. يوجه الجاحظ كلامه الى شخص لم يسمه ينعته بطيب الاخلاق والاقتراب من الكمال والتمام والفضل، لولا عيبان يعتبرهما القطب الذي تدور عليهما الفضائل ويستحقان العذل والتأنيب وهما افشاء السر ووضع القول في غير موضعه. ويبدو أن هذا الشخص من اصحاب الشأن والمراتب العالية، ومن اصدقاء الجاحظ الذين يهمه أمرهم ويحرص على ارشادهم وتوجيههم، أمثال محمد بن احمد بن ابي دؤاد.
ويرى الجاحظ ان الانسان مطبوع على «اذاعة السر واطلاق اللسان بفضل القول» والذي يحمله على ذلك الهوى وضعف العقل. ولذلك كان من العسير عليه مغالبة هواه وحفظ لسانه وصيانة اسراره، ولن يستطيع ذلك الا بقوة العقل. فمتى قوى عقله لجم هواه وضبطه ومنعه من ارسال الكلام على عواهنه واذاعة ما ينطوي عليه صدره ومن ثم جاءت تسمية العقل بهذا الاسم، فهو بالنسبة للهوى بمثابة الحبل بالنسبة للبعير يقيده ويمنعه من الشرود والضلال.
اما اللسان فلا لوم عليه لانه ليس سوى «اداة مستعملة لا حمد له ولا ذم عليه» والحمد والذم للعقل والحلم.
[ ١١ ]
ان اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة تحفظ الاسرار والخواطر والعلم. والقلب يضيق بما فيه ويستثقله ويستريح الى نبذه واذاعته بواسطة اللسان. وهذا هو السبب في طبع الناس على حب الاخبار والاستخبار، واهتمامهم بالتاريخ واحداثه وتدوينه. وقد سيطرت هذه الغريزة عليهم حتى عسر عليهم الكتمان وغدا من يكتم سره عرضة للسقم والكمد والكرب.
ويروي الجاحظ اخبارا مدهشة في ذلك. فان احد الفقهاء اطلع على اسرار لا يحتملها العامة ضاق صدره بها فذهب الى العراء وحفر حفرة اودعها دنا وراح يختلف على هذا الدن يحدثه بما سمع فيروح عن قلبه. وكان الاعمش، سليمان بن مهران (١٨٨ هـ-) عندما يضيق صدره بما فيه مما لا يريد ان يذيعه بين الناس، يقبل على شاته فيحدثها بالاخبار والفقه.
ويتحدث الجاحظ على مساوىء افشاء الاسرار، فيقول ان صاحب السر يبقى مالكا له حتى يذيعه أو يفلت منه الى اذن واحدة، فسرعان ما يشيع ويدفع الى اذن ثانية فثالثة. وعندئذ يصبح صاحب السر عبدا لمن ائتمنه على سره ورهينة بين يديه.
واذا اساء من اؤتمن على السر حفظ الامانة، ونشره او حرفه ارث الشحناء بين الاقرباء والاصدقاء، والصراع بين الاعداء، وقد يؤدي الى سفك الدماء وازالة النعم والتفرقة.
ويدعو الجاحظ الى سوء الظن بجميع الناس حتى الاهل والعبيد والحاشية والاولاد والعمال. فهؤلاء اكثر الناس اذاعة للاسرار. وعمال الخليفة خاصة يفشون اسراره المشينة. والنمامون مولعون باذاعة الاسرار التي تنتشر على السنتهم انتشار النور في الظلمة.
ومما يدفع الى افشاء السر التحذير من نشره. فاذا اودعنا احدهم سرا
[ ١٢ ]
واستعهدناه بعدم اظهاره اغريناه باذاعته لأن كل ممنوع مرغوب. ويفسر الجاحظ رغبة الناس فيما منعوا منه بالطبع الذي يفسر به كل شيء لأنه مبدأه الفلسفي الاساسي. انهم مطبوعون على شهوات عديدة ترغب في الارتواء والاشباع.
فاذا منعت من الحصول على ما يشبعها او يرويها تعلقت به وفتشت عنه ورغبت فيه. فاذا حصلت على مطلوبها واشبعت حاجتها قل قدره عندها وهان عليها وصدفت عنه. هذا هو حال الجائع والشبعان والمحروم من الجماع والمغموس فيه. ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى المال والعلم، لأن المال يتخذه البعض لا لقضاء الحاجة بل لقمع الحرص والحرص لا حد له. ولأن العلم لا حد له ولا نهاية وكلما ازداد المرء طلبا ازداد فيه رغبة. ويرى الجاحظ في موقف الناس من المال والعلم خروجا على العقل لأن النهم هو تجاوز القدر.
ان اكثر الامور عرضة لافشاء السر الخبر الرائع والخطب الجليل مثل اسرار الاديان وعقائدها واخبار الملوك والعظماء.
وافشاء السر يمت بصلة الى الغيبة، والغيبة رذيلة خلقية كريهة لانها «خطة جور في الحكم، وسقوط في الهمة، وسخافة في الرأي، ودناءة في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد وتعاسة قد استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعه وتوكدت لسوء العادة عندهم ولعلو الشر على الخير وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب » .
ويحض الجاحظ على العدل في الاحكام لانه لا شيء «احلى مذاقا من العدل، ولا اروح على القلوب من الانصاف، ولا امر من الظلم ولا ابشع من الجور» .
واسباب الظلم هي الشره والحرص المركب في اخلاق الناس ومن ثم
[ ١٣ ]
مست الحاجة الى الحكام الذين يردعون الظالم عن ظلمه ويأخذون للضعيف حقه.
كما ينهى الجاحظ عن الفضول، ويعني به ان «يسأل المرء عما لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضره، واكثر المجيبين يجيب ولم يسأل، ويكلف ما لا يعلم» . فهو ينظر اليه من الوجهة الاخلاقية لا القانونية.
ويختم ابو عثمان الرسالة بالدعوة الى حفظ اللسان ويستشهد باقوال كثيرة تنصح بالصمت ينسبها الى النبي وعلي بن ابي طالب والحكماء.
[ ١٤ ]