي عشرةً من الأولاد ما قبّلت واحدًا منهم، فقال رسول الله: فما أصنع إن كان اللهُ نزعَ الرحمةَ من قلبك!
ويروى عن رسول الله ﷺ: (إذا ماتَ الرجلُ انقطع عمله، إلا من ثلاث، صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له).
وقالوا: خيرُ ما أعطي الرجلُ بعد الصِّحَّة والأمن والعقل ولدٌ موافقٌ من زوجةٍ موافقةٍ، ومتعةُ العيشِ بينَ الأهلِ والولدِ
وكانتِ العربُ تُسمّي من لا ولدَ له صُنبورًا، والصُّنبور في اللغة: الأبترُ لا عقبَ له ولا أخٌ، فإذا مات انقطع ذكرُه وكان كفار قريشٍ يطلقون على رسول الله: صُنبورًا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ شانئك: مُبغضك، والأبتر الذي لا عقب له.
وقال حكيمٌ في ميّت: إن كان له ولدٌ فهو حيٌّ وإن لم يكن له ولدٌ فهو ميِّتٌ.
ومن أمثال العرب: ابنُك ابنُ بُوحك أي ابنُ نفسِك لا من تَبَنَّيْتَه، ومثله: ولدُكِ من دَمَّى عَقِبَيْكِ يعنون: الذي نَفِسْتِ به فأدمى النفاسُ عقبيكِ، أي: ابنك من ولدتِه لا من تبنيته وقيل لحكيم: ما السَّعادة؟ قال: أن يكون للرجل ابنٌ واحدٌ، فقيل له: الواحد يُخشى عليه الموتُ! قال: لَمْ تسألوني عن الشقاوة. . .
[ ١ / ٢٨ ]
وهناك فريقٌ من الناس يذهبون إلى ذمِّ الولدِ وقلَّة جَدْاوه: ومما يُروى في هذا الباب أنه قيلَ لبعض الزهَّاد: هلاَّ تزوَّجْت؟ فربما يكون لك خَلَفٌ؟ فقال: كفى بالتَّزهيد فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، وقوله ﷾: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. . وقالوا: قلة العيال أحدُ اليَسارينِ، وقال المتنبي:
وما الدَّهْرُ أَهْلٌ أن يُؤَمَّلَ عنْدَه حَيَاةٌ وأن يُشْتاقَ فيه إلى النَّسْلِ
هَلِ الوَلدُ المحْبُوبُ إلاَّ تَعِلَّةٌ وهلْ خَلْوَةُ الحَسْناءِ إلا أذَى البَعْلِ
وقد ذُقْتُ حَلْوَاَء البنينَ على الصِّبَا فلا تحْسَبَنِّي قلتُ ما قلت عن جَهْلِ
وقال المعرِّي - وهو إمام الساخطين، أو المتشائمين كما يقولون اليوم -:
أرَى وُلْدَ الفتى عِبْئًا عليه لقدْ سَعِدَ الذي أضْحى عَقيمَا
فإمَّا أَنْ يُرَبِّيَهُ عدُوًَّا وإمّا أَنْ يُخلِّفَهُ يَتيمَا
وإمَّا أنْ يُصادِفَهُ حِمَامٌ فيبقى حُزْنُه أبدًا مُقيما
وبُشِّر الحسن البصريُّ بابنٍ فقال: لا مرحبًا بمَن إن كنت غنيًا أذهَلَني، وإن كنتُ فقيرًا أتْعبني، لا أرضى كدِّي له كدًّا، ولا سَعْيي له في الحياة سعيًا، أهتمُّ بفقره بعد وفاتي، حين لا ينالني به سرور، ولا يُهمّه لي حُزْن.
وأصحر الحسن يومًا - أي ذهب إلى الصحراء - فرأى صيّادًا فقال: ما أكثرُ
[ ١ / ٢٩ ]
ما يقع في شبكتِك؟ قال: كلُّ طيرٍ زاقٍ أي يَزُقُّ أفراخه أي يطعمها بفيه فقال الحسن: هلك المُعيلون أي الذين لهم عيال كُثْر.
وقال المصطفى ﷺ لأحد ابنَيْ بنتِه: (إنّكم لتُجَبِّنون وإنكم لتُبَخّلون وإنكم لمِنْ ريحانِ الله)، وفي الحديث أيضًا: (الولدُ مَجْبنةٌ مَجْهلةٌ مَبْخلة). . . يقول ﵇: إن الولدَ يحمل أباه على الجُبن، فلا يُجاهد ولا يَشجع، لأنه يحبُّ البقاءَ لأجله، وعلى الجهلِ، بمُلاعبته إيّاه ونُزوله إلى مُستواه، وتركه العقلَ ومقتضاه، أو باشتغاله به عن طلب العلم، وعلى البُخل، لأنّه يُبقي على المال لأجلِه ويبخل به ويَشِحّ.
ومن أحسن ما قيل في الإشفاق على الأولاد: قول حِطَّانَ بنِ المُعلَّى - وهو شاعر إسلامي، وأبياته هذه في الحماسة -:
أنْزَلني الدَّهْرُ على حُكْمِهِ مِنَ شامِخٍ عالٍ إلى خَفْضِ
وغالَني الدَّهْرُ بِوَفْرِ الغِنى فليْسَ لي مالٌ سِوَى عِرْضِي
أبْكانيَ الدَّهْرُ ويا رُبَّما أضْحَكَني الدَّهْرُ بما يُرْضِي
لولا بُنَيَّاتٌ كزُغْبِ القَطَا رُدِدْنَ من بَعْضٍ إلى بعضِ
لَكانَ لي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ في الأرْضِ ذاتِ الطُّولِ والعَرضِ
وإنّما أوْلادُنا بَيْنَنا أَكْبادُنا تَمْشي على الأرْضِ
لو هَبَّتِ الرِّيحُ على بَعْضِهمْ لامْتنعت عَيْني من الغُمْضِ
أنزلني الدهر على حكمه: أنزله من العزةِ إلى الذلَّة يحكم فيه بما شاء، ومن شامخ: من جبل شاهق طويل في السماء، وإلى خفض: إلى مطمئن من الأرض، وهذا تمثيل. وغالني الدهر: أخذه غيلة من حيث لم يدر، وبوفر
[ ١ / ٣٠ ]
الغنى: يريد: في كثرة ماله، وقوله: فليس لي مال سوى عرضي يريد: لم يبقِ له الدهر شيئًا إلا أتى عليه سوى عرضه فلم ينتقصه. والعرض: قال ابن الأثير: موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن يُنتقص ويُثلب، وقال أبو العباس ثعلب: إذا ذكر عرض فلان فمعناه أموره التي يرتفع أو يسقط من جهتها بحمد أو بذم، فيجوز أن تكون أمورًا يوصف هو بها دون أسلافه ويجوز أن تذكر أسلافه لتلحقه النقيصة بعيبهم وقول الشاعر:
وأُدْرِكُ مَيسورَ الغِنَى ومعِي عِرضي
أي أفعالي الجميلة
وقوله: بما يرضي: أي أضحكني أحيانًا بما يرضيني. وقوله: كزغب القطا: واحدتها زغباء والذكر أزغب والمصدر الزغب، وهو أوّل ما يبدو من ريش الفرخ، وكذا من شعر الصبي، وقوله: رُدِدن من بعض إلى بعض: تصوير لهيئة تداخل الأفراخ وانضمام بعضهن إلى بعض أول نشأتهن، يصف بناتِه بأنهن ضعاف لا يستطعن القيام بشؤونهن. ومضطرب: أي اضطراب، أي تحرك. وأكبادنا: تمثيل لمعنى الشفقة عليهن، وقد بينها بقوله: لو هبت الريح. . . البيت. . . والغمض بضم الغين: النوم.
ويقول إسحاق بن خلف - من شعراء الدولة العباسية - في بنت أخت له
[ ١ / ٣١ ]
تسمى أميمة كان حدِبًا عليها كلِفًا بها، وهي من أبيات الحماسة:
لولا أمَيْمَةُ لم أجْزَعْ من العَدَمِ ولم أَقاسِ الدُّجى في حِنْدِسِ الظُّلَمِ
وزادَني رَغْبَةً في العَيْشِ مَعْرِفتي ذُلَّ اليتيمةِ يجفُوها ذَوُو الرَّحِمِ
أُحاذِرُ الفَقْرَ يوْمًا أنْ يُلِمَّ بها فيَهْتِكَ السِّتْرَ عن لَحْمٍ على وَضَمِ
تَهْوَى حَياتي وأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقًا والمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ على الحُرَمِ
أخْشَى فَظَاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفَاَء أَخ وَكُنْتُ أُبْقِي عَلَيْهَا مِنْ أَذَى الكَلِمِ
العدم: الفقر، وقوله: فيهتك الستر، فالهتك: جذبك السِّتر تقطعه من موضعه أو تشق منه
جزءًا فيبدو ما وراءَه، وإسناده إلى الفقر مجاز، وقوله عن لحم على وضم، فالوضم: ما وضع عليه اللحم من خشب ونحوه، وكانت العرب في باديتها إذا نُحر بعير لِلحيِّ يقتسمونه، تقلع شجرًا وتضع عليه اللحم مقطّعًا يأخذ منه كل شريك قَسْمَه ولم يَعْرِض له أحد، وكانت تضرب المثل في
[ ١ / ٣٢ ]
ضعف النساء وقلة امتناعهن على طُلابهنَّ إلا أن يُذاد عنهنَّ، بذلك اللحم ما دام مع الوضم.
وقوله: شفقًا، أي خيفة، وقد شَفق يَشفَق - بالفتح - وأشفق عليه يُشفِق: خاف، وقوله: والموت أكرم نزّالٍ على الحُرم، فالحرم، جمع حُرمة، وهي عيال الرجل ونساؤه، يريد: أن الموت أكرم ضيف ينزل عليهن، وفي هذا المعنى قولهم. . . دفنُ البنات، من المَكْرمات، وسيمر عليك كلامهم في هذا المعنى في باب النساء، وقوله: وكنت أبقي عليها: من أبقيت عليه: إذا أرعيتَ عليه ورحمته. . . وقال عِمرانُ بنُ حِطّان - وقد كان رأسَ القَعَدِ من الصُّفْريةِ طائفة من الخوارج وكان خطيبهم وشاعرَهم، وهو من التابعين -:
لقدْ زاد الحياةَ إليَّ حُبَّا بَنَاتِي أَنَّهُنَّ من الضِّعَافِ
مَخَافَةَ أنْ يَرَيْنَ البُؤْسَ بَعْدِي وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صَافِ
وأنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسيَ الجَوَارِي فَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجَافِ
ولولا ذاك قد سَوّمْتُ مُهري وفي الرحمن لِلضُّعَفَاءِ كافِ
أبانا مَنْ لنا إنْ غِبْتَ عَنَّا وصارَ الحَيُّ بعدك في اختلافِ
الرنق: الماء الكدر، وكرم: قال ابن سيده وغيره: رجل كرَمٌ: أي كريم، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث تقول: امرأة كَرمٌ ونسوة كَرمٌ لأنه وصف بالمصدر، وعجاف: جمع عجفاء على غير قياس، والعجف: الهُزال وسوّمت مهري: فالخيل المسوّمة: المرسلة وعليها ركبانها، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، من قولك سوَّمت فلانًا إذا خلّيته وسَوْمَه، أي: وما يريد، وقيل الخيل المسوّمة، هي التي عليها السمة والسومة وهي العلامة.
وقال شاعر جاهلي يمتدح ابنه لبره به، وهي من أبيات الحماسة:
رأيتُ رِبَاطًا حينَ تَمَّ شَبَابُهُ وولّى شبابي ليسَ في بِرِّه عَتْبُ
إذا كان أولادُ الرجالِ حَزَازَةً فأنتَ الحلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العذْبُ
[ ١ / ٣٣ ]
لنا جانِبٌ منه دَمِيثٌ وجانبٌ إذا رَامَهُ الأعداءُ مُمْتَنِعٌ صَعْبُ
وتأخُذُهُ عند المكارم هِزّةٌ كما اهْتَزَّ تحْتَ البارِحِ الغُصُنُ الرَّطْبُ
قوله ليسَ في بِرِّه عَتْبُ: يريد ليس في بره لَومٌ ولا سخط، وقوله: إذا كان أولاد الرجال حزازة، فالحزازة: وجع في القلب من غيظٍ ونحوه والجمع حزازات، وتروى: إذا كان أولاد الرجال مرارةً، وهي الأنسبُ بقوله فأنت الحلال الحُلو، يكنى به عن الرجل الذي لا ريبة فيه، على المَثَل بالحُلو الحلال مما يُذاق، يصف طيب أخلاقه، وقوله: دميث: أي سهل ليّن، والبارح: الريح تهب من الشمال في الصيف خاصة.
وقال عمرو بن شأس - وهو شاعر فارس شهد مع سيدنا رسول الله الحديبيةَ وكانت امرأته تُؤذي ابنَه عِرارًا - وكان من أمة سوداءَ - تعيِّره بالسواد وتشتمُه، فلما أعيَتْ أباه عمرًا أنشأ كلمة عدتها عشرون بيتًا اختار منها أبو تمام هذه الأبيات:
أرادَتْ عِرَارًا بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ عِرَارًا لَعَمْري بالهَوانِ فقد ظَلَمْ
فإنْ كنتِ منِّي أو تُريدينَ صُحْبتي فكوني له كالسَّمْنِ رُبَّ له الأدَمْ
وإنْ كُنْتِ تَهْوينَ الفِرَاقَ ظَعِينتي فكوني له كالذِّئْبِ ضاعَت له الغَنَمْ
وإلاَّ فَسِيري مِثلَ ما سار راكبٌ تجشَّمَ خِمْسًا ليس في سَيْرِهِ يَتَمْ
وإنَّ عِرارًا إن يكُنْ ذا شَكِيمَةٍ تُقاسِينَها مِنه فما أمْلِكُ الشِّيَمْ
وإنَّ عِرارًا إنْ يكنْ غيرَ واضحٍ فإني أحِبُّ الجوْنَ ذا المَنْكِبِ العَمَمْ
قوله: فإن كنت مني: نقل الكلام من الإخبار إلى الخطاب ومعنى فإن كنت مني: فإن كنت توافقينني، من قولهم فلان منّا. أي: يوافقنا. وقال المرصفي: معناه: فإن كنت مثل نفسي سيدة، وقوله أو تريدين صحبتي: أي أو تكونين مثل غيرك في المعيشة لا حظَّ
[ ١ / ٣٤ ]
لها في السيادة، وقوله: فكوني له كالسمن: أي كوني له كالسمن الذي لا يتغير، والرب: خلاصة التمر بعد طبخه وعصره، والأدم: اسم جمع للأديم وهو الجلد المدبوغ، يريد الأسقية التي يجعل فيها الرب. وكانت العرب تدهن وعاء السمن بالرب لتمنع فساده ويزيد في طيب ريحه، فقوله: رُبَّ له الأدم: أي جُعل فيه الرب لئلا يفسد، وقوله وإن كنت تهوين الخ يقول: وإن كنت تؤثرين مفارقتي مصممة على ذلك فكوني له ذئبًا أهملت له الغنم يعيث فيها، ويقال لزوج الرجل: ظعينة، وهي مقيمة، والأصل في الظعينة المرأة في هودجها وهي سائرة، وقوله: وإلا فسيري إلخ، فالخِمْسُ: فلاة بعد ماؤها حتى إن الإبل لترده في
اليوم الرابع سوى اليوم الذي شربت فيه وصدرت، واليَتم: الفتور والتقصير والإبطاء، يقول: وإلا فارقيني وسيري سير راكب تكلف ورود الماء للخمس، وقوله: وإن عرارًا. . . البيت، فالشكيمة: شدة النفس وإباؤها، والشيمة: الخليقة، وكان عرار هذا حديد القلب ذرب اللسان، يقول: لا اقدر على تغيير خلقه، فإما أن تلائميه على ما تقاسينه من حدته، وإما أن تفارقيني فإنه أحب إليّ منك، وقوله غير واضح: أي غير أبيض: مستعار من وضح الصبح وهو بياضه، والجون هنا: الأسود المشرب حمرة، والمنكب: مجتمع عظم العضد والكتف، يصفه بالقوة والشدة، والعمم: التام قالوا: كان عرار هذا أحد فصحاء العقلاء، توجه عن المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج رسولًا في بعض فتوحه، فلما مثل بين يدي الحجّاج لم يعرفه وازدراه، فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء وبلغ الغاية والمراد في كل ما سأل، فأنشد الحجاج متمثلًا:
أرادت عِرارًا بالهَوانِ ومن يُرِدْ عِراراَ لَعَمْري بالهوانِ فقدْ ظَلَمْ
[ ١ / ٣٥ ]
فقال عرار: أنا - أيد الله الأمير - عِرار، فأعجب به وبذلك الاتفاق.
صلة الرحم: وبعد فلنورد بعض ما قالوا في صلة الرحم، والرحم في الأصل: موضع تكوين الولد، ثم سميت القرابة رَحمًا، فالرحم: خلاف الأجنبي، وقال ابن الأثير: ذوو الرحم: هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب - قرابة - ويطلق في الفرائض - علم المواريث - على الأقارب من جهة النساء. ويقال: رَحِم ورَحْم ورِحْم، وهي مؤنثة، قال زهير ابن أبي سُلمى:
خُذُوا حَظَّكُمْ يا آل عِكْرِمَ واذكرُوا أواصِرَنا والرَّحْمُ بالغَيْبِ تُذْكَرُ
ومما ورد في صلة الرحم: قوله جل شأنه: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي قراءة: والأرحام بالخفض، وإذن يكون المعنى: تساءلون به وبالأرحام، وهو قولهم: نشدتك بالله وبالرحم. . .، وقال ﷺ: (الرَّحم شُجْنَةٌ من الله - وفي رواية: من الرحمن - معلقة بالعرش تقول اللهمَّ صِلْ من وصلني واقطع من قطعني). . . قال الجوهري: الشُّجنة بالضم والفتح والكسر: عروق الشجر المشتبكة، و: بيني وبينه شُجنةُ رَحم: أي قرابة مشتبكة، ومن ذا قولهم: الحديثُ ذو شجون: أي ذو شعبٍ وامتساكٍ بعضه ببعض، وعبارة أبي عبيدة في تفسير هذا الحديث: شجنة من
الله: أي قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق، شبهه بذلك مجازًا واتساعًا، وأصل الشجنة. شعبة من غصن
[ ١ / ٣٦ ]
من غصون الشجر ثم استعمل اتساعًا في الرحم المشتبكة وقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبي ﷺ، فقال: لا يجالسنا قاطع رحم، فقام شاب، فأتى خالةً له، - وكان بينه وبينها شيء - فأخبرها بقول النبي ﷺ، فاستغفرت له واستغفر لها، ثم رجع والنبي ﷺ في مجلسه فأخبره، فقال النبي: إن الرحمة لا تنزل على قاطع رحم. وفي الحديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله، فليصل رحمه) ينسأ: يؤخر ومنه الحديث. (صلة الرحم مثراة في المال منسأة في الأثر). منسأة: مفعلة من النسء أي مظِنَّة له وموضع، والأثر: الأجل، وفي الحديث: لا تستنسؤوا الشيطان أي إذا أردتم عملًا صالحًا فلا تؤخروه إلى غد ولا تستمهلوا الشيطان، يريد: أن ذلك مهلة مسوّلة من الشيطان. ولعل المراد من تبسيط الرزق ومد العمر: البركة والخير والسعادة ورفاغة العيش، وللعلماء في ذلك كلام كثير راجعه في المطولات. . .
وكان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم: مَن كان منهم يؤثر أقرباءه بالولايات والعِمالات وإسناد أمور الدولة إليهم، فإنما كان ذلك - بعد كفاية الأقرباء واستحقاقهم - للبر صِرْفًا، أي امتثالًا لأمر الله في وجوب صلة الرحم، ومن كان منهم يؤثر الأجانب ويُقصي الأقارب ويحرمهم أعمالَ الدولة. فإنما كان ذلك للبر أيضًا، إذ كان ذلك إمعانًا في التورع والتأثم وتَركًا لما يريب إلى ما لا يريب. . . وفي ذلك يقول الخليفة عثمان بن عفان ﵁: كان عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجهِ الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يُرى مثلُ عمر. . . فتأمل قوله: ولن يُرى مثل عُمر. . . أي لن يبلغ إنسان مبلغه في
[ ١ / ٣٧ ]
الحزم والسياسة الرشيدة وضبطِ النفس أن تسترسل مع ما يُشبه الهوى. . . يعني أن عمرَ أفضلُ مني، رضي الله عن الجميع. . .
ومما يروى في معنى حث الأقارب على التعاون: أن أكثمَ بنَ صيفيٍّ حكيمَ العرب دعا أولاده عند موته، فاستدعى بضِمامةٍ من السهام أي حزمة منها، لغة في الإضمامة وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها، فلم يقدر واحد على كسرها، ثم بددها وتقدم إليهم أن يكسروها، فاستسهلوا كسرها، فقال: كونوا مجتمعين، ليعجز من ناوأكم أي عاداكم عن كسركم، لعجزكم. . . وقال الشاعر في هذا المعنى:
إنَّ القِدَاحَ إذا اجتمعْنَ فرَامَها بالكْسرِ ذو حَرْدٍ وبَطْشٍ أَيِّد
عَزَّتْ فلَمْ تُكْسَرْ، وإن هِيَ بُدِّدَتْ فالوَهْنُ والتكْسِيرُ لِلمُتَبَدِّدِ
وقال آخر في هذا المعنى:
إذا ما أرادَ اللهُ ذُلَّ قبيلةٍ رَمَاها بتشتيتِ الهوى والتَّخاذلِ
وهذا كما يقال في الأقارب يقال في كل جماعة بينهم لحمة تجمعهم، من وطن وغير وطن ومما يروى: أن رجلًا من العرب قتل ابن أخيه، فدفع إلى أخيه ليقتاد منه فلما أهوى بالسيف أرعدت يداه، فألقى السيف من يده وعفا عنه، وقال: - والبيتان في الحماسة -:
[ ١ / ٣٨ ]
أقولُ لِلنفْسِ تَأسَاءً وتَعْزِيةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْني ولم تُردِ
كِلاهُما خَلَفٌ مِن فَقْدِ صاحبه هذا أخي حينَ أَدْعُوهُ وذا وَلَدِي
وفي مثل هذا المعنى يقول الحارث بن وعلة الذهلي - وهي من أبيات الحماسة -:
قَوْمِي هُمُ قتَلوا، أُمَيْمَ، أخي فإذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهمِي
فلِئنْ عَفَوْتُ لأعْفُوَنْ جَلَلًا ولئنْ سَطْوتُ لأُوهِنَنْ عَظْمي
لا تأْمَنَنْ قوْمًا ظَلَمْتَهُمُ وبَدأْتَهُمْ بالشَّتْمِ والرَّغْمِ
أَنْ يأبِرُوا نخْلًا لِغَيْرِهِمُ والشيءُ تَحْقِرُه وقدْ يَنْمي
وزَعَمتُمُ أَنْ لا حُلومَ لنا إنّ العصَا قُرِعَتْ لذِي الحِلْمِ
ووَطِئْتَنا وطْأً على حَنَقٍ وَطْأ المُقَيَّدِ نابِتَ الهَرْمِ
وترَكْتَنا لَحْمًا على وَضَمٍ لو كنتَ تَسْتَبْقي من اللّحْمِ
يقول في البيت الأول: قومي - يا أميمة - هم الذين فجعوني بأخي ووتروني فيه، فإذا حاولت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عز الرجل بعشيرته. وهذا الكلام تحزّن وتفجّع وليس بإخبار. وقوله: فلئن عفوت. . . البيت. يقول: إن تركت طلب الانتقام منهم صفحت عن أمر عظيم، وإن انتقمت منهم أوهنت عظمي: أي أضعفته، ويقال:
[ ١ / ٣٩ ]
عفوت عن الذنب: إذا صفحت عنه، والسطو: الأخذ بعنف، والجلل: من الأضداد: يكون الصغير ويكون العظيم، وهو المراد ههنا. وقوله: لا تأمنن قومًا. . البيتين، حوّل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب متوعدًا، والرغم: مصدر رغمت فلانًا: إذا فعلت به ما يرغم أنفه ويذلَّه، وقوله: أن يأبروا: في موضع نصب على البدل من قومًا في البيت الذي قبله، كأنه قال: لا
تأمن أبر قومٍ ظلمتهم نخلًا لغيرهم، يقال: أبَرْتُ النخل وأبَّرْتُه: إذا لقّحته. يقول: إذا ظلمت قومًا فلا تأمنهم أن ينتقموا منك فتشتفي أعداؤك منك. فتكون كمن أصلح أمر غيره، وقال بعضهم: المعنى: إن ظلمتمونا تحولنا عنكم، فلا يكون لكم بعدنا مقام - إقامة - فتتحولون أو يملككم العدو، فيكون ما أبرنا نحن وأنتم، لهم دوننا ودونكم، وقال أبو العلاء المعري: قد اختلف في معنى هذا البيت، فقيل: أراد أنه يفارقهم ويهبط هو وقومه أرضًا ذات نخل كان لغيرهم فيدفعونهم عنه ويأبرونه، كأنه يتهددهم بترحله عنهم، لأن ذلك يؤديهم إلى الذل، واستدلوا على هذا الوجه بقوله في القصيدة:
قوِّضْ خِيامَكَ والْتَمِسْ بلَدًا يَنْأى عن الغَاشِيكَ بالظُّلْمِ
وقيل: بل يريد أنه يحاربهم فيصلحهم لغيره فيجعلهم كالنخل التي قد أبرت، إذ كان عدوهم ينال غرضه منهم إذا أعانه عليهم، وقيل: بل عنى أنه يسبي نساءهم فتوطأ فيكون ذلك كالإبار الذي هو تلقيح النخل. قال التبريزي: وهذا الوجه أشبه بمذهب العرب مما تقدم، لأنهم يكنون عن النخلة بالمرأة. وقوله: وزعمتم أن لا حلوم لنا: فأكثر ما يستعمل الزعم فيما كان باطلًا أو فيه ارتياب، والحلوم: العقول، وقرع العصا: كناية عن التنبيه،
[ ١ / ٤٠ ]
واختلف في أول من قرعت له العصا، فقيل عمرو بن الظرب العدواني وقيل عمرو بن حممة الدوسي، وخبرهما: أن كل واحد منهما كان حكمًا للعرب يتحاكمون إليه في كل معضلة، قالوا: إن العرب أتوا عمرو بن حممة يتحاكمون إليه، فغلط في حكومته - وكان قد أسنَّ - فقالت له ابنته: إنك قد صرت تَهِمُ في حكومتك - أي تغلط - فقال: إذا رأيتِ ذلك منّي فاقرعي العصا، فكان إذا قرعت له العَصا فطن. يقول: زعمتم أنه لا عقول لنا وأننا سفهاء، فإن كان الأمر على ما زعمتم فنبهونا أنتم، وهذا تهكم من الشاعر بهم، وقوله: ووطئتنا. . البيت، فالحنق: الغيظ، والهرم: شجر، أو البقلة الحمقاء - هي التي تسمى الرجلة -، أو ضرب من الحِمْض فيه ملوحة وهو أذلّه وأشدُّه انبساطًا على الأرض واستبطاحًا. . . وفي المثل: أذل من الهرمة، يقول: وأثرت فينا تأثير الحنق الغضبان كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذا النبت الضعيف، وخص المقيد لأن وطأته أثقل، لأنه لا يتمكن من وضع قوائمه على حسب إرادته. كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. ومن قول العرب: أعوذ بالله من وطأة الدليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد لسوء ملكته، كما قال امرؤ القيس:
فإنّك لم يَفْخَرْ عليكَ كفاخرٍ ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ
وخص النابت وأراد: الحديث النبات، وهو أغض له وأرق، ويروى: يابس الهرم، وقوله وتركتنا لحمًا على وضم: فالوضم: الخشبة التي يضع الجزار اللحم عليها يوقى بها اللحم من الأرض، أو تقول: خوان الجزار، وقد تقدم يقول. تركتنا لا دفاع بنا كاللحم على الوضم يتناوله من شاء، ثم قال: لو كنت تستبقي من اللحم، أي لو كنت تترك بقية، قال التبريزي: جعل ذلك مثلًا
[ ١ / ٤١ ]
لاستفساده لهم وسماحته بهم.
والعرب تقول في العطف على القريب والحمية له وإن لم يكن وادًّا: أنفكَ منكَ وإنْ ذَنَّ وعيصك منك وإن كان أشِبًا وقال قائلهم - وهو حريث بن جابر -:
إذا ظُلِمَ المولَى فَزَعتُ لِظُلْمِه فحرَّك أحشائِي وهَرَّتْ كِلابِيا
وقيل لأعرابيٍّ: ما تقول في ابن العم؟ فقال عدوّك وعدوّ عدوّك، ولما مات عبادة بن الصامت بكى عليه أخوه أوس بن الصامت، فقيل له: أتبكي عليه وقد كان يريد قتلك؟ فقال: حركني للبكاء عليه ارتكاضنا في بطنٍ، وارتضاعنا من ثديٍ. . . ودخل رجل من أشراف العرب على بعض الملوك، فسأله عن أخيه، فأوقع به يعيبه ويشتمه، وفي المجلس رجل يشنؤه - يبغضه - فشرع معه في القول، فقال له: مهلًا! إني لآكلُ لحمي ولا أدعه لآكلٍ. . . وقال الشاعر - قيل هو زرارة بن سبيع، وقيل نضلة بن خالد، وقيل دودان بن سعد، وكلهم من بني أسد، شعراء جاهليون، والأبيات من الحماسة:
لَعَمْرِي لَرَهْطُ المرءِ خيرُ بَقيَّةٍ عليهِ وإنْ عالَوْا به كُلَّ مَرْكَبِ
مِنَ الجانبِ الأقْصى وإن كان ذا غِنىً جزيلٍ ولم يُخْبِرْكَ مِثْلُ مُجَرِّبِ
[ ١ / ٤٢ ]
إذا كُنتَ في قومٍ عِدًى لستَ مِنْهُمُ فكلْ ما عُلِفْتَ مِنْ خَبيثٍ وطَيِّبِ
عالوا به يريد: علوا به، كل مركب: صعب أو ذلول، يريد: وإن حمّلوه ما لا يستطيع، ومن الجانب الأقصى، يريد: من الحيِّ الأبعد، وقوله: ولم تك منهم، يروى:
إذا كنت في قوم عِديً لستَ منهم
وعِدًى بالكسر: غرباء، فأما قوم عدى فقد ورد فيها الضم والكسر وقوله: فكل ما علفت: فهذا مثل، يريد به: المسالمة والمداراة، ويروى للشاعر بعد هذا البيت:
فإنْ حَدَّثتك النفسُ أنّك قادِرٌ على ما حَوَتْ أَيْدِي الرجالِ فكَذِّبِ
وقديمًا أكثروا من شكوى الأقارب: من جهة أنهم بحكم تجاورهم وقرابتهم أدنى إلى الحسد والعداوة، فقالوا: الأقارب عقارب وأمتُّهم بك رَحِمًا أشدُّهم بك لَدْغا، وقال بعض حكماء العجم: ثلاث لا يستصلح فسادهم بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في الملوك. . . ولذلك شكوا من أن عداوة الأقارب أشد على النفس من عداوة الأباعد فقالوا: - والقائل طرفة بن العبد -:
وَظُلمُ ذَوِي القربى أشَدُّ مَضاضةً على المرءِ مِنْ وَقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
وقال الشريف الرّضيّ:
ولِلذُّلِّ بين الأقربينَ مَضاضةٌ والذُّلُّ ما بينَ الأباعدِ أرْوَحُ
وإذا أتَتْكَ مِن الرجالِ قَوَارِصٌ فسِهامُ ذِي القُربى القريبةِ أجْرَحُ
فمنهم من يحلم ويبقى على مقتضيات القرابة، ويتجافى عن ذنوب
[ ١ / ٤٣ ]
أقربائه على الرغم من عدائهم، فيقولون - والقائل محمد بن عبد الله الأزدي - صحابي جليل - وهذه الأبيات في الحماسة -:
ولا أدْفَعُ ابنَ العَمِّ يَمْشي على شَفًا وإن بَلَغَتْني مِن أذَاهُ الجنَادِعُ
ولكن أُواسِيهِ وأنسَى ذُنُوبَه لِتَرْجِعَهُ يومًا إليَّ الرَّواجِعُ
وحَسْبُك مِن ذُلٍّ وسوءِ صنيعةٍ مناواةُ ذي القُربى وإن قيل قاطِعُ
الشفا: حرف الشيء وحدُّه، مثل الشفير، وقد أشفى على الهلاك: أشرف والجنادع في الأصل - كما قال أبو حنيفة الدينوري -: الجنادب الصغيرة، وجنادب الضب: دواب أصغر من القردان تكون عند جُحره، فإذا بدت هي عُلِم أن الضبَّ خارجٌ فيقال حينئذ: بدت جنادِعُه، ثم قيل لأوائل الشر: بدت جنادِعُه، يقول الشاعر: لا أدفعه يمشي على حد الهلاك وإن بالغ في الإساءة، والمناواة: المعاداة، وأصله الهمز يقال: ناوأه مناوأة: أي عاداه، وقوله: وإن قيل قاطع: يريد: وإن قيل في ذي القربى إنه قاطع لرحمه فلا يحملنك ذلك على مناوأته، وقال الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب:
مَهْلًا بَنْي عمِّنا مهْلًا موَالينا لا تنْبِشُوا بَيْنَنَا ما كان مَدْفونا
لا تَطْمَعُوا أَنْ تُهِينُونا ونُكْرِمَكُمْ وَأَنْ نَكُفَّ الأذى عنكم وتُؤْذُونا
مهْلًا بني عمِّنا مِنْ نَحْتِ أَثْلَتِنا سِيرُوا رُوَيْدًا كما كُنْتُمْ تسيرونا
اللهُ يعْلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُمُ ولا نَلومُكُمُ إنْ لم تُحبّونا
كلٌّ له نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحبِه بنعمةِ اللهِ نَقْليكمْ وتَقْلونا
مهلًا: يريد: رفقًا وسكونًا لا تعجلوا، ويريد ببني عمه: بني أمية، وقد كان في صدورهم أحقاد، وقوله لا تنبشوا: يريد لا تستخرجوا ما كان بيننا
[ ١ / ٤٤ ]
من العداوة مدفونًا في الصدور، وقوله: من نحت أثلتنا، فالأثلة: واحد الأثل وهو من العضاه شجر طوال مستقيم الخشب ومنه تصنع الأقداح والجفان ونحتها: قشرها أو نشرها، يريد: مهلًا بني عمنا في إظهار المثالب والمعايب التي تلصقونها بنا، وقوله: كل له نية الخ يريد: إنا وإياكم لعلى طرفي نقيض نحن نبغضكم لاغتصابكم الملك واستيلائكم على أموال المسلمين وأنتم تبغضوننا على قرابتنا من النبي صلوات الله عليه، وقلاه يقليه قلى: أبغضه، وقد حذف نون الرفع من تقلونا ضرورة.
وقال ذو الأصبع العدواني:
لولا أواصرُ قُرْبى لَسْتَ تَحْفَظُهَا ورَهْبَةُ اللهِ في موْلىً يُعَاديني
إذَنْ بَرَيْتُكَ بَرْيًا لا انْجِبَارَ لهُ إنِّي رَأَيْتُكَ لا تَنْفَكُّ تَبْرِيني
ومنهم من اضطُرّ إلى الانتقام من أقاربه: أو ممّن تربطه بهم آصرةٌ ما ثم تأسّف، فقال قيس بن زهير في ذلك:
شَفَيْتُ النَّفْسَ من حَمَلِ بن بَدرٍ وسَيْفي مِنْ حُذَيْفَةَ قَدْ شفَانِي
قتَلتُ بإخْوَتي ساداتِ قَوْمي وقد كانوا لنا حَلْيَ الزَّمانِ
فإنْ أَكُ قَدْ برَدْتُ بهم غَليلي فلم أقطَع بِهِمْ إلاَّ بَنَانِي
وقال النّميريّ:
فإنَّكَ حِينَ تَبْلُغُهُمْ أَذاةٌ وإن ظَلَمُوا لَمُحْترِقُ الضّميرِ
[ ١ / ٤٥ ]
وقال المتنبي في ذلك:
وكيف يَتِمُّ بأسُكَ في أُناسٍ تُصِيبُهمُ فَيُؤْلِمُكَ المُصَابُ
وقال البحتريّ من قصيدةٍ له يمدح بها المتوكل على الله العباسي ويذكر صلحَ بني تغلب -:
وفِرسانِ هَيْجاءٍ تَجِيشُ صدُورُها بأحقادها حتى تضيقَ دُرُوعُها
تُقتِّلُ من وِتْرٍ أعَزَّ نُفوسِها عليها بأيْدٍ ما تكادُ تُطيعها
إذا احْترَبتْ يوْمًا ففاضَتْ دِماؤُها تَذكَّرَتِ القُرْبى ففاضتْ دموعُها
وقال سيدنا علي كرم الله وجهه - حين تصفح القتلى يوم الجمل: شفيت نفسي، وجدعت أنفي - وسيمر بك هذا الكلام بتمامه في موضع آخر من هذا الكتاب. . . ومنهم من يركب رأسه ويُخِبُّ في عداء أقاربه خبًّا ولا يُبالي - وقد قال قائلهم - أوس بنُ حَبْناء التّميمي -:
إذا المَرْءُ أولاك الهَوانَ فأَوْلِه هَوانًا وإنْ كانَتْ قريبًا أواصِرُ
ويبلغ الحمق بهذا الصنف من الناس أن يظاهر الأجنبي على القريب وقد شبه العرب هذا الصنف بذئب السوء قال الفرزدق:
وكُنتَ كذِئبِ السُّوءِ لمَّا رَأى دَمًا بصاحبِه يَومًا أحالَ على الدَّمِ
وهو معلوم أن الذئب إذا رأى بصاحبِه دمًا أقبل عليه ليأكله وإنه لبديهي أن هذا التمالؤ للأجنبي على القريب لا يثمر إلا الضررَ الموبقَ، وقد قال قائلهم في ذلك - وهو أبو يعقوب الخريمي -:
كانوا بني أمٍّ ففَرَّقَ شَمْلَهُم عَدمُ العُقولِ وخِفَّةُ الأحْلامِ
[ ١ / ٤٦ ]
وقد ورد في علاج العداء الذي يحدث بين الأقارب: وهو علاج مسكن. . . ولكنه لا علاج غيره - قول أكثم بن صيفي حكيم العرب: تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة. . وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: مُرْ ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا. . .
وقال في هذا المعنى وزاد شاعر جاهلي من بني أسد - وكان له ابن عم يترصد له مواقع السوء -:
داوِ ابْنَ عمِّ السُّوءِ بالنَّأيِ والغِنى كفَى بالغِنى والنَّأيِ عنهُ مُداوِيا
يَسُلُّ الغِنى والنَّأيُ أدْواَء صَدرِه ويُبْدي التَّداني غِلْظَةً وتَقاليا
أعانَ عليَّ الدَّهْرَ إذْ حَكَّ بَرْكهُ كفَى الدهْرُ لو وَكَّلْتَهُ بيَ كافِيا
النأي: البعد، والغنى: مصدر غني عن الشيء يغنى: استغنى عنه واطرحه فلم يلتفت إليه، ويسلُّ: ينتزع برفق، وأدواء صدره: أضغانه وأحقاده، والتداني: يريد إظهار التقارب منه، وتقاليا: تباغضا، وحك بركه: فالحك، إمرار جرم على جرْم، والبرك في الأصل: كلكل البعير، وهو صدره الذي يدكُّ به ما تحته، استعاره للدهر، وقوله. كفى الدهر إلخ: يريد:
كفى حدثان الدهر وحده في الإساءة فلا تكونُ إعانته وحادث الدهر معًا عليه.
ومن كلامهم في الإخوة: ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: حقُّ كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده. . . ويُروى أن إخوةً حضروا عند النبي ﷺ، فتكلم أصغرهم، فقال ﵇: الكُبْرَ الكُبْرَ. . . الكبر: جمع الأكبر، كأحمر وحُمر: أي ليبدأ الأكبر بالكلام، أو قدموا الأكبر، إرشادًا إلى الأدب في تقديم الأسنّ وقيل لحكيم معه أخ أكبر منه، أهذا أخوك؟ فقال بل أنا أخوه. . .
وكان بين الحسن والحسين ﵄ كلام، فقيل للحسين: ادخُلْ
[ ١ / ٤٧ ]
على أخيك فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدِّي ﷺ يقول: أيّما اثنين جرى بينهما كلام، فطلب أحدهما رضا الآخر، كان سابقَه إلى الجنة، وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر، فبلغ قوله أخاه، فأتاه عاجلًا وأرضاه. . .
ومما يتصل بالإخوة وينشعب به القول في هذا الباب: ما يُروى في الأخوين يختلفان في النجابة والتخلف والحسن والدمامة، فهذا كيِّسٌ رفيع، وهذا أحمق وضيع؛ وهذا جميل، وهذا دميم، قال الأصمعي: لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخ وهما لأبٍ وأمٍ مثل قول ابن المعتز لأخيه صخر:
أبوك أَبي وأنت أخي ولكن تفَاضَلَتِ المَناكِبُ والرُّؤُوسُ
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
تفرَّدَ بالعلياء عن أهْل بيتِه وكُلٌّ يُهَدِّيه إلى المَجْدِ والدُ
وتختلفُ الأثمارُ في شَجَراتِهَا إذا شَرِقَتْ بالماءِ والماءُ واحِدُ
وقال رجل لأخيه: لأهجونك، فقال: كيف تهجوني وأنا أخوك لأبيك وأمك؟ فقال:
غُلامٌ أَتاهُ اللُّؤْمُ مِنْ شَطْرِ نفْسِهِ ولم يَأتِه مِنْ شَطْرِ أُمٍّ ولا أبِ
وقال رجل لآخر، وكان هذا الآخر قبيحًا ومعه أخ صبيح: ما أمّك إلا شجرةُ البلوط، تحمل سنة بلوطًا وسنة عَفصًا وفي هذا المعنى يقول آخر:
[ ١ / ٤٨ ]
أمَا رَأيْتَ بَنِي بَدْرٍ وَقدْ خُلِقُوا كَأنَّهُم خُبْزُ بَقَّالٍ وَكُتَّابِ